شرح الموطأ - 499 - كتاب صفة النبي ﷺ: باب النَّهْىِ عن الشُّرب في آنية الفضّة والنَّفْخِ في الشَّراب
للاستماع إلى الدرس
Audio Stream
Audio Stream
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب صفة النبي ﷺ، باب النَّهْىِ عَنِ الشُّربِ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالنَّفْخِ فِي الشَّرَابِ.
فجر الأحد 29 جمادى الآخرة 1444هـ.
باب النَّهْىِ عَنِ الشُّربِ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالنَّفْخِ فِي الشَّرَابِ
2698 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِالله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ".
2699 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ، مَوْلَى سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أبِي الْمُثَنَّى الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله إنِّي لاَ أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ: "فَأَبِنِ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ، ثُمَّ تَنَفَّسْ". قَالَ: فَإِنِّي أَرَى الْقَذَاةَ فِيهِ. قَالَ: "فَأَهْرِقْهَا".
باب مَا جَاءَ فِي شُرْبِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَائِمٌ
2700 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعَلِيَّ بْنَ أبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَاماً.
2701 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَعْدَ بْنَ أبِي وَقَّاصٍ كَانَا لاَ يَرَيَانِ بِشُرْبِ الإِنْسَانِ وَهُوَ قَائِمٌ بَأْساً.
2702 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الْقَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ يَشْرَبُ قَائِماً.
2703 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ قَائِماً.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مبيِّنَ الشريعة بلسان عبده المصطفى ذي المراتب الرفيعة والوجاهات الوسيعة، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه ومن غدا وليَّهُ وتبيعه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين جعلهم الله لعباده الحصون المنيعة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر لنا الإمام مالك -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ما يتعلق بالأواني، وهي الأوعية التي تُستعمل من أجل الطعام والشراب وغير ذلك من الأغراض. وقد علمنا ما نهانا -سبحانه وتعالى- على لسان رسوله من استعمال الذهب والفضة للرجال للزينة.
ثم حرّم على الرجال والنساء استعمالهما أوانيًا ولشيء من الانتفاعات غير التحلي بها للمرأة، واتخاذ الرجل خاتمًا من فضة، وما عدا ذلك فيحرم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة.
فإنهم النقدان الذَين خلقهم الله -تبارك وتعالى- ليكونا قيمةً للأشياء. وسبحان خالق جميع المعادن والجواهر، ومفضّل بعضها على بعض. واقتضت حكمته -سبحانه وتعالى- من أول الخلق، من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة، أن تكون القيمة في الذهب وفي الفضة، وهي نوع من الأحجار، والأحجار متنوعة، وهناك بعد ذلك ما يكون له غلاوة ثمن كياقوتٍ أو مرجان أو درٍّ وغير ذلك.. وما لا يكون له هذا الثمن، وما يرمى به ويُعرَض عنه، وكل ذلك بتدبيره جل جلاله وبحكمته البالغة.
وجعل أصل النقد للأشياء هو الذهب والفضة، ثم إنَّ الناس أحدثوا بعد ذلك إما مقابلتها بشيء من المواد بقياس ما يكون في الذهب والفضة. ثم ما أحدثته سياسات الحكومات والدول من فرض العملات الورقية النقدية التي فرضوها، ويتنازعون بحكم سياساتهم ونفوذ كلامهم على التسابق على اعتبار هذه العملات، وإرجاع الآخرين إلى عملة كلٍّ منهم، يريد كل منهم أن تكون عملته هي الأقوى وهي الأكثر، وهي التي تُقاس بها الأشياء، وهو نوع من أنواع الصراع على الفانيات، الذي يوصلهم إلى كثير من المصائب، ويوقعهم في كثير من المتاعب والمصاعب. "ولكن أخشى أن تبسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم"، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وستضمحلُّ بسبب اضمحلالات كثير من الأنظمة والسياسة شؤون هذه العملات التي أحدثوها، ويعود وضع الأرض كما كان إلى الاعتبار الأساسي للذهب والفضة فقط.
وهم أيضًا في زحمة تزاحمهم هذا، وسياساتهم في الترويج لعملاتهم أيضًا، لا يستطيعون رمي الذهب والفضة، ولا إخراجها من أصل القيمة وأنها المرجعية، ولا يستطيعون أن ينكروا أنها هي الأصل، وأن المرجع إليها، وأن قيمتها ثابتة، وقائمة أمام كل عملة أخرى من العملات، وذلك بجعل القدير الحكيم المدبر سبحانه وتعالى.
ثم تتلاشى عملة هذا وعملة هذا، يتضاربون ويطلع عملة ذا على عملة ذا، ثم عملة ذا على عملة ذا.. ثم ينتهي الكل، ويرجع الناس إلى الأصل فيما جعل الله من قيمة الأشياء من الذهب والفضة، ويكون ذلك هو المرجع الذي يرجع إليه الناس على ظهر هذه الأرض.
فجعل الله هذين النقدين، حرَّمَ التفاخر بهما باتخاذهما أواني، وأجاز الزينة بهما للنساء. وكذلك ما تقدم معنا من كلام أهل العلم بالشريعة عن تحلية الأطفال بها، وعن تحلية الكعبة المشرفة، واختلافهم في تحلية السلاح المعدّ للجهاد في سبيل الله إلى غير ذلك.
ويتحدث الآن عن الآنية، وأنه يحرم علينا الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، لما فيه من الخيلاء والفخر والكبرياء وكسر قلوب الفقراء.
وهذه شؤون ترعاها شرائع الله -تبارك وتعالى- فتبًّا لمن يتشدَّق بحقوق الإنسان، ثم يلعب بالإنسان ويهينه في كل مكان وبكل معنى، نعوذ بالله من الدعاوى الباطلات! ولكن شريعة الله -تعالى- راعت قلوب الفقراء، وراعت مشاعر الخلائق وأقامتهم على حميد الطرائق، في مسلك قويم، يُراعى فيه الحق والشعور لكل من يعيش على ظهر الأرض؛ فحرَّم على المقتدرين والأثرياء أن يظهروا بأواني الذهب والفضة، وقال فيما أورد لنا من هذا الحديث: "عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ"، والعياذ بالله -تبارك وتعالى- والحديث أيضاً جاء في الصحيحين وغيرهما.
والجرجرة: صوت الماء في الحلق، أو عند وقوعه في الإناء أو في الحلق ومروره به. هذا الجرجرة، والقصد أن كل مخالفة لأمر الجبار -جل جلاله وتعالى في علاه- فهي على المكلف نارٌ وسوءٌ وشرٌ وضر، مهما تصوّر بوهمه وخياله ووسوسة عدوه غير ذلك. فما النار إلا مخالفة الجبار، وما النار إلا معصية الواحد القهار، وما أُعِدَّت النار في الدار الآخرة بعذابها الأليم إلا لأهل معصيته، وإلا لأهل مخالفته، وإلا لأهل الكفر به سبحانه وتعالى.
فما حقيقة الجنة إلا طاعته، وما حقيقة الجنة إلا امتثال أمره، وما حقيقة الجنة إلا قمع الهوى من أجل شريعته، وما أعدّ الله الجنة بأنواع ما فيها من النعيم الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ إلا لأهل طاعته، وإلا لأهل محبته، وإلا لأهل تعظيمه وتعظيم شريعته، فهذه حقيقة الجنة وحقيقة النار.
وجعل الله لنا صورتين مقبلتين علينا في الدار الآخرة هي نتيجة ما يكون منّا في هذه الحياة:
- فالجنة بحقيقتها الإيمان به، وتعظيمه، ومحبته، ومعرفته، وطاعته، وامتثال أمره هذه هي الجنة.
- والنار بحقيقتها الكفر به، ومعصيته، ومخالفته، والخروج عن أمره وشريعته.
اللهم أجرنا من النار، واجعلنا من أهل جنتك.
ولولا مسامحته لعباده، وعفوه عنهم، لما دخل أحد جنته، ولكنه العفوّ والغفور الكثير التجاوز، كثير العفو، كثير الصفح -جل جلاله وتعالى في علاه- اللهم أدخلنا جنتك برحمتك، واجعلنا من أهل جنتك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
"الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ" وفي رواية "الذهب"، والذهب من باب أولى "إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ" والعياذ بالله -تبارك وتعالى- الصوت الذي تصوّت في البطن عند خروج الماء من الحلق إليه، فهذا استعجل على نفسه، وهيّأ نفسه للنار والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وكما قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [ النساء:10]، ولابد أيضًا في وقت الجزاء من أن يجرجَروا هؤلاء نارًا، وأن يؤكَل هؤلاء جمرًا من النار كما كانوا يأكلون أموال اليتامى والعياذ بالله تبارك وتعالى، وهكذا النهايات.
إذًا، فلا يجوز استعمال أواني الذهب والفضة لا للرجال ولا للنساء، ولا شيء آخر من غير الشرب والأكل، أي نوع من أنواع الاستعمال لا يجوز أن يكون بالذهب والفضة. إنما فيما جاء فيه الاستثناء:
في مثل سنٍ انكسر على الإنسان فأراد أن يقيمه من ذهب أو فضة، لكون معدن الذهب والفضة أبعد عن أن يصدأ، وأبعد عن أن يتلوث، فلطهارة المعدن جاز له أن يستعمل ذلك لأجل الضرورة، لا أن يُلبِس سنًا تلبيسًا من ذهبٍ وفضة فذلك حرام، ولكن أن يتخذه محل السن المكسور، لا أن يلبّس سنًا موجودًا ذهبًا فلا يجوز ذلك، ولكن إذا انكسر وخرج ضرسه فأراد أن يستعمل مكانه ضرسًا من فضة أو ذهب، فذلك جائز.
كما اختلفوا فيما يتعلق بما ينقطع من أنملة أحد المكلّفين، من أحد أصابعه أنملة أو أنملتين، إذا كان يستطيع أن يستفيد ويحرك ما يركّبه من المادة مقابلاً لأنملة أو لأنملتين من الإصبع الواحد، أما إصبع كاملة فلا يجوز، لأنه لا ينتفع بها ولا يستفيد منها.
وذلك أنه ﷺ رخَّصَ، لما جاء الذي كان قد قطعت أنفه في البداية، ثم اتخذ أنفًا من شيء من هذه المواد من الحديد وغيرها تعفّن عليه، فرخّص له ﷺ من يستعمل من الفضة أو من الذهب لكونه بعيد عن التعفن، فرخّصَ له في ذلك.
وبعد ذلك يأتي ما ضُبِّبَ أو مُوِّهَ بذهب أو فضة:
- فإذا كان الإناء خالص الذهب والفضة فهذا هو المحرّم، عند جميع أئمة الإسلام من المعتَبَرين.
- ونقل عن قول في المذهب القديم للشافعي بكراهة ذلك.
فإن الذي انتهى إليه وعليه عامة علماء الإسلام أن ذلك محظور لذاته ممنوع، فاستعمال الذهب والفضة حرام في المذاهب الأربعة، وعند عامة الأئمة لقوله ﷺ: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"؛ يعني: امتداد النظر إلى هذه الأشياء الحقيرة إنما يليق بالكفار الذين لا فضة لهم في الآخرة ولا ذهب لهم في الآخرة، وما لهم من المعادن الكريمة في الآخرة شيء، وأما أنتم معاشر الذين اتصلتم بالخلّاق المكوِّن، وتهيأتم لما أعدّ مما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ما حقكم أن تلتفتوا إلى هذه الأشياء فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة. اللهم اجعلنا من أهل جناتك.
وهكذا، وجاء أيضًا عنه ﷺ : "من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة"
نعوذ بالله. وهذا ما بين أمرين:
- إما أن يتابع إصراره على الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، ذنوب ومعاصي حتى ينمحي الإيمان من قلبه ويموت على غير الملة، فلا يدخل الجنة والعياذ بالله.
- وبين أن يموت وعنده نصيب من الإيمان، فإذا دخل الجنة مُنِعَ ذهبَها وفضتَها، فلا يكون له إلا أواني من بقية الجواهر الموجودة في الجنة، غير الذهب والفضة مكان استعجاله، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
اللهم أجرنا من النار، ومن موجبات الحسرة والندامة، ومن موجب خفض الدرجة في الجنة، أعذنا من ذلك يا أرحم الراحمين.
ومع ذلك، فلو توضأ من إناء ذهب أو فضة كان مأثومًا ومعرضاً للعذاب، وأما الوضوء فهو صحيح عند جمهور العلماء،
- قال بعض الحنابلة: إنما توضأ بفعل محرم فلا يُقبَل وضوءُه، ولا تصح طهارته.
- لكن قال بقية الحنابلة كما قال بقية الأئمة: أن الوضوء صحيح، والإثم عليه؛ لأن الطهارة لا تتعلق بالإناء نفسها، وما دام الماء طهور وتوضأ به، فالطهارة صحيحة، ولكن الإثم عليه، والعقاب معرض له باستعمال هذا الإناء.
وهكذا، بأي نوع من أنواع الاستعمال غير أكل وشرب.. نفس الشيء، ولذا قالوا: لو اضطر إلى استعمال ميلٍ من فضة أو ذهب لمرضٍ في عينه؟
قالوا: إن تعين ذلك ولم يجد غيره ينوب منابه، جاز له أن يتخذ ميلاً من ذهب أو فضة، فإذا شفيَ وذهب عنه مرضه وجب عليه كسر ذلك، لأنه كما يحرُم استعمال الأواني فيحرم اتخاذها.
فإن قال لا أريد استعمالها فقط أركزها!.. كما لا يجوز استعمالها لا يجوز اتخاذها، لماذا؟
لأن اتخاذها يؤدي إلى استعمالها، ماذا تريد منها بعد ذلك؟ إما أن تستعملها أو تبيعها، أي أحد يستعملها، فوقعتَ في المحذور، فلا يجوز اتخاذها كما لا يجوز استعمالها.
ثم بعد ذلك الأواني المفضضة أو المضببة بالذهب أو بالفضة:
- فأما بالذهب فحرام عند عامة الأئمة.
- الحنابلة يقولون أن يجوز إن كان المستعمل يتقي موضع الفضة.
- ويقول الحنفية أنه جائز استعمال الآنية المفضضة بالذهب والفضة.
- قال الحنابلة : لا يشرب من موضع الفضة ولا موضع الذهب .
وهذا بخصوص الفضة دون الذهب، فأكثر الحنابلة يقولون: يجوز الاستعمال إذا كانت الفضة قليلة، ولم يستعمل موضع الفضة؛ ما يضع فمه موضع الفضة. وهكذا جاءت الروايتين عن الإمام مالك عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
وهكذا قال الشافعية:
- أما بالنسبة للذهب: فلا يجوز استعمال مضبب به أصلاً قلّ أو كثر .
- وإن كان من فضة فهو عندهم على سبعة صور؛ منها ما يكره، ومنها ما يحرم، ومنها ما يباح؛ فالمباح منه لما جاء عنه ﷺ أنه كان له قدح انكسر، فضُبِّبَ بفضة، فكان يشرب فيه.
- قالوا: إن كان الضبة صغيرة، وبمقدار الحاجة فقط، لم تزد على مقدار الحاجة فهي مباحة.
- وإن كانت بعد ذلك كبيرة، وكلها للزينة، أو بعضها للزينة وبعضها لحاجة، فهي حرام ما تجوز؛ إذا كانت الضبة كبيرة وكلها للزينة أو بعضها للزينة وبعضها لحاجة، فيحرم استعمالها في هاتين الصورتين.
- وإن كانت الضبة كبيرة ولكن كلها لحاجة، أو كانت صغيرة بعضها للزينة وبعضها لحاجة، أو كانت صغيرة لزينة، أو شك هل هي كبيرة أو صغيرة، فيُكره كراهة تنزيه استعمال ذلك.
فصار الأمر يعود إلى الصِّغر والحاجة:
- فإذا اجتمعت الصغر والحاجة فهي مباح.
- وإذا انتفى الاثنان -الصِّغر والحاجة- فهي محرمة.
بأن تكون كبيرة بعضها لحاجة وبعضها لزينة، أو كبيرة كلها لزينة فهي حرام ولا يجوز. والمَرَدُّ في الكبر والصغر للعُرف، فالعرف أن بالنسبة لهذه الإناء هذه الضبة صغيرة ولا كبيرة.
وإن وجِد واحد من الاثنين:
- إما صغر مع زينة
- أو كبر لحاجة
فحينئذ تكون مكروهة، بأن تكون:
- كبيرة كلها لحاجة.
- أو صغيرة كلها لزينة .
- أو صغيرة بعضها لزينة وبعضها لحاجة .
- أو شك هي كبيرة أو صغيرة.
فصارت في هذه الصور الأربع مكروهة.
فتحصل من ذلك سبع صور :
- تباح في واحدة أن تكون صغيرة لحاجة،
- وتكره في أن تكون: صغيرة لزينة، وصغيرة بعضها لزينة أو بعضها لحاجة، وكبيرة كلها لحاجة، وشكّ هل هي كبيرة أو صغيرة وهي لحاجة.
فصارت أربع مكروهات .
- واثنتان محرمتان، وهو أن تكون: كبيرة بعضها لحاجة أو بعضها لزينة، أو كبيرة كلها لزينة .
فهما محرمتان.
فهذه الخلاصة فيما يتعلق بضبة الذهب والفضة.
وضَبَّةُ العسجد حرِّم مطلقا *** كذا الإمام النووي حقَّقا
العسجد؛ أي: الذهب.
وقال في ضبة الفضة في الزبد:
وتَحْرُمُ الضَّبَةُ مِن هَذِينِ *** لكِبَرٍ عُرْفَاً مَعَ التَّزيين
إِنْ فُقِدَا حَلَّتْ، وفَرْدَا يُكْرَهُ *** والحاجَةُ التي تُساوي كَسْرَهُ
إِنْ فُقِدَا؛ أي: الكبر والزينة.. حَلَّتْ
وفَرْدَا؛ يعني واحد موجود من الاثنين.. يُكْرَهُ
والحاجَةُ التي تُساوي كَسْرَهُ؛ أي: مقدار الحاجة التي تساوي الكسر فقط، الذي يتم بها جبر ذلك الإناء.
وحدثنا بعد ذلك: "عن أَبُي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله ، إنِّي لاَ أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ: فَأَبِن"؛ يعني: أبعِدْ وأزِلْ ونحِّ، نحِّ "الْقَدَحَ" أبعد "الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ"؛ عن فمك "ثُمَّ تَنَفَّسْ"؛ يعني: لا تتنفس في الإناء فذلك مكروه، يُكره التنفس في الآنية، ولكن يُبعد الإناء ويتنفس خارج الإناء، ثم اشرب مرة أخرى، بل السُّنَّة أن يشرب في ثلاثة أنفاس، فهذا هو الأفضل، واختلفوا إذا يشرب في نفَس واحد، فالجمهور على أنه جائز، ولكن السُّنَّة أن يشرب في ثلاثة أنفاس.
وبعد ذلك يقول: "قَالَ: فَإِنِّي أَرَى الْقَذَاةَ فِيهِ."؛ الْقَذَاةَ: من تِبن ونحوه وشيء يقع في الماء يعني في القدح، قال ﷺ: "فَأَهْرِقْهَا" يعني صب الماء من القدح قليلًا حتى تخرج القذاة، ثم اشرب، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهو المعلم لنا كل شيء، صلوات ربي وسلامه عليه.
ثم ذكر لنا حديث الشرب وهو قائم، وأن ذلك جائز، وفعله ﷺ لبيان الجواز، وفعله بعض الصحابة، وأن الأفضل أن يشرب المؤمن جالساً، مهما تمكن من ذلك.
واستثنى بعضهم ماء زمزم، وقال: يشربه قائمًا، لما جاء عنه ﷺ أنه شرب زمزم وهو قائم، صلوات ربي وسلامه عليه، وإنما فعله لبيان الجواز، فهو مكروه كراهة تنزيه، لما جاء في روايات من النهي عنه -عن الشرب قائمًا- وإن كان جائزاً فهو منهي عنه نهي تنزيه، فينبغي للمؤمن أن لا يشرب إلا وهو جالس، قالوا فإذا اضطرَّ أو احتاج للشرب قائمًا:
- فينبغي أن يحرك إبهامَي قدمَيه أثناء الشرب.
- ويذكر بعضهم صلاته على النبي ﷺ، اللهم صل على سيدنا مُحمَّد الذي شرب جالسًا وقائمًا، ليتذكر ملجأً له في السُّنة، وأصلًا له، وهذا بحسب الحاجة.
فينبغي أن لا يشربَ إلا وهو قاعد، ولا يأكلَ كذلك إلا وهو قاعد، فهذا الأفضل.
فإن كان يجوز، وكراهة الشرب قائمًا أشد من كراهة الطعام قائمًا، لمجيء النهي عنه، فهو محمول على التنزيه، وإن كان يجوز أن يأكل وهو قائماً وهو يمشي يجوز من جهة الجواز، والأفضل أن يحافظ على آداب الطعام ويأكل وهو جالس، قال ﷺ: "إنما أنا عبدٌ، أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد". صلى الله وسلم ويارك عليه وعلى آله، ورزقنا حسن متابعته.
هذا حكم الشرب قائمًا. وكذلك المضبب بالذهب والفضة، غير المضبب المموه والمغشّى بالذهب والفضة، فهذا المموه بالذهب والفضة اختلفوا فيه،
- قالوا الشافعية: إن كان يسيرًا، كيف يسير؟
- لو أن الصائغ عرضه على النار، لم يستطع تخريج شيءٍ منه، لا ذهب ولا فضة فيجوز، مطلي بالذهب أو بالفضة.
- فإن كان لا يتحصل منه شيء بالعرض على النار، الصائغ ما يقدر يخرج منه شيء لقِلّته، فهذا يجوز.
- وإن كان أكثر من ذلك فلا يجوز استعماله.
- كذلك قال الحنفية، وأحد قولي المالكية أنه جائز استعمالها .
- إلا أن الحنفية أيضاً اشترطوا ما اشترط الشافعية، قالوا إذا كان التمويه لا يمكن تخليصه.
وهكذا كان الأواني المموهة والمطلية بالذهب أو الفضة إذا غُشّيت بها:
- فالحنابلة قالوا المطلي بها كالإناء منها حراماً مطلقاً، فكان أشد المذاهب في ذلك مذهب الحنابلة، قالوا المموه كله ما يجوز.
- إلا أن الشافعية وإن أجازوا الاستعمال، فإنهم حرموا الفعل؛ حرموا التمويه، قالوا إنه إضاعة المال، فلا يجوز أن يموّه ويطلي شيئًا من الأواني بالفضة، فهم مُحرم عليه التمويه. أما بعد التمويه، فإن كان قليلاً لا يمكن تحصيل شيئ منه، فيجوز الاستعمال، لكن الفعل نفسه محرم، لا يجوز أن يموه شيء.
- أما الحنابلة قالوا المموه بالذهب والفضة كالإناء من الذهب أو الفضة لا يجوز استعماله أصلاً.
- وقال بجواز ذلك الحنفية، كما هو القول عند المالكية.
- وهذا التفصيل أيضًا عند الشافعية.
رزقنا الله الاستقامة، واتحفنا بالكرامة، وكان لنا بما هو أهله في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة، وأحلنا دار المقامة مع المنعَم عليهم من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب ولا توبيخ ولا عقاب بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي مُحمَّد ﷺ.
تاريخ النشر الهجري
29 جمادى الآخر 1444
تاريخ النشر الميلادي
22 يناير 2023
مشاركة
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(163)
(616)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(339)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(8)
(4)
(24)
(394)