شرح الموطأ - 506- كتاب صفة النبي ﷺ: باب ما جاء في أكل اللحم ، وباب ما جاء في لُبْسِ الخَاتَم
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب صفة النبي ﷺ، باب ما جاء في أكل اللحم ، وباب ما جاء في لُبْسِ الخَاتَم.
فجر الأربعاء 10 رجب 1444هـ.
باب مَا جَاءَ فِي أَكْلِ اللَّحْمِ
2724- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ، فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ.
2725- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَدْرَكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ حِمَالُ لَحْمٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرِمْنَا إِلَى اللَّحْمِ، فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ لَحْماً. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ أَوِ ابْنِ عَمِّهِ، أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ هَذِهِ الآيَةُ (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا) [الأحقاف:20].
باب مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ
2726- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَبَذَهُ وَقَالَ: "لاَ أَلْبَسُهُ أَبَداً". قَالَ: فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ.
2727- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ فَقَالَ: الْبَسْهُ، وَأَخْبِرِ النَّاسَ إنِّي أَفْتَيْتُكَ بِذَلِكَ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرمِنا بالشريعة الغرَّاء وبيانها على لسان خير الورى مَن أرسله الله -سبحانه وتعالى- بصلاح الدُّنيا والأُخرى، اللَّهم صلّ وسلَّم وبارك وكرِّم على عبدك المُصطفى سيِّدنا مُحمَّد وعلى آله وأصحابه مَن رَفعت لهم قدرًا، وعلى مَن والاهم فيك واتّبعهم بإحسانٍ سرًّا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين المُرتقين في الخير والفضل أعلى الذُّرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكتك المُقرّبين وجميع عبادك الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الرَّاحمين.
ويواصل سيِّدنا الإمام مالك ذكر الأحاديث المُتعلِّقة بالطعام والشراب وباللباس والزينة، فيقول: "باب مَا جَاءَ فِي أَكْلِ اللَّحْمِ"، وأورد أثر سيِّدنا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رضي الله تبارك وتعالى عنه- الذي يوحي إلى أن يختار المؤمنون لأنفسهم مسلكًا وسطًا حسنًا في هذه الدُّنيا:
- لا تتغلّب عليهم الشهوات ولا يُبالغون في تتبعها
- ولا تقطعهم عن إسداء المعروف والفِكر في حاجة الغير
- ولا تمنعهم حضورًا مع الحقّ -تبارك وتعالى- في شيءٍ من الطاعات والعبادات
فيتوسّطون في الأمر ويمضون على ما تيسّر لهم بلا تكلُّفات ولا غلبة طبعٍ في شهوةٍ من الشهوات، بل ما تيسّر لهم أكلوه وحمدوا الله عليه وفرحوا به قلّ أو كَثُر، كان من الفاخر أو من الرديء، يقبلون الجميع بحسب ما يتيسّر، وما يسّر الله -تبارك وتعالى- لهم أخذوه بلا تكلُّف ولا مبالغة، ولا تحريم لما أحلّ الله تعالى ولا استرسال وراء ما أحلّ حتى يُوقع فيما حرّم أو يُخلّ بوصف الأدب والحال مع الله -تبارك وتعالى- فهذا هو المقصود.
وقد جاء عنه ﷺ أن: "سيّد الإدام في الدُّنيا والآخرة اللحم". وفي لفظٍ: "خير الإدام اللحم". وكذلك ما جاء عنه ﷺ وأصحابه يجوعون إذا لم يجدوا، فإذا وجدوا أكلوا، وقد يختار ﷺ الجوع في شيءٍ من الأيام والليالي.
- وكان يأكل اللحمَ ويحبّه
- ويأكل الدجاج
- ويحبّ الحلوى
- ويُستعذَب له الماء البارد
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وكان سفيان الثوري إذا سافر حُمل معه سفرة فيها اللحم المشوي والفالوذج وغير ذلك. وجاء أن أحبّ الطعام إلى رسول الله ﷺ اللحم، وهو يزيد في السمع وهو سيِّد الطعام في الدُّنيا والآخرة. ومع ذلك جاء فيمَن يداوم عليه أنه يقسو قلبه، وأن الله يبغض أهل البيت اللحامين الذين يواظبون على تناول اللحم أو لا يرون إدامًا غيره، ويجعلونه معهم في كل يوم أو في كل وقعةٍ يتناولونها. فإذًا عَلمْنا المقصود بذلك التوسّط؛ وأن تتحرّر رغباتنا ووجهاتنا عن أن تنقطع بشيءٍ من القواطع كائنًا ما كان.
وقد تمر عليه ﷺ الشهران لا يوقد في شيءٍ من أبياته نار وإنما كان طعامهم التمر والماء، وقد يأتي لهم بعض الأصحاب بلبنٍ فيذوقه ﷺ في خلال شهرين، هذا حصل من حاله عليه الصَّلاة والسَّلام. وحصل مع ذلك أنه يقول أبو عُبيدة لمّا طبخت للنبي ﷺ قدرًا، وكان يعجبه الذراع فناولته الذراع، ثم قال: "ناولني الذراع"، فناولته الذراع الثاني، ثم قال: "ناولني الذراع"، فقلت: يا رسول الله، كم للشاة من ذراع؟! الشاة فيه ذراعين فقط، فقال: "والذي نفسي بيده لو سكت لناولتني الذراع، ما دعوت"! وفي لفظٍ: "لناولتني ذراعًا بعد ذراعٍ ما سكتَّ"، لكنك استعجلت وتكلّمت، خلاص ما في الشاة إلا ذراعين! ولو أنه بادر إلى امتثال أمره لوجد ذراعًا ثالثًا ورابعًا، فيكون ﷺ ذاك اليوم وله من الأكل مُدة لو أكلها، فأمره أن يناوله الذراع، وقال له: "لو أنك سكتَّ لناولتني ذراعًا بعد ذراع ما دعوت"، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وتقدّم معنا ما قال لسيِّدنا أبي هريرة: اشرب، قال: قد رويت، قال: اشرب. شرب ثاني مرة قال: رويت، قال: اشرب، حتى قال: يا رسول الله لا أجد له مساغًا، كأن الري يخرج من بين أظفاري، فتبسم ﷺ فمعناه:
- أن الشِّبع الذي لا يكون ملازمًا لصاحبه، ولا دائمًا ليس بمذموم.
- ولكن الشبع الدائم والاستمرار على الشِّبع فهو الذي يُذَم.
وأمّا الذي يجوع طويلًا ثم يصادف أن يشبع أحيانًا فلا إشكال في ذلك، مع أن الأصحّ للبدن أن لا يأكل حتى يجوع وإذا أكل لم يشبع، وذلك أقوى لصحة الإنسان ومصلحة أعضائه وبدنه.
وذكر أثر سيِّدنا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أنه قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ"؛ أي: الإكثار منه والمواظبة عليه، المداومة عليه، جعله ضروريًا مهمًّا. قال: "فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً"؛ يعني: عادة تحكم وترسخ في الإنسان فما يقدر على تركه بعد ذلك "كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ". فإن عادتهم يلازمونها ويصعب على أحدهم أن يتركها. قال: فكذلك للّحم واعتياده مثل هذه الضراوة.
وثمّ أورد الأثر الثاني: عن سيِّدنا عُمَرَ أيضًا أنه لقي سيِّدنا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأنصاري -رضي الله عنه- "وَمَعَهُ حِمَالُ لَحْمٍ،". الحِمال؛ ما حمله الإنسان يقال له حِمال. "فَقَالَ" لهُ سيِّدنا عمر: "مَا هَذَا؟" يا جابر. "فَقَالَ" له سيِّدنا جابر: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرِمْنَا"؛ يعني: اشتدت شهوتنا إلى اللحم؛ يعني لنا منه مدة "إِلَى اللَّحْمِ، فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ لَحْماً". بدرهم "فَقَالَ له سيِّدنا عُمَرُ: أَمَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ أَوِ ابْنِ عَمِّهِ"؛ أي: ليس يريد أحدكم أن يُجيع نفسه ويؤثر جاره بطعامه؟ طوى فهو طاوٍ؛ يعني: خالي البطن جائع. الطاوي؛ خالي البطن جائع؛ يعني: كأنه كان في وقت شدة واحتاج الناس فيه، فَكِره له الاسترسال والتنعّم بأكل اللحم. وقال: ما دام الناس في حاجة خذ شيء مما تقدر عليه واعطِه المحتاجين.
وهكذا جاء عن سيِّدنا جابر يقول: لقيَني عمر وأنا قد ابتعت لحمًا بدرهم، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: قَرِمَ أهلي فابتعت لحمًا بدرهم، فجعل عُمَر يردّد: قرم أهلي! حتى تمنّيت أن لم ألقَ عُمَر. قَرِمَ أهلي، قرم أهلي… ويقول: قَرِمَ أهلي! كرّرها عليّ قال: حتى وددت أنّي ما لقيته ذلك اليوم!
وقال: "أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ"؛ يعني: تغيب وتخفى عنكم "هَذِهِ الآيَةُ"؟ بالنسبة للمُسترسلين في التولّع بالشهوات وطيّبات الحياة الدُّنيا مع نسيان المهمّات والمكارم والفضائل، ويقال للكفّار في الآخرة: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا) [الأحقاف:20]. يقول سبحانه وتعالى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف:20]. وهكذا جاء في الرواية يقول: أن عمر رأى في يدِ سيِّدنا جابر درهمًا، قال له: ما هذا الدرهم؟ قال أريد أن أشتري به لحمًا لأهلي، قرموا إليه، قال: أوكلما اشتهيتم شيئًا اشتريتموه؟! أين تذهب عنكم هذه الآية؟ وتلاها.
وجاء في رواية الإمام أحمد يقول: مرّ جابر -رضي الله عنه- وهو متعلّقٌ لحمًا على عُمَر، فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: لحمًا اشتهيته فاشتريته، قال: أوكلما اشتهيت شيئًا اشتريته؟ أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا)؛ يعني استوفيتم شهوات أنفسكم في عالم الدُّنيا، وإنّما يخاطب بهذا الكفَّار يوم القيامة، فينبغي المؤمن أن لا يشابههم في غلبة نفسه عليه في تتبعه للشهوات. ولكن كما قال سيِّدنا عُمَر لولده: كُل يومًا لحمًا وخبزًا، كُل يومًا خبزًا وزيتًا، كُل يومًا خبزًا وسمنًا، كُل يومًا خبزًا وملحًا، كل يومًا خبزًا قفارًا، وهكذا دُر عليها، لا أن تؤسس شيء لابُد منه وتصير مستعبَد له، خُذ لك ما تيسّر من هذا ومن هذا، وهكذا. وكان في وصفه ﷺ يأكل ما وجد، ويلبس ما وجد، صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
إذًا، لاحظوا ملاحظات فيما يتعلق بقوة إراداتهم العليّة وتزكية نفوسهم، فربما منعوا أنفسهم شيئًا من الشهوات المباحة، ولا سبيل إلى تحريم ما أحلّ الله -تبارك وتعالى- كما لا سبيل إلى إحلال ما حرّم الله جلّ جلاله وتعالى في عُلاه. وبقيَ بعد ذلك شأن التوسط، وشأن عموم المسلمين وشأن خواصّهم من أرباب السير إلى الله وأرباب الرُّقي في مراتب الحضور معه؛ فتختلف أحوال الناس، وهكذا.
باب مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ
ثم ذكر لنا ما يتعلّق بلبس الخاتم.
- وأن خاتم الذهب حرامٌ على الرجال.
- وأنه سُنّ لهم استعمال خاتم الفضة كما استعمله ﷺ.
ووضع عليه بعد ذلك النقش للختم على الرسائل لأنه لمّا أراد مراسلة الملوك على الأرض، فقيل له: إنهم لا يقبلون إلا كتابًا مختومًا، فأمر أن يُنقش على فصّ خاتمه مُحمَّد رسول الله، وكلّم الناقش يقول له: اجعل اسم ربي أعلى، واكتب تحته رسول، واكتب تحته مُحمَّد، فكتبه بهذا الترتيب: مُحمَّد رسول الله، من تحت إلى أعلى، إلى أعلى، ليكون اسم الله فوق اسمه، ﷺ؛ فانظر إلى دقّة أدبه مع ربه -عليه الصَّلاة والسَّلام- مع كونه أمّي لا يقرأ ولا يكتب، أمر الناقِش والكاتب أن يرتبها ثلاث أسطر، وأن يجعل السطر الأعلى اسم الجلالة الله، ليكتب تحته رسول، وتحته مُحمَّد فتكون: مُحمَّد رسول الله من أسفل إلى أعل. فما أحبّ أن يُكتب اسمه في الأعلى مُحمَّد ثم رسول ثم يكون اسم الحق تعالى في آخر سطر، وأمره أن يقلب ذلك من حُسن أدبه مع ربّه صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، وهو القائل: "أدّبني ربّي فأحسَن تأديبي".
- وبقي سُنَّة الخاتم للرجال، الفضة.
- ويكون في اليمين أو في الشمال، وفي اليمين أفضل.
- ويكون في الخنصر أو البنصر، وفي الخنصر أفضل.
أما النساء، فيجوز لهنّ تعدّد الخواتم واستعمال خواتم الذهب وغير ذلك من أنواع الزينة، وفي أيّ الأصابع كانت؛ فالأمر واسعٌ بالنسبة للنساء. واختلفوا في الرجل مع خاتم الفضة، هل يجوز أن يلبس ثانيًا أو يقتصر على واحد فقط، ويحرم عليه لبس الثاني؟ وكذلك هل يتقيّد وزنه بمثقال ونصف كما قال بعض الفقهاء أو يجوز أكثر من ذلك؟ ففيه خلافٌ بالنسبة للرجل.
- فقيل: أنه لا يجوز أن يزيد وزن الخاتم الفضة على مثقال ونصف.
- وقيل: يجوز أقل أو أكثر.
- وقيل: أنه لا يجوز أن يستعمل خاتمين معًا بل خاتم واحد.
- وقيل: يجوز تعدّد الخاتم.
يقول: "باب مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ"، فيُنطق بفتح التاء وبكسرها، خاتَم وخاتِم. وقرئ به في القرآن في قوله تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب:40] و(خَاتِمَ النَّبِيِّينَ) صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. بعد ذلك يأتي فتح التاء وكسرها، ويُنطق أيضًا بخاتم وخَتَمْ وخِتام وخاتِيام وخيتوم وخيتام، كلها من اللغة، وخاتام من اللغات عند العرب، وأفصحها هذا: خاتِم.
قال ابن عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ"؛ أي: في أول الأمر ثم كره ذلك وحرّمه على الرجال. "كَانَ يَلْبَسُ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ". في رواية: "فلبِسَه ثلاثة أيام"، فكأن سيِّدنا أنس لم يره إلا يومًا ولهذا قال: "لبسه يومًا واحدًا" بحسب ما رآه لكن غيره رآه ثلاثة أيام، "وطرحه بعد ذلك" صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم؛ أي: نبذه ورماه.
"ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ" خطيبًا على المنبر؛ ليبيّن الحكم للناس، "فَنَبَذَهُ"؛ يعني: طرحه وألقاه، ونهى عن التختُّم بالذهب، "وَقَالَ: لاَ أَلْبَسُهُ أَبَداً. قَالَ: فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ."؛ يعني: من الذهب اتباعًا له صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
- ثمّ إن من العلماء من كَرِهَ التختًّم للرجل إلا بالفضة فقط.
- ولكن جمهور العلماء: الفضة والحديد وغيرها ممّا ليس بذهب؛ يجوز أن يتختّم به الرجل.
ولقد قال ﷺ للذي أراد أن يتزوّج: "التمس ولو خاتمًا من حديد"؛ وإن كان إنّما يُراد إعطاؤه للزوجة ولكن يُستأنس بإطلاق الخاتم الحديد أنه حلال. وإنما يحرم التختُّم بالذهب فقط على الرجال؛ يحرم التختُّم بالذهب.
قال: "فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ." اتباعًا له ﷺ لحرصهم على الاقتداء به. جاء في لفظ أبي داود: قدم للرسول ﷺ حليةٌ من عند النجاشي أهداها له، فيها خاتمٌ من ذهب، فأخذه ﷺ بعودٍ مُعرضًا عنه، أو ببعض أصابعه، ثم دعا أمامة بنت أبي العاص -بنت ابنته زينب- قال: تحلّي بهذا يا بُنيّة؛ خذي الخاتم لك أنتِ؛ لكونها بنت أعطاها إياه، وكرهه ﷺ للرجال.
فبذلك يُعرف أثر "سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ فَقَالَ" له سعيد: "الْبَسْهُ"، لمّا سأله يسار أو صدقة بن يسار، قال: "الْبَسْهُ، وَأَخْبِرِ النَّاسَ إنِّي أَفْتَيْتُكَ بِذَلِكَ."؛ يعني: التختُّم بخاتم الفضة، فذلك لا يزال سُنّةً للرجال. ولقوله: لمّا ألقى خاتمه ألقوا خواتيمهم يدلّ على أنه كان يلبس الخاتم في العهد النبوي عامة الناس؛ فهذا يردّ على من قال إنّما يلبس الخاتم ذووا السلطان وذووا المكانة والوجاهة؛ فالأمر واسع. فمتفقٌ على جواز التختّم بالذهب للنساء والحرمة على الرجال، وفي الحديث الآخر: أنه ﷺ صعد المنبر وحمل قطعة من ذهب وقطعة من حرير، وقال: "هذان حرامٌ على ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثهم".
واختلفوا في الصبي: هل يجوز تحليته بالذهب؟
- فمنهم من كرهه، كما قال المالكية.
- ومنهم من حرّمه، كما قال الحنابلة.
- وقال الشافعية: الصبي غير البالغ يجوز أن يُحلّى ويُزيّن بذهبٍ أو فضة وخصوصًا في مثل يوم عيد.
وعَلمْنا أيضًا أنّ الجمهور على جواز تختُّم الرجل بالفضة، فإنه ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِق، والخاتم هذا أحد الخواتم التي استعملها ونقش عليها كان مع سيِّدنا أبي بكر الصديق، ولمّا توفي كان مع سيِّدنا عُمَر بن الخطاب، ولمّا توفي كان مع سيدنا عثمان بن عفان، لا شك أنّهم ما كانوا يختمون بها ولكن يمسكونها ويتبرّكون بها ويأخذونها عندهم. وبينما كان سيِّدنا عثمان على حافّة بئرٍ سقط الخاتم من يده في قُباء، فأمر أن يُلتَمس، فأمر بنزح البئر ونزحوها وما وجدوه، فسُمّيت بئر الخاتم، قريب من مسجد قُباء، سمّيت بئر الخاتم لسقوط الخاتم على سيِّدنا عثمان.
وهكذا يقول الأئمة الأربعة عامّتهم:
- بجواز تختُّم الرجل بالفضة دون الذهب.
- وما عدا ذلك من الزبرجد و الزمرد و الياقوت و المرجان وغير ذلك كله؛ لا يحرُم.
وقالوا: لا بأس أن يُنقش في الخاتم اسم الله. يقول كثير من أهل العلم لأنه ﷺ نقش، لكن كان ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه لأن فيه اسم الله واسم رسوله فما يدخل به الخلاء؛ وهكذا كل ما كان فيه اسم الله واسم رسوله أو أحد من الأنبياء والمُرسلين ما يدخَل به في الخلاء، والله أعلم.
رزقنا الله اليقين والإيمان والمتابعة لحبيبه سيّد الأكوان، وأصلح لنا به كل شأن، وبارك لنا في رجب وشعبان، وبلّغنا رمضان، وأعاننا على الصيام والقيام وحفظنا من الآثام، وأصلح شؤون أهل الإسلام والإيمان في السر والإعلان، ودفعَ عنهم كيد النفس والهوى والشيطان، ورزقَهم متابعة حبيبه ﷺ في كل شأن، في خيرٍ ولطفٍ وعافية، الفاتحة.
10 رَجب 1444