شرح الموطأ - 507- تتمة كتاب صفة النبي ﷺ، وكتاب العَيْن: باب الوضوء من العَيْن، وباب الرُّقْيَة من العَيْن

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، تتمة كتاب صفة النبي ﷺ: باب مَا جَاءَ فِي نَزْعِ الْمَعَالِيقِ وَالْجَرَسِ مِنَ الْعُنُقِ، وكتاب العَيْن: باب الوضوء من العَيْن، وباب الرُّقْيَة من العَيْن.

فجر السبت 13 رجب 1444هـ.

كتاب صفة النبي ﷺ: باب مَا جَاءَ فِي نَزْعِ الْمَعَالِيقِ وَالْجَرَسِ مِنَ الْعُنُقِ

2728 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الأَنْصَارِىَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ. قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولاً. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَقِيلِهِمْ: "لاَ تَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلاَدَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلاَدَةٌ إِلاَّ قُطِعَتْ".

قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: أَرَى ذَلِكَ مِنَ الْعَيْنِ.

كتاب العَيْن: باب الْوُضُوءِ مِنَ الْعَيْنِ

2729 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: اغْتَسَلَ أبِي سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالْخَرَّارِ، فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ. قَالَ: وَكَانَ سَهْلٌ رَجُلاً أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلاَ جِلْدَ عَذْرَاءَ. قَالَ: فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ فَأُخْبِرَ: أَنَّ سَهْلاً وُعِكَ، وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ يَا رَسُولَ الله، فَأَتَاهُ رَسُولُ الله ﷺ، فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "عَلاَمَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ أَلا بَرَّكْتَ، إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، تَوَضَّأْ لَهُ". فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.

2730 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ، وَلاَ جِلْدَ مُخْبَأَةٍ. فَلُبِطَ سَهْلٌ فَأُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَالله مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. فَقَالَ: "هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَداً؟" قَالُوا : نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ عَامِراً، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: "عَلاَمَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ أَلا بَرَّكْتَ، اغْتَسِلْ لَهُ". فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.

 باب الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ

2731 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ، أَنَّهُ قَالَ: دُخِلَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ بِابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِحَاضِنَتِهِمَا: "مَا لِي أَرَاهُمَا ضَارِعَيْنِ". فَقَالَتْ حَاضِنَتُهُمَا: يَا رَسُولَ الله إِنَّهُ تَسْرَعُ إِلَيْهِمَا الْعَيْنُ، وَلَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نَسْتَرْقِيَ لَهُمَا، إِلاَّ أَنَّا لاَ نَدْرِي مَا يُوَافِقُكَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "اسْتَرْقُوا لَهُمَا، فَإِنَّهُ لَوْ سَبَقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ، لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ".

2732 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي الْبَيْتِ صَبِيٌّ يَبْكِي، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ بِهِ الْعَيْنَ. قَالَ عُرْوَةُ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "أَلاَ تَسْتَرْقُونَ لَهُ مِنَ الْعَيْنِ".

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة والبيان على لسان عبده المصطفى من أُنزل عليه القرآن، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه في كل وقتٍ وآن، وعلى آله وأهل بيته المُطهرين عن الأدران، وأصحابه الأكرمين الغرّ الأعيان، وعلى من والاهم في الله واتبعهم بإحسان، وعلينا معهم وفيهم وعلى جميع أنبياء الله ورسله وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلى والدينا وذوينا ومن والانا في الله، وعلى جميع المؤمنين والمؤمنات، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعدُ،

فيذكر الإمام مالك -عليه رضوان الله تعالى- في هذه الأبواب حكم الرقية المشروعة، وخصوصًا من العين، وما يُرَدُّ من فعل الجاهلية وما قارب ذلك، ومن كل ما هو مُعمّى ليس فيه وضوحٌ من دعاءٍ أو ذكرٍ مخصوص، يكون وسيلةً لدفع شر، أو لجلب خير بإذن الله تبارك وتعالى.

ويتكلم على ما كان يعتاده الجاهلية من المعاليق. 

  • المعاليق؛ أي: ما يُعلّق في أعناق الدواب والإبل، وفي أعناق الصبيان كذلك. 
  • والجرس أيضًا: الآلة التي تعلق بعنق الدابة، جرس من العين، أي: يعدّون أن في ذلك دفعًا للعين.

 ولقرب عهدهم بالجاهلية ربما سرى إلى ذهن أحدهم أن لهذه الأشياء تأثيرٌ بذاتها، والتأثير ممنوع بالذات على كل شيء سوى الله، -سبحانه وتعالى- وإنما تكون أسبابًا، وجعل الله الأسباب والمسببات بترتيبه -سبحانه وتعالى- ولكن الفعّال هو لا السبب، وقد يوجد السبب ولا يوجد المُسبَّب، وقد يوجد مُسبّب من غير سبب ظاهر، فالأمر لله، والحكم حكم الله جلّ جلاله وتعالى في علاه.

فما كان يعتاده أهل الجاهلية من تعليق شيء في رقاب الحيوان أو على الصبيان، يظنّون أنه يدفع عنهم العين، فنهاهم ﷺ عن ذلك، وعلّمهم الرقية للعين، وعلّمهم أن يغتسل العائن، وأن يغسل أطرافه وما تحت إزاره، ثم يصب على المعيون، فإن في ذلك له شفاءٌ وردٌّ لشر تلك العين، بإذن الله تبارك وتعالى.

هكذا جاء مجموع الإرشاد النبوي، فبدأ بذكر كلامه ﷺ عن الذين يُعلقون ما يظنون أنه يدفع العين.

وقال أبو بشير الأنصاري: "أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ. قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولاً"؛ يعني: قاصدًا للناس، أرسله، وفي رواية: أنه مولاه سيدنا زيدٌ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- زيد بن حارثة.

"قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: حَسِبْتُ"؛ أي: ظننتُ "أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَقِيلِهِمْ"؛ المَقيل: القيلولة يعني الاستراحة نصف النهار، جاء في رواية: والناس في مبيتهم. "لاَ تَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلاَدَةٌ مِنْ وَتَرٍ"، وتر القوس، يقول: "أَوْ قِلاَدَةٌ إِلاَّ قُطِعَتْ". فقد كانوا يقلّدون الإبل أوتار القسِيّ، لئلا تصيبها العين بزعمهم. 

قال مالك: "أَرَى ذَلِكَ مِن أجل الْعَيْنِ". ونهى عن ذلك، وليكون أبعدَ عن أن تُخنق الدابة بها عند شدة الركب. وجاء في بعض الروايات من كلام بعض الرواة عند أبي عبيد وغيره يقول: أنه نهى عن ذلك، لأن الدواب تتأذى بذلك ويضيق عليها نفسها ورعيها، وربما تعلقت هذه القلادة بشجرة فاختنقت، ثم لا يخفى أيضًا من كراهته ﷺ للأجراس التي كانت عدّة  للنصارى في كنائسهم يعلّمون بها أوقات صلواتهم وما إلى ذلك. وجاء في رواية أبي داود والنسائي "اربطوا الخيل… وقلّدوها ولا تقلّدوها الأوتار"

"قال مالك: أَرَى ذَلِكَ مِن" أجل "الْعَيْنِ."، وكان يقلّدون بالأوتار، لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمر بقطعها، إعلامًا أن الأوتار لا تردّ من أمر الله شيئًا. وتبيّن من ذلك وما ورد أيضًا في الرقية والتميمة وما إلى ذلك: 

  • أن ما كان من أمر الجاهلية فمردود 
  • وما كان من كلام لا يُفهَمُ معناه فكذلك مردود
  • وما كان من تلاوة آيات أو أسماءٍ لله أو دعاء، فذلك مشروعٌ في الشرع المصون، كما عُرف من عمله ﷺ، وعمل كثير من أصحابه والتابعين رضي الله تعالى عنهم.

وفي الحديث: "الجرس مزمار الشيطان" فأحب أن لا تقلد الأجراس في الدواب، فيكون التشبه بأجراس النصارى في كنائسهم.

 

باب الْوُضُوءِ مِنَ الْعَيْنِ

 

ثم ذكر العين؛ وهو: ما يجعل الله من الأثر في منظور ينظر من الناس من قبل ناظرٍ يستكثر عليه نعمةً من نعم الله ويستكبرها، أو يحسده عليها، فتحدث لذلك آثارٌ كثيرة في صحة ذلك الإنسان، حتى جاءنا في الحديث عنه ﷺ: "العين حق، تورد الرجل القبر، والجمل القِدْر"؛ يعني: قد يصاب الجمل بالعين فيُخاف هلاكُه فينحر، فيَرِدُ القِدْرَ، وقد تصيب الإنسان فيموت، فيَرِدُ القبر.

فيقول: "كتاب العين: باب الْوُضُوءِ مِنَ الْعَيْنِ"؛ أي: توضأ الذي أصابَ بماءِ يُصَبُّ على المُصاب الذي أصابته العين، وفي ذلك ورد: "إذا استُغسِلتُم فاغسِلوا".

يقول: "اغْتَسَلَ أبِي سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ" صحابي، سهل بن حنيف من أهل بدر، وقد استخلفه سيدنا علي على المدينة، ثم ولاه فارس، مات في الكوفة سنة 83هـ. سهل بن حنيف اغتسل بالخرّار، موضع ومكان قرب الجحفة، فنزع جبّةً كانت عليه؛ ثوبان من قطن أو ثوبان بينهم وقطن، فنزع الثياب لأجل يغتسل، فنزع القميص وبقي في الإزار يستره، وعامر بن ربيعة العنزي -وهو أيضًا صحابي بدري- ينظر إلى سهل لما نزع ثيابه وكأنه استكبر بياض جلده وحسن جلده، "وقال: وَكَانَ سَهْلٌ رَجُلاً أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلاَ جِلْدَ عَذْرَاءَ."؛ يعني: ما رأيت اليوم جميلاً، ولا جلد حَسَن وما شهدت ذلك ولا يكون حتى في العذراء.

"قَالَ: فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ" حمّى، نازلته الحمى، وسقط في مكانه مباشرة، "وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ،" يعني: قوي عليه "فَأُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ فَأُخْبِرَ: أَنَّ سَهْلاً وُعِكَ، وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ" ما يقدر يمشي معه ما يمكن أن يواصل السير معه في السفر، "فَأَتَاهُ رَسُولُ الله ﷺ، فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: عَلاَمَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ: أَلاَّ بَرَّكْتَ؟"؛ يعني: قلت بارك الله فيك، أو ما شاء الله لا قوة إلا بالله حتى لا تؤثر العين، فإنه يُسنّ لمن رأى شيء يعجبه في نفسه أو ولده أو في غيره أن يقول: ما شاء الله لاقوة إلا بالله.

قال تعالى عن الصاحب يحاور صاحبه: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) [الكهف:39]، فهذه الكلمة تمنع العين وتردّ شرّها، ما شاء الله لا قوة إلا بالله، هلّا بَرَّكْتَ وقُلتَ: بارك الله فيك، بدل ما تقول ما رأيته مثل اليوم ولا جلد عذراء! ما تتكلم كلام حسن آخر وتبرّك؟ "إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، تَوَضَّأْ لَهُ"، قم توضأ لأخيك، فتوضأ له عامر، وغسل له أطرافه، وداخلةَ إزاره، جاءوا فصبّوا عليه، فقام سهل "فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ"، مشى معه في السفر "لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ"، وما كأن به شيء، وهذا من أدوية العين.

كما جاء في الرواية الأخرى عندنا يقول: "رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ، وَلاَ جِلْدَ مُخْبَأَةٍ"؛ يعني: الجارية التي في خدرها "فَلُبِطَ سَهْلٌ" في مكانه يعني صرع وسقط في محله لما تكلم بهذه الكلمة، وعك أي أصابته الحمى فوقع صريعًا، "فَأُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَالله مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ"؛ أي: من شدة الوعك ما يقدر يرفع رأسه، ساقط على الأرض، "فَقَالَ: هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَداً؟" تتهمون أحد، تظنون أحد نظر إليه وعاينه؟ "هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَداً؟ قَالُوا: نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ." لأنه رآه لما نزع ثيابه يغتسل، وجاء بكلمة.. "قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ عَامِراً، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: "عَلاَمَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ أَلا بَرَّكْتَ، اغْتَسِلْ لَهُ". فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ"، وجُمع هذا الماء الذي اغتسل به "ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ، فَرَاحَ سَهْلٌ" يعني مشى "مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ."، انتهى كل شيء، فهذا من الأدوية لنقض العين.

كما أنه ﷺ كان يعوّذ الحسن والحسين، يقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطانٍ وهامّة، ومن كل عينٍ لامّة"، إلى عدد من التعويذات الواردة عنه ﷺ من العين ومن أنواع الشر والمرض.

وعلَّمنا أن قول: 

  • ما شاء الله لا قوة الا بالله تدفع شر العين.
  • والصلاة على النبي ﷺ تدفع شر العين.

فمن أعجبه شيء في نفسه، أو أهله، أو ولده، أو أحد من الناس فيقول: ما شاء الله لا قوة الا بالله، وليصلِّ على النبي محمد ﷺ.

  • كذلك قراءة المعوذتين لها أثر في دفع العين.
  • وقراءة آية: (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ) [القلم:51-52].
  • وكذلك آيتي: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ* ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) [الملك:3-4].

فكلها تُقرَأ على المعيون فيعافيه الله تبارك وتعالى.

 

باب الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ

 

وقال في الرقية من العين، وجاء في صحيح مسلم عن أنس قال: "رخّص رسول الله ﷺ في الرقية من العين والحمة والنملة"؛ المراد بالنملة: قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد.

و"كان ﷺ إذا أوى إلى فراشه ينفث بالمعوذات"؛ أي: يقرأ قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، يجمع كفّيه ويقرأهما وينفث، وفي رواية: النفث قبل القراءة، وفي رواية: النفث بعد القراءة، ثم يمسح بهما وجهه ورأسه وما استطاع من جسده. ففي ذلك أيضًا تعويذ. 

وفي الحديث يقول: "من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاثًا لم يضره شيء حتى يتحوّل". ولدغَت عقرب رجل من أسلم، فقال للنبي ﷺ قال له: لدغتني عقرب البارحة فلم أنم، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة، فقال له النبي ﷺ: لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرّك، وما استطاع العقرب أن يلسعك. فهذا من الأذكار التي تقرأ في الصباح والمساء. 

وكان يقول لمن عندهم رقى من أيام الجاهلية: "اعرضوا عليّ رقاكم"، فإذا وجدها ليس فيها استغاثة بشياطين، ولا بأصنام، ولا سؤال غير الله تعالى، أقرّها ﷺ.

يقول: "دُخِلَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ بِابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طَالِبٍ"؛ سيدنا محمد بن جعفر وعبد الله بن جعفر، سيدنا جعفر الذي قتل في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة. "فَقَالَ لِحَاضِنَتِهِمَا"؛ المرأة التي تقوم بمصالِحهما، "مَا لِي أَرَاهُمَا ضَارِعَيْنِ"؛ يعني: نحيفَي الجسم، "فَقَالَتْ حَاضِنَتُهُمَا: يَا رَسُولَ الله إِنَّهُ تَسْرَعُ إِلَيْهِمَا الْعَيْنُ، وَلَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نَسْتَرْقِيَ لَهُمَا"؛ أي: نطلب الرقية "إِلاَّ أَنَّا لاَ نَدْرِي مَا يُوَافِقُكَ" ما الذي يجوز عندك وما الذي لا يجوز "مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "اسْتَرْقُوا لَهُمَا"، وفي رواية: "أفَنُرْقِيهِم؟ قال: وبماذا؟ فعُرضت عليه، فقال: ارقيهم. "فَإِنَّهُ لَوْ سَبَقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ، لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ"؛ يعني: قوة تأثيرها، أنها تؤثر كما قال في الرواية: "تُورد الرجلَ القبرَ، والجملَ القِدْر"، فأمرها أن تسترقي لسيدنا محمد وعبد الله ابني جعفر بن أبي طالب.

وذكر عن عروة بن الزبير: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي الْبَيْتِ صَبِيٌّ يَبْكِي، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ بِهِ الْعَيْنَ. قَالَ عُرْوَةُ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "أَلاَ تَسْتَرْقُونَ لَهُ مِنَ الْعَيْنِ". فأمر بالرقية. إذًا؛ 

  • فما كان من رقية ذكرٍ، ودعاء، وقراءة قرآن، وشيء من أسماء الله الحسنى، فهو المُقَرّ في الشرع والمطلوب. 
  • وما خرج عن ذلك، وخالف الشرع، فهو مردود. 

وينبغي أن يتذاكر الناس بينهم البين من أعجبه شيء، أو رأى أحدًا أعجبه شيء ينبهه ليقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وليصلِّ على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

رزقنا الله السلامة والعافية من جميع الأمراض والأسقام والآلام الظاهرة والباطنة، وأعاذنا من عين كل عائن، وسحر كل ساحر، ومكر كل ماكر، وأذى كل مؤذي، وشر كل شر من الإنس والجن والخلائق أجمعين، وأصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصالحين، رقَّانا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين في عافية وتمكين، وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

 

تاريخ النشر الهجري

13 رَجب 1444

تاريخ النشر الميلادي

04 فبراير 2023

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام