شرح الموطأ - 505- كتاب صفة النبي ﷺ: تتمة باب جامِعِ ما جاء في الطَّعام وَالشَّرَاب (6)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب صفة النبي ﷺ، تتمة باب جامِعِ ما جاء في الطَّعام وَالشَّرَاب (6).
فجر الثلاثاء 9 رجب 1444هـ.
تتمة باب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (6)
2720 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ".
2721 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَهُ إِنَّ لِي يَتِيماً وَلَهُ إِبِلٌ، أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِبِلِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِبِلِهِ، وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا، وَتَلُطُّ حَوْضَهَا، وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ، وَلاَ نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ.
2722 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْتَى أَبَداً بِطَعَامٍ وَلاَ شَرَابٍ، حَتَّى الدَّوَاءُ فَيَطْعَمَهُ أَوْ يَشْرَبَهُ إِلاَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا، وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَنَعَّمَنَا، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَلْفَتْنَا نِعْمَتُكَ بِكُلِّ شَرٍّ، فَأَصْبَحْنَا مِنْهَا وَأَمْسَيْنَا بِكُلِّ خَيْرٍ، نَسْأَلُكَ تَمَامَهَا وَشُكْرَهَا، لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ، إِلَهَ الصَّالِحِينَ، وَرَبَّ الْعَالَمِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ، وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
2723 - قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا، أَوْ مَعَ غُلاَمِهَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ. قَالَ: وَقَدْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَمَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُؤَاكِلُهُ، أَوْ مَعَ أَخِيهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرمنا بالشريعة، وبيانها على لسان عبده محمدٍ ذي المراتب الرفيعة والجاهات الوسيعة، اللهمّ صلّ وسلم وبارك وكرّم على عبدك المختار سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن غدا وليّه وتبيعه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين جعلتهم لعبادك الحصون المنيعة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرّبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
ويواصل سيدنا الإمام مالك -عليه رضوان الله تعالى- في الموطأ، ذكر الأحاديث المتعلقة بالطعام والشراب، ويذكر لنا أنه "أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ"؛ ربيبه ابن زوجته، ابن سيدتنا أم سلمة؛ "عُمَرُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ"، الذي ولد في السنة الثانية من هجرة الحبشة، وُلد في الحبشة، وكان أبوه وأمه مهاجرين في الحبشة ثم رجعوا إلى المدينة المنورة، فكان والده مستشهَدًا في غزوة أحد، ثم أن أمه أم سلمة أكرمها الله تبارك وتعالى بأن تكون أمًّا للمؤمنين فتزوجها سيد المرسلين ﷺ.
فلمّا جلس يأكل مع النبي ﷺ ربيبه، علّمه وأدّبه؛ وفي هذا الاهتمام بتنشئة الأطفال والأولاد من نشئهم على الآداب في الطعام والشراب، وبذلك يقول صاحب رياضة الصبيان:
وبعد فَطْمِه تراه يشتهي *** أكل الطعام دائمًا لا ينتهي
فطمه؛ أي: من لبن أمه.
فعلّموه الأكل باليمين *** والبسملة حتمًا بكل حينِ
ويأكل العيش الذي بجانبه *** ولا يُبادر قبل أكل صاحبه
ويمضغ اللقمة مضغًا مُحكما *** ولا يُسارع أو يُوالي اللقمَ
فهذه الآداب كانت أسر المسلمين حريصة على تنشئة أطفالها أبناء وبنات عليها، وينشئون عليها فلا يأكلون إلا باسم الله، ولا يأكلون إلا باليمين، ولا يأكلون إلا وهم قاعدون.
والأسرة تلقي إليهم الآداب ينشئون عليها، ومقتدين برسول الله ﷺ فهو الذي يعلّم هذا الطفل كيف يأكل، جاء في بعض الروايات: "فجعلت يدي تطيش في الصحفة"؛ يعني: آخذ من هنا ومن هنا؛ فقال لي رسول الله ﷺ: "يا غلام، سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكل ممّا يليك"ً فعلّمه ﷺ مجموعة من آداب الطعام.
فقال له: "سمِّ الله" أي: اذكر اسم الله تبارك وتعالى وقل: بسم الله، وبه تحصل السنة قال الإمام النووي: وكمالها بسم الله الرحمن الرحيم.
- فيحصل أصل السنة بقول: بسم الله.
- وبعد ذلك الأكمل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
وبذلك يطرد الشيطان عنه ولا يُمكّن قرينه من الأكل معه. وفي الخبر: أن اثنين من الشياطين التقيا، أما أحدهما فكحيلٌ دهينٌ سمين. وأما الآخر فأشعث نحيف جائع. فأخذ يقول الشيطان للآخر: ما لك هكذا؟ ما لي أراك شعث ونحيف؟ قال: أنا عند رجل كلّما أكل سمّى الله فأظل جائعًا، كلما شَرِب سمّى الله فأظلّ عطشانًا، كلما ادّهن سمّى الله فأكون شعثًا، وهكذا… قال الآخر: أما أنا عند رجل لا يذكر اسم الله على شيءٍ من ذلك فأنا أشركه في طعامه وشرابه ولباسه ودهنه، حتى إتيانه أهله، أنا أشاركه في كل ذلك!
كما قال الله لإبليس: (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ) [الإسراء:64]، ولكن مجرد ذكرك لإسم الله؛ يبعد عنك الشيطان، ويُمنع من أن ينال شيئًا من طعامك وشرابك أو دهنك أو لباسك إلى غير ذلك.
يحصل التقصير من المسلمين في استحضار اسم الله تعالى؛ وتجِدهم يلبسون الثياب بلا اسم الله، ويتناولون كثير من الشراب بلا اسم الله، وبعضهم يسمّي عند الماء، ولكن عند الشاي والعصير ما يعرف اسم الله تبارك وتعالى! سمّ الله، ولماذا تريد تشهّي عدوك هذا؟ ولماذا تريد قرينك يشرب معك شاي أو قهوة أو غيرها!...
فاذكر اسم الله سبحانه وتعالى على كل طعام وعلى كل شراب؛ يُحال بينك وبينهم، فأعطاك الله تعالى القوة والزمام؛ فمجرّد ما تذكر اسمه ما يقدرون عليك إيش تبغى أحسن من هذا؟ أعدائك ومن حواليك وما تراهم وهم يرونك اذكر اسمي وأصونك منهم، اذكر اسمي وأطردهم عنك، بمجرد ما تذكر اسمه سبحانه وتعالى. لا إله إلا الله!..
- وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب التسمية.
- وقال الجمهور بندبها.
كذلك الأكل ممّا يليه:
- قال جماعة من أهل العلم: أن ذلك سنة.
- قال بعض العلماء: بل هو واجب؛ لأمر النبي ﷺ بذلك.
فيجب أن لا يأكل إلا ممّا يليه، وقالوا: وهذا محله في الطعام المتساوي.
- فأمّا إذا كان رطبًا أو عنبًا أو فاكهة مختلفة الأجزاء والأنواع فلا بأس أن يلقُط ما راق له.
- وأمّا إن كان من نوعٍ واحد، خبز أو أرز أو غيره فلا يأكل إلا مما يليه؛
- لأن كلًّا يكون حائزًا ما يليه فلا يعتد الآخر عليه.
- وفيه أيضًا أن النفوس كذلك تتكدّر وتتقزز ممّا وقعت عليه الأيدي.
فأُمرنا بهذه الآداب. "وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ" الذي في جهتك والذي يقرب منك.
وجاء عند الترمذي وابن ماجه من حديث عكراش قال: "أُتي النبي ﷺ بجفنة كثيرة الثريد والودك، فخبطت بيدي في نواحيها، فقال ﷺ: يا عكراش، كل من موضعٍ واحد فإنه طعامٌ واحد" بقوله: "فإنه طعامٌ واحد"؛ إشارة إلى أنه متساوي الأجزاء فلا تمد يدك، بخلاف لو اختلف الطعام أما هذا طعام واحد، "كل من موضع واحد فإنه طعام واحد"، "ثم أُتينا بطبق من ألوان الرطب فجالت يده ﷺ في الطبق وقال: يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير لونٍ واحد"؛ هذا الرطب ليس لون واحد يختلف هذا عن هذا عن هذا… فخذ لك الذي يروق لك منه، وأما في الطعام المتساوي لا تأكل إلا ممّا يليك.
وهكذا عنايته ﷺ بتربية الأولاد، وكان من المقاصد في تزوجّه بأم سلمة؛ أن يربّي أولادها وأن يكفلهم، وأن تأخذ عنه بما عندها من عقل ومعرفة كثيرًا من الأحكام، وما يتعلق بشؤون النساء خاصة، أو ما تهتدي إليه فيما يُبلّغه للأمة عامة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وقد جاء أيضًا عنه ﷺ في محبته للدباء إذا قُدّمت له، وأنه قد يتتبع الدباء حوالي القصعة بإصبعه الكريمة، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ثمّ يتعلق بالأكل آدابٌ:
- من مثل الحمد في آخره، كما يأتي لنا الخبر في ذلك.
- ويتعلق به أن يبدأ أميرهم أو كبيرهم.
- ويتعلق به الإيثار، وخصوصًا لمن كان مريض أو شايب فيؤثر بالرطب وما يسهل عليه إساغته.
- وأن لا يكبّر اللقمة ولا يصغرها؛ لا يكبّرها كالنهمِين ولا يصغّرها كالمتكّبرين، ويتوسط في ذلك، وأن يُحسن المضغ.
- وأن يتكلمون بكلامٍ خفيف، وأن يتجنّبوا ذكر الأوساخ والأقذار بأنواعها؛ فإن ذلك تشمئز منه النفوس عند تناول الطعام.
- وأنه إذا حضر أحدهم عطاسٌ فليلوي برأسه أو ليقم عن المائدة، ويحذر أن يعطس في مقابلة المائدة.
- ويحمد الله تعالى بما ورد: "إنّ الله يحب العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها"، وفي الحديث: "إذا قال الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقني من غير حولٍ مني ولا قوة غُفر الله له ما تقدم من ذنبه".
ذكر لنا مسألة إبل الأيتام، "يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَهُ إِنَّ لِي يَتِيماً"؛ يعني: في حجري وتربيتي أقوم عليه، "وَلَهُ إِبِلٌ" هو مالكه، مُلك له، "أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِبِلِهِ؟" هل يجوز لي أن أتناول شيئًا من لبن إبله وأشربه؟ فقال له: "إِنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِبِلِهِ"؛ يعني: تطلب وتنشد ضالة ما ضلّ من الإبل، يعني: تعتني بها وتنشد على ما ضّل منها لأجل إرجاعه، "وَتَهْنَأُ"؛ يعني: تطلي جلدها بالقطران "وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا"؛ يعني: ما أصابه الجرب منها، جَرْبَاهَا: التي أصابها الجرب منها، تهنأها: يعني تطلئها بالقطران يعني: تداويها وتقوم على صحتها. "وَتَلُطُّ حَوْضَهَا"؛ يعني: تطيّنه وتصلحه وترمّه وتكنسه، تنظف لها الحوض التي تشرب فيه، "وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا"؛ يعني: الماء الذي يُعدّ لورود الإبل، توردها عليه وتسقيها منه، قال إن كنت كذلك "فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ"؛ غير مضرّ بنسلٍ، يعني: بولدها؛ ما تشرب كثير وتترك ولدها يجوع! دع في ثديها ما يكفي الولد، اشرب الزائد، ما زاد على ذلك، ما تكثر الحَلب منها فتضرّ بنسلها؛ بولدها، "فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ، وَلاَ نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ."؛ يعني: مستأصِل مبالِغ، ما تدع شيء فيها، ولا مبالغ في الحَلب.
وهكذا فيمن يقومون على أموال اليتامى، مع إجماعهم على أن التعدّي على أيّ شيء منه من أقبح الظلم وأكبر الكبائر، والحق يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء:10]. وقال: (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء:6]، يأخذ مقدار تعبه بالمعروف؛ لا يتجاوز في ذلك الحد.
وهكذا قال الشافعي يأخذ أقل الأمرين من أجرته ونفقته، إن كان الأجرة أو النفقة فليأكل بالمعروف. فقد كانوا يحذرون من أموال اليتامى ويحبّون تربيتهم مع الإنفاق عليهم من عندهم، وإن الله يحب البيت الذي فيه يتيم يُربّى ويُكرم.
وهكذا، ذكر لنا بعد ذلك عن سيدنا عروة، يقول ولده هشام: "أَنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْتَى أَبَداً بِطَعَامٍ وَلاَ شَرَابٍ، حَتَّى الدَّوَاءُ أَوْ يَشْرَبَهُ إِلاَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ"؛ ففيه: مواظبته وحرصه على الحمد وعلى العمل بالسُّنة، فأي طعام وأي شراب، دواء وغير دواء، أي شيء تناوله؛ يسمّي الله ثم يحمد الله، يقول: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا، وَأَطْعَمَنَا"؛ هدانا إلى الإيمان أعظم النعم، وهدانا إلى اتباع سنة حبيبه الأكرم، "وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَنَعَّمَنَا"؛ يعني: أعطانا نعمًا كثيرة، أنعم علينا بنعم لا تُعدّ ولا تُحصى، "اللَّهُ أَكْبَرُ" يقولها فرحًا وسرورًا وتمجيدًا وتعظيمًا، "اللَّهُمَّ أَلْفَتْنَا" يعني: وجدتنا "نِعْمَتُكَ بِكُلِّ شَرٍّ، فَأَصْبَحْنَا مِنْهَا وَأَمْسَيْنَا بِكُلِّ خَيْرٍ"، فلولا نعمتك لكنّا في السوء والشر، ولكن بنعمتك اندفع عنّا كل سوء وكل شر، "فَأَصْبَحْنَا مِنْهَا وَأَمْسَيْنَا بِكُلِّ خَيْرٍ" لا إله إلا الله..
وفي استغفار سيدنا الحسن البصري قال: اللهم إني أستغفرك لكل ذنبٍ قوي عليه بدني بعافيتك، ونالته قدرتي بفضل نعمتك، وانبسطت إليه يدي بسعة رزقك، فتقويّت بها على معاصيك، اللهم إني أستغفرك لكل ذنب ارتكبته بشمول عافيتك، أو تمكّنت منه بفضل نعمتك، أو مددت إليه يدي بسابغ رزقك، اللهم أني أستغفرك لكل ذنب خطوت إليه برجلي، أو مددتُ إليه يدي، أو تأمّلته ببصري، أو أصغيت إليه بأذني، أو نطقَت به لساني، أو أتلفت فيه ما رزقتني، ثم استرزقتك على عصياني فرزقتني، ثم استعنت برزقك على عصيانك فسترت عليّ، ثم سألتك الزيادة فلم تحرمني، ثم جاهرتك بعد الزيادة فلم تفضحني، فلا أزال مُصرًّا على معصيتك ولا تزال عائدًا علي بحلمك وكرمك يا أكرم الأكرمين، فصلِّ ياربِّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، واغفر لنا يا خير الغافرين، اللهم آمين. من استغفارات سيدنا الحسن البصري عليه رحمة الله تبارك وتعالى. لا إله إلا الله..
في الحديث: "ربِّ كم من نعمةٍ أنعمت بها عليّ قلّ لك عندها شكري، وكم من بليةٍ أبليتني بها قلّ لك عندها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قلّ عند بليته صبري فلم يقطعني أو لم يفضحني…."، إلى آخر ما جاء في الدعاء عنه ﷺ.
يقول سيدنا عروة: "نَسْأَلُكَ تَمَامَهَا" تمام النعمة؛ وهو التوفيق للشكر عليها ودوامها علينا، و إيصال الثواب بسببها، ودخول الجنة ونيل الدرجات بسببها؛ هذا تمام النعمة، "نَسْأَلُكَ تَمَامَهَا وَشُكْرَهَا" الذي يوجب المزيد لأن الله يقول: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7] "لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ، إِلَهَ الصَّالِحِينَ، وَرَبَّ الْعَالَمِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ، وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ." ما يترك هذه الدعوات كل ما أُتيَ طعام، شراب، دواء.. أي شيء طعمه شربه يقول هذه الدعوات، لمواظبتهم على الآداب ولحضور قلبهم مع ربّ الأرباب جلّ جلاله.
"قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا، أَوْ مَعَ غُلاَمِهَا؟"، لكن جاء في النسخ في الموطأ: "مع ذي محرمٍ"، وجاء في بعض جواب الإمام مالك: قال: لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم، مثل الأب والابن والمحارم، "أَوْ مَعَ غُلاَمِهَا؟" يريد: عبدها، يعني إذا لم يكن في الأكل إلا النظر للوجه والكفين فقط، وللعبد أن ينظر من مالكته وسيّدته إلى الوجه والكفين.
يقول: "فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ." يعني: إذا كان على طريق متعارف بينهم، بأن كان هناك مَحرم أو هو محرم، "وَقَدْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَمَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُؤَاكِلُهُ"، يؤاكله زوجها، "أَوْ مَعَ أَخِيهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ،" يعني: فلتأكل مع مَن تأمن الفتنة في الأكل معه، وعلى الحال اللائق بالأكل، أما ماعدا ذلك؛ أي: فيُحرم، " وَيُكْرَهُ"؛ أي: تحريمًا " لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ" الذي "لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ"؛ أي: قرابة نسب أو صهر أو رضاع؛ فذلك حرام؛ لقوله ﷺ: "ما خلا رجل بامرأةٍ إلا كان الشيطان ثالثهما"، "لا يَبيتنّ رجلٌ عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرَم"، "لا يخلونّ رجلٌ بامرأةٍ إلا أن يكون ثالثهما الشيطان"، وقال ﷺ: "إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟" أقارب الزوج "قال: الحمو الموت." رواه الإمام مسلم في صحيحه.
إذًا؛ فوَجَبَ أن تحذر المؤمنة من إظهار زينتها لغير المحارم، قال تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) [النور:31]؛ أي: المحارم، وماعدا ذلك لا يجوز أن تظهر شيئًا من زينتها له.
والذين قالوا بجواز النظر إلى الوجه والكفّين، قالوا بشرط:
- أن تكون بغير زينة
- ولا عطر
- ولا خلوة
- وأن تأمن الفتنة
فإن نقص واحد من الأربعة فحرام بالاتفاق؛ إذا كانت متزينة أو كانت بخلوة أو كانت متعطرة أو كانت لا تأمن الفتنة؛ فحرام إظهار وجهها وكفيها، فإذا سلمت من هذه الأشياء ففيه خلاف في جواز ظهور الوجه والكفّين فقط.
رزقنا الله الاتباع لنبيّنا، والاستقامة على منهَاجه، والرقيّ بمعرَاجه، وحفظنا به من جميع الشرور والآفات، وكل المحذور في الظواهر والخفيات، وبلغنا المرادات في خير ولطف وعافية، الفاتحة.
09 رَجب 1444