شرح الموطأ - 489 - كتاب اللباس: باب ما جاء في لُبسِ الثِياب للجَمَال بها
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب اللباس: باب مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ لِلْجَمَالِ بِهَا.
فجر السبت 14 جمادى الآخرة 1444هـ.
باب مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ لِلْجَمَالِ بِهَا
2666 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَاري، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارٍ. قَالَ جَابِرٌ: فَبَيْنَا أَنَا نَازِلٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ، إِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إِلَى الظِّلِّ. قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُمْتُ إِلَى غِرَارَةٍ لَنَا، فَالْتَمَسْتُ فِيهَا شَيْئاً، فَوَجَدْتُ فِيهَا جِرْوَ قِثَّاءٍ فَكَسَرْتُهُ، ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟". قَالَ: فَقُلْتُ خَرَجْنَا بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الْمَدِينَةِ. قَالَ جَابِرٌ: وَعِنْدَنَا صَاحِبٌ لَنَا نُجَهِّزُهُ، يَذْهَبُ يَرْعَى ظَهْرَنَا، قَالَ : فَجَهَّزْتُهُ، ثُمَّ أَدْبَرَ يَذْهَبُ فِي الظَّهْرِ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ لَهُ قَدْ خَلَقَا، قَالَ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ فَقَالَ: "أَمَا لَهُ ثَوْبَانِ غَيْرُ هَذَيْنِ؟". فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُ ثَوْبَانِ فِي الْعَيْبَةِ كَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا. قَالَ: "فَادْعُهُ فَمُرْهُ فَلْيَلْبَسْهُمَا". قَالَ: فَدَعَوْتُهُ فَلَبِسَهُمَا، ثُمَّ وَلَّى يَذْهَبُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ، أَلَيْسَ هَذَا خَيْراً لَهُ؟". قَالَ: فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فِي سَبِيلِ اللَّهِ". قَالَ: فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
2667 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إنِّي لأُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى الْقَارِئِ أَبْيَضَ الثِّيَابِ.
2668 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أبِي تَمِيمَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله خالقنا ومنشئ الوجود بحكمته البليغة، وصلى الله وسلم وبارك وكرّم على سيدنا مُحمَّد الهادي إليه والدال عليه، والذي جاءنا بصبغة الله ومَن أحسن من الله صبغة، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، ممن أحسن إستعدادًا للآخرة أخذ البُلغة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ابتدأ سيدنا الإمام مالك كتاب اللباس، وعَلِمنا في سعة الشريعة وعظمتها ترتيب وتنظيم ما يتعلق بلباس الناس وما يتعلق بزينتهم وفي كل ما يستعملونه؛ عظمةً في تشريع الله -تبارك وتعالى- واحتواءً لجميع حركة المؤمن في الحياة، أن تكون منورةً بنور منهج الحق سبحانه، وسنة رسوله المصطفى مُحمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ومن المعلوم أنَّ للباس في الشرع المصون أحكام، وأن الله خلقه لنا لِحِكَم، وقال: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف:26]؛ فكان من المقصود الأول فيما خلق الله -تبارك وتعالى- من اللباس والثياب:
- مواراة العورات وسترهما.
فإن الله جعل كشف عورة آدم وحواء عقوبة على الخطيئة، فإن ذلك يُعد فيما يسوء الإنسان، وفيما يُعاقَب به، وفيما هو من الشرور التي يحذرها والمصائب التي يتوقّاها، فما يميل إلى كشف العورة إلا مَن خرج عن الفطرة، وخرج عن الطبيعة الصحيحة، وخرج عن حقيقة الإنسانية، وصار أضل من الحيوان والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وقال تعالى: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا) ؛ يعني: أكلا منها، فكانت العقوبة التي عوقبوا بها، أول عقوبة عوقب بها آدم على المعصية أنه انكشفت عورته: (بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ)؛ مباشرة وبحكم الفطرة والطبيعة عَمِدا إلى ورق شجر الجنة فيُغطّون أنفسهم به، وعَمِدا: (يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) [الأعراف:22]، إذًا؛ فهذا هو المقصود، وكما سمعنا في الآية: (قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ).
وبعد ستر العورة:
- جعل الله فيه -سبحانه وتعالى- من الجمال ومن الزينة ما قيّدها بالقيود المباركة؛ لتكون مدعاةً للارتقاء والتحقق بالتُّقى، بعيدًا عن موجبات الشقاء والانحطاط في استعمالها للسوء أو فعل السوء أو بنية السوء.
فبهذا جاءتنا أحكام اللباس، وأُمِرنا أن نتورَّع في أخذها وأن لا نأخذها إلا من حِلِّها، فإن من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم: تسعة دراهم من حلال وواحد من حرام؛ لم يتقبل الله له صلاة ما دام على بدنه خيط من ذلك الثوب، تُرَدُّ صلواته كلها لأن عُشر ثمن ذلك الثوب كان من الحرام والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وبعد ذلك من طلب الحلال، والبُعد عن الغصب والسرقة، وأخذه بغير حق أو بالشبهة، يأتي لنا النيات التي تمتد في لبس الثياب، وما فيها مما جعل الله تعالى من جمال يُتَجَمَّل به:
- للصلاة أولًا؛ (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف:31].
- ثم لأجل مقابلة الحق تعالى بالذكر والتلاوة والدعاء وما إلى ذلك.
- ثم لإظهار نعمة الله على هذا العبد، شكرًا للحق -تبارك وتعالى- بعيدًا عن الفخر والكبرياء والمباهاة بالثياب ونحوها.
فكل ذلك من الأحكام المتعلقة بالثياب.
وأن يعمد الإنسان إلى الثياب الخَلِقَة الرديئة الملفتة للنظر:
- إما بخلًا
- وإما ليدَّعي الزهد وليقال إنه زاهد
وما إلى ذلك؛ مسلك قبيح سيء نهى عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وأن يتفاخر بالثياب ويتباهى بها ويقول هذا أعظم من ثوبك، نهى عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: من لبس ثوب شهرة في الدنيا كان حقًا على الله أن يذلّه على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
إذًا؛ فالطريق الصحيح هو:
- أخذه من الحلال
- ونيّة ستر العورة
- ونية الزينة للصلاة وللقراءة وللذكر
- ونية إظهار نعمة الله -تبارك وتعالى- عليه
- ونيّة أن يتجمل بما جمّله الله كما أرشدنا في هذا الحديث صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فحدثنا بحديث جابر بن عبد الله الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- الصحابي الشهير ابن الصحابي، الذي قُتل أبوه في أُحد، وكان من عظيم مناقب والده، وقد خرج إلى أُحد يقول لجابر: إن عندنا البنات -أخواته في البيت- وإني لست بمؤثرك الخروج مع رسول الله ﷺ في الجهاد، فاقُعد أنت في البيت مع أخواتك وأَخْرُج أنا، فخرج فكان من السبعين الذين استشهدوا في أُحد: عبد الله، وكان أن قال رسول الله ﷺ: "يا جابر إن الله كلّم شهداء أُحد من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحًا"؛ عبد الله -رضي الله تعالى عنه- أبو سيدنا جابر.
يقول سيدنا جابر بن عبد الله: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ"؛ يعني: من المدينة "فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارٍ"؛ هذه قرية بناحية نجد، وهذا كان في سنة ثلاث من الهجرة، ويُقال: أنها هي غزوة غَطَفان، وقد تُعرف بذي أَمَر، فهذه الغزوة سببها أن جَمْع من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله ﷺ وسلم فخرج إليهم، فلما سمعوا بذلك هربوا في رؤوس الجبال، فَرَقًا ممن نُصر بالرعب ﷺ، فذهبوا وتفرّقوا ولم يلقى حربًا، ورجع صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد يُقال لها: غزوة نجد، وغزوة ذي أَمَر، وغزوة غطفان، وكانت هذه في شهر ربيع الأول في السنة الثالثة، على الرأس خمس وعشرين شهر من هجرته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ويقول: لمّا خرج ﷺ، "قَالَ جَابِرٌ: فَبَيْنَا أَنَا"؛ يعني: بينما أنا "نَازِلٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ"؛ يعني: في ظل شجرة، "إِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ"؛ يعني: يمشي يريد الظل، قال جابر: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إِلَى الظِّلِّ"؛ هَلُمَّ يعني: أقبل وتشرّف إلى الظل، أي: ظل هذه الشجرة، وكان من عادة الصحابة إذا رأوا شجرة ظليلة -يعني-: ظلها كثير تركوها للرسول ﷺ، وتفرّقوا يبحثون لأنفسهم عن ظلٍ في الشجر، "قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ"؛ عن دابته تحت ظل تلك الشجرة، "فَقُمْتُ إِلَى غِرَارَةٍ لَنَا"؛ في شبه العِدل: وعاء يجعل فيها الطعام ونحوه.
"إِلَى غِرَارَةٍ لَنَا، فَالْتَمَسْتُ فِيهَا شَيْئاً"؛ طلبتُ في الغرارة شيء لمّا جاء الحبيب ﷺ، يريد أن يطعمه شيء، يريد شيء لمّا جاء إلى الشجرة التي كان عندها، فأراد أن يُقدّم له ﷺ شيء مما يؤكل، قال: "فَوَجَدْتُ فِيهَا جِرْوَ قِثَّاءٍ"؛ من الخيار أو نوع يشبه الخيار من هذا النبات، وجرو قثاء يعني: صغار القثاء أو المستطيل من القثاء، صغارًا.
"جِرْوَ قِثَّاءٍ فَكَسَرْتُهُ"؛ يعني: من أجل تسهيل تناوله، وكثرة عدده، كسّر هذه الخيارات التي معه أو شبه الخيار من النبات، وقدمها إلى النبي ﷺ، "ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ -رسول الله-: "مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟" يعني: من أي مكان حصل لكم هذا القثاء؟ لأن المنطقة التي أنتم فيها لا يوجد فيها من هذا الثمر، فقال جابر: "فَقُلْتُ خَرَجْنَا بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الْمَدِينَةِ" المنورة، خرجنا به من المدينة، "قَالَ جَابِرٌ: وَعِنْدَنَا صَاحِبٌ لَنَا نُجَهِّزُهُ"؛ أي: أن نُهيئ من أمره ما يحتاج إليه في التوجه، "يَذْهَبُ يَرْعَى ظَهْرَنَا" يعني: دوابّنا، التي يركبون على ظهورها، فكأنه كان خادمًا عندهم.
فكان جهزوه، "قَالَ : فَجَهَّزْتُهُ، ثُمَّ أَدْبَرَ" فلاحظه ﷺ لما أدبر، "وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ لَهُ قَدْ خَلَقَا"؛ يعني: اشتد عليهما أثر الخَلَق والقِدَم فصار ملفتًا للنظر، فلما مشى ولاحظه ﷺ، قال لسيدنا جابر: "أَمَا لَهُ ثَوْبَانِ غَيْرُ هَذَيْنِ؟"؛ هذا صاحبكم معكم، أليس عنده ثياب إلا هذين فقط التي معه؟! يعني: إن كان ما عنده إلا هي معذور، قال له: "فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُ ثَوْبَانِ فِي الْعَيْبَةِ"؛ العيبة: أيضًا هذا وعاء من أَدِم من الجلد، وعاء من الجلد يضعون فيه الثياب ونحوها: عَيْبَة.
"بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُ ثَوْبَانِ فِي الْعَيْبَةِ كَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا"؛ يعني: أعطيته إياهما عطية، أعطيته ثوبين جيدين قبله ووضعهم في العَيبة الخاصة به، كما مثل ما نستعمل الشنطة فكانوا يستعملون هذه العيبة لهم. قَالَ: "فَادْعُهُ فَمُرْهُ فَلْيَلْبَسْهُمَا"؛ فاستدعاه فلبسهما امتثالًا لأمر النبي ﷺ، "ثُمَّ وَلَّى يَذْهَبُ" بعد لبسهما، فنظر إليه ﷺ لمّا شافه: "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا لَهُ"؛ يعني: عنده هذه الثياب نِعمة عليه من الله، ويقوم يلبس الخَلْقين الخَلِقَين الشديدي الخلاقة والضعف في مشيته هذا وهو يقدر على أن يلبس هذا؟!
"مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ"؛ كلمة تقولها العرب عند إنكار الأمر لا يُراد بها الدعاء، ما يُراد بها الدعاء، ضرب الله عنقه يقول، لكن عندما ينكرون أمر يقولوا: ضرب الله عنقك، ليست هكذا المسألة، اعمل كذا وافعل كذا، فكانت مستعملة بين العرب ما يقصد بها الدعاء. "مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ، أَلَيْسَ هَذَا خَيْراً لَهُ؟"؛ مناسب يخرج من لبس الخلقين هذه الخَلِقَين، يخرج في مثل هذا الثوب شاكر لنعمة الله تعالى؟ مظهرًا لفضل الله عليه؟!
"مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ، أَلَيْسَ هَذَا خَيْراً لَهُ؟". قَالَ: فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ"؛ وهو يقول ضرب الله عنقه، وإن كانت لفظة مستعملة دون أن يُراد بها الدعاء، لكن لما صدرت من الحبيب ﷺ، الصحابي اهتزّ لها وخاف، "فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟"؛ ما تُضرب عنقي في حد ولا ظلم ولا..، في سبيل الله، "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ"؛ ردّها دعوة، "قَالَ: فَقُتِلَ الرَّجُلُ"؛ كأنه في تلك الغزوة -لا إله إلا الله-، وقيل أنه قُتل بعد مدة في وقعة اليمامة في زمن سيدنا أبو بكر في قتال مسيلمة الكذاب؛ لأن هذه الغزوة ما وقع فيها قتال، فهذا إرشاده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وجاء في سيرته أنه كان يلبس ما وَجد -عليه الصلاة والسلام- يعني: لا يتكلف شيء مفقود ولا يتخلف عن شيء موجود مناسب له، ليس من المحرَّمات وليس من المكروهات، فكان يلبسه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ولمّا رأى مرة بعض ثياب الحرير وهي محرَّمة على الرجال، وقال: "إنما يلبس هذا من لا خَلَاق له"؛ يعني: ما يستعمله من الرجال إلا من لا نصيب له في الآخرة -والعياذ بالله تعالى-. ثم جاءت له ثياب منها فأرسل ثوب لسيدنا عمر، فجاء سيدنا عمر قال: سمعتك تقول: "إنما يلبس هذا من لا خَلَاق له" ثم تبعث به إلي يا رسول الله؟! قال: ما بعثت به إليك لتلبسه، ولكن لتُلبِسَهُ أو لتبيعه، يعني: تُلبِسه أحد من النساء من زوجاتك، فبعث به سيدنا عمر إلى بعض المشركين كانوا منهم صاحب له في مكة المكرمة، فبعثه به إليه، وهكذا.
إذًا؛ ففي هذا الحديث تنبيه منه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على ما ينبغي للمؤمن في لباسه:
- لا يميل إلى التفاخر والمباهاة.
- ولا يُقَصِّرعن إظهار نعمة الله تبارك وتعالى عليه.
وجاء في ذلك أحاديث عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، منها:
- ما جاء عن سيدنا أنس يقول: "كان أحب الثياب إلى رسول الله أن يلبسها الحِبَرَة".
- وهكذا؛ جاء في رواية الترمذي عنه ﷺ قال: "إن الله يحب أنْ يرى أثر نعمته على عبده".
- وجاء في رواية النسائي وسيدنا أحمد بن حنبل قال: "أتانا رسول الله ﷺ زائرًا -يقول جابر بن عبد الله- فرأى رجلًا عليه ثياب وسخة، فقال: ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه؟!"
- وهكذا؛ يقول الأحوص: "أتيتُ رسول الله ﷺ وعليّ ثوبٌ دون، فقال لي: ألك مال؟ قلت: نعم، قال: من أيّ المال؟ قلت: من كل المال قد أعطاني الله، من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق، قال: إذا آتاك الله مالًا فليُرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته"؛ يُرى أثر كرامة الله عليك، وهكذا.
- قال سيدنا علي بن أبي طالب، جاء عند الإمام أحمد: "أنَّ سيدنا علي اشترى ثوبًا بثلاثة دراهم، فلما لبسه قال: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمَّلُ به في الناس وأواري به عورتي، ثم قال: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول".
وهكذا؛ جاءتنا الروايات عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومع ذلك وقد أرشدنا أنه إذا تعددت الثياب؛
- فالأولى الذهاب إلى الوسط منها والبُعد.
- ومن ترك شيء أغلى أو أرفع أو أشهر عند الناس تواضعًا كان ذلك رفعة لقدره.
"من ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه -وفي رواية: تواضعًا لله تعالى- كساه الله حُلّة الكرامة"؛ يقول عليه الصلاة والسلام: "كساه الله حُلّة الكرامة"، هكذا جاء في مشكاة المصابيح عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو عند أبي داود. وهكذا جاء في رواية الترمذي عن معاذ بن أنس، فهذا تركه خوفًا لله، أو رجاءً لما عنده، أو استحقارًا لزينة الدنيا، أو تواضعًا؛ فله مثل ذلك.
وجاء في الصحيحين أيضًا: "أخرجت إلينا عائشةُ كساءً ملبَّدًا وإزارًا غليظًا ، فقالت: قُبِضَ روحُ رسولِ اللهِ في هذينِ"، تقول السيدة عائشة أيضًا كما جاء في الصحيحين: "إنَّما كانَ فراشُ النَّبيِّ ﷺ الَّذي ينامُ عليهِ أَدَمٌ -يعني جلد- حشوُه ليفٌ". وقال رسول الله ﷺ: "إن أردتِ اللُّحوقَ بي فليَكْفِكِ من الدُّنيا كزادِ الرَّاكِبِ، وإيَّاكِ ومجالَسةَ الأغنياءِ، ولا تستَخلِقي ثوبًا حتَّى تُرقِّعيهِ"؛ لا تُعدِّينه خَلَق إلا وهو مُرقّع، ومشهورٌ عنه ﷺ أنه كان يرقع ثوبه، ومشهورٌ عن سيدنا عمر بن الخطاب أنه يَخرج في القميص المُرقَّع أيام خلافته، وأنه وصل بعض الرُّقاع في بعض قمصانه إلى أربعة عشر رقعة، بعضها من جلد رَقَّعَ بها قميصه، فكان يخرج به في أيام خلافته، ودخل بيت المقدس فاتحًا في قميص مُرقَّع، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
- وجاءنا أيضًا في رواية أبي داود يقول: "قال رسول الله ﷺ: ألا تسمَعون ، ألا تسمَعون ؟ إنّ البذاذةَ من الإيمانِ، إنَّ البذاذَةَ من الإيمانِ".
- وجاء في رواية الإمام البخاري يقول ﷺ: "طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بعِنَانِ فَرَسِهِ في سَبيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ"، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
- وجاء في رواية الترمذي عن سيدنا عثمان أن النبي ﷺ قال: "ليس لابنِ آدمَ حَقٌّ في سوى هذه الخصالِ: بيتٌ يسكُنُه، وثوبٌ يُوارِي عورتَه، وجِلْفُ الخبزِ والماءِ"، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهكذا.
واشتهر نومه ﷺ على حصير، وأنّه يقوم وقد أثّر في جسده، قال ابن مسعود: يا رسولَ اللهِ لو أمرتَنا أن نبسطَ لكَ ونعملَ، فقالَ: "ما لي وما للدُّنيا، ما أنا في الدُّنيا إلَّا كراكبٍ استَظلَّ تحتَ شجرةٍ ثمَّ راحَ وترَكَها" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وجاء أيضًا في البخاري عن سيدنا أبو هريرة يحكي أحوال أهل الصفة غير القادرين: "رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِن أصْحَابِ الصُّفَّةِ ما منهمْ رَجُلٌ عليه رِدَاءٌ، إمَّا إزَارٌ وإمَّا كِسَاءٌ، قدْ رَبَطُوا في أعْنَاقِهِمْ، فَمنها ما يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، ومنها ما يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ"؛ هذا الذي كان عليه أكثر أهل الصُّفّة، وهذا ليس من المُراءاة ولا إيثارًا لإظهار الزُّهد ولكن كانوا فقراء رضي الله تعالى عنهم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في سبيله.
يقول سيدنا أنس: "رأيت عمر -رضي الله عنه- وهو يومئذ أمير المؤمنين، وقد رقَّع ثوبه بِرقاع ثلاث لبَّد بعضها فوق بعض". وقيل: "خطب سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو خليفة وعليه إزار فيه إثنى عشرة رُقعة"؛ إزاره -رضي الله تعالى عنه- مع ذلك وهو في هذا الإزار كان أهيب في القلوب في العالم من ملوك الأرض ومن فيها كلهم، رضي الله تعالى عنه.
فشأن البذاذة: إذا قصد بها تواضعًا وزُهدًا وكَفَّ نفسٍ عن فخرٍ وتكبر؛ فهذا هو الذي قال عنه: "البذاذة من الإيمان" صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وذكر هنا حديث "مَن لبسَ ثوبَ شُهرةٍ في الدُّنيا ألبَسَه اللَّهُ ثَوبَ مذلَّةٍ يومَ القِيامةِ ثمَّ ألهبَ فيهِ نارًا" والعياذ بالله تبارك وتعالى، يعني: إذا قصده التكبّر والتفاخر.
ثم ذكر لنا حديث جابر بن عبد الله هذا هو الذي ابتدأ به باب اللباس، ثم ذكر لنا "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إنِّي لأُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى الْقَارِئِ -يعني: العالم أو العابد- أَبْيَضَ الثِّيَابِ"؛ لكون أحب الثياب إلى الله البيض، ولكونها أيضًا متوسطة ليست من مصبغات ولا معصفرة، و: "خيرُ ثيابِكمُ البَياضُ"؛ يعني: وتكون نقية سالمة من الوضر، والثوب الأبيض يظهر فيه الدنس مباشرة، يعني: أنه يلبسون ثيابًا نظيفة.
ولما سُئل سيدنا مالك -رضي الله تعالى عنه- عن لبس الصوف الغليظ، قَالَ:لَا خَيْرَ فِي الشُّهْرَةِ , وَلَوْ كَانَ يَلْبَسُهُ تَارَةً وَيَتْرُكُهُ تَارَةً لَرَجَوْت، وَلَا أُحِبُّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهِ، قَال: هذا لِمَنْ وجد غيْره، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَلَا أَكْرَهُهُ علَيه.
يقول بعد ذلك عن سيدنا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ"؛ يعني: يريد به الأمر، يعني: إن جمع عليه رجل ثيابه؛ فحَسَن أن يجمع عليه ثيابه، إذا وسَّعَ الله على رجل في ماله فليوسِّع على نفسه في ملبسه بلا شهرة ولا مبالغة، فيحمل نفسه على عادة أمثاله لا يَخِل بحاله.
جاء هذا الحديث أيضًا عن النبي ﷺ قال: "قَامَ رَجُلٌ إلى النبيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: أوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ"؛ يعني: استحسنوا الصلاة في ثوبين ولكن لمن وَجَد، وكان حال الصحابة أنه ليس كلهم يجدوا الثوبين، فيجد الواحد يبقى في الثوب الواحد مُدَّة، لا إله إلا الله.
حتى سيدنا سعيد بن عامر الجمحي -عليه رحمة الله- لمّا أرسله سيدنا عمر أمير في بعض المناطق، ولمّا جاء يتفقد الحال وسأل أهل المنطقة عن أميرهم، فقام واحد من مقلقلي اللسان قال له: أنه يوم في الشهر ما يخرج إلينا، ولا يكلِّم أحد بليل، ويخرج يعني للنظر في قضايا الناس يُقْبِل بعد أن يتعالى النهار، ما يُبكِّر وقته يعني بعد الإشراق مباشرة، قال: ماذا يا سعيد؟ يقولون عنك كذا، قال: لا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم!
- أمّا خروجي إليهم متأخرًا فإنه ليس لي خادم في البيت، فأقوم في الصباح فأطحن وأعجن وأخبز لي ولأهلي ثم أخرج إليهم.
- قال: وما تكلم أحد بليل؟ قال: قد جعلت النهار لهم والليل لربي، يخلي لي حالي مع الله، أمضي وقتي كله معهم والنظر فيهم! أعطينا لهم النهار وخلّيتهم.
- قال: كيف يوم في الشهر ما تخرج إليهم؟ قال: يا أمير المؤمنين ليس لي إلا هذا الثوب، الذي عليَّ هذا الثوب فقط، إذا مرَّ شهر احتجت إلى غسله، فأغسلهما ثم أخرج إليهم آخر النهار، تجف الثياب، هذه هي الثياب يقعد فيه طول الشهر وهو أمير المنطقة! ويخرج إليهم، شاف حاجة يغسّله ويخرج في آخر النهار.
قال: الحمد لله الذي لم يخيّب ظنّي فيك. في حمص كانوا شكوه له بعد شكوى، وقالوا: أنه قد تأتيه غشية ويسكت ما يتكلم، قال: ما هذا الذي يعتريك؟ قال: حضرتُ مقتل خُبيب ورأيته صلّى الركعتين وخرج، يقول له أبو سفيان: أتحب أنك بمكانك ومُحمَّد محلّك؟ وأنت في أهلك وولدك ومحمد مكانك نقتله بدلًا عنك؟ قال: لا والله ما أحب أن تصيبه شوكة في رجله وأني في أهلي وولدي، فما تذكرت هذا الموقف في وقت إلا أصابتني هذه الغشية، أغيب عن ذهني وأخشى أن يسألني الله تعالى عنه لِمَ لمْ أنصره! مع أنّه كان هذا قبل إسلامه، ولكن هكذا كانوا.
وهذا أميرهم معه ثوب واحد في الشهر يغسله مرة ويخرج، رضي الله تعالى عنهم. عجائب أظهرهم الحق على يد حبيبه أطيب الأطايب ﷺ، لم يكن لهم نظير قبلهم ولا بعدهم، لتُميّز المُربّي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، رزقنا الله حسن متابعته.
"أوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ"، "قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ"؛ صلّى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقَباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقَباء، في تُبَّان وقَباء، في تُبَّان وقميص، وأحسب قال: في تُبَّان ورداء؛ يعني: أنواع الثياب هذه يلبسها ويقوم يصلّي فيها. كسانا الله لباس التقوى، قال تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف:26]؛ من هذا كله.
قال الإمام أحمد بن حسن العطاس في قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ)؛ قال: هذا ستر الله المعنوي يستر به عيوب عباده، (وَرِيشًا)؛ قال: هذا هو الظاهر، هذا اللباس الذي يسترون به أبدانهم (وَرِيشًا)، فذاك ستر من الله معنوي، (أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا) [الأعراف:26]، وريشًا: هذا الثياب الظاهرة تلبسونها، قال: (أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ)؛ يُغطي عيوبكم، ستر الله من يُسبِلُه فيغطي عيوب عباده، ولهذا يقول: "لولا ألّا تدافنوا لسألتُ الله أن يريكم أهل القبور وعذاب القبور"؛ ولكن ما بيدفن بعضكم البعض، فلله ستر جميل على عباده، اللهم استرنا بسترك الجميل واجعل تحت الستر كل ما تحب يا أرحم الراحمين، الله، لا إله إلا الله.
وقد أسلفنا أنه ينبغي للمؤمن إن تزين بأي زينة أو لبس أي ثوب حَسَن أن ينوي به استعمال ذلك: لأجل الصلاة، ولأجل الذكر، ولأجل التلاوة، ولأجل الدعاء والمناجاة؛ فتكون هذه مقاصد المؤمن في كل زينة يتزين بها وفي كل لباس حسن يلبسه، نعم.
وجعل لنا من مناسبات الأعياد وغيرها ما حَبَّب إلينا فيها الزينة -الله أكبر-: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)؛ الذين مضوا على الإيمان في الدنيا (خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الأعراف:32]؛ لهم النعيم والطيبات وخالص وحدهم يوم القيامة ما يشاركهم فيها غيرهم، وفي تفسير بعضهم في قوله: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)؛ يشاركهم فيها غيرهم (خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)؛ ما لأحد شيء معهم، لا يشاركهم فيها، فلهم وحدهم يوم القيامة، فمن كسى لله كساه الله، قال: وأول ما يُكسى الخليل إبراهيم -لا إله إلا الله-.
رزقنا الله الاستقامة وأتحفنا بأنواع الكرامة، ودفع عنا كل سوء أحاط به علمه في الدنيا والقيامة، بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.
15 جمادى الآخر 1444