شرح الموطأ - 497 - كتاب صفة النبي ﷺ: باب النَّهي عن الأكل بالشِّمال
للاستماع إلى الدرس
Audio Stream
Audio Stream
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب صفة النبي ﷺ، باب النَّهي عن الأكل بالشِّمال.
فجر الثلاثاء 24جمادى الآخرة 1444هـ.
باب النَّهْىِ عَنِ الأَكْلِ بِالشِّمَالِ
2692 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله السَّلَمِيِّ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِىَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفاً عَنْ فَرْجِهِ.
2693 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ".
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرِمنا ببيان الهدى والصواب، ومُعلِّمِنا التُّقى والآدابِ على لسانِ ويدِ رسوله وحبيبه سيِدنا مُحمَّدٍ سيِّدِ الأحباب، صلى الله وسلم وباركَ وكرَّم عليه في كل وقتٍ وحينٍ وعلى آله والأصحاب، وعلى مَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم المآب، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادةِ أهلِ حضرة الاقتراب، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعدُ،
فيذكر لنا الإمام مالك هذه الأحاديثَ المتعلِّقةَ بالآداب، وكيفيةَ الأكل، وما علَّمَنا فيه رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ليكونَ الأكل المُتميِّز المرتفع عن أكل الأنعام، الذي شُبِّه به أكل من كَفر على ظهر هذه الأرض، الذين لا يَعرفون إلا مُشتَهياتِ بُطونِهم ورغباتِهم فيها، ناسين مَن خَلَقهم وخلقَ بُطونهم وخلقَ لهم هذه المواد، ليذكروه بها، ولِيَستعينوا بها على طاعته، فانقطعوا بها وانصرفوا إليها، وركَزوا أصنام الرغباتِ النفسيةِ والشهوات، فجعلوها معبودَهم من دون الله تبارك وتعالى.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ)، هذه عاقبتُهم وهذه نهايتهم، ونتيجةُ سعيِهم وعملِهم هذا، وإن سمَّوهُ تقدُّم، وإن سَمَّوه حرية، وإن سمَّوه حضارة، لكن العاقبةَ والنتيجةَ له: (وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد:12] فبئسَ العملُ، وبئستِ النتيجةُ، وبئست العاقبة، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
قال سبحانه وتعالى في بيان حقيقةِ الفرقِ بين المؤمنين والكافرين: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ)[ محمد:3].
وقال سبحانه وتعالى: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ)، ونتيجة أن يتولى اللهُ المؤمنين الكبرى؛ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ ) رأيت هذه النتيجة أين توصلهم؟ لما كان اللهُ وليَّهم أوصلَهم إلى الجنة. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد:7-12]، ما لهم مولىً يُنَجيهم من النار، ما لهم مولىً يَقيهُم العذاب، ما لهم مولىً يُخَلِّصُهم من الانتقام والبطش والشدة، ما لهم مولى، (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ) [محمد:11] فإنما أولياؤُهم الطاغوت، وإنما وليُّهم الشيطان، وهو معهم في النار، ما يقدرُ أن يُخلِّصهم، فما لَهم مولى، أي: ما لهم مولىً مُنقذ، ما لهم مولىً نافع، ما لهم مولى قادر، ما لهم مولى مفيد، وِلايَتُهُم لبعضِهم بعضاً هباءٌ في هباء، (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت:41].
فلهذا تختلفُ مآكلُـنا، ويجبُ أن نلاحظَ ذلك، وأن نرعى الآدابَ النبويةَ في طعامنا وشرابنا، ونربِّي عليها أبناءَنا وبناتنا، من أيام رَضاعِهم، لا ترضِعُهُم الأمُّ إلا بالبسملة، وتبدأُ بالثدي الأيمن، وتحمَد الله بعد ذلك، ثم حينما يبتدئ أولُ ما يُـسلَّط على الإنسان شهوةُ الطعام
وبـعـدَ فَطْـمِـه تـجِـدْهُ يشتـهي *** أكـلَ الطـعـام دائـمـاً لا يَنتـهـي
فعـلِّـمـوه الأكـــلَ بالـيـمـيـن *** والبسملـةَ حتـمـًا بـكـلِ حـيـنِ
ولا يُبـادرْ قـبـلَ أكــلِ صاحـبِـه *** ويأكـلُ العـَيـشَ الــذي بجانـبِـه
ويمضـغُ اللقمـةَ مضـغـاً مُحْكـمـا *** ولا يـُسـارعْ أو يـوالـي اللُّقـمـا
وهكذا إلى آخر هذه الآدابِ التي أشار إليها الحديث الشريف.
ومنها ما ذكَر: "بابُ النَّهْىِ عَنِ الأَكْلِ بِالشِّمَالِ" وكذلك الشُربِ بالشمال، ويتساهلُ فيه كثيرٌ من المسلمين، وهو من الخطأ، فإن ذلك مكروهٌ كراهةً شديدة؛ أن يأكلَ بشِماله أو يشرب بشماله، بل قال مَن قال من العلماء بأنه حرامٌ.
وقال جمهورُ العلماء: أن ذلك مكروهٌ كراهةً شديدة. وأن الأكلَ باليمين والشربَ باليمين للقادِر على ذلك سنةٌ مؤكدة، وأن الأكلَ والشُرب بالشمال مكروهٌ كراهةً شديدة، هكذا قال جماهير العلماء.
وقال بعضُ أهل العلم: بل القادرُ على أن يأكُلَ بيمينِه يَحرُمُ عليه أن يأكُلَ بشماله، لِما ورَد من النهيِ عن ذلك، ولِما وَرد من الوعيد، ولِما دعا عليه الصلاة والسلام على مَن أكلَ بشماله من رجلٍ وامرأةٍ، وقال للرجل المتكبِّرِ الذي وجده يأكل بشماله: "كُلْ بيمينك، فقال: لا أقدر"، وهو يقدر لكنَّه متكبرٌ، "فقال: لا قدَرْتَ"؛ فيَبِستْ يده اليمنى فما رفَعها بعد إلى فيه أبدًا. وقال للأخرى وكانت تأكلُ بشِمالها، قال لها: "كُلي باليمين"، قالت: إن بها قُرحةٌ، قال: وإن كان أَصابَها داءُ غزَّة، ثم بعد مدةٍ راحت إلى غزةَ، وواجَهَها الطاعون وماتت هناك، أصابَها داءُ غزة والعياذُ بالله تبارك وتعالى.
- فالذين قالوا بالوجوب قالوا: إن النبيَّ ﷺ لا يَدْعُ على مَن تركَ سنةً، وإنما على مَن ترك واجباً، فاستدلوا على ذلك.
- وقال الجمهور: إنما كان ذلك لا لِمَوضِعِ الأكلِ بالشمالِ وحدَه، ولكن لِما عنده من الكِبْرِ والمُعاندة، وعدمِ الانصياعِ له، هذا الذي بسببِه دعا عليهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال: "بابُ النَّهْىِ عَنِ الأَكْلِ بِالشِّمَالِ"، لا يأكلُ أحدُكم بشماله ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، ويَغُرُّ الناسَ لذلك، ليَصُدهم عن سبيل الأنبياء والصالحين، وهكذا جاء في الحديث: أنًه من عَمَلِ الشيطان. مَن أكلَ بشمالِه أكلَ معه الشيطان؛ أي: يتسلَّطُ الشيطانُ على الأكل معه أكثرَ إذا أكلَ بِشماله.
يقول: "عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله السَّلَمِيِّ" هذا السَّلمي نسبتُه إلى سَلَمة، ابن سعد "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ" ومثله المرأة، والمقصود: أحدُ أفراد أمَّته ذكر أو أنثى، إنسًّا أو جنًّا "بِشِمَالِهِ،" إلا لعذرٍ، بأن يكونَ أشَلَّ، بأن يكون مقطوعَ اليد اليمنى، إلى غير ذلك من الأعذار فهو معذورٌ، أما بغير عذرٍ فلا.
"أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ"، وهذا أيضًا من المكروه، أن يمشيَ في نعلٍ واحدة، بل كما جاء في الحديث: "فليَنْعَلهُما جميعاً أو ليَحْفِهِما جميعاً"؛ فلا يمشي بنعلٍ واحدة، وذلك أن فيه اختلالٌ في توازنه وفي مَشيه، وضررٌ على صحته. والنبيُّ الكاملُ بُعِثَ بالدين الكامل، لكل ما يحتاجُه الإنسان شاملٌ، فنهى عن المشي في نعلٍ واحدة، وهو كذلك مكروهٌ كراهةً شديدةً عند عامةِ علماء الشرع المُطهَّرِ المَصون.
فشُرِعَ لِبْسُ النعلِ لوقاية الرِّجْل عما يكونُ في الأرض من شَوكٍ ونحوه من نجاسةٍ وغيرها، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أن يتوقّى لإحدى رِجْليه ما لا يتوقى للأخرى، فيَخرجُ عن سجية مشيِه، إلى غير ذلك من الآفات، قال ﷺ: "لا يَمشي أحَدُكم في نَعلٍ واحدةٍ". في لفظ عند مسلم: "إذا انقطعَ شِسْعُ أحَدِكم فلا يمشي في الأُخرى حتى يُصلِحَها" أي: يُصلحُ الأولى فيمشي في الاثنتين معًا.
فلهذا أكدَ الحنابلة على أنه ولو يسيرًا ولو خطوةً واحدةً لا يخطوها بنعلٍ واحدة؛ لأنّ ذلك مكروهٌ كراهةً شديدة، فيلبَسُ النعلين معاً، أو يُحفي القدمين معاً، صلى الله على المُعلم المرشد الناصح، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
"وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ"، نهى عن اشتمال الصَّمّاء، وهو أن يجعل الرجل ثوبه واحدًا على عاتقه، أو يبدوَ أحد شِقّيه، وذاك أن يَدَيه معًا أو إحداهما تكون داخل الثوب، لو احتاجَ إلى مُدافَعةِ شيءٍ وأخذِ شيءٍ ما يستطيع، لأن اليدين كلها داخل الثوب أو واحدةً، والثانية لايقدرأن يستعينَ بها إلا أن يرفع ثوبه فتنكشفَ عورته، فنهى عن اشتمال الصَّمّاء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
"وَأَنْ يَحْتَبِىَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ"، هذا هو لباسه ليس عليه ثوبٌ آخر، إلا هذا، ثوبا واحد ويحتبي به؟ لا، الثوب للبدن والحبوة ثاني لا يكون نفسه الثوب الذي للبدن تحتبي به، يقول: "وَأَنْ يَحْتَبِىَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفاً عَنْ فَرْجِهِ." فهذا منهيٌ عنه، وهو عُرْضةٌ أيضًا لانكشافِ العورة، والسَّترُ مَسلك الدين، ومسلكُ المعاملة مع الله تبارك وتعالى، وما جعل سبحانه وتعالى انكشافَ عورة الإنسان له فضلاً عن غيره، إلا عقوبةً كانت أولُّها الأكل من الشجرة، (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا)، ما كانوا يرَون السَّوأتين، كان عليهما حجابّ من نور، فلما أكلوا من الشجرة عوقبوا، فرُفِع الستر عنهما فـ (بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ) [الأعراف:22].
إذًا؛ فهذا هو المسلك الصحيح؛ أن السترَ هو الكرامةُ وهو الفضلُ وهو الإحسان، وما يتعلقُ بالتكشفِ والتعري إلا المُعاندةَ والمُضادة والمُجاحدة، والخروجَ عن أمر الله تبارك وتعالى، فهو فرحُ إبليس، والعياذ بالله تبارك وتعالى، لهذا وجبَ تربية الأبناء والبنات على محبة السترِ والحِشمةِ والحياء. وحتى كيفية الاحتباء قال فيه إذا كان ثوباً واحداً لا تحتبي، احتبِ بيدَيك، أو هاتِ ثوباً آخر، واجعل الثوبَ ملاصقاً لبدَنِك لا يتعرضُ للكَشْف.
وأورد لنا حديث: "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ" ولهذا قالوا: إذا كان يريد أن يشربَ أثناءَ تناوُلِه الطعام، وكان بيده أثر الطعام، إذا أمسكَ إناءَ الماء بِيَده انتقلَ الطعام إلى الإناء، فكيف يفعل؟ قال: فليَضعْ كأسَ الماء على ظهر يدِه اليمنى، فيَحمله بها، ولا بأس أن يَحميَه من السقوطِ والإنحراف باليُسرى، ولكنَّ الحملَ باليُمنى ويشرب، ولا يشربُ باليسرى وحدَها هكذا.. مكروهٌ، ولكن يضعُه على اليمنى ويشرب.
"فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ" والأنبياءُ يأكلون بأيمانهم، ويشربون بأيمانهِم. بل جاء في أكلهِ ﷺ؛ أنه إذا كان الطعامُ مما يَرتبطُ بعضُه ببعضٍ، فإنما كان يمدُّ إصبعين أو ثلاثة، ﷺ، فإذا التقط تمرةً ونحوها التقطهُ بأصبعيْن، وإذا أكل كذلك خُبزًا مترابطًا ببعضه، أكلَ بالأصبعين السبَّابةِ والوسطى، ويدفعُه بالإبهام، فإن احتاجَ إلى الثالثة أضافها، وهذه كيفية تناوله للطعام.
"فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ"، فقال بعضُ الحنابلة وبعض المالكية: أنه حرامٌ أن يفعل ذلك، لأن ذلك فِعْلُ الشيطان ومَن يُشبه الشيطان، فأولياؤه من الإنس مثلُه، وهو يَحملهم على ذلك ليُضادَّ به عبادَ الله الصالحين، وليخالفَ مسلكَ المستقيمين. حتى يقال: لا تأكلوا بالشمال، فإن فَعلتم كنتم من أولياء الشيطان، فإن الشيطانَ يحملُ أولياءَه على ذلك، هذا صحيح، ولكن الشيطان أيضاً يأكلُ مباشرةّ بشماله، ويحب أن يشربَ بشماله. وكان ﷺ يحبُّ اليمينَ لكل طعامٍ وشرابٍ ولكل ما فيه تكريمٌ، ويَجعلُ للقذَر والأوساخِ وما يُكرَه، الشمال، وجعل لما فيه الإكرام اليمين.
وقد سأل الجِنُّ الزادَ من نبينا ﷺ فقال: "كلُّ عَظمٍ ذُكرَ عليه اسمُ الله يقعُ في يد أحدِكم أوفرَ ما كان لحمًا" كما جاء في صحيح مسلم، عندما سألوه الزاد. ولذا يتعينُ على المسلمين إذا أردوا رميَ العظام أن يُسمُّوا الله تعالى، فإنها تُكسى لحمًا للجان، فإن سَمّى الحقَ تعالى وذكرَ اسمَ الله عليها، لم يستطعْ تناولَها أحدٌ من كفار الجن، لا يتناولُها إلا مؤمنوا الجن، وأنه من رَوثِ دوابِّ الإنسِ ما يجعلُه الله علفًا لدوابِّ الجن، وكذلك ما يَجعلُ من نصيبهم من اللحوم أن يكسوَ اللهُ العظامَ المَرميةَ لحمًا، فيأكلُه الجانُّ، فإن سُمِّي اللهُ لم يَستطع تناولَ ما يُكسى من اللحم إلا الجنُ المؤمنون.
ومن هنا بحَث بعضُ أهل العلم حُرْمَة رمي العظام في القُمامة وفي النجاسة، تُنجِّسُها على إخوانك المؤمنين من الجن! ما عاد يقدرون على تناولِها، لا ترمي العظمَ في النجاسة، اجعل العظم وحدَه على جَنْبٍ، وارمِه وحده مستقلاً، لا تحطه في نجاسةٍ وقاذورة، فهم إذًا يأكلونه وأبوهم إبليس، يأكلون ويشربون، وهذا بابُ أدبٍ من آداب الطعام.
- كما أنه كان له جلَساتٍ يَجلسُها عند تناوُلِ الطعام.
- وكما أنه أحبَّ الحديثَ الطيبَ عند تناول الطعام.
- وكما كَرهَ أن ينظُرَ الجالسُ إلى أفواهِ الآكلين وقت تناولهم الطعام.
- ما زُجِرَ عن أن يَذكر شيئًا من المُستقذَرات والأوساخ عند تناولِ الطعام، فإنه يَبعثُ إلى اشمئزازِ النفوس.
- كما جاء في الطعام سنةَ الإيثار.
- وأن لا يبدأَ الآكلون في طعامهم وأكْلِهم حتى يبدأ أميرُهم أو كبيرُهم، ليس كلُّ مَن جاءَ مدَّ يده.
خالفوا الآدابَ، ومَن أهملَ الآداب عُوقِبَ بحِرمان السُنَن، ومن أهملَ السُّنن عُوقِب بحرمان الفرائض، ومن أهملَ الفرائضَ نَقصَ إيمانه، وقد يؤدي إلى سلبِه والعياذ الله تبارك وتعالى، فما أحسن الآداب.
- وكذلك لا يكونُ أولَ من يقومُ إذا اجتمعوا على طعام
- ولا يتأخرُ فيكون آخرَ من يقوم
بل يُراعي بعضُهم بعضاً فينتهون في وقتٍ واحدٍ ووقتٍ متقارب، فلا يبقى هو يأكل وقد كفَّ أصحابُ الحلقة عن الطعام، وهو لا يزال يأكل، أو قد قاموا.. كُلْ مع الناس، إذا كمّلوا كمِّلْ مثلَهم، وارتفع، فلا تكنْ آخرَ من يأكل ولا آخر من يقوم، ولا أولَّ مَن يقوم، فتُحرِجَ الآخرين، انتظرْ حتى وإن اكتفيت من الطعام، انتظرفي مكانك جالس بينهم على نفس هيئتِك، كأنك تأكل معهم، أو اشتغلْ بالتقديم لهم، قدِّمْ لهم واجلس حتى يكتفوا من الطعام، فتقومون حينئذٍ.
- وإذا حضرَه عُطاسٌ فليلوي رأسَه أو يقوم، حتى لا يقعَ شيءٌ مما يخرج منه في الطعام، أو يبعثَ على استقذارِ النفوس وإشمئزازِها.
- ويبدأ باسم الله تبارك وتعالى، يقول عمر بن أبي سلمة: -وهو في بيت أُمِّه، أمِّ سلمة أم المؤمنين، جاء يأكلُ مع النبي ﷺ- كانت يدي تطيشُ في الصَّحفة: قال له ﷺ: "يا غلام، سَمِّ الله وكُلْ بيَمينِك وكُلْ مِما يَليك".
- فإن كان الطعامُ من جنسٍ واحدٍ، فيُكرهُ أن يَمدَ يده إلى غير الموضع الذي يَليه.
- أما إن كان متنوعاً كفاكهةٍ أو رُطب أو عنب ونحوه، فلا بأس أن ينتقيَ منه، شيء من هنا وشيء من هنا، وأما إن كان الطعامُ من جنسٍ واحدٍ فلا يأكل إلا مما يليه فقط.
قال لي بعضُ الأخيار الأكابر، وكنتُ في صغري حضرتُ مأدُبة، فمددتُ يدي إلى أبعدِ مما يَليني، وكان بجانبي الحبيبُ عبد الله الشاطري، فقبَصني قبصة، وقال: هذا لا يليق، وأنت بترجع قدوةً للناس! ابتعد عن هذا، لكن من أيام طفولتي إلى الآن خلاص، أنا تأدبتُ بهذا الأدب، وعرفت هذه السُّنة.
وهكذا كانوا حريصين على الأداب، وكانوا يُربُّون أولادَهم، لا يخرجُ الولدُ من البيت إلا بإذن، ما يخرجُ من بيت أبيه وأمه إلا بإذن، وينزل في مكان، وما يرفع صوته مع وجود الكبار، ولا يتقدمُ عليهم في شيء، فكانت حُلَّةُ الأداب مـخيمةً على بيوتهم، وحَفِظتْ عليهم حقائقَ الإسلامِ والإيمان والإحسان، واكتسبوا المعارفَ بالله تبارك وتعالى. فصارت بيوتُ بعض المسلمين تُشبهُ بيوتَ غير المسلمين، وما عادَ فيها هذه الآداب، لا التسمية ولا الأدعية، ولا التوقير للكبير، وصارت مثلَ بيت الملحد والنصراني واليهودي، مثلها تشبهها! ولا حول ولا قوة إلا بالله..
قال الله في بُيوتِه ﷺ، يُذَكِّرُ أمهاتِ المؤمنين: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ) قال الغرف حقكن فيها تلاوة، (مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ)، القرآنُ هنا يُتلى، والسنةُ هنا تُنشَر عندكن وسطَ البيوت، (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ ) وهكذا بُيوت الأخيار.
"وإنَّ الله يحبُ من عبدِه أنْ يأكلَ الأكْلةَ فيَحْمَده عليها، ويَشربَ الشُّربةَ فيَحمَدَه عليها"، ويغسل يديه معًا الاثنتين- الكفين- قبل الطعام، لا اليُمنى وحدَها، فإن قيل: أنتم قلتم لا يأكل بشماله، نعم، لمَ يغسلُ شمالَه؟ يغسلُ شمالَه ليستعينُ بها، يُقطِّع بها، يقرِّبَ بها، يدفع بها، نعم لا ليأكلُ بها، لكن قد يحتاجُ إلى استعانةٍ بها، فلتكنْ مغسولةً، يغسلها، يغسل اليدين معاً، وإن مما يورِثُ الغِنى الوضوءَ قبلَ الأكلِ وبعدَه؛ يعني: يغسل اليدين قبلَ الأكل وبعدَ الأكل.
ولكن بعد الأكلِ، السُّنةُ أن يَغسلَ اليدين بعد أن يَلعَقَ أصابِعَه، فلَعْقُ الأصابع سنةٌ قبلَ أن يغسلَهما وبعد أن ينتهي من الطعام، لا أثناءَ الطعام، لا ما يُسَنّ بل يُكرَه أن يَلعَق أصابعَه أثناء الطعام، هذا يبعث على اشمئزازِ مَن يأكل معه، لا يلعقُ أصابَعه في أثناء الطعام ولكن بعد الفراغ، إذا فرغَ وانتهى من الطعام فليلْعَقْ أصابعَه. وتعجبَ بعضُهم، فقد وجدوا أن الأصابعَ تفرزُ مادةً عند لَعقِها من أحسن ما يكونُ لتسييرِ الطعام وهضمِه، ولكنَّ الدافعَ للعمل في هذا سنّته ﷺ لا اكتشافاتهم، ووجدوه خصوصاً في السبَّابة والوُسطى والإبهام، وجدوا أنها تفرزُ مواد كثيرةً، وهذه التي كان يأكل بها ﷺ. وكان يلعَقُ أصابعَه ويَمـُصُّها حتى تَحمرَّ، لا يبقى فيها من أثر الطعام شيء، ثم يغسلُ يديه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ومن قال بعد الطعام: الحمد لله الذي أطعَمني هذا ورَزَقنيهِ من غير حَولٍ مني ولا قوة، اللهم كما أطعمتني طيباً استعملني صالحًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه. يأكل ويُغفر له، يا ما أعجبها من شريعة! وفي روايةٍ: "وما تأخر"، يُغفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأَخر، الحمد لله الذي أطعمني هذ ورَزَقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة، وفي البداية يُسمي اللهَ تبارك وتعالى.
أما في الشراب:
- فالسُنَّةُ ثلاثُ تسميات، يُسمي ويَشرب في نفَس، ثم يُزيحُ الإناء ويتنفس خارجَ الإناء، ويحمد الله، ثم يُسمي ثاني مرةٍ للنَفَس الثاني، و يُنحِّي الإناء و يتنفسُ خارج الإناء، ويحمد الله، ثم يُسمي ثالثَ مرة للنفَس الثالث.
- وأمر ﷺ بالشُّرب في ثلاث أنفاس وقال: إنها أهنأُ وأمرأ وأبرأ.
يشربُ في ثلاثة أنفاس، لا يشربْ دُفعةً واحدة، يشرب قليل ويُبعد الإناء، يتنفس، يشرب قليل، يشرب ثالث مرةٍ حتى يَكتفي، ويُسمي اللهَ في أول كل نفَسٍ ويحمدُه في آخره.
ورأى بعضُ أهل العلم كما ذكر صاحب قوت القلوب، أنه:
- يقول في المرة الأولى: بسم الله، فإذا نحَّى الإناءَ تنفس وقال: الحمد لله.
- ويقول في المرة الثانية: بسم الله الرحمن ويشرب، ثم يزيحُ الإناء، ويقول: الحمد لله رب العالمين.
- ثم يقول في النفَس الثالث بسم الله الرحمن الرحيم، يكمِّلُ البسملة، ثم ينحّي الإناء ويقول: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم.
ومما ورد في الحمد بعد شربه: الحمد لله الذي جعلَه عذباً فُراتًا برحمته، وعن بعضهم يقول: ولم يَجعلْه مِلحًا أُجاجاً بذنوبنا. الحمد لله الذي أطعَمَنا وسقانا، الحمد لله الذي كفانا وآوانا، فكَم مَن لا كافيَ له ولا مُؤوي.
وبداية الطعام كذلك، يقول بعد البسملة: "اللهم بارك لنا فيما رزَقْتَنا وارزُقنا خيرًا منه" إلا إن كان لبنًا فيقول: "وزِدنا منه"، "بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا منه".
الله يُحيي آداب النبي فينا، ليس أحد منا لا يأكل، لكن الذين يَعملون بالآداب قليل، وإلا فكلهم يأكلون، ما أحد منهم لا يأكل، كل يوم وليلة يأكلون، ولكنَّ العاملين بالأداب قليل، فتتحول أكَلاتهم إلى عباداتٍ وإلى طاعاتٍ، وهكذا المؤمنُ:
- إذا أكلَ من الحلال
- وأكلَ للحاجةِ والضرورة
- ونوى الاستعانةَ على طاعة الله
- وعَمِلَ بالأداب
كان كلُّه طاعة في طاعة، وعبادة في عبادة، وأجر في أجر، وثواب في ثواب، ونور في نور.
مع ذلك كانوا في الأرض الحلال، وبالماء الحلال يَسقون، ويأتون بالبذر الحلال، ويبذرون باسم الله تعالى، ويذكرون الله عند البذر، ويذكرون الله عند السَّقي، ويذكرون الله عند الحَصاد، يسمون الله تعالى، ويذكرون الله عند تخليصه من شجره وإخراج الطعام، ويذكرون الله عند طَحنه، ويستعملون أصناف من الذكر حتى يكَمِّـل الطحنَ، ويذكرون الله عند عَجنه، ويذكرون الله عند خَبزه، ثم يُقدِّمونه؛ من يوم وضعوا البذرةَ والذكرُ فيها، وأيام كانت في الزراعة، ولما خرّجوها، ولما طَحنوها، ولما عجَنوها فيها ذكره؛ كلُّها نور، ويُسَمّي ويعملُ بالآداب، فما عاد يصدُرُ منهم إلا الأخلاقَ الفاضلة والكلامَ الطيب والمعاملة الحسنة، لأنه طعام طيب في طيب في طيب، كلُّه نور.
والآن يأتون بالطعام من شركات، فيها من لا يسمّى الله، ومن لا يؤمن به، ولا وقت تصنيعه، ولا وقت تغليفه ولا وقت إرساله، وقد يضعون فيها مواد مضرةً بالصحة أو نجسة، ويفكها دون تسمية، ويأكلها بالشمال أو وهو قائم… ظلمة في ظلمة في ظلمة، وبعدين يلعَن ويسبّ ويضرب يؤذي… لأن الوقودَ حقه كله موبوءٌ، فيه وباء. يا مُحوِّلَ الأحوال حوِّل حالنا إلى أحسن حال.
ومع ذلك فقد كانوا بأعمالهم هذه وآدابهم يذوقون حتى فيما يَطعمون ويشربون طعماً خاصاً، ما يوجدُ في الطعام العادي، هو هو نفسُه لكن له ذوقٌ خاص. وكنا نعهدُ حتى روائحَ الأطعمة لها نكهة شهية وشذيّة تُشَمّ من بعيد. وهذا كلُّه روّح وفُقد، كان مع الذكر ومع صفاء المواد، ولا فيها كيماويات ولا مواد موبوءة، ولا شيء، يطلع كل نوع من أنواع الخضروات برائحته، تَشمَّها من بعيد، ويطلع بذَوقه وبطَعمه الخاص.
الله يحوِّل أحوالَ المسلمين إلى أحسن حال، ويُحيي فيهم سننَ هاديهم إلى منهج الكمال، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآل، وألحقَنا بهم في المقاصد والنيات والأقوال والأفعال والأحوال، ظاهرًا وباطنًا، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي مُحمَّد ﷺ.
تاريخ النشر الهجري
24 جمادى الآخر 1444
تاريخ النشر الميلادي
17 يناير 2023
مشاركة
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(163)
(616)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(339)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(8)
(4)
(24)
(394)