شرح الموطأ - 508 - كتاب العَيْن: باب ما جاء في أجْرِ المَرِيض، وباب التَّعَوُّذ والرُّقْيَة في المرض

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب العَيْن: باب ما جاء في أجْرِ المَرِيض، وباب التَّعَوُّذ والرُّقْيَة في المرض.

فجر الأحد 14 رجب 1444هـ.

 باب مَا جَاءَ فِي أَجْرِ الْمَرِيضِ

2733 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ، فَقَالَ: انْظُرَا مَاذَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ، فَإِنْ هُوَ، إِذَا جَاؤُوهُ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، رَفَعَا ذَلِكَ إِلَي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَيَقُولُ: لِعَبْدِي عَلَيَّ إِنْ تَوَفَّيْتُهُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ أَنَا شَفَيْتُهُ أَنْ أُبْدِلَ لَهُ لَحْماً خَيْراً مِنْ لَحْمِهِ، وَدَماً خَيْراً مِنْ دَمِهِ، وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ".

2734 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لاَ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ، حَتَّى الشَّوْكَةُ، إِلاَّ قُصَّ بِهَا، أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ". لاَ يَدْرِي يَزِيدُ أَيَّهُمَا قَالَ عُرْوَةُ.

2735 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي صَعْصَعَةَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ".

2736 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ رَجُلاً جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَجُلٌ: هَنِيئاً لَهُ مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَيْحَكَ وَمَا يُدْرِيكَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلاَهُ بِمَرَضٍ، يُكَفِّرُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ".

باب التَّعَوُّذِ وَالرُّقْيَةِ فِي الْمَرَضِ

2737 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِىَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أبِي الْعَاصِ، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ عُثْمَانُ: وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِى. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ". قَالَ: فَقُلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ.

2738 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفِثُ. قَالَتْ: فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، رَجَاءَ بَرَكَتِهَا.

2739 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَشْتَكِي، وَيَهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة والدين، وبيانه على لسان خاتم النبيين، عبده المصطفى الأمين سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى آبائه وإخوانه من النبيين والمرسلين صفوة رب العالمين، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرّبين، وعلى جميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

ويذكر لنا الإمام مالك عليه -رحمة الله تعالى- ثواب وأجر المريض إذا مُرِض؛ وذلك أن الله جعل المؤمن بمنزلةٍ شريفةٍ من كرمه وإحسانه، فلا يُصيبه مرض ولا همٌّ ولا غمٌّ ولا شوكة ولا أذىً ولا تعب إلا وآجره على ذلك وأثابه وقرَّبه -سبحانه وتعالى- ومحا آثامه، ومنحه -سبحانه وتعالى- منه أجورًا ورفع درجاته، وذلك فضل الله على عباده المؤمنين. لا إله إلا هو.

وذكر لنا حديث ما يقول المريض لعوُّاده، وذلك بما يجعل الله -تبارك وتعالى- عليه من رقابة ملائكته ينظرون ماذا يقول للعوّاد، ومن جاء يعوده ويزوره وهو مريض. أي: ما يُعبّر به عمّا يستكنُّ في ضميره وفي قلبه. 

  • فإن كان من أهل الرضا وأهل التسليم وأهل معرفة العبودية ومعرفة قدر حق الربوبية، لم يشكُ مولاه -جلّ جلاله- إلى أحد من الخلق، ولم يجزع ولم يتبرّم ولم يتضجر، وحَمِد الله وأثنى عليه -جلّ جلاله- بما هو أهله. فهذا يكون بمنزلة عند الله -تبارك وتعالى- أشار إلى مجالاتها ومجلاها في هذا الحديث.
  • وأمّا إن كان متبرّمًا جَزِعًا، ومن جاء إليه من العوّاد شكا إليه، فكأنه يشكو الله إلى خلقه، فهذا يُحرَم الأجر والمغفرة والدرجات والعياذ بالله تبارك وتعالى.

يقول: "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ، فَقَالَ: انْظُرَا مَاذَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ، فَإِنْ هُوَ إِذَا جَاؤُوهُ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ"       -سبحانه وتعالى- بما هو أهله، "رَفَعَا ذَلِكَ إِلَي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"، يقولون عبدك يقول كذا وكذا، وكل من جاءه يقول الحمد لله وأنا أحسن من الغير، والحمد لله على ستره ولطفه وعافيته... وهكذا.

يقول الله تبارك وتعالى: "لِعَبْدِي عَلَيَّ إِنْ تَوَفَّيْتُهُ" أي: من مرضه هذا "أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ أَنَا شَفَيْتُهُ أَنْ أُبْدِلَ لَهُ لَحْماً خَيْراً مِنْ لَحْمِهِ، وَدَماً خَيْراً مِنْ دَمِهِ، وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ"، فهذا ثواب الشاكرين الراضين بقضاء الله تبارك وتعالى.

ولما كان موجودًا من التربية وانتشار كلام أهل الدلالة على الله والعلم، كنّا نعهد الناس عوامّهم وخواصّهم مهما مرِضَ أي مَرَض أو حدث عليه حادث، فسُئل يبدأ بحمد الله، يقول: الحمد لله أنا أهون عن غيري، والحمد لله،  إن شاء الله، ما يجيبه ربك زين.. إلى غير ذلك من الألفاظ من أثر التربية،  فهؤلاء جديرين بأن يكونوا من هذا الصنف الذي يقول الله: "إِنْ" أنا "تَوَفَّيْتُهُ" إلى جنتي وإلى رحمتي "أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ أَنَا شَفَيْتُهُ أَنْ أُبْدِلَ لَهُ لَحْماً خَيْراً مِنْ لَحْمِهِ، وَدَماً خَيْراً مِنْ دَمِهِ"؛ يعني: لحمًا بعافية وصحةً خيرًا مما كان سقيمًا ومريضًا، ودمًا كذلك، لحمًا مُنوّرًا موفَّقًا فيه للطاعات خيًرا مما كان قبل ذلك.

وهذا معناه؛ يعني تُبدَل صفته، لا عين اللحم يتبدّل، ليس عين اللحم يتبدل، ولا عين الدم يتبدل؛ لكن صفته تتبدّل، فتصير في صحةٍ بعد مرض، وفي توفيقٍ للخير أكثر، وفي نور أضوأ وأكبر مما كان؛ فيصير لحمه منوّر بنور أكثر مما كان قبل أن يمرض، ويصير دمه كذلك، ويصير لحمه موفّق للخيرات والطاعات أكثر مما كان قبل المرض.. وهكذا؛ فهذا معنى "أُبْدِلَ لَهُ لَحْماً خَيْراً مِنْ لَحْمِهِ، وَدَماً خَيْراً مِنْ دَمِهِ". 

"وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ"، قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155-157]. ومن أخطر ما يكون أن يعترض على قضاء الله، أو يرى نفسه أنه غير أهل لأن يُبتلى وأن يُمتحَن، فيعترض على الله -جلَّ جَلَالُه-، فيصير في وزرٍ وسُوءٍ -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ويُخشى عليه أنه إن مات يموت على سوء خاتمة، وإن عاشَ أن يعيش بلا توفيق بعدها ولا خير والعياذ بالله تبارك وتعالى. 

من جملة ما يتكلم به الغافلون والجاهلون،  يقول: ما دريت أي شيء عملت  لربّي أنا ما عملت شيئا لم يعمل لي ربي هكذا؟!

لا إله إلا الله!!.. (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) [المائدة:17].

أحد معه أمر له أو ملك عليه سبحانه وتعالى؟ يهلكك ويهلك أهلك وأولادك وأهل بلادك! الحكم له وله الحق في ذلك، وهو العليّ الكبير. وخلقك كلك من فضله عليك، وأصلك عَدَم لست بشيء، ويفعل بك ما يريد!

أنت والخلايق كلهم عبيد *** والإله فينا يفعل ما يريد 

والصالح الصادق يقول: لو عاملنا بذنبي لكان أشدّ عليَّ، لكان عليّ بلاء أكبر.. لكن الحمد لله هذا من لطفه؛ فرق بين هذا وهذا، وهكذا معاملة الخلق مع خالقهم.

وذكر عن عائشة أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "لاَ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ، حَتَّى الشَّوْكَةُ، إِلاَّ قُصَّ بِهَا أَوْ" قال: " كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ، لاَ يَدْرِي يَزِيدُ أَيَّهُمَا قَالَ عُرْوَةُ". هل قال قُصَّ أو قال كُفِّرَ. 

  • والمعنى واحد: أنه يُحطّ بها من خطايا المؤمن، فمن كانت له خطايا كثيرة فيُخفَّف من تلك الخطايا، 
  • وربما وصل إذا صبر وشكر إلى استئصال جميع ذنوبه، وربما صغيرها وكبيرها.
  • ومن لم يكن له كثير خطايا كُفّر ما عنده من الخطايا، وما زاد يُجعَل رفعة في درجاته وثوابه.

وكذلك المعصومين ومن لا سيئة له يشتدّ عليهم المرض، حتى قال سيّدهم: "إني أوعك كما يوعك رجلان منكم"؛ يعني: يصيبني من الحمّى ما يُصيب الرجلين، قال له بعض أصحابه: ذاك لأن لك أجرين؟ قال: أجل. وهكذا يبتلي الله عباده الصالحين والمقرّبين و: "لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى الله ولا ذنب عليه"، يعني: يكّفر به ذنوبه وخطاياه كلها. نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهمّ آجرنا من غير ضرر، وأغننا من غير بطر، اللهم آجرنا من غير ابتلاء، وأغننا من غير امتلاء، برحمتك يا أرحم الراحمين،  من أدعية سيدنا أبي بكر العدني بن عبد الله العيدروس؛ "اللهم آجرنا من  ضرر، واغننا من غير بطر، اللهم آجرنا من غير ابتلاء، وأغننا من غير امتلاء".

وذلك أن الله كما يحبّ من عبده حمده وشكره إذا ابتلاه واختبره؛ فيحبّ من عبده أن يعلم أيضًا ضعفه وعجزه، ولا يظنّ نفسه المتحمّل القادر، فلا يُظهر القوة فيبتليه فتنتهي قوته، ولكن يُظهر الضعف والعجز، وإذا ابتُلي صبَر وشكر وحَمِدَ الله بما هو أهله. اللهم نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

وقال ﷺ: "ما سُئل الله شيء أحبّ إليه من أن يُسأل العافية"، لأن سائل العافية معترف بعجزه وضعفه وذلّته وقصوره، وأنّ الأمر بيد ربّه، وأنّه لا قدرة له على الاختبار والامتحان؛ فهذا أقرب إلى رضا الرب -جلّ جلاله وتعالى في علاه- وجدير إن امتحنه أن يمدّه بالصبر والرضا، وإن تحمّل عنه الابتلاء فقد عامله بمحض الفضل جلّ جلاله وتعالى في علاه. 

  • يقول: ما يُصيب المؤمن من وصبٍ ولا نصب إلا رفعه الله بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة.
  • "ما ضَرَب على مؤمن عرق قط إلا حط الله به عنه خطيئةً وكتب له حسنة ورفع له درجة"، وهكذا جاء في رواية الطبراني في الأوسط بسند جيد، يقول: "ما ضَرَبَ على مؤمنٍ عِرقٌ قطّ إلا حطّ الله به عنه خطيئة، وكتب له حسنة، ورفع له درجة".
  • وجاء في رواية الإمام مسلم: "إلا كتب الله له بها حسنة، وحطّ عنه بها خطيئة".

وحدثنا بعد ذلك عن أبي هريرة: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:  "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ"؛ يعني: يُنيله شيئًا من الآفات والمصائب والعاهات ليرفع له بها الدرجات، وليختبر بها صدقه في عبوديته مع مولاه جلّ جلاله وتعالى في علاه. لا إله إلا الله… قال سيدنا إبراهيم الخليل: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء:80] جلّ جلاله وتعالى في علاه.

ولمّا اشتدّ المرض وألمّ بسيدنا رسول الله ﷺ وتقلّب على فراشه سألته السيدة عائشة قال: إنّ الله يُشدِّد البلاء على الصالحين؛ يعني: أن ما ينال الأنبياء والمقربين من الابتلاء والألم أكثر ممّا يُصيب غيرهم؛ لمكانهم عند ربهم جلّ جلاله وتعالى في علاه.

وذكر: "أَنَّ رَجُلاً جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: هَنِيئاً لَهُ مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَيْحَكَ، وَمَا يُدْرِيكَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلاَهُ بِمَرَضٍ، يُكَفِّرُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ""؛ من قال لك أن هذا أفضل؟! حتى أنّه جاء أنه ﷺ مرة ذُكِرت له امرأة أراد أن يتزوجها، فقيل له إنها لم تمرض قط! فقال: لا خير فيها، وتركها. وقيل أن عدوّ الله فرعون مكث أربعين سنة لم يضرب له عرق، ولا زكام ولا حمّى ولا صداع، حتى رجع يقول: أنا ربكم الأعلى! يبطّر ويتكبر.. لو ابتلاه الله بأدنى شيء لعَرَف ضعفه وعجزه. لا إله إلا الله!..

ولما قالوا للسيدة عائشة لا نستغرب ما تفقهين في أمر الشريعة والدين فإنك جالستِ رسول الله ﷺ ولكن من أين لك الطب؟ تتحدثين عن الطب وعلاج كل مرض تصفينه؟! قالت: قد كان رسول الله ﷺ تناله الأسقام والأمراض، فكانت تُوصف له الأدوية، وكانت تخبره بعض الأشجار والأعشاب بما فيها؛ ما جعل الله فيها من الفوائد، ويأتي له البادية والعرب بما عندهم؛ فـتـفـقَّهت في الطب على يده ﷺ. وهو طبّ القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ﷺ. 

 

باب التَّعَوُّذِ وَالرُّقْيَةِ فِي الْمَرَضِ

 

ويقول في "باب التَّعَوُّذِ وَالرُّقْيَةِ"، "أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أبِي الْعَاصِ، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ عُثْمَانُ: وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِى"، جاء في رواية: أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ، قَالَ: فَقُلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ". وقد جاء فيه روايات، منها: "ضع يدك على ما تألّم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"، فهذه من الرُّقى النبوية لأنواع الآلام والأمراض، وفيها: وضع اليد على مكان الألم.

وجاء في رواية"من شر ما أجد وأحاذر من وجعي هذا"، وجاء في رواية أن المسح أيضًا سبع كما أشارت إليه هذه الرواية، في كل مرة يمسح ويقرأ هذا، فيكون سبع مسحات بسبع مرات من قول: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر.

قال: "فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا" يعني: هذه الكلمات كما أمرني رسول الله ﷺ "أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ"؛ لأنها من الأدوية الإلهية والرقى النبوية.

"عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ"؛ أي: الإخلاص والمعوذتين. وفي الكتاب العزيز أنواع من التعويذات مثل قوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ*وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) [المؤمنون:97-98]، (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل:98]، بل جاء في الحديث أيضًا أنه ﷺ كان كل ليلة إذا أوى إلى فراشه جمعَ كفّيه ثم نفث فيهما وقرأ قل هو الله أحد، قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما وجهه ورأسه وما استطاع من جسده، وفي ذلك سنّ المسح والنفث كذلك.

قالت: "يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفِثُ"؛ أي: يُخرِج الهواء من فمه، وقد يصحبه شيء من الريق فيمسح جسده ﷺ. "قَالَتْ: فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ"؛ يعني: في مرض موته ﷺ "كُنْتُ أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ" المعوذات "وَأَمْسَحُ" بيد نفسه "عَلَيْهِ" أمسح "بِيَمِينِهِ"، قالت: "رَجَاءَ بَرَكَتِهَا" فهؤلاء الصحابة كانوا متبرِّكين، يقولون بالبركة ويعتقدونها.. فكأنهم صوفية! -عليهم الرضوان- هم هكذا تربّوا على يد رسول الله أصفى الأصفياء، "رَجَاءَ بَرَكَتِهَا" أي: يده الشريفة.

وفي صحيح مسلم قالت: "فلمّا مَرِض مرضه الذي مات فيه، جعلت أنفث عليه وأمسح بيده نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي". وهكذا جاء في رواية الطبراني، وجاء في رواية عند الطبراني تقول: أنه لما كان في مرض موته أفاقَ في بعض غشياته وهو ﷺ مقبلٌ على ربه، وجدها تمسح صدره وتدعو بالشفاء، قال: لا! ولكن أسأل الله الرفيق الأعلى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ولمّا رأته رفع يده وقال: "بل الرفيق الأعلى"، تذكرت قوله سابقًا: أنّه ما قبض الله روح نبيٍّ إلا وخيَّره بين أن يبقى بالدنيا وبين أن يأخذه إليه، قالت: فلمّا سمعته يقول الرفيق الأعلى عَلِمتُ أنّ الله خيّره وقلتُ والله إذًا لا يختارنا أبدًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وأما حديث سيدنا أبو بكر الصدّيق أنه  "دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَشْتَكِي، وَيَهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ."، قالوا الأئمة: 

  • ما كان من الكلام غير مفهومٍ معناه؛ فلا يجوز الرقية به من مسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا غيرهم.
  • وما كان من أسماء الله الظاهرة أو شيءٍ من الكلمات المفهومة المُقَرَّة في الشريعة..فـتُقرّ، ولكن لا ينبغي أن يسترقي المسلم عند أحد من الكفار.

وفي معنى كلام سيدنا أبو بكر قال: "ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ" يعني: أنا أرقيها بكتاب الله، اتركي رقيتك هذه، وما عندك، وإن كنتِ ترقين بأسماء الله تعالى أو بأمرٍ واضح، ولكن أنا ارقيها بكتاب الله جلّ جلاله وتعالى في علاه.

وقال: وقد كانت كثيرة الاسترقاء، وترى البثرة الصغيرة في يدها فتلحّ عليها بالتعويذ، يقال لها: إنها صغيرة، تقول: إن الله -عزّ وجل- يُعظّم ما يشاء من صغير، ويصغّر ما يشاء من عظيم جلّ جلاله وتعالى في علاه.

نسأل الله أن يعافينا من جميع العلل والأمراض، وأن يشفينا شفاءً لا يُغادر سقمًا ولا ألما، ويرفعنا مراتب أهل القرب منه والدنوّ إليه والفهم عنه في عافية، بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

14 رَجب 1444

تاريخ النشر الميلادي

05 فبراير 2023

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام