شرح الموطأ - 498 - كتاب صفة النبي ﷺ: باب ما جاء في المَسَاكِين، وباب ما جاء في مِعَى الكافر
للاستماع إلى الدرس
Audio Stream
Audio Stream
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب صفة النبي ﷺ، باب ما جاء في المَسَاكِين، وباب ما جاء في مِعَى الكافر.
فجر السبت 28 جمادى الآخرة 1444هـ.
باب مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ
2694 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ". قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ".
2695 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ بُجَيْدٍ الأَنْصَاري، ثُمَّ الْحَارِثِيِّ عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "رُدُّوا الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ".
باب مَا جَاءَ فِي مِعَى الْكَافِرِ
2696 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ".
2697 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ كَافِرٌ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلاَبَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلاَبَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلاَبَهَا، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ : وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ".
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مكرمنا بالشريعة وبيانها على لسان عبده وحبيبه سيدنا مُحمَّد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين المبشرين به، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر لنا الإمام مالك ما جاء في المسكين، ومن المسكين؟.. وقد جعل الله -تبارك وتعالى- حكمته في تقسيم أرزاق العباد (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ) [الرعد:26] ليبلو بعضنا ببعض، وليختبر صاحب الفقر بفقره، وصاحب الغنى بغناه، وأيّهم يتأدب مع الله ويرضى عن الله، ويكون في الحال الذي يرضاه تعالى في علاه، وأيّهم يتبرم ويجزع، أو يغتر ويتكبر ويبخل بما آتاه الله -تبارك وتعالى- أن ينفقه.
فجعل الله -تبارك وتعالى- هذا الاختبار لخلقه، (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ) سبحانه وتعالى، فجعل من ذلك الفقراء والمساكين.
- والفقير والمسكين ذوو الحاجة: مَن لا يجدون كفايتهم مما يحتاجونه من نفقاتهم أو نفقات من تلزمهم نفقتهم.
قالوا: وإذا ذكر الفقراء فالمساكين مرادون معهم، وإذا ذكر المساكين فالفقراء مرادون معهم، فإذا ذُكر الاثنان ففرق بين المسكين والفقير. وما الفرق بين المسكين والفقير؟ فإذا قيل هذا للفقراء فالمساكين معهم، وإذا قيل هذا للمساكين فالفقراء معهم، ولكن إذا قيل للفقراء والمساكين فهذا صنف وهذا صنف، فما الفرق بين الفقير والمسكين؟
- يقول الشافعية والحنابلة:
- إنّ الفقير أشد حاجة، وهو الذي لا يجد شيئاً أصلاً، أو يجد شيئًا لا يقع موقعًا من كفايته، فما يحصل إلاّ دون النصف من حاجته، فهذا هو الفقير.
- والمسكين من يجد ما يقع موقعاً من كفايته لكنه لا يكفي، يجد مالاً وحرفة يكتسب منها ما يقع موقعًا من كفايته فوق النصف، ولكن لا يؤدي الحاجة كلها، فهذا هو المسكين.
- قال الحنفية والمالكية: المسكين أشد حاجة من الفقير؛ فقالوا: المسكين الذي لا يجد شيئاً أصلاً، وكما يشير إليه الحديث ها هنا.
- وقال الحنفية: إن الفقير الذي لا يملك نصابًا، ما يملك شيئًا من النصاب، فهو عندهم الفقير، يملك دون النصاب، من أي نوع من أنواع الأموال التي فيها نصاب.
- وقال المالكية عن الفقير: أن يملك شيئاً لا يكفيه لقوته، مثل ما قال الشافعية والحنابلة في المسكين، فقالوا الفقير هذا هو.
فهذا نظرهم للفقير والمسكين. وعلى كل الأحوال؛ إذا ذُكر الفقراء فقط فالمساكين دخلوا معهم، وإذا ذُكر المساكين فقط فالفقراء دخلوا معهم، وإذا ذُكر الاثنان صاروا صنفين بهذا التقسيم عند الأئمة عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
قال: "باب مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ"؛ جمع مِسكين بكسر الميم، وقد تفتح فيُقال: مَسكين، والأفصح كسرها.
ثم يقول: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ"؛ الَّذِي يُكثر الطواف عَلَى النَّاسِ يسأل، "الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ" للسؤال، "فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ" من باب إلى باب فيحصّل ذا وذا، يقول ﷺ ليس هؤلاء بمحط المسكنة، والذين يجب أن يُلتفت إليهم أكثر، ويُنتبه منهم أكثر، لكن غيرهم أهم، من هؤلاء السَّآلين الذين يطوفون ويسألون الناس.
"قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ ﷺ: الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ"؛ فيدخل فيه الفقير والمسكين، "لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يَفْطُنُ"؛ إما لا يجد شيئاً أصلاً، أو يجد شيئاً لا يكفيه؛ لا يُغنيه؛ دون حاجته، "وَلاَ يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ" يفطُنُ الناس أو يفطَنُ الناس بضم الطاء وبفتحها، "لا يفطَنُ" "وَلاَ يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ". "فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ"؛ يعني: ما يُنْتَبَه منه، ما يُتَوَقَّع حاجته، ما تظهر عليه أثر الحاجة، قال تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) [البقرة:273] فهؤلاء أحق بأن يُتنبَّه لهم.
فأرشدنا ﷺ إلى أن نتنبّه في مجتمعاتنا إلى هذا الصنف ونقصدهم بالصدقة، ونقصدهم بالهدية، ونقصدهم بالمواساة، ونقصدهم بالبذل، فهؤلاء أهم.
مشيرًا إلى أنّ أحوال هؤلاء المساكين الذين يسألون:
- إما أن يكتفوا بما يصل إليهم من ذا ومن ذاك، ويتجمع لهم منه شيء يكفيهم.
- أو أن يكونوا كاذبين في مسألتهم كما يحصل في كثير من الأحيان وخاصة في هذه الأزمان.
- منهم من يتخذ السؤال حرفةً، وهو قادر على الكسب، ويترك الكسب، ويسأل الناس.
- ومنهم من يتخذه استكثاراً، معه ما يكفيه وزيادة، ويظهِر الفقر والحاجة ويطلب الناس، وهذا كل ما يأخذه حرام عليه، ما أخذه بوصف الفقر وعنده قوت اليوم والليلة فهو حرام، ولا يجوز له أن يأخذه، وإذا أخذه فقد أكل حرامًا.
- ومنهم من يستكثر بذلك ويجعل له من ذلك تجارة ووفرة.
وأشد من ذلك ما يحصل مع الكذب والاستكثار:
- من تعرض النساء للرجال والرجال للنساء.
- وأشد من ذلك ما يراد به مقصدٌ خبيث من عصابات يظهرون باسم الفقر وباسم المسألة.
وأبغض السؤال إلى الله سؤال المساجد، الذين يدخلون المساجد ويسألون الناس؛ أبغض السؤال إلى الله، فبيوتُه يُسأل هو فيها -جل جلاله- ما يُسأل خلقه! ولذا نهينا عن البيع والشراء في المسجد، ونهينا عن إنشاد الضالة وسط المسجد، فما تتكلم في المسجد في جلب خير ودفع شر إلا مع ربك، فهذا بيته -جل جلاله وتعالى في علاه-، وحتى لو ضالة ضلّت عليك، لا تقول من رأى ضالتي وأنت وسط المسجد، اخرج إلى خارج المسجد واسألهم: أحد رأى ضالتي؟.. أما وسط المسجد فإذا قلت فيُسن للمسلمين أن يقول لك: لا ردّ الله عليك ضالتك، كما يسن لهم إذا رأوا من يبيع أو يشتري أن يقولوا: لا أربح الله تجارتك.
فهكذا أرشد ﷺ في المساجد، محل سؤال الله الواحد -جل جلاله وتعالى في علاه- وأبغض السؤال سؤال المساجد، ثم يختلط صادقهم بكاذبهم، وفقيرهم بمستكثرهم، والمرتبط بالعصابات وغيرهم، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فلهذا كما أرشد ﷺ؛ لا ينبغي للإنسان أن يجعل صدقته لمن تظاهَر بالحاجة والفقر والمسكنة، وخصوصًا الغريب إذا جاء إلى بلد لا يعرف أهلها، فينبغي أن يستعين بأهل الأمانة والعقل والخبرة من أهل البلد يعرفون ذوي الحاجة، ويعرفون ذوي المسكنة، ويعرفون ذوي الفقر ويقصدونهم بهم، ويعطونهم إياها، فيذهب إلى أحد من أهل الأمانة وأهل العقل والكياسة، ويخرج صدقته على يده لمن يحتاجه من أهل البلد، وأما كل من قام أعطاه فيهم وفيهم وفيهم، وهكذا.
يقول في وصف هؤلاء الذين أوصى بهم ﷺ: "وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ"؛ يعني عنده من المروءة والحياء والعفة ما يمنعه أن يسأل، فلا يسأل أحد، هذا المسكين هذا الذي يجب أن نقصده ونبحث عنه، ونجيء بالصدقة إلى بيته، ونجيء بالصدقة إلى مكانه ونعطيه إياها، من دون المُراءاة ولا المظاهرة أمام الناس، ونقصده ونعطيه إياها سرًا، هذا الثواب في الصدقة عليه عظيم، والجزاء فخيم.
فهذا الصنف من الناس وصّى بهم ﷺ، فقال في المسكين: "الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ"؛ إما لا يجد شيئاً أصلاً، أو يجد شيئاً لا يكفيه، "وَلاَ يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ" ما يتنبهون له، لماذا؟ لأنه ذو عفاف، ما يُظهِر فقره ولا حاجته ولا مسكنته، ما يفطن الناس له، (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ)، "فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ" عنده من الحياء هذا ما يمنعه عن أن يقوم ويسأل، "وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ."، فهذا الذي اتصف بالتعفف وبالحياء أولى بأن يُقصَد، والصدقة عليه أعظم ثوابًا وأكثر أجرًا، وأعظم منزلةً عند الله -سبحانه وتعالى- وعند رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال: "الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ"، يمنعه من ذلك الحياء، ويمنعه من ذلك العفاف، فعلى كل قادر على الصدقة أن يطلب من مثل هذا الصنف من يجده ليعطيه ما يتيسر له أن يتصدق عليه.
ثم ذكر لنا -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- أنه ﷺ قال: "رُدُّوا الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ" يعني: إذا جاء المسكين إلى بابكم فما ينبغي أن تحرموه، إمّا بكلام ليّن، ما لم تعلم اتصاله بسوء وعمله بسوء، فتردّه بكلام طيب أقل شيء، وإلاّ بأي شيء تيسر، ولو ظلف محرق، ظلف من البقر والغنم، يقال له: ظلف، مثل ما يقول للفرس حافر، وللجمل خف، وللبقرة والغنم ظلف، طرف الرِّجل، فالظلف عاده محرق، يعني مبالغة، أي شيء معك أعطِه إياه.
فحضّ ﷺ على أن يعطى المسكين شيئًا ولا يردّه خائبًا، وإن كان ما يعطاه ظلفاً محرقاً، وهكذا لما قيل له ﷺ: "إن المسكين ليقف على بابي حتى أستحي منه، فما أجد ما أدفع في يده، قال: ادفعي في يده ولو ظلفاً محترقاً".
ويقول ﷺ: كان يأتي في بني عمرو بن عوف، وكانوا يعدّون له سويقة ويسقيه إياها، فيقول: يا رسول الله: إنه ليأتيني السائل فأتزهدُ له ببعض ما عندي، حقير، ما عندي شيء، أعطيه أمر قليل، قال: يا أم بجيد، ضعي في يد السائل ولو ظلفاً محرقاً.
وفي الجمع بين عدم رد السائل والتفطّن لهؤلاء يُعلم؛ أنّ من لا يُعرف اتصاله بسوء ولا كذبه، ينبغي أن يُردَّ ولو بالكلمة طيبة أو بأي شيء تيسر، لكن ما عند الإنسان من إمكانية وقدرة ينبغي أن يطلب له هذا الصنف الذي وصّى به ﷺ ويعطيهم، فهم أولى وأحق بأن يصل إليهم الرفد والمواساة. وإلا فقد يكون من الاختبار وجود السائل، وخصوصًا أول من يسأل في أول اليوم، وقد يصوّر الله ملَكًا بصورة سائل يختبر عبده، إلى غير ذلك مما جاء، فينبغي الجمع بين هذا وهذا.
بل الذي عليه عمل المنيبين من المؤمنين أن لا يُخلي يومًا عن صدقة له، قلّت أو كثرت؛ ما تيسر، إلاّ أنّه ينبغي أن يضعها في محلها مهما قدر على ذلك واستطاع، ومن وثِقَ فيهم من الذين يوزّعون على ذوي الحاجة ممن يعرفون، فيكون ذلك معاونة منهم لإخوانهم والمتصدقين، لإيصالها إلى موضعها.
باب مَا جَاءَ فِي مِعَى الْكَافِرِ
ثمّ ذكر عموم الأكل فيما يكون مع المؤمن والكافر. فيُشير ﷺ إلى أن المؤمن يأكل من رزق الله تبارك وتعالى:
- للتقوّي على طاعة الله
- لا يغلبه مجرد التشهّي والتوسع في المأكولات
- ولا إرادة السِمَن ولا المباهاة
- ولا يغلب عليه إرادة التلذذ بالمطعومات
ولكن يشكر الله على ما يسر له ويأكل متقوياً على طاعة ربه -جل جلاله-، حامدًا له وشاكرًا، غيرَ نهمٍ ولا مبالغ في الطعام، ولا كذلك الكافر، فالكافر الذي لا يؤمن تغلبه نهمة الطعام وشهوة الطعام، ويصرف هِمّته إلى تنويعه، وإلى تقليبه بما أمكن، وإلى الاستكثار ما أمكنه ذلك، فيكون فرق بين المؤمن والكافر.
فعبّر ﷺ عن هذا الفرق بأن المؤمن يأكل في معِيٍّ واحد وأن الكافر يأكل في سبعة أمعاء. وليس من اختلاف عدد أمعاء المؤمن عن أمعاء الكافر، الأمعاء هي هي واحدة، ولكن هذا يُقلل ولا يكون غرضه الاستكثار ولا عنده نهم، وهذا هو مقصوده في الحياة فقط يلهف ويأكل.. ما يعرف غير هذا، ففرّق بينهم ﷺ.
وحدثت حادثة أشار إليها الإمام مالك في رجل مخصوص ورد عند النبي ﷺ وكان كافر، وكان يُطعِمه، فلما أسلم اكتفى بسُبع الطعام الذي كان يأكله قبل أن يسلم، فأخبر ﷺ عن هذا الكافر بخصوصه أنّه كان يأكل في سبعة أمعاء. وإلاّ ما يظهر الفرق بين كل واحد قبل إسلامه وبعد إسلامه، ما يظهر الفرق الكثير بين كل واحد، ولكن منهم مثل هذا الذي حدّث عنه ﷺ يظهر له الفرق سريعًا ومباشرة بينما كان عليه قبل إسلامه وبعد إسلامه.
يقول: "قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ". قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد:12].
والمؤمن يسمِّي الله -تبارك وتعالى- فتحصل بركة في طعامه وفي شرابه، ويكتفي بالقليل. والكافر ما يسمِّي فيشركه الشيطان، فيتناول كمية وافرة من الطعام. ومن حَسُنَ إسلامه كذلك فهو على إشفاق من نفسه ويخاف الشبهة، ويخاف كثرة الطعام والشراب أن يُكسّله عن الخير، وما يريد إلاّ الحلال، إلى غير ذلك. أما الكافر لا فرق عنده من حلال وحرام يأكل أي شيء، وهكذا.
وأورد لنا الحديث الذي ورد في شخص معين: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ"؛ أي: نزل به ضيف، ويُقال: هذا جهجاه الغفاري، فنزل على النبي ﷺ قبل أن يسلم، جهجاه الغفاري.
وجاء في البخاري بلفظ: "أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا فأسلم، فكان يأكل أكلاً قليلا، فذُكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: إن المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء". وجاء عند الطبراني القصة من طريق جهجاه الغفاري، وأنه هو الوارد على النبي ﷺ يقول: أتيت النبي ﷺ لما هاجرت قبل أن أسلم.. وذكر القصة.
يقول: "فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ" لما نزل الضيف عنده "بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلاَبَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلاَبَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ"، لمّا أسلم جاء "فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلاَبَهَا، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِأُخْرَى" ما عاد شرب، شرب قليل منه، قال خلاص رويت ما أستطيع أن أتمها. "فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ". وهكذا هو عند مسلم.
وجاء أنّه واحدة من هذه الشياه السبع كانوا يحلبون للنبي ﷺ منها عشاءه، فجاء هذا شرب السبع كلها، فقالت أم أيمن: أجاع الله من أجاع رسوله، فقال ﷺ: "مه يا أم أيمن، أكل رزقه، ورزقنا على الله". ثاني يوم، ثالث يوم، بعد ما أسلم جاء، حلبوا له شاة واحدة واكتفى، قالت: أليس هذا ضيفنا؟ ما هو ذا الضيف الأول الذي كنا نشتكي منه يشرب حق سبع شياه مرة! أليس هذا ضيفنا؟ قالوا: إنّه قد أسلم، صار يسمِّي الله وصار عنده بركة، وصار يُروى من حلاب شاة واحدة.
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله، ورزقنا حسن متابعته، وملأ قلوبنا بمحبته، ونقّانا عن شوائبنا ومعاينا ظاهرًا وباطنًا.
يقول ابن حجر في الفتح: لا يلزم اطِّراده في حق كل مؤمن وكافر. فقد يكون من المؤمنين من يأكل كثيرًا، إمّا بحسب العادة أو لعارض يعرض له من مرض أو غيره. ولكن على العموم هو ما ذكره ﷺ، وعلى الخصوص خصوص ذلك الرجل بعينه، تحدث عنه ﷺ.
وعلى العموم؛ عموم المؤمنين:
- لهم تسمية للرحمن
- ولهم إرادة ونية في الأكل
- ولهم تحرٍّ فيما يطعمون
- ولهم خوف من المبالغة في الأكل، حتى لا يكسلوا عن الطاعة
إلى غير ذلك مما يحملهم على أن يكون أكلهم أقل.
وقد أعدّ الله لهم رزقاً ما له من نفاذ، (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ) [محمد:12] وهناك ما شاء الله ما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) [الحاقة:24]، صمتم، تورّعتم عن الشبهات، وتركتم كثيرًا خوفًا من الحرام، الآن (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ). (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) فقط، والآن ما عاد لهم شيء (وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد:12].
أجارنا الله من النار، وأصلح لنا السر والإجهار، وجعلنا من الهداة المهتدين.
إجابة سؤال
من يريد أن يتصدق على المسكين…
لا شيء حرام في الإعطاء، ليس فيه حرام على أحد أن يعطي؛ يعطي غني، يعطي فقير، يعطيه مستحِق…
الحرام أن يعطيه من يستعين به على معصية الله سبحانه وتعالى، إذا عَلِم ذلك فحرام عليه أن يعطيه ما يستعين به على المعصية فقط، ما عدا ذلك لا إثمٌ على من يعطي، أعطى غني، أعطى فقير، أعطى غير ذلك، لا إثمٌ عليه. فإذا علم أنّه يستخدمه في معصية فيحرم إعطاؤه إياه.
ملأنا الله بالإيمان واليقين، وجعلنا في الهداة المهتدين، بسر الفاتحة، إلى حضرة النبي الأمين ﷺ.
تاريخ النشر الهجري
28 جمادى الآخر 1444
تاريخ النشر الميلادي
21 يناير 2023
مشاركة
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(163)
(616)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(339)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(8)
(4)
(24)
(394)