شرح الموطأ - 502- كتاب صفة النبي ﷺ: متابعة باب جَامِعِ ما جاء في الطَّعَام والشَّراب (3)

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب صفة النبي ﷺ، متابعة باب جَامِعِ ما جاء في الطَّعَام والشَّراب (3).

فجر السبت 6 رجب 1444هـ.

متابعة باب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (3)

2710- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ، عَنْ أبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ، إِذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ وَخَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِىَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لأَجْراً؟ فَقَالَ: "فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ".

2711- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ بَعْثاً قِبَلَ السَّاحِلِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَهُمْ ثَلاَثُ مِئَةٍ، قَالَ: وَأَنَا فِيهِمْ، قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِىَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَىْ تَمْرٍ، قَالَ: فَكَانَ يُقَوِّتُنَاهُ كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلاً قَلِيلاً، حَتَّى فَنِىَ، وَلَمْ تُصِبْنَا إِلاَّ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ. فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ، قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلاَعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا وَلَمْ تُصِبْهُمَا.

قَالَ مَالِكٌ: الظَّرِبُ الْجُبَيْلُ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُكرِمِنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريّته، عبدِه المُصطفى سيِّدنا مُحمَّد صلَّى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحابته وأهل ولائه ومُتابعته، وعلى جميع آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين وآلهم وصحبهم والتابعين وعلى الملائكة المُقربين، وجميع عباد الله الصَّالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين.

وبعدُ، 

فيواصل سيِّدنا الإمام مالك -عليه رحمة الله تعالى- باب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ

ويذكر لنا هذا الحديث: "عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله تعالى عنه-، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ، إِذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ"، "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ"؛ أي: في سفره وفي خارج البلد، "يَمْشِى بِطَرِيقٍ، إِذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ"، واحتاج إلى الماء، فلم يجد إلا بئرًا، والبئر ليس عليها دلو ينزح منه الماء، فهي من الآبار التي تكون على الطريق وهي التي تُحفَر لأجل فائدة المارّة، وقد ذكر لنا سبحانه وتعالى في قصة سيِّدنا يوسف أن أصحابه قالوا: (وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) [يوسف:10]؛ يعني المُشاة والسائرين الذين يمشون في الطريق، وفيه: أنه تحفر الآبار من أجل مصلحة المارين في الطرق البعيدة والقِفار والصحاري وما إلى ذلك. 

وهكذا جاءت الشرائع بالمنافع والمصالح من عهد أبينا آدم إلى أن خُتمَت النُّبوة بسيِّدنا مُحمَّد ﷺ، فلا يمكن لذي فكر ولذي رأي أن يأتي بما يخدم مصالح النَّاس بخير مما أتت بالشرائع، بل ولا ما يُقارب ذلك، فالخير كلّه فيما يتعلق بمصالح العباد، ما شرعه خالق العباد ورب العباد -جل جلاله- وبيّنه على أيدي خيار العباد وأفاضلهم من الأنبياء والمُرسلين صلوات الله وسلامه عليهم. فمنها اتخاذ الآبار على الطريق، بهذا بوّبَ البخاري: باب الآبار التي على الطريق إذا لم يتَأذّى بها، ويحتاط إذا كانت على نفس طريق المارة بأن يجعل عليها العلامة والحاجز الذي يحجز الإنسان والحيوان عن السقوط فيها وما إلى ذلك. 

يقول: "فَوَجَدَ بِئْراً" هذا البئر ولم يجد الدلو، "فَنَزَلَ فِيهَا"؛ أي: في البئر، خرج في حجر البئر حتى وصل إلى الماء، "فَشَرِبَ وَخَرَجَ" من البئر وقام، "فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ"؛ يعني: يخرج لسانه من شدة العطش، وإن كان أصل اللهث ارتفاع النفس من الإعياء، والكلب من عادته اللهث ولكن رأى عليه لهث مخصوص يدلُّ على عطشه، فيُخرج لسانه ويتتبع موضع الثرى؛ موضع البلل، فعلم أنه عطشان. "يَأْكُلُ الثَّرَى"؛ يعني: يصل للأرض النديّة التي فيها البلل، فعلم أنه عطشان "مِنَ" شدة "الْعَطَشِ"، "فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي"؛ كما أنني عطشت، وأشرفت على الهلاك، وأنقذني الله بواسطة هذا البئر، والكلب وقع في مثل الحالة التي وقعتُ فيها. 

وفيه: ما يجتمع فيه الحيوان من بعض الحالات والحاجات مثل الجوع والعطش، فهو عند الإنسان والحيوان. فإذًا؛ وقف يفكر في سقي هذا الكلب وإرواء عطشه ولم يمضِ غير مبالٍ بالكلب، "فَنَزَلَ الْبِئْرَ"؛ قام بحق هذا الكلب، وأعطاه حقه، بحكم الإيمان، وبحكم الإسلام، ولم يجاوزه ولم يتركه في لهثه وعطشه. "فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ"، لا يوجد دلو ولكن نزع الخف الذي يلبسه في رجله -من الجلد- ملأه من الماء، ملأه من الماء، "ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ"؛ بفمه. أمسك طرف الخف بفمه وقد ملأه بالماء وطلع في البئر، "حَتَّى رَقِىَ، فَسَقَى الْكَلْبَ" ذلك. قال: "فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ"؛ يعني أحب منه هذا العمل، أثنى عليه، قبله منه، وأحسن جزاءه عليه، "فَغَفَرَ لَهُ" وتجاوز عن ذنوبه كلها برحمته لهذا الكلب. 

"والرَّاحِمون يرحَمُهم الرَّحمن" جل جلاله وتعالى في عُلاه. حتى جاء في رواية: "فأدخله الجنَّة"، هكذا في رواية ابن حِبان. "فَقَالُوا"؛ يعني الصحابة: "يَا رَسُولَ الله وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لأَجْراً؟"، نحصّل ثواب لما نقوم بخدمتها، لمّا نسعى في مصالحها؟ "فَقَالَ ﷺ: فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ". "فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ"؛ يعني: كل ذات كبد كل حيوان ذات كبد رطبة؛ يعني حية صفة ملازمة للحياة فهنا كناية عن كل حيوان له حياة، ويحتاج إلى خصائص الحياة، ويشعر بما يشعر به ذلك الحي، فلنا في إسداء المعروف إليه أجر وثواب من الله تبارك وتعالى. 

ومن هنا قال فقهاء الإسلام والشريعة: إنه يجب دفع الضرر عن الحيوان غير العقور؛ غير المؤذي؛ غير الضار. إذا يعيش معنا حيوان وتعرّض للضرر ويحتاج إلى أمر ضروري؛ وجب علينا أن نسعفه وأن نقوم بحقه، هكذا جاءت الشرائع المُطهرة. فيجب حفظ حياة هذه الحيوانات بما قدرنا ومعالجتها، لهذا كان في ما يسمى بالبيطرة ومعالجة أمراض الحيوانات صلةٌ بأوامر الشريعة وأوامر الدين، وينبغي أن نعتني بالحيوان. 

ولمَّا مرَّ سيِّدنا الإمام أحمد الرفاعي على كلب أجرب، تعب من جربِهِ وصعب عليه تحصيل القوت خارج البلد، عكف نفسه عليه، اعتكف فجلس يأتي له بالطعام، ويضع الدواء على جربه وجرحِهِ، وقعد ما بين ثلاثة أيام إلى سبعة أيام حتى برئ الكلب، وقام فدخل البلد بعد ذلك، عليه رضوان الله تبارك وتعالى. فانظر هذا العارف بالله العالم المُقرَّب، كيف اقتطع من عُمره أيام يخدم. لو لم يكن في ذلك رقي ومكانة عند الله… ولذلك كانت له المراتب والكرامات العظيمة -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- وممَن يُضرَب به المثل في قوة تواضعهم لله تبارك وتعالى وخضوعهم، وأن الله رفعهم بذلك. كمثل سيِّدي أحمد الرفاعي، وسيِّدي أبي بكر العدني، وسيِّدنا الشيخ أبي بكر بن سالم هؤلاء يُضرَب بهم المثل في خضوعهم وتذللهم وتواضعهم لله -تبارك وتعالى- فرفع الله درجاتهم بسبب ذلك. وشاهدُهُ في الحديث: "مَن تواضع لله رفعه"، رفعه الله. 

وما ذكر لنا النَّبي مثل هذه القصة إلا ليُعلِمنا مثل هذه المكارم، وتلقّفتها عقول وأرواح هؤلاء الكُبار وأقرُّوا عين نبيهم فيما يُفهَم من كلامه، وما يُطبَّق من تعليمه ونظامه ﷺ، فهم قُرة العين، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

وهكذا حتى يقول الفقهاء: أن مَن عنده ماء وهناك حيوان من الحيوانات المتواضعة غير المأمور بقتلها -من المؤذية والفارسة- فيجب عليه يؤخر الوضوء ويعطي الحيوان الماء ويتيمّم، يتيمم ويعطي الحيوان الماء؛ وتُقبل صلاته بالتيمم؛ ولا يجوز له أن يُقدِّم الوضوء على عطش الحيوان، بل يسقي الحيوان. 

وبهذا نعلم أنه لا حاجة أن يتبجح من عنده شيء من الصدق أو الكذّابين على الأكثر في حقوق الحيوان، ويتكلمون كلام غريب، ولا سلم منهم حيوان ولا إنسان، أتعبوا الحيوان وأتعبوا الإنسان، وجاءوا بأسلحة الدمار الشامل التي ما تعرف إنسان ولا حيوان، ولا تُفرِّق بين صغير ولا كبير، ولا طفل ولا امرأة، ولا غير ذلك. إن كان شيء من رعاية حق الحيوان، ففي منهاج خالق الحياة، وخالق الكائنات والحيوانات، وفي مسلك المُرسلين صلوات الله وسلامه عليهم. 

ونبينا ﷺ كما جاء معنا، رأى الهرّةَ تشرب، فصَعُبَ عليها الشرب لأن الماء قليل في الإناء، فقام بنفسه وذاته الشَّريفة، وتعلم ذاته أي ذات.. ومَن هو!.. وقام وأصغى الإناء ليجتمع الماء في طرف الإناء، فيسهل عليها الشُّرب، ولم يزل مُصغيًا لها الإناء حتى شربت، تشرب بلسانها الهرة كما تنظرون، وبقي ﷺ قائمًا في هذه الخدمة حتى رويت هذه الهرة. ولمَّا نظر إليهم نظرة تعجب، قالوا: ﷺ فعل هذا مع الهرة؟ قال: "إنَّها ليست بنجَسٍ إنَّها منَ الطَّوَّافينَ عليكم"، من أصحاب الخدمة في الدار، ومشاركة لنا في الحياة في الدار، نعطيها حقها، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. 

كما سمعتم: "فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ". وهكذا.. فما بقي إلا الكلب العقور أحد الفواسق الخمسة الذي يُقتَل ولو في الحرم. أما غير الكلب العقور، فمنه ما كان كلب صيد أو حراسة، مع أننا مُحرَّم علينا أن نتخذ الكلاب لغير صيد ولا حراسة ولكن واجب علينا نخدم ما لا يضر منها، إذا احتاج إلينا أن نعطيه حاجته. ومَن اتخذ كلبًا لغير صيد ولا حراسة، نقص من أجره كل يوم قيراط. 

  • فإذا كان الكلب لصيد حراسة؛ مُجمع على حُرمة قتله لأنه مُنتفَع به فيحرم قتله. 
  • والكلب العقور مُجمَع على حِل قتله. وقيل: بوجوب قتله. 
  • بقي الكلب الذي ليس فيه منفعة ظاهرة ولا منه ضرر؛ ما يؤذي أحد، كانوا يُسمونه كلب السوق، ما يؤذي أحد ولا يضر أحد ولا يحرس، في حاله، فهذا أيضًا جمهور العلماء، على أنه يحرم قتله؛ ما يجوز قتله، قالوا: والأمر بقتل الكلاب منسوخ.

وبهكذا جاء التفصيل عند الأئمة عليهم رضوان الله:

  • فيقول المالكية: 
    • الكلب الذي يضر يجب قتله، وما عداه يجوز قتله لأنه لا منفعة فيه. 
    • أما كلب الماشية والصيد والزرع، لا؛ فيحرم قتله. 
    • وذهب كثير من علماء المالكية: أنه لا يُقتَل من الكلاب أسود ولا غيره إلا أن يكون عقورًا مؤذيًا. 
  • كما هو مذهب الجمهور ومذهب الشَّافعية: ما يجوز قتله إلا إن كان مؤذيًا عقورًا. 
  • وهكذا يقول الشَّافعية: 
    • الذي يؤذي ويضر، هذا الذي يندب قتله. 
    • وأما المحترم بلا خلاف، وإما في نفع من صيد وحراسه ونحوها؛ فيحرم قتله؛ يحرم ضرّه؛ يحرم ضربه؛ يحرم أذاه؛ يحرم رميه؛ ما يجوز أن ترميه. 
    • وهكذا والثالث ما فيه خلاف، الذي لا نفع فيه ولا ضرر، فالمعتمد عند الرملي وابن حجر، أنه محترم؛ يَحرم قتله، ولا يخرج عن الحرمة إلا الكلب العقور، يعقر ويضر الآخرين.
  • وهكذا يقول الحنابلة: 
    • يحرم قتل الكلب المعلَّم وقاتله مسيء ظالم. 
    • وكذا كل كلب مباح إمساكه؛ يعني محلٌّ منتفع به يباح اقتناؤه؛ يحرم إتلافه مثل بقية الحيوانات، وإن كان لا غُرم معين في قتله ولكن يحرم قتله.
    • أما ما آذى الناس وضرّهم في أنفسهم وأموالهم؛ يباحُ لهم قتله لأنه يؤذي بلا نفع. 
    • وأما ما لا مضرة فيه، فالمعتمد عندهم كما قال الشَّافعية والقول عند المالكية: أنه يحرم قتله ما دام لا يضر. 

بخلاف الكلب العقور: 

  • فما بين  الندب كما هو عند الشَّافعية. 
  • وما بين الوجوب، كما هو القول عند المالكية. 
  • وعند الحنابلة: أنه إذا كان عقور؛ يجب قتله.

فالنبي ذكر لنا هذا الخبر عن هذا الكلب وأن الله غفر له. 

وجاء في رواية أن الذي أنقذ ذلك الكلب امرأة، فيُحتمل أن تكون قصتان كانت في بني إسرائيل، وكلاهما غفر الله له. وجاء في بعض الروايات أن تلك المرأة كانت بغي -والعياذ بالله- عاهر، امرأة عاهر ولكن لمَّا رحمت الكلب؛ غفر الله لها بسقيها هذا الكلب، وإنما يرحم الله من عباده الرُّحماء.

إذًا؛ فالمؤذي هو الذي يُقتل، فضلًا من الخالق -سبحانه وتعالى- الذي خلق الإنسان وكرّمه، أباح له أن يقتل ما يضرُّه وما يؤذيه. بل من كرمه -سبحانه وتعالى- وتكريمه للإنسان، أباح له حيوانات لأجل طعامه ولأجل أكله أن يذبحها ولكن يحسن الذبحة. وإذا ملكها، لا يُسيء إليها ويحسن طعامها وشرابها، ويحسن لها ولا يؤذي شيئًا منها، وإذا ذبحها بشروطها. وأنه حتى أن يذبحها لغير الأكل ممنوع، إلا فقط لحرمة الإنسان ومكانته عند الله لأجل أكله، جاز له حيوانات معينة يأكلها، فيذبحها لأجل الأكل. 

حتى إذا استقذر حيوان ولا يريد يأكله ولكن يريد يتخلص منه وأصله مأكول؛ يحرم عليه ذبحه. تريد أكله اذبحه. ما تريد أكله اتركه. ولا تقول قاعد كذا وكذا… إذا كان في ملكك أكِّلهُ وأطعمه، وخلُّه يقعد هكذا، إلى أن يموت من نفسه. لمَّا تريد أن تأكله -هذا كرم من الله- قال للإنسان: اذبحه لتأكله، أما لغير الأكل ما يجوز لك تذبحه. قال: هو تعبان بريّحه، ما عليك! ربه الذي يمرضه يبتليه، أنت ما لك دخل في هذا ما تذبح، لا تتعرض لنفس!.. 

فأذية الحيوان حرام، فكيف يبقى أعظم من أذية قتله؟ كيف تقتله؟ ما يجوز تقتله. حتى أنه يقاد بين الحيوانات وبين ابن آدم في محكمة القيامة. مَن آذى حيوان بغير حق، يأخذ حقه، تعال هات حق الحيوان هذا، يُبطح على حجارة من النَّار ويرفسه بقدر ما آذاه في الدُّنيا! لأن ربها كلها واحد، ما يوجد حيوان ما له رب.. ما تستضعف شيء، تظن عندك صورة قدرة تظن أنك فوق، شوف في وراءه رب، له رب، أي حيوان وراءه رب بيأخذ حقه منك، فلا تغرك قدرتك هذه الصورية في هذه الحياة الدُّنيا. 

وهكذا جاء في بعض الروايات: "بيْنَما كَلْبٌ يَطِيفُ برَكِيَّةٍ، كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَها فَسَقَتْهُ فَغفَرَ لها بهِ". إذًا؛ حديثان، حديث قصة هذا الرجل، وحديث تلك المرأة، فقصتان ذكرهما لنا ﷺ في بني إسرائيل وقعت، ليُعلّمنا مكارم الأخلاق.

ثم ذكر لنا الحديث الثاني في بعث النَّبي ﷺ، يذكر سيِّدنا جابر بن عبد الله الأنصاري -رضي الله تعالى عنه-: يقول: "بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ بَعْثاً قِبَلَ السَّاحِلِ" هذا في عام ثمان من الهجرة. قيل: إنه في رجب، كانت هذه السرية سرية أبو عُبيدة، في مثل شهرنا هذا، لكن في العام الثامن من الهجرة، قبل ألف وأربعمائة وستة وثلاثين سنة. خرج سيِّدنا أبو عُبيدة بأمر رسول الله بهذه السرية، بعثهم إلى سِيف البحر، يقولون لها: سرية الخبط، فيها ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار. منهم سيِّدنا عُمَر بن الخطاب، قيس بن سعد بن عبادة كانوا وسط هذه السرية، والأمير أبو عبيدة بن الجراح -رضي الله تعالى عنه- ولما أرسلهم "فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ" قِبَلَ الساحل؛ يعني ساحل البحر. 

قال: بَعَثَنَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ، ثلاثمئة رَاكِبٍ أمِيرُنَا أبو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ، نَرْصُدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، فأقَمْنَا بالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ، نعم فأمَّرَ عليهم أبا عُبيدة بن الجراح -رضي الله عنه-، وقد سمع سيِّدنا عُمَر النَّبي يقول: "لكل أُمة أمين، وأمين هذه الأُمة أبو عُبيدة بن الجراح". فكان سيِّدنا عُمَر في آخر عمره يقول: لو كان أبو عُبيدة حيًا لوليته على الأُمة من بعدي، فإذا سألني ربي، أقول له: سمعت نبيك يقول أنه أمين هذه الأُمة؛ وما يقع عليّ حساب. وجعل الشورى بين ستة من الصَّحابة الذين توفي ﷺ وهو عنهم راض، وطول حياتهم مع النَّبي ما حصل منهم ما يحزن رسول الله ﷺ، فاختارهم لهذا الوصف وجعل الشورى بينهم. 

فخرجوا وهم  ثلاثمائة نفر -عليهم الرضوان-، وما هو الزاد الذي معهم؟ مجاهدين في سبيل الله -تبارك وتعالى- في زمننا هذا، بعضهم ما يخرج ولا يدخل الجيش ولا يخرج إلا في مقابل يحصل، وقد يكون مغري هو سبب خروجه، لكن هؤلاء يخرجون نفقة ما  أحد معه نفقة، الزاد للأكل الضروري غير موجود. البعض زادهم بجراب تمر، معه جراب تمر، ثلاثمائة نفر يأخذون معهم جراب تمر -عليهم الرضوان-، هؤلاء أهل الصِّدق مع الرَّحمن -جل جلاله- اشترى منهم، فباعوا فأحسنوا البيع، (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم ..) [التوبة:111]. 

قَالَ سيِّدنا جابر: "وَأَنَا فِيهِمْ" وفيهم جماعة كما سمعت من كبار الصحابة. "قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِىَ الزَّادُ" ما عاد معنا شيء، "فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ" فأمر أبو عُبيدة. قال: من باقي معه شيء يجيء به "فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ" فبهذا التواسي بينهم. 

ومدح بذلك ﷺ الأشعريين، وقال: إن الأشعريين إذا أرملوا، جمعوا زادهم، فتواسوا فيهم أو تقاسموا بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم. فلمَّا رأى سيِّدنا أبو عُبيدة أن الحال جوع عند الجيش، ويخاف عليهم الهلاك، ومنهم مَن له زاد يكفيه، وهنا لا موضع ابتياع ولا غيره، قال لهم: هاتوا الذي معكم من الزاد، كلّه اجمعوه، وخلّونا نحن نصرفه عليكم قليل قليل، حتى كلٍّ نحصل نصيب من الموجود هذا الذي معنا ومتى ما كمل ولا تم، خلاص، قلت معنا ربّنا، ونحن خرجنا في امتثال أمر نبيه ما عاد علينا، فجمعوا ما عندهم من الزاد، لا إله إلا الله... وكانوا على هذه المكارم. 

قال: "فَكَانَ مِزْوَدَىْ تَمْرٍ، قَالَ: فَكَانَ يُقَوِّتُنَاهُ كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلاً قَلِيلاً"؛ يعطيهم كم تمرات للواحد، يقسّم على الجيش كله، بعد ذلك نقص التمر، ثلاث ثلاث، كل واحد ثلاث تمرات، لليوم كله ثلاث تمرات. نقص.. صار تمرة تمرة  يعطي كل واحد تمرة، يقسمون على الجيش في اليوم من تمرة، "حَتَّى فَنِىَ، وَلَمْ تُصِبْنَا إِلاَّ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ." لا إله إلا الله!..

وجاء في رواية يقول: "بعثنا ﷺ وأمَّرنا  بأبي عُبيدة، وزودنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره"، هذا الذي معه كلّه ﷺ أعطاهم إياه، اللَّهم صل عليه وعلى آله. وبعد ذلك يعطيهم تمرة تمرة، "فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟"؛ أيش بتصلح لك تمرة وحدة! قال: بعد ذلك ما حصلناها فقدناها، وجدناها عند فقدها وودينا تمرة.. مرت أيام حتى ما توجد تمرة، فأرسل الله لهم هذا الحوت من البحر، ففقدها. "فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ"؛ يعني تأسفنا على فقدها تمرة اليوم، عليهم الرضوان.. مَن يتجرأ على هؤلاء ويتكلم عليهم أو ينتقص من قدرهم، أهل الصِّدق مع الله ومع رسوله صلَّى الله عليه  وعلى صحبه وسلَّم

"قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ"، وأرسل الله لهم حوت كبير، وكأنهم في أيام شتاء، قعدوا أيام يأكلون منه ما تغيّر ولا شيء، والحوت هو هو، حتى سمنوا، لماذا تسمنوا؟ حصّل أبدانهم صحيحة وأكلهم قليل، مجرّد ما يحصلوا شيء يظهر الأثر عندهم، سمنوا من كم أيام، سمنوا من الأكل من هذا الحوت!.. قال: "فَإِذَا -فجأة- حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ"؛ يعني: جبل صغير، "مِثْلُ الظَّرِبِ" كأنه جبل صغير. "فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً" وهم يأكلون، خلاص ما عاد الحال تمرة تمرة، صاروا يأكلون سمك، هذا قوتهم. 

قال: "ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلاَعِهِ" هذا الحوت، خرّجوه، قال: "فَنُصِبَا"؛ جُعلَ على الأرض "ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ"؛ أطول راحلة أن تُرَحّل، "فَرُحِلَتْ"، أمر أطول رجل يركب فوقها، ركب فوقها، "ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا" ما وصل رأسه إلى الضلع من كبر الضلع "وَلَمْ تُصِبْهُمَا." لم تصب الراحلة إلى الضلعين من كبر الحوت هذا.

قال: فلقد رأَيْتُنا نغترفُ مِن وَقْبِ عينَيْهِ بالقِلالِ؛ الدهن. قلال؛ يعني أزيار يملّونها من الدهن حق عينه. وهكذا يقول: ونقتطَعُ منه الفِدَرَ كالثَّورِ أو كقَدْرِ الثَّورِ، ولقد أخَذ منَّا أبو عُبيدةَ ثلاثةَ عشرَ رجُلًا فأقعَدهم في وَقْبِ عينِه، وكلهم وسعتهم عينه ثلاثة عشر رجال دخلوا وسط العين؛ محل ثقب عين الحوت، حوت كبير! لا إله إلا الله… 

زخر لهم البحر زخره، وألقى لهم هذه الدَّابة، وفي هذا حِلُّ حيوان البحر. الحيوان المائي الذي لا يعيش إلا في الماء، جمهور العلماء على أنه حلال، سواءً طفى على الماء أو لم يطفُ، ما دام ما يعيش إلا في الماء -ملحًا كان أو عذبًا- فهو من الحيوانات المباح أكلها، ولا تذكية فيها. 

  • ولكن يُستحب عند الشافعية ما تطول حياته كسمكة كبيرة ونحوها من جهة الذيل؛ يعني: يمر بالسكين من جهة الذيل، يخرج أثر قطرة دم. وإن كان من الحيوان الذي يشبه حيوان البر، من العنق ولكن هذا نادر. 
  • والجمهور على أن ما لا يعيش إلا وسط الماء فهو من الحيوان المباح لنا، "هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته". الحِلُّ ميتته. 

فيقول الجمهور، وقال الله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا) [فاطر:12]، (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ ) [المائدة:96].

  • قال الحنفية: لا، ما يسمى سمك فقط هو الذي يحل أكله، ما عدا ذلك ما يحل أكله. 

فإذًا؛ 

  • الجمهور على أنه يحل الأكل من جميع الحيوانات التي لا تعيش إلا في الماء وحده.
  • وقال الشَّافعية: أن الذي يحل في الماء ويعيش في البر، الذي يقولون له برمائي؛ حرام؛ هذا ما يؤكل. 
  • وما كان طافيًا؛ يجوز أيضًا عند الجمهور.
  • وقال الحنفية: الذي مات حتف أنفه وطفا على البحر؛ لا يؤكل ولا يؤخذ.

إذًا؛ فهذه مذاهبهم في ما يتعلق بحيوان البحر، والله أعلم.

رزقنا الإيمان واليقين والإخلاص والصِّدق، وألحقنا  بخيارِ الخلق، ودفع عنا الآفات وبلّغنا الأمنيات، ورعانا بعين عنايته وثبتنا أكمل الثبات، وأصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصَّالحين مُترقّين أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين في لطف وعافية، الفاتحة.

 

تاريخ النشر الهجري

06 رَجب 1444

تاريخ النشر الميلادي

28 يناير 2023

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام