شرح الموطأ - 492 - كتاب اللباس: باب ما جاء في الانتِعَال
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب اللباس: باب ما جاء في الانتِعَال.
فجر الثلاثاء 17 جمادى الآخرة 1444هـ.
باب مَا جَاءَ فِي الاِنْتِعَالِ
2681 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لاَ يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُنْعَلْهُمَا جَمِيعاً، أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً".
2682 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ".
2683 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ: أَنَّ رَجُلاً نَزَعَ نَعْلَيْهِ فَقَالَ: لِمَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ، لَعَلَّكَ تَأَوَّلْتَ هَذِهِ الآيَةَ: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِى الْمُقَدَّسِ طُوًى) [طه:12] قَالَ: ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ لِلرَّجُلِ: أَتَدْرِى مَا كَانَتْ نَعْلاَ مُوسَى؟ قَالَ مَالِكٌ: لاَ أَدْرِي مَا أَجَابَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرمنا برسوله وحسن بيانه، وتوضيحه لما يُعامِل به العبد ربه في سرّه وإعلانه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك المصطفى سيدنا مُحمَّد وعلى آله وأصحابه الواعين لتبيانه، وعلى من والاهم فيك واتبعهم بالصدق في جميع شأنه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من جعلتهم الحرز الحريز لكل صادقٍ معك وحصن أمانه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرّبين، وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعدُ،
فيبيّن لنا الإمام مالك -عليه رضوان الله تعالى- ما جاء عن مرشدنا ونبيّنا وهادينا في الانتعال وما يتعلق بلبس النعلين، وبذلك نرى أن الهادي إلى السبيل القويم والصراط المستقيم شمل بإرشاده وتبيينه شؤوننا وأحوالنا صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها، أولها وآخرها، باطنها وظاهرها، فعلّمنا حتى كيف ننتعل وما نلبس من النعال وما ننوي وكيف نلبس النعلين، فصلى الله على سيد الكونين ما أوسع بيانه وتعليمه وإرشاده وما أحسن توجيهه وتعليمه.
"باب مَا جَاءَ فِي الاِنْتِعَالِ"؛ أي: الروايات الواردة في لبس النعل وما يتعلق بذلك. واعتنى كثير من العلماء الأمة بذكر نعليه ﷺ، وقد تعدد منه لبس النعال من وقتٍ إلى وقت يلبس نعلين ثم نعلين وهكذا، وجاء في صفة نعله عليه الصلاة والسلام ما نظمه الحافظ العراقي، فقال:
ونعله الكريمة المصونة *** طوبى لمن مسّ بها جبينه
لها قبالان بسَيْرٍ وهما *** سبتيتان سبتوا شعرهما
وطولها شبر وإصبعان *** وعرضها مما يلي الكعبان
سبع أصابعٍ، وبطن القدم *** خمسٌ وفوق ذا فسِتٌّ فاعلم
سبع أصابع، وبطن القدم *** خمس وفوق ذا فستٌّ فاعلمِ
ورأسها محددٌ، وعرض ما *** بين القبالين إصبعان، اضبطهما
فهذا أحد النعلين التي لبسها ﷺ، ولم تزل ممّا استعمله ﷺ من النعال ما هو محفوظ ونُقل من المدينة إلى تركيا فهو في إسطنبول في المتحف موجودة النعلان. وقد اعتنى الإمام النبهاني برسم هيئة النعلين وهي هاتان اللتان وصفهما الحافظ العراقي بهذا الوصف ونشر ذلك، وكتب عليها:
على رأس هذا الكون نعل محمدٍ *** علت فجميع الخلق تحت ظلاله
لدى الطور موسى نودي اخلع *** وأحمد لدى العرش لم يؤمر بخلع نعاله
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقال:
سَعِدَ ابن مسعودٍ بخدمة نعله *** وأنا السعيد بخدمتي لِمثالها
فهذا أحد النعلين التي لبسهما ﷺ وقد جاءنا أنه أسري به وقد لبس النعلين وصعد السماوات العلى وارتقى من سماء إلى سماء حتى سدرة المنتهى ونعلاه في رجليه الكريمتين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فوصلتا إلى ما لا يصل إليه سيدنا الأمين جبريل ولا غيره من الملائكة بالتبعية له صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ولما سمع ذكر ذلك بعض أهل العلم كأنه أنكر في باطنه وقال النبي ﷺ من نفسه هو بيخلعها ما بيطلع إلى الحضرة والنعلين فيه، فرأى النبي ﷺ في المنام، قال له: ما تقرأ حديثي عندك في صحيح البخاري؟ قال: نعم، قال: إقرأ باب صلاة النبي ﷺ في النعلين، أليست الصلاة حضرة الله؟ قال: نعم، قال: ما صليت في النعلين؟ … خلاص عرف أنه صاحب المحبوبية لدى الرب في حضرة الله، سواءً فوق العرش أو في مسجده أو حيث ما كان هو في حضرة الله ﷺ، وصلّى بنعليه الشريفتين صلوات الله وسلامه عليه، فلا إشكال في ذلك.
وهكذا وإنما سيدنا الكليم عليه السلام نودي اخلع نعليك، لعموم الأدب وهيبة الوحي والمكان، وما ذكر أيضًا من الإسرائيليات، أشار إليها عندنا، ذكر الإمام كعب الأحبار أنهما كانتا من جلد حمارٍ ميت لكنه سيكون مدبوغ، ولكن مع ذلك أُمر بخلع النعلين، (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)؛ أي: ضع باطن قدمك على الأرض المشرفة المباركة (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) [طه:12].
وهكذا يقول: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: لاَ يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُنْعَلْهُمَا جَمِيعاً، أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً"، وهذا إرشاد أيضًا في استعمال النعلين، أن لا نمشي في نعلٍ واحدة، لأن المراد بالنعل وقاية الرجل مما يعرض من الشوك والحفاء وغيره، فإذا كان واحدة موقاة والثانية غير موقاة، يحتاج يتشوّف للثانية ما يتشوّف للأولى، ويختلّ في مشيته وما ينضبط أمره. وأيضًا يكون لم يعدل بين الرجلين وخرج عنه، فأرشد ﷺ إلى العدل والأدب، قال: إذا معك واحدة امشِ حافي، وإلا فالبس النعلين معًا وامشِ فيهما.
يقول: " لاَ يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ "
- وبهذا صرّح بكراهة ذلك الشافعية والحنابلة؛ صرّحوا بكراهة المشي في النعل الواحدة،
- وهكذا يقول المالكية: لا يمشي أحد في نعل واحدة، ولا يقف في نعل واحدة، إلا أن يكون الشيء الخفيف يقول المالكية.
- قال الحنابلة: لا خفيف ولا كثير ولو يسيرًا، لا تقف ولا تمشي في نعلٍ واحدة، ولو كان في إصلاح الأخرى، لعموم قوله: "لاَ يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ".
الحديث أيضًا جاء في الصحيحين عنه ﷺ.
وقال في رواية مسلم: "إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمشي في الأخرى حتى يُصلحها" صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه. "لاَ يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ"، ولذلك لم يُعير لمن خالف ذلك اعتبارًا لورود النصّ الصريح في ذلك، وهو كراهة، مع إجماعهم أن ذلك النهي ليس للتحريم؛ ولكنه إرشادٌ؛ فهو مكروهٌ أن يقف أو يمشي في نعلٍ واحدة، واحدة دون الأخرى، "لِيُنْعَلْهُمَا جَمِيعاً"؛ أي: اليمنى واليسرى " أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً"؛ يجعلهما بلا نعلين، وفي رواية: "أو ليخلعهما جميعًا".
ثم ذكر لنا كيفية اللبس للنعل، قال: "إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ"؛ وفي رواية: "بيمينه" وفي رواية: "باليمنى"؛ يعني: بالنعل للرجل اليمنى. "وَإِذَا نَزَعَ"؛ أخرج النعلين "فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ"، فيصير بذلك الإنسان كاسبًا للثواب والدرجة عند الله، وعاملًا بالسُّنة حتى في لبس نعاله. فما أعجب الشريعة وأوسعها! تلبس النعلين وتُثاب، تقدّم اليمنى في اللبس فتُثاب، تقدم اليسرى في النزع فتُثاب وترتبط بسيد الأحباب ﷺ في هذه الآداب.
وهكذا.. فتكون اليمنى أولهما لبسًا وآخرهما نزعًا، وهكذا يأتي في الكمّين؛ فإذا لبست قميصًا أو شميزًا أو جبّةً فتبدأ بلبس اليد اليمنى وتدخلها كمّها، ثم اليسرى، فإذا أردت أن تنزع فانزع كمّ اليسرى أولًا ثم كمّ اليمنى، تُـثاب على ذلك وترتبط وتنضبط، ويروح عنك الخبط في الاسترسال في المباحات التي تتحول إلى كثافة ظلمانية وحجاب، ولكن حتى في المباحات ترتبط وتتصل وتنضبط، فلا يكدّر مرآة قلبك شيء، وتكون حاضرًا مع الحي -جلّ جلاله وتعالى في علاه- فيصير قلبك حيّ، يصير قلبك حي بحضورك مع الحيّ.
وقال السيد هاشم حفيد الحبيب إبراهيم بن عمر بن عقيل بن يحيى -عليه رحمة الله- في أواخر أيامه أيام عجزه، يوضؤونه، قال: فلمّا غسلت وجه وأردت أن أرفع الكمّ فابتدأت باليمنى، قال: لا، ارفع كمّ اليسرى أول! رفعت كم اليسرى، قال: الآن ارفع كمّ اليمنى، اغسل اليد اليمنى، واغسل اليد اليسرى، ردّ كمّ اليمنى أوّل، هذا ما هو لباس بتبدأ باليمنى هذا نزع! هذا ما هو لباس ترفع الكم.. ما تقدّم فيه اليمين! متنبّه للسنة في شيخوخته، في مرضه في كِبره، ما عاد يقدر يرفع الكم بنفسه، يرفعونه له، قال: لا تنزع انزع هذا أول ارفع كمّ اليسرى، ثم كمّ اليمنى، اغسل اليد اليمنى أول ثم اليد اليسرى ورد كمّ اليمنى أولاً ثم كم اليسرى فهذه السُّنة. الله أكبر!..
هكذا مقيّدون في أمورهم بالأمين المأمون صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فطاب وصفا لهم الظهور، وطاب وصفا لهم البطون. (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران:31]. وانظر أين يحط نفسه ويهوي بهذا الذي عند لبس النعال، ولا عنده لبس الثياب، يتصوّر واحد من الممثلين، أو واحد من اللاعبين!! سقطت من أين إلى أين؟ وبدّلت مَن بمَن؟ بدّلت مَن بمَن؟ أنت مسلم ومؤمن وتهوي هذه الهاوية وتنزل كذا؟!
شوف فوق.. ارتفع واجعل قدوتك زين الوجود حبيب الخلاّق ﷺ تسقط إلى أين؟ تروح تتبع من؟ وتقتدي بمن؟ وتتشبّه بمن؟ وتظلم فكرك وذهنك وعقلك باتباع ظلمانيين وفسّاق؟ ما القدوة إلا حبيب الخلّاق ﷺ .
انظر كيف لعبوا على المسلمين، ولعبوا عليهم في نعالهم وشي ضيّقوه وخلّوه ضيّق، والنبي نهى عن أن يُلبس النعل الضيّق، وله آثار سيئة حتى على صحة الإنسان، ولكن يحبون المخالفة! وجاؤوا للنساء أيضًا بنعال معيّنة يخليها ترفع مؤخرة قدمها قدها قريب بتسقط وتحتاج إلى الحركات لتلفت عندما تمشي، ويسمّونه عالي كعب، وكله سافل ما فيه عالي! لا كعبها ولا صبعها، كله سافل، لأنها اتبعت السفليين ما اتبعت العُلويين! لو اتبعت العُلويين لعَلَتْ، ولكن انظر أيضًا لعب الشيطان علينا في كل شيء، يقول: نور الله ومحمد حبيبه بيدخل معكم في كل شيء؟ أنا بجيب ظلمتي لكم في كل شيء فاتركوا محمدا! ولن نترك محمدًا للعِدى.
قال: "فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ"، وهكذا، وقال: "وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ" أي: تُلبس النعل الرجل اليمنى تُلبس "وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ"؛ فهي أولهما لبسًا، وآخرهما نزعًا، فاللبس فيه كرامة.
وهكذا،
- في كلّ ما يتعلق بالكرامة فيبتدئ فيه باليمين، وكل ما كان من باب الزينة نحوها.
- وما كان ضد ذلك من القذر والوسخ فيُبدأ باليسار، مثل دخول الخلاء وأمثال ذلك، فيبدأ فيه بالرجل اليسرى، وما كان أيضًا من قاذورات وأوساخ فيتناولها بيده الشمال، اليسرى وهكذا.
وكنا في الصغر، وأقبل الحبيب محمد بن علوي بن شهاب داخل إلى الجبّانة في جنازة تقدّم، حامل نعليه، فكان واحد على جنب يقول: شوف الحبيب حامل نعليه باليسرى، ماسك النعلين بيده اليسرى؛ لأنها مما يُستقذر فما يمسكها بيده اليمنى، مسكها بيده اليسرى ومشى، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى ما أحرصهم على اتباع مقتداهم، وبه الرحمن صفّاهم واصطفاهم، (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران:31].
وهكذا يروي لنا: "عَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ أَنَّ رَجُلاً نَزَعَ نَعْلَيْهِ" كيف هذا؟ لماذا نزع نعليه عند دخوله إلى المسجد ونحوه، "فَقَالَ كعب: لِمَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ؟" قال له كذا على وجه الإنكار لفعله، أو توقع أن يفعله على وجه الممنوع، " لَعَلَّكَ تَأَوَّلْتَ هَذِهِ الآيَةَ" التي في سورة طه، أن الله قال لسيدنا موسى "(فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِى الْمُقَدَّسِ)"؛ يعني: المطهر المبارك الذي منّ الله به عليك "(طُوًى)"، وفسّر كعب الأحبار مما يروي من الإسرائيليات هذه: "أَتَدْرِى مَا كَانَتْ نَعْلاَ مُوسَى؟ قَالَ مَالِكٌ: لاَ أَدْرِي مَا أَجَابَهُ الرَّجُلُ"، هل قال أعلم أو قال لا أعلم، "فَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتَا"؛ أي: نعلا موسى "مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ"؛ أي: لأجل ذلك قال له الله: اخلع نعليك، وهذا تأويل منه فيما جاء من هذا، ولكن الأمر أوسع من ذلك في مسألة الأدب وفيه أن يباشر الوادي بقدميه ويشهد له بقوله (إِنَّكَ بِالْوَادِى الْمُقَدَّسِ طُوًى)[ طه:12]، ليباشر الوادي بقدميه تبرّكًا به، ولأن الحفوة تواضعٌ لله تبارك وتعالى.
ولهذا وجدت عامّة السلف كانوا يطوفون بالكعبة حفاةً، والكعبة في تلك الأيام ليس فيها البلاط هذا.. كانت حصى يمشون فوقها، وكانوا يمشون من غير نعال تعظيمًا. وهكذا، طأ الأرض بقدميك حافية، (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِى الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ) [طه:12-13]. لا إله إلا الله!
جاء أيضًا عن ابن مسعود قال: كان على موسى يوم كلّمه ربّه كساء صوف، وجبّة صوف، وسراويل صوف، وكمّه صوف، وكانت نعلاه من جلد حمارٍ ميّت.
ثم يواصل لنا الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ما يتعلق بلبس الثياب.
اللهمّ ارزقنا حسن متابعة سيّد الأحباب، وخلّقنا بما له من أخلاق، وأدبّنا بما له من آداب، سِرْ بنا في منهج الهدى والصواب، وارفعنا مراتب الاقتراب، واجعلنا في أهل الهدايات والعنايات والتوفيقات في لطفٍ وعافية، الفاتحة.
17 جمادى الآخر 1444