شرح الموطأ - 503- كتاب صفة النبي ﷺ: متابعة باب جَامِعِ ما جاء في الطعام والشَّرَاب (4)

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، (كتاب صفة النبي ﷺ، متابعة باب جَامِعِ ما جاء في الطعام والشَّرَاب (4).

فجر الأحد 7 رجب 1444هـ.

متابعة باب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (4)

2712- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ جَدَّتِهِ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ، لاَ تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقاً".

2713 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِالله بْنِ أَبِى بَكْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، نُهُوا عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ، فَبَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ".

2714 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ : يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ، وَخُبْزِ الشَّعِيرِ، وَإِيَّاكُمْ وَخُبْزَ الْبُرِّ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ.

2715 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَسَأَلَهُمَا فَقَالاَ: أَخْرَجَنَا الْجُوعُ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ". فَذَهَبُوا إِلَى أبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الأَنْصَاري، فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ عِنْدَهُ يُعْمَلُ، وَقَامَ يَذْبَحُ لَهُمْ شَاةً، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ". فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً، وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً، فَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ، ثُمَّ أُتُوا بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "لَتُسْئَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ".

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مكرمنا بالهدى وسواء السبيل، على لسان عبده وحبيبه جامع مكارم الأخلاق الهادي والدليل، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه الشاربين من أحلى سلسبيل، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الهول المهيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين المترقين ذُرى التفضيل والتبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعدُ،

يواصل الشيخ سيدنا الإمام مالك -عليه رحمة الله تعالى- ذكر الأحاديث المتعلقة بالطعام والشراب.

ويروي لنا: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ""، ويُروى: يا نساءُ المؤمنات؛ أي: أيتها النساء المؤمنات، "يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ، لاَ تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا"؛ أي: شيئًا من المعروف والفضل والمواساة تقدمه إليها، "وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ" ولو كان المُهدى كُراع شاةٍ، ما دون العقِب، هذا من المواشي والدواب والإنس يقال له: كُراع. "وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقاً" يعني: حُرِقَ فيندُر تحصيل شيء مما يعلقُ بهِ.

ومع ذلك كله فالتوجيه النبوي لتقديم كل ما تيسّر ولو كان يسيرًا، ولو كان قليلًا، وأن لا يستجيب الإنسان لدواعي التكلّف والتخلف، دواعي التخلّف عن الموجود، ولا دواعي التكلف للمفقود، ولكن ما تيسّر فأنفِقْهُ وقدِّمْه طيِّبَةً نفسك به، فإن ذلك من أسباب دوام المودة والأنس، والألفة تقتضي عدم الكلفة، ولا تدوم مع الكلفة أُلْفَة.

والمعنى: أنّه ينبغي رعاية حق الجار ومواساته بما يُستطاع ويتمكن منه، مهما كان من مقدار، مهما كان صغيرًا أو كبيرًا قليلًا أو كثيرًا، فإن في هذا الإسداء والإهداء تطهيرٌ وتصفية للضمائر، وإبعادٌ لغلواء البغضاء والشحناء والاستثقال، وما إلى ذلك من أمراض القلوب.

وفيه أن: ما ذُبِحَ من الحيوان صار حلالًا كله بجميع أجزائه، ما عدا ما كان نجاسة في باطنه، وما عدا ذلك فجميع أجزاء الشاة المذبوحة أو البقرة المذبوحة أو الناقة المذبوحة.. حلال، بما فيه كُرعانها وأظاليفها، فكلها جائزٌ أكلها، حلالٌ بذكاتها.

ثمّ بعد أن أرشد إلى أن تجود الجارة لجاراتها بما تيسّر وإن كان قليلًا، فهو خيرٌ من العدم، فهو يحمل شعور التواصل والتكافل وإرادة الخير.

 وفي هذا كما أنّه تعليم للمعطي والمتصدق والمادّ، ففيه أيضًا يتضمن تعليم المعطى والمُهدى إليه، أنه لا ينبغي أن تحتقر شيئًا أُهديَ إليك وتقول قليل وتقول يسير، فما أُهدي إليك فهو علامة المودّة وعلامة إرادة الخير، فاقبله واشكر عليه، ومن لم يشكر على القليل لم يأتِهِ الكثير.

وفي الأخبار أن الله أوحى إلى نبيّه داود: يا داود، لو سُقت إليك حبة مسوّسة -حبة واحدة من طعامك مسوسة- فاعلم أني ذكرتك بها فاشكرني عليها. اعلم أني ذكرتك بها فاشكرني عليها.

وقال ﷺ: "لو دُعيت إلى كراعٍ أو ذراعٍ لأجبت، ولو أهديَ إليَّ ذراعٌ أو كراعٌ لقبلت"؛ أي:  وشكرت المُهدي وكافأته وجزيته، فهذا شأنه ﷺ. فمن الناس من يغيب عنه حُسْن الخُلُق، ولو أهدى إليه أحد كراعاً لظلّ طول عمره يتحامل عليه، ويقول: ما قدَّرنا ولا عرف قدري، ولا جاب لي إلا هذا، ما أنا محتاج لحقّه هذا، ولا أريد منه شيء، إلى غير ذلك.. لكن زين الوجود يقول: "لو أهدي إليه ذراع أو كراع لقبلت" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فما أكرمه من داعٍ إلى مكارم الأخلاق.

ثم ذكر لنا "عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِى بَكْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ""؛ أي: لعنهم، والعياذ بالله تبارك وتعالى، كما جاءنا قوله تعالى: 

  • (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) [الذاريات:10] 
  • (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عبس:17]
  •  و(أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ) [القيامة:34] بمعنى: هلاكًا لك فهلاكًا.

يقول: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، نُهُوا عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ"، عقابًا لهم، لما طغوا وخالفوا الأنبياء، "فَبَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ" وإذا حُرِّمَ على الناس شيء حُرّم عليهم ثمنه، كمثل الخمر، لا يجوز يقول أنا ما أشربه إنما أبيعه فقط، تبيعه فقط؟ بيعه يوقع في اللعن، وشراؤه يوقع في اللعن، وحمله يوقع في اللعن؛ "لعن الله الخمر، ومعتصرها، وعاصرها، وبائعها، ومبتاعها، وآكل ثمنها، وحاملها، والمحمولة إليه" كلهم يقعون في اللعن والعياذ بالله تبارك وتعالى.

يقول: أنا ما أشرب إلا  أُوصل وأحمّل من محل إلى محل!… لا تحمّلْ ولا توصلْ، ولا تبعْ ولا تشترِ، ولا تشهد، ولا تحضر مع خمّارين، فإن اللعنة تنزل على الفاعل ومن حضر، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

وكذلك هؤلاء حرم الله عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا ثمنها، وإن الله تعالى إذا حرَّمَ على قومٍ أكل شيءٍ حرَّمَ عليهم ثمنه، وهكذا جاء في بعض الروايات: "أنهم جلُّوها"؛ يعني: أذابوها بالنار، فردّوها إلى سمن وإلى زيت وباعوها بعد ذلك، تحيُّلًا على ما حرَّمَ الله -سبحانه وتعالى- عليهم.

وهكذا يقول الحنفية والحنابلة: لا يجوز الانتفاع بوَدَك الميتة، أو شحمها، ولا طلي السفن به ونحوه، ولا الاستصباح به، وأيَّ وجه من وجوه الاستعمال، ما عدا جلد الميتة إذا دُبِغ فقط لعموم النهي، ولما جاء من خصوصِ: "أيُّما إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُرَ".

وهكذا: جاءنا في الحديث يقول سيدنا جابر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة المكرمة: "إنَّ اللهَ ورسوله حرَّمَ بَيعَ الخمر والميتةِ والخنزيرِ، وَالأصنامِ"، فقِيل: يا رسول اللهِ، أرأيت شحومَ المَيْتَةِ؛ فإنَّه يُطلَى بهَا السّفن، وَيُدْهَنُ بها الجلود، وَيَسْتَصْبِحُ بهَا الناس؟ فَقال: "لا، هو حَرَامٌ"،  ثم قال رسولُ اللهِ ﷺ عندَ ذلك: "قَاتَلَ اللّه اليَهُود، إنَّ اللَّه عزَّ وَجَلّ لمّا حرّم عليهم شُحُومها أَجْمَلُوهُ، ثمّ باعُوه فأكلوا ثَمَنَهُ". 

  • ومن أهل العلم من قال: يحلُّ مع الكراهة استعماله في غير طعامٍ ولا شراب، ولا تلطيخ النفس به، ولكن في زيت المصباح أو طلاء السفينة وما إلى ذلك. إنًّه يحلُّ مع الكراهة، إلاّ في المسجد فإنه يحرم دخول النجاسة إلى المسجد.
  • ويفرِّق المالكية بين نجس العين وبين المتنجس؛
    • يقولون بجواز الانتفاع بالمتنجس لغير المسجد ولغير بدن الإنسان، لا بنجس، يعني: ما كان طاهرًا في الأصل وأصابته نجاسة، كزيت أو سمن تقع فيه فأرة أو شيء ينجِّسُه، هذا الذي قال يجوز استعماله. 
    • أما النجس ما كانت عينه نجسة كالبول والميتة ونحو ذلك؛ فلا يجوز استعمال شيء منه.

قال: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، نُهُوا عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ فَبَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ". ولمّا حُرّم عليهم الصيد يوم السبت، صاروا يتعرّضون للصيد فيصعُب عليهم، فلو جاء أحد منهم يوم السبت أقبل عليه الصيد بكثرة، بلاهم الله.. (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا) جماعات مقبلة عليهم (وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [الأعراف:136].

فرجعوا يحفرون حُفَرًا حتى يقع فيها الصيد ما يخرج منها، ثاني يوم يأتون ويأخذونه، ويقولون ما صدنا، والحاصل يتحيّلون بالحيَل، وليس دين الله بالحيَلِ.

ولما اطّلع الإمام الحداد على وصية لبعض من تصرّف فيها، وأراد أن يحرم بعض الورثة ويزيد وينقص، أنشأ قصيدة:

ليس دين الله بالحيلِ *** فانتبه يا راقد المُقلِ 

يا جهول القلب فارغهُ *** أنت بعد اليوم في شغلِ

يعني مسؤولية بينك وبين الله، لا بتحيّلات ومحاولات من كذا ومن كذا، ما حرَّم حرّم، وما أباحه أباحه،  وامشِ على الطريق، "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" والعياذ بالله تعالى.

وذكر ما كان يرشد سيدنا عيسى أزهد الأنبياء بعد نبينا محمد ﷺ، أزهد الناس بعد نبينا محمد سيدنا النبي عيسى، ما كان يرشد قومه إلى أن يكتفوا باليسير من الطعام والشراب، فإنّه كلما كان الطعام أطيب أوجَبَ شكرًا أكثر، وأنّهم لا يطيقون ذلك الشكر.

وكان يقول: "يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ" يعني: الخالص الذي ما يشوبه شيء، "وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ" النبات الأخضر الذي تخضر به أرض البرّ، نسبة إلى البرية وهي الصحراء، يعني: يريد الذي لم يتقدم عليه مِلِك لأحد، مباح مثل ماء الأنهار، "وَخُبْزِ الشَّعِيرِ"، يعني تقوَّتوا به، ويقتصر عليه، فيمسك الرمق وتبقى به الحياة، الشعير من أقلِّ الأقوات. قال: "وَإِيَّاكُمْ وَخُبْزَ الْبُرِّ" أي: القمح، يعني: تتعلّقوا به وتُكثروا منه "فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ"، وهذا ما دعاهم فيه إلى التقشف، حتى لا يغرقوا ويسترسلوا في التمتع بالمباحات فيغلُب ذلك عليهم.

وفي الخبر: أنّ لِتعوُّدِ اللحم ضراوة، وأن الذي يواظب على أكل اللحم في أيام متوالية أربعين يومًا يقسو قلبُه، و"أنّ الله يبغض أهل البيت اللحّامين" الذين لا يتركون اللحم في كل يوم من الأيام، ويجمعون فيه بين الليل والنهار، وما إلى ذلك.

وهذا إرشاد سيدنا عيسى -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- لقومه، وقد كان من أزهد الناس كما سمعت. ومن الناس من يصلحُه هذا فيندَب إليه، ومنهم من يصلحُه غير هذا فيأخذ به، والأمر في دائرة المباحات فيه سعةٌ؛ ولكن إذا قيَّد الإنسان نفسه فيها بالسنة والنية الصالحة كُفيَ شر التورّط في الاسترسال وأن تغلب عليه.

 ثم ذكر لنا: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ" في يوم من الأيام. 

  • جاء في رواية الإمام مسلم في صحيحه يقول: "خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما". 
  • في لفظ الترمذي: "خرج رسول الله ﷺ في ساعة لا يخرج فيها، ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه وعمر.." وهكذا. تعددت الروايات.
  • جاء عند البزار والبيهقي: "أن رسول الله ﷺ خرجَ يومًا عند الظهيرة" وقت ما يعتاد الخروج فيه، 

وجد أبا بكر عند المسجد قال: ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله، قال: ثم إن عمر جاء، قال: يا ابن الخطاب ما أخرجك هذه الساعة؟" يجلس الناس في بيوتهم.

  • جاء في رواية عند الترمذي: "أن سيدنا أبا بكر أتى النبي ﷺ، قال: ما جاء بِكَ يا أبا بكرٍ؟ قال: خرجْتُ ألقى رسولَ اللهِ وأنظرُ في وجهِهِ والتسليمَ عليهِ. ثم جاء سيدنا عمر، قال: ما جاء بِكَ؟ قال: الجوعُ يا رسولَ اللهِ!".

فقال بعض أهل الحديث: إن أبا بكر هو أيضًا جائع لكن لم يذكر الجوع، فإنه تأثر عند رؤية وجه النبي ﷺ وهيبته ففقد ألم الجوع، فما عاد ذكر الذي أخرجه.

"فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ". ﷺ، قالها تسليةً لهما، لما علمَ من شدة جوعهما عليهما الرضوان. ثم قال في بعض الروايات: "إنّي أنا قد وجدت بعض ذلك". لا إله إلا الله.. يقول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "عرضَ علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لا يا ربي، أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك". رواه الترمذي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وجاء عند الطبراني بإسناد حسن يقول: "كان رسول الله ﷺ ذات يوم ، وجبريل عليه السلام على الصفا، فقال له رسول الله ﷺ: "يا جبريل ، والذي بعثك بالحق" -يقول لسيدنا جبريل- "ما أمسى لآل محمد سفة من دقيق، ولا كف من سويق، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته، فقال رسول الله ﷺ: "أمر الله القيامة أن تقوم؟" قال: لا، ولكن أمر الله إسرافيل، فنزل إليك حين سمع كلامك، فأتاه إسرافيل، فقال: إن الله سمع ما ذكرت، فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن يعرضن عليك أن أسير معك جبال تهامة زمردا". صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وأبى.

وقد أبى جبالها من عينٍ*** زهدًا ومن جوعٍ طوى ليالي

من عينِ؛ أي: من ذهب.

"فَذَهَبُوا إِلَى أبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ"، وهو أحد أهل بيعة العقبة وممن حضرها، ومن أهل النقابة فيها، "الأَنْصَاري" أَوسِيّ عليه رضوان الله تبارك وتعالى، كان قبل هجرة النبي ﷺ قد ترهّب، فأسلم وحسُن إسلامه، من أهل بيعة العقبة، عليه رضوان الله تبارك وتعالى. وجاء في لفظٍ: "انطلقوا بنا إلى رجلٍ من الأنصار يقال له أبو الهيثم بن التيهان" عليه رحمة الله تبارك وتعالى ورضوانه.

قال: "فَأَمَرَ لَهُمْ"؛ أي: أبو الهيثم امرأتَه "بِشَعِيرٍ" كان موجوداً "عِنْدَهُ يُعْمَلُ" يعني: يطحن. قال لامرأته قومي، فطبخت وخبزت. لأنّه وصل والنبي ﷺ قد وصل إلى مزرعته ولم يجده، ذهب يستعذب الماء، فقالت أم الهيثم: مرحبًا برسول الله ومن معه، ادخلوا، إنّ أبا الهيثم ذهب يستعذب الماء وسيأتي الآن.  فدخل الحائط ﷺ معه سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر، وأقبل أبو الهيثم رآهم وقال: الحمد لله، ما على ظهر الأرض اليوم أكرم أضيافًا مني.

وقال لأم الهيثم: أطعمتِ رسول الله ﷺ وصحبَهُ شيئًا؟ قالت: إنما جلس الساعة،  الآن وصل، لا إله إلا الله.. قال: مرحباً وأهلاً، ما زار ناساً أحدٌ قط مثل من زارني، ثم جاء يلتزم النبي ﷺ ويفديه بأبيه وأمه،  ويقول: "الحَمْدُ لِلَّهِ؛ ما أَحَدٌ اليومَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي،" لا إله إلا الله..

قال لأم الهيثم ما عندك؟ قالت: عندي حبات من شعير، قال: كركريها واعجني واخبزي. "وَقَامَ" حمل المُدية يعني: السكين "يَذْبَحُ لَهُمْ شَاةً".

 "فَانْطَلَقَ، فَجَاءَهُمْ بعِذْقٍ فيه بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هذِه، وَأَخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ له رَسولُ اللهِ  ﷺ: إيَّاكَ وَالْحَلُوبَ،" لا تذبح شاة تحلب لكم اللبن وتشربون منها. "فجاءَ بقنوٍ فوضعَهُ فقالَ النَّبيُّ ﷺ: أفلا تنقَّيتَ لنا من رطبِهِ؟ قالَ: أردت أن تخيَّروا من رطبِهِ وبسرِه."؛ تأخذوا الذي يعجبكم منه، فيه بسر وفيه رطب. "فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ" يقول لسيدنا أبو الهيثم، يعني تجنب وأعرض عن ذات الدَّرِّ، أي: ذات اللبن "لاَ تذبحنَّ ذاتَ درٍّ" "إياك والحلوب"؛ شفقةً على أهله بانتفاعهم باللبن، المقصودُ يحصُل بغيرها.

"فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً" عناقاً أو جدياً، العَناق: أنثى المعز، الجدي: ذكر المعز. "وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً، فَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ" من أجل أن يبرد في القربة، ما عندهم ثلاجة. "ثُمَّ أُتُوا بِذَلِكَ الطَّعَامِ" وجاء في رواية أنه وضع ﷺ وأبو بكر وعمر رؤوسهم للقائلة للنوم، فانتبهوا وقد أدرك طعامهم، فوضع الطعام بين أيديهم."فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَشَرِبُوا" وشبعوا "وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "لَتُسْئَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ".

قال أهل المعرفة: والسؤال قد يكون سؤال امتنان، يسألهم سؤال امتنان، يمتنُّ عليهم بما تفضّل، فيسألهم سؤال امتنان، وقرأ قوله: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر:8]. فيحملهم على الشكر، ﷺ، قال: خرجتم من الجوع، وقد طُعمتم وشربتم.

وكما جاء في الروايات: وقال: "إذا أصبتم هذا فضربتم بأيديكم فقولوا: بسم الله، وإذا شبعتم قولوا: الحمد لله الذي هو أشبعنا وأنعمَ علينا وأفضل، فإن هذا كفاف عن هذا".

جاء في رواية الترمذي بعد ذلك: قال النبي ﷺ: "هل لك من خادم؟" يقول لأبي الهيثم، قال: لا، قال: "فإذا أتانا سبيٌ فأتِنا"، فأتى النبي ﷺ. أُتيَ النبي ﷺ  برأسين ليس معهما الثالث، فأتاهُ أبو الهيثم، فقال النبي ﷺ اختر منهما، خذ لك واحداً منهم يكون خادم لكم، يساعدكم في شؤون مزرعتكم وحالكم، قال: يا نبي الله اختر لي، قال: "المستشار مؤتمن، خُذْ هذا فإنّي رأيته يصلي، واستوصِ به معروفًا". انطلق به أبو الهيثم وجاء إلى امرأته، قالت: ما هذا قال؟ قال: أعطانيه رسول الله قال لي: اختر، ما رضيت، وقلت له: اختر لي أنت يا رسول الله، فقال: المستشار مؤتمن، واختار لي هذا، ووصاني به. قالت: ما قال لك؟ قال: قال واستوصِ به معروفًا. قالت: كيف تقدر أن تنفذ وصية النبي؟ وتقوم بالمعروف كما ينبغي؟ والنبي ﷺ أمرك أن تفعل فيه المعروف، ما أنت ببالغ فيه ما قال النبي إلاّ أن تعتقه أحسن لك، أعتقه هذا هو أحسن معروف وتكون نفذت الوصية، قال: هو عتيق!..

ثم قال ﷺ: "إنّ الله لم يبعث نبيًّا ولا خليفةً إلَّا وله بطانتان، بطانةٌ تأمرُه بالمعروفِ وبطانةٌ تنهاه عن المنكرِ، وبطانةٌ لا تألوه خَبالًا، فمن وُقِي بطانة السوء فقد وُقِي". في رواية يقول له: "ما لك خادم يسقيك الماء؟" قال: لا والله يا رسول الله، قال: "فإذا أتانا سبي فأتنا، حتى نأمر لك بخادم"، فلم يلبث إلا  يسيرًا حتى أتاه سبي، فأتاه سيدنا أبو الهيثم، فقال: "ما جاء بك؟" قال: يا رسول الله وعدك الذي وعدتني، قال: "هذا سبيٌ، فقُم فاختر منه"، قال: كن أنت تختار لي، قال: "خذ هذا الغلام وأحسِن إليه".

 أخذه وانطلق به إلى امرأته، فقالت: ما هذا؟ فقصّ عليها القصة من أولها لآخرها…

انظر كيف كان النساء في تعظيمهم لأمر رسول الله ﷺ، وتقصّيهم لمعاني الكلام الذي يتكلم به، وكيفية تطبيقه.. عقليات راجحة، وثقافة عالية رفيعة، عليهنّ رضوان الله تبارك وتعالى.

قصّ عليها القصة، قالت: فأي شيء قلت له؟ قال: قلت له! وفي رواية قال له: "قد أحسنتُ إليك فأحسِن إليه". قالت له زوجته: كيف تحسن إليه؟ قال: كيف؟.. ما الإحسان إليه؟ ما ترين كيف نحسن إليه؟ قالت: أن تعتقه، قال: هذا حر لوجه الله خلاص!..

فاليوم الذي أخذوه أعتقوه وانتهت المسألة.

قال أبو الهيثم: فلما بلغني أنّه أتاه ﷺ رقيق أتيته، فأعطاني رأسًا، وكاتبته على أربعين ألف درهم، فما رأيت رأسًا كان أعظم بركةً منه، ولا مانع في الجمع بينهما، أنه جاءت رواية أخرى يعني.

عليهم الرضوان، وصلى الله على سيد الأكوان، ورزقنا حسن متابعته في كل شأن، وأصلح لنا به السرّ والإعلان، وطهّر لنا به كل قلبٍ وفؤادٍ وجنان، وصفّانا عن جميع الأدران، ورزقنا الاستقامة على ما يحبّ منا ويرضى به عنّا أكمل الرضوان،

وأصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصالحين أهل العرفان، في عافية، بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

 

تاريخ النشر الهجري

07 رَجب 1444

تاريخ النشر الميلادي

29 يناير 2023

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام