شرح الموطأ - 511 - كتاب الشَّعْر: باب السُّنَّة في الشَّعْر
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الشَّعر، باب السُّنَّة في الشَّعر.
فجر الأربعاء 17 رجب 1444هـ.
باب السُّنَّةِ فِي الشَّعْرِ
2748 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحَى.
2749 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ،وَيَقُولُ: "إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ".
2750 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ.
2751 - قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى شَعَرِ امْرَأَةِ ابْنِهِ، أَوْ شَعَرِ أُمِّ امْرَأَتِهِ بَأْسٌ.
2752 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الإِخْصَاءَ وَيَقُولُ: فِيهِ تَمَامُ الْخَلْقِ.
2753 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ، إِذَا اتَّقَى". وَأَشَارَ بِإِصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرمنا بالشريعة الغرَّاء، وبيانِها على لسان خيرِ الورى، مَن رَقى أعلى الذُرى سيِّدنا محمدٍ صلى الله وسلمَ وباركَ وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه ومَن سار بمسارِه ومُواليًا له جاريًا خيرَ مَجرى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين السادةِ الكُبراء، وعلى آلهم وصحبِهم وتابعيهم، وعلى ملائكةِ الله المقربين، وجميعِ عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر لنا الإمام مالك -عليه رحمة الله- في الموَطَّأ كتاب الشَّعر. والشَّعَرُ -بسكون العين، وبفتحها- في الللغة: النابتُ على جسد الإنسان. وللشريعة الغراء معه نظامٌ وحُكمٌ وسُنّة.
قال: "بابُ السُّنَّةِ فِي الشَّعْرِ"، يقول وقد أورد لنا حديث ابن عمر: "أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ"؛ جمع شارب، والمراد: الشَّعرُ النابتُ على الشَّفة العليا، فهذا الذي جاء الأمر بإحفائه، وفي اللغة معناه: استئصاله.
- ولكنَّ الإمام مالك -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- أخذ برواية: "قصِّ الشارب" و "جَزِّ الشارب"، وما رأى إحفاءَه وحَلقَه، وكان يرى ذلك مُثْلة.
- وقال الأئمة الثلاثة: أنَّ إحفاءَ الشارب هو السُنّة وهو الأفضل، بحيث يستأصلُ الشارب بما تيسّر له.
واختلفوا في الحلق، ومال إليه بعض الحنفية، وكان عليه عملُ الإمام الحداد عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
يقول: "أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ"، فحَمَله الإمام مالك على القَصّ الوارد أو المصرَّح به في رواياتٍ أُخَر. وعلِمنا المُرجَّح عند الأئمة الثلاثة، أنّ السُّنة في الشارب: الإحفاء.
ولما قَدمَ بعضُ المجوس على رسول الله ﷺ، وكانا اثنين، وكان لهما شواربٌ مُعفاة، وقد حلقوا لحاهم، فكرهَ النبيُّ ﷺ النظرَ إليهم، وقال: مَن أَمرَكما بهذا؟ يعني: حَلقَ اللحية وترْكَ الشارب، قالا: ربُّنا، يقصدان مَلِكَهم، فقال: لكنَّ ربي أمرني أن أُحفيَ الشارب وأن أُعفيَ اللِّحية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وقالا له: إنه قد أرسَلَنا إليك، يعني: لِنأتيه بك، فقال ﷺ: تعالا في اليوم الثاني، فجاء اليومَ الثاني فقال لهما: إنَّ ربِّي البارحةَ قتل ربَّكما، وإنه سلَّط عليه ابنه البارحة، ذاك في فارس والنبي ﷺ في المدينة، فمُلئوا رُعبًا وانصرفوا، ورجعوا إلى صنعاء، وأخبروا عاملَ كسرى في صنعاء بما قال، ولم يَصِل خبر بعد عن مقتل كسرى، فقالوا: إنّ هذا أمرٌ عظيم ولنتريّث به، إن كان كما قال فهو نبيٌّ حق، وإلا رأينا أمرَه، فجاءت الأخبار ووصَلَتْهم الرسالة من ولدِه أنه قد قتلَه، وأنَّه على المُلْك الآن، وعليهم السمعُ والطاعة، وقال لهم: لا تُكلِّما هذا الذي بعث إليه أبي، الذي يدَّعي أنه نبي! وعلى كل الأحوال فقد خذلَه الله سبحانه وتعالى.
وأَخبر ﷺ قال: "لكنَّ ربي أمَرَني أن أُحفيَ الشارب وأن أُعفيَ اللحية"، وهكذا جاء في عددٍ من الروايات عن إعفاء اللحية أو "أَعفوا اللِّحى".
- فمنهم من فسّرَ الإعفاءَ بالتوفير وبالتكثير.
- وحقيقة الإعفاء: الترك، وترك التعرُّضِ لِللحية يَستلزمُ تكثيرها.
- وبعضهم حملَ قوله "أعفوا اللحى" على الأَخْذِ منها بإصلاح ما شذَّ منها طولًا وعرضًا، وعليه عامة الأئمة، ووردَ فيه عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ومن المشهور أنَّ ابن عمر كان إذا حجَّ أو اعتمر قبَضَ على لحيتِه، فما فضَلَ.. أخَذَه. وفي لفظ: "وفِّروا اللِّحى" جمع لحيةٍ وهو: الشعرُ النابتُ على الذَقن -مُجتمع اللّحيين- ويَتعلّق به العارضان؛ الشعر النابتُ على اللَّحيين، وقد يدخل فيه الخدَّان؛ الشعر النابت على مَجرى الدمع.
قال في الحديث الثاني المتعلّق بوصل الشعر وأنه ﷺ نهى عن ذلك، قال في الحديث: "لعنَ الله الواصلةَ والمُسْتَوصِلة" التي تصلُ شعرَها بشعرٍ آخر. ويقول: "إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ." يعني: كان حرام عليهم، فلمّا فعلوه كان سببًا لهلاكهم، مع ما انضمَّ إليهم من ارتكابهم ما ارتكبوا من المناهي والعياذ بالله تعالى، وهل هلاكُ المُكلَّفين في الدنيا أو الآخرة إلا من مُخالفة منهَج ربّهم وشريعته سبحانه وتعالى!
"زَجَرَ رسولُ الله ﷺ أن تَصِلَ المرأةُ بشعرِها شيئاً"، هكذا جاء في صحيح الإمام مسلم.
وفَصَّل بعض أهل العلم بين ما إذا كان ما وُصِلَ به الشَعرُ من غير الشعر مستورًا عند عقده مع الشعر، بحيث يُظَنُّ أنه من الشعر، وبين ما إذا كان ظاهرًا.
- فجعلَ ما فيه التدليس والتلبيس هو الممنوع.
- وما كان غير ذلك فجائز.
وهكذا يقول الإمام النووي في الأحاديث الصريحة في تحريم الوصل مطلقًا، قال: وهذا هو الظاهر المختار، أي: في مذهب الإمام الشافعي.
- فإذا وصَلت المرأة شعرَها بشعر آدميٍ، فهذا حرام بلا خلافٍ في المذهب؛ سواءً كان شعرَ رجل أو امرأة، لحرمة الانتفاع بشعر الآدميّ وسائرِ أجزائه لِكرامته.
- وإن وَصَلتْه بشعر غير آدمي؛ فإن كان شعرًا نجسًا مثل شعرِ الميتة أو شعر ما لا يُؤكَلُ إذا انفصل في حياته، فهو حرام؛ لأنه حَمَل نجاسة.
وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي:
- فإن لم يكن لها زوجٌ ولا سيّدٌ فأيضًا حرامٌ عليها.
- وإن كان لها زوجٌ، أو كانت مملوكةً ولها سيدٌ يأمرها بذلك؛ فهنا عند الشافعية ثلاثة أوجه:
- وجه لا يجوز لظاهر الأحاديث.
- والثاني أنه يجوز.
-
والأصح عندهم، إنْ أمَرَها الزوج أو السيد فلها ذلك، وإلا حَرُم عليها.
- ويقول الإمام مالك وكثيرٌ من أهل العلم: أن الوصل ممنوعٌ بكلِّ شيء؛ وصَلتْه بشعرٍ أو صوفٍ أو خِرَقٍ، وأخذوا بعموم النهي الذي ورد عن الوَصْل.
- وهكذا يقول الحنابلة: لا يجوز وَصلُ شعر المرأة بشعرٍ آخر، وأمّا وصلُه بغير الشعر:
- فإن كان بقدر ما تشدُّ به رأسَها يقولون لا بأس به؛ لأن الحاجة داعية إليه ولا يمكن التحرُّز منه.
- وإن كان أكثر من ذلك فعندهم روايتان عن الإمام أحمد:
- رواية: أنه مكروهٌ وغير محرّم.
- والرواية الثانية: لا تصلُ المرأة برأسها الشعر ولا القرامل ولا الصوف ولا أي شيءٍ آخر.
وذكر لنا بعد ذلك قولَ ابن شهاب: "سَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ"؛ الناصية: الشعر الذي في مُقدِّمةِ الرأس، فالمراد بإرساله، أَرسَل ناصيَته: تَرْكُه على الجبين، واتخَاذُه كالقَصَّة، يُقال: سدَلَ الشعرَ إذا أرسلَه ولم يضُمَّه ولم يضُمَ جوانبه. "مَا شَاءَ اللَّهُ"؛ يعني: أولُّ ما قدم المدينة مدّةً من الزمن "ثُمَّ فَرَقَ"؛ ألقى شعره إلى جانِبَي رأسه؛ إلى الجانب الأيمن والجانب الأيسر،"ثُمَّ فَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ"، واستمرَّ على ذلك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهو الذي استقرَّ عليه حاله حتى توفي، فكان هذا الفَرْق هو السُنّة.
وقد جاء أن الأمر مُقَرٌّ، هذا وهذا؛ ولا حرمةَ في شيءٍ من الإرسال بالسدل، أو الفَرق، وفي الصحابة من كان يَسدل ومن كان يفرق. يقول الإمام مالك: فَرقُ الرأس للرجال أحبُّ إليّ.
وقال مالكٌ رضي الله عنه: "لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى شَعَرِ امْرَأَةِ ابْنِهِ"؛ يعني: زوجة ابنه "أَوْ شَعَرِ أُمِّ امْرَأَتِهِ"؛ يعني: من حيث أنها مَحرمٌ، ليس عليه حرجٌ ولا إثمٌ، فإن النظرَ لشعر غير المَحرم حرامٌ، ومَن كانت مَحرمًا فيجوز له نظرُ شعرها من غير شهوة.
وهكذا، جاء في سنن أبي داود: أنَّ أمَّ سلمة استأذنت النبيَّ ﷺ في الحجامة، فأمرَ أبا طيبةَ وكان أخاها من الرضاعة، أو غلامًا لم يحتلم، أمر أن يَحجمَها، فقيل: إن أبا طيبة هذا أخوها من الرَّضاعة، وقيل: أنه كان صغيرًا غلامًا لم يحتلم. ومعلومٌ أنَّ النظر إنما يكون بين النساء والرجال المَحارم، لا الأجانب.
قال تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) [النور:31]، فهؤلاء الذين يجوز أن يَنظروا إلى المرأة وزينة المرأة، أو تُبديَ لهم المرأة زينتَها، وغيرهم فذلك محرَّم، حتى حرّم الله عليها أن تتعمَّد الضربَ برجلها ليـُسمعَ صوتُ الخلخال الذي تلبسه، قال: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور:31].
فما بقيَ من معنى لإظهارِ محاسن المرأة لأي أجنبيٍ إلا إثارة السوء، والشهوات المحرمة، وإرضاء إبليس؛ لا منفعةَ فيه لفردٍ ولا لمجتمع، لا في دين ولا في دنيا، بل أضرار ذلك كثيرة، وإليه يدعو إبليس وجنده من الإنس والجن، وهو عمل الجاهلية مِن قبل الإسلام، قال الله لأمهات المؤمنين: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) [الأحزاب:33].
وهكذا يعمل دعاةُ الشر على تحسين القبيح، من أن تُظهرَ المرأة زينتها لغير زوجها ولغير محارمها، وذلك ما نهى الله عنه، وهو أعلم بِخَلقِه ومصالحهم وبمنافعهم، وبما يُفيدهم في الدنيا والآخرة، وهو ربُّهم وربُّ الدنيا والآخرة جلّ جلاله وتعالى في علاه.
يقول: "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الإِخْصَاءَ وَيَقُولُ: فِيهِ تَمَامُ الْخَلْقِ."، جاء فيها رواية: لا تُخصو ما يُنمِّي خلقَ الله. وجاء عن ابن مسعود: نهى رسولُ الله ﷺ أن يُخصى أحدٌ من بَني آدم. وإنما اختلفوا في خِصاءِ مثل الغنم، لأجل أن يطيب اللحم؛ ما يُنتفَعُ بإخصائه لطيب لحمه، فهذا أحلَّه عامةُ العلماء.
- قال سيدنا الإمام النووي: يحرُم إخصاءُ الآدمي وكلّ حيوان لا يؤكل، أما المأكول فيجوز في صغيره، ويَحرُم في كبيره، لأنَّهُ يؤلمه ويشقُّ عليه مشقّةً شديدة.
- هكذا يقول المالكية: لا بأس في خِصاء الغنم لما فيه من إصلاح لحومها، قال: ونهى مالكٌ عن إخصاء الخيل.
- ويجوز عند الإمام أبي حنيفة خِصاءُ البهائم دون الآدميّ، وإنما المحرم عنده خِصاء الآدمي.
وجاء في الحديث: أنه كان ﷺ ضحَّى بِكَبشَين مَوجُوءَين؛ يعني: قد أُخصِيا، فيكون اللحم أطيب. جاء في رواية أبي داود: "ذبحَ النبي ﷺ كبشَينِ أقرنَين أملَحين مُوجوءين"؛ معنى موجوءين: منزوعي الأنثيين، فالوجاء هو الخَصيّ.
وذكر: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ، إِذَا اتَّقَى". وَأَشَارَ بِإِصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ"؛ يعني: قريبٌ هذا من هذا. "كَافِلُ الْيَتِيمِ" القيِّمُ بأَمرِه ومصالحه تبرعاً منه، تقرباً لوجه الله تبارك وتعالى.
ما معنى اليتيم له أو لغيره؟
إذا كان مَن تكفَّل باليتيم امرأةً، وهو ابنها، مات أبوه وترك لها ابن صغير فهو يتيم، فإذا كَفلَته فلها أجرُ كفالة اليتيم؛ لأن نفقتَه وكفالته واجبةٌ على أبيه، فإذا مات أبوه فهو يتيمٌ. قال: "لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ"، وكذلك ما يكون من الأقارب؛ لأنّ اليتيم مَن مات أبوه من بني آدم، بخلاف الحيوانات فإن اليتيم منها مَن ماتت أمُّه؛ لأنَّ الذي يتكفّلُ بتربية البهيمة، وتُرضعـه وتصلحُ حاله كلّه الأم، فاليتيم من الحيوانات من ماتت أمُّه.
قالوا وفي الطير: في الطير مَن مات كلاهُما؛ فإن كلاً منهما يؤدي حقَّ التربية بالنسبة لعصفورهم، فأولاد الطيور إن وُجدت الأم وإن وُجد الأب كفوا في تربيته، فإذا فقدَ الاثنين فهو اليتيم. وأمّا في حقّ الآدمي فمَن فقد أباه؛ فمن مات أبوه وهو صغيرٌ دون البلوغ، فهو يتيم.
وحثّ ﷺ على كفالة اليتيم؛ بالقيام بأمره ومصالحه، والنفقة عليه وتعليمِه وتربيته، وقال: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ،"؛ يعني: قريبٌ مني عند دخول الجنة، فيُرفع في الدرجات العُلى "إِذَا اتَّقَى" الله، إذا اتقى ما يأمره سبحانه وتعالى، بإحسانِ تربيته، ومراعاة حقه، وعدم احتقاره، ولا الإساءة إليه.
وهكذا لما سُئِل ﷺ: "مِمّ أضرِبُ مِنه يَتيمِى؟ فقالَ: مِمّا كُنتَ ضارِبًا منه ولَدَكَ، غَيرَ واقٍ مالَكَ بمالِه"، غير واقٍ مالك بماله؛ أي لا تجعل مالَه وقايةً لِمالك، ولا تُقدِّمه فيما تَشكُّ فيه، أو فيما تُجرّبه من تجارةٍ وغيرها، بل تكون حريصًا على مال اليتيم أشدَّ من حرصك على مالك.
"وَأَشَارَ بِإِصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ" يعني: السبابة، لقُربِ هذه من هذه، وكم الفرقُ بين هذه وهذه؟.. أي أنه يَقرُبُ منه في الآخرة، ويكون منزلُه تحت الأنبياء، بسبب كفالة اليتيم، و"إنّ الله يُحبُّ البيتَ الذي فيه يتيمٌ يُكرَم، ويكرهُ بيتًا فيه يتيمٌ يُهان"؛ يؤذى.
وقد بلغ المسلمون مِن تأثير كلام نبيِّهم عليهم في بعض الأوقات وبعض الأماكن، أنْ أُكرِمَ الأيتام إكرامًا غَبَطَهم عليه غير الأيتام، حتى صار غيرُ اليتيم يتمنَّى أنه يتيمًا لينال هذه الكرامة في المجتمع؛ لِمَا يرون من احترامهم ومواساتهم، وتعظيمهم وتقديرهم.
فما أعظم الدين إذا أُقيمَ على وجهه، وإذا أُدّيَ بما بَيّنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولا شيءَ خيرٌ للآدمي ولا للكون من هذا الدين، دين الله الذي ارتضاه، وبيَّنه عبده وحبيبه ومصطفاه سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
رزقَنا الله الاستقامة، وتولّانا بما هو أهله، وأدخَلَنا في دوائر أهلِ الكرامة، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وأصلح الله شُؤوننا والأمة، وكَشَفَ الغُمّة، ووفقنا لما يُحبُّ، وجعلنا فيمن يحب، و نظَمَنا في سِلك أهلِ الصدق من خيار الخلق في عافية، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.
17 رَجب 1444