شرح الموطأ - 397 - كتاب الأقضِيَة: باب القضاء في المِيَاه، وباب القضاء في المِرْفَق
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الأقْضِيَة، باب الْقَضَاءِ فِي الْمِيَاهِ، وباب الْقَضَاءِ فِي الْمِرْفَقِ.
فجر السبت 24 ذي الحجة 1443هـ.
باب الْقَضَاءِ فِي الْمِيَاهِ
2181 - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِبٍ: "يُمْسَكُ حَتَّى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسِلُ الأَعْلَى عَلَى الأَسْفَلِ".
2182 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ، لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلأُ".
2183 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ".
باب الْقَضَاءِ فِي الْمِرْفَقِ
2184 - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ".
2185 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا في جِدَارِهِ"، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَاللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ.
2186 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجاً لَهُ مِنَ الْعُرَيْضِ، فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ. فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: لِمَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ، تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلاً وَآخِراً، وَلاَ يَضُرُّكَ. فَأَبَى مُحَمَّدٌ، فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لاَ. فَقَالَ عُمَرُ لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ، تَسْقِي بِهِ أَوَّلاً وَآخِراً، وَهُوَ لاَ يَضُرُّكَ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لاَ وَاللَّهِ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ. فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ، فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ.
2187 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فِي حَائِطِ جَدِّهِ رَبِيعٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْحَائِطِ هِيَ أَقْرَبُ إِلَى أَرْضِهِ، فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ، فَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ، فَقَضَى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِتَحْوِيلِهِ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرمنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريّته، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه وأهل مودّته ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خيرة الله تبارك وتعالى في خليقته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويواصل سيدنا الإمام مالك -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ذكر الأحاديث المتعلقة بالأموال وإحيائها، والسقي والمياه العامة والحكم فيها. وقفنا على قوله: "باب القضاء في المياه"؛ أي: فيما ينتفع به الناس من المياه عامة؛ من الأمطار ومن الأنهار، وما يسيل من المياه فَيَمُرُّ على أرضٍ ثم على أرضٍ بعدها. وأنه ينتفع الناس بالسيول والأنهار التي يزدحم الناس فيها، فيبدأ بالأعلى والأقرب من ذلك الماء: ماء السيل أو النهر فيسقي أرضه التي هي أعلى من أرض الآخر حتى يكتفي بوصول الماء إلى الكعبين، فإذا وصل الماء من الأرض إلى الكعبين في الأرض أو في المزرعة الذي هو أعلى: وجب عليه أن لا يحبس الماء بعد ذلك ويطلقه إلى من وراءه ومن هو أسفل منه، وهكذا الحكم في الذي هو أسفل؛ فإذا بلغ الماء إلى الكعبين وجب عليه أن يطلقه إلى مَن وراءه ومن هو أسفل منه، بذلك قضى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعليه الأئمة الأربعة وجمهور أهل العلم.
يقول: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِبٍ"؛ وهما واديان من أودية المدينة، "يُمْسَكُ"؛ يعني: الأعلى الماء فيسقي أرضه، "حَتَّى الْكَعْبَيْنِ"؛ فيمسك الماء ويجعله في أرضه إلى أن يبلغ في الأرض، في المكان الذي يُزرَعُ فيها من تلك الأرض إلى الكعب؛ فإذا بلغ إلى الكعبين حَرُمَ عليه أن يمسكه أو يحبسه عن من وراءه حتى ينتفع الآخر به.
وما دون الكعبين هو من حق صاحب الأرض الأولى أو الأعلى؛ أي: الأقرب إلى الماء، فإن أرسله قبل ذلك فمن المكارم إذا خشيَ أن لا يكفيهم الماء.
وهكذا جاءنا في صحيح البخاري: أنه لما خَاصَم بعضهم سيدنا الزبير في أجل الماء الذي يجري، وكانت أرضية الزبير أعلى وأقرب إلى الماء، فجاؤوا إلى النبي ﷺ فقال له -لسيدنا الزبير-: "اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حتَّى يرجعَ الماء إلى الجَدْرِ"، وأرشده إلى أخذ حقه، قال في الرواية التي في البخاري: "اسْقِ أرضك، ثُمَّ أطلق الماء إلى جَارِكَ"، فحضر الشيطان النفس الأمارة هذا المُدَّعي وقال: آنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟! لمّا كان الزبير ابن عمتك تحكم له بهذا الحكم؟ فقال ﷺ: "اسقِ يا زُبيرُ، حتَّى يَبْلُغَ الماءَ الكعب، ثمَّ أَطْلِقه"، فلما رأى شراسة هذا وقلة أدبه استوفى حق الزبير، وكان أرشده إلى أن يطلق الماء قبل أن يستوفي حقه، قبل أن يبلغ الكعبين، فلمّا رآه بهذه الصورة قال له ذلك. وفي رواية: حتى يبلغ الجِدْرُ أو يَرجِع إلى الجدر؛ وجدوه أنه يبلغ الكعبين فجعلوا هذا معيار الاستحقاق.
- فالجمهور: على أنه يجوز لصاحب الأرض الأقرب إلى الماء أن يمسك الماء إلى الكعبين ثم يجب عليه أن يُطلقه لمن وراءه.
وذكر: "عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ"؛ ما فَضَلَ عن الحاجة، فما زاد عن الحاجة فلا يُمنع، "لا يُمنَعُ فَضلُ ماءٍ بَعدَ أنْ يُستَغنى عنه"؛ قالوا: وذلك ينطلق على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة، وكذلك في الموات إذا حفرها بقصد التملك.
- وجعل المالكية هذا الحكم خاص إذا كانت البئر في أرضٍ موات.
- ولكن عند الشافعية: يملكها؛ الحافر للبئر يملكها سواءً كانت في أرض موات أو كانت في ملكه، ولكن لا ينبغي أن يمنع الفضل عن المحتاجين إلى ذلك.
- وهكذا يقول الحنابلة: إذا كان في الأرض بئر، أو عين مستنبطة، نفس البئر أو أرض العين مملوكة لمالك الأرض ولكن الماء الذي فيه يقولون غير مملوك؛ لأنه يجري تحت الأرض إلى ملكه، فأشبه الماء الجاري في النهر.
وهكذا؛ هو وجهٌ عند الشافعية، والمعتمد عند الشافعية: أنه يدخل في ملكه إلا أنه لا ينبغي له أن يحبسه عمن يحتاج إليه.
ثم ذكر حديث: "عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لاَ يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ"؛ يعني: فضل مائها.
باب الْقَضَاءِ فِي الْمِرْفَقِ
يقول: "باب الْقَضَاءِ فِي الْمِرْفَقِ"، قال تعالى: (وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) [الكهف:16]؛ أي: ما يُرتفق به وما يُحتاج إليه.
وذكر لنا حديث:
- "لاَ ضَرَرَ"؛ يعني: لا يضرّ الإنسان أخاه فيُنقصه شيء من حقه.
- "وَلاَ ضِرَارَ"؛ أي: لا يُجازي من ضرّه بإدخال الضرر عليه.
"لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ"؛ وهذا أصل من أصول الشرع المصون عندنا؛ أن الضرر يُزال ولا ضرر ولا ضرار، وجاء في الرواية: "من ضارَّ أضرَّ اللهُ به، ومن شاقَّ شقَّ اللهُ عليه"، وجاء أيضًا في رواية عند ابن عبد البر: "مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ أَوْ مَاكَرَ بِهِ".
إذًا؛ فالضرر يُزال ولا يطغى بعض الناس على بعض، ولا يبغي بعضهم على بعض، بل تُراعى الحقوق كما هي لكل الأطراف.
وأورد لنا حديث: "عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لاَ يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ خَشَبَةً"؛ وفي لفظ: خَشَبَهُ، خشبه أو خشبةً؛ والمراد: الجنس، وإن كان أمر الخشبة الواحدة أخف في مسامحة الجار بخلاف الخشب الكثير؛ والمعنى: أن يضع جاره خشبته على جداره.
"يَغْرِزُهَا"؛ يعني: الخشبة أو الخشب، "في جِدَارِهِ"؛ وهو محتاج إلى ذلك، فهو:
- أمر ندب عند الإمام أبي حنيفة.
- وهو أمر إيجاب عند الإمام أحمد، ولا يجوز عند الإمام أحمد أن يمنع الجار جاره إذا احتاج أن يضع خشبه على جداره يغرزه فيه أو يضعه عليه، يقول: ما يجوز لك تمنعه دعه كذلك.
- وهو مندوب عند أبي حنيفة.
- وعند المالكية والشافعية روايتان:
- رواية أنه للإيجاب
- ورواية أنه للندب
- والأصح أنه للندب عندهم
إذًا؛ فالجدار إذا كان لواحد وله جار، فأراد الجار أن يضع جذعه عليه، خشبه عليه، فله ذلك.
- قال الحنفية، والمعتمد عند الشافعية والمالكية: أنه يُسَنُّ له أن يأذن له، ويُكره له أن لا يسامحه وأن يمنعه من وضع الخشبة على جداره.
- وقال أحمد: بل يجب عليه أن يتركه وأن يسمح له، ولا يجوز له أن يمنعه ذلك، وهي كما سمعت أيضًا رواية عند مالك والشافعي.
"ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ"؛ لمّا أذكر لكم هذه المسألة وهي سنة تعرضون عنها، ما تعجبكم! "وَاللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا"؛ بأن يلقيها، "بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ"؛ وأبلّغ ما جاءني عن رسول الله ﷺ، رَغِبَتْ في ذلك نفوسكم أو لم ترغب، فإني أمام أمانة التبليغ وأداء الأمانة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وذكر عن يحيى المازني: "أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجاً لَهُ"؛ المراد: نهر يؤخذ من النهر الكبير يُقال له: خليج، ويُقال في الجانبين خليجان، فالنهر الذي تقطعه من النهر الكبير يقال له خليج.
"سَاقَ خَلِيجاً لَهُ مِنَ الْعُرَيْضِ"؛ هذا وادي اسمه وادي العريض في المدينة، وهو الذي انتحى إليه علي بن جعفر الصادق؛ علي العريضي -عليه رحمة الله-، وأقام بها حتى توفي في ذلك الوادي بجانب المدينة المنورة، وسمّي علي العريضي نسبةً إلى هذا الوادي، ابن جعفر الصادق.
قال: "فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ"؛ يعني: بالماء الذي أخرجه من النهر، "فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ"؛ لأنها الطريق من أجل أن يصل إلى أرضه، "فَأَبَى"؛ امتنع، "مُحَمَّدٌ."؛ ابن مسلمة أن يأذن له بذلك، "فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: لِمَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ"؛ أيضًا، يسقي أرضك، وبعدها يسقي أرضي، يَمُرّ عليك، "تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلاً وَآخِراً"؛ أي: لقربه منك، "وَلاَ يَضُرُّكَ"؛ ما يضرك إجرائه بشيء.
"فَأَبَى مُحَمَّدٌ"، بن مسلمة، "فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ"؛ يعني: شكا ذلك إلى أمير المؤمنين، "فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ"؛ يخليه يمر بالماء، يجري به في أرضك، "فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لاَ. فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ" لماذا تمتنع؟، "لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ"؛ بأخوة الإسلام، "مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ"؛ لأنك أيضًا، "تَسْقِي بِهِ أَوَّلاً وَآخِراً، وَهُوَ لاَ يَضُرُّكَ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لاَ وَاللَّهِ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ. فَأَمَرَهُ عُمَرُ"؛ يعني: أمر سيدنا عمر الضحّاك، "أَنْ يَمُرَّ بِهِ، فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ"؛ وفيه: أن يجبر الحاكم الممتنع لغير معنى واضح ووجه صحيح على ما فيه المصلحة العامة والمنفعة للآخر، "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ".
واختلفت الروايات عن الإمام مالك في حكم هذه المسألة:
- ففي قولٍ: خالف هذا كما يقول أبو حنيفة.
- والقول الثاني: الموافقة على ما جاء في هذا الحديث.
- والقول الثالث: حمله أيضًا على إطلاق لفظه.
فإذا أراد أن يُجريَ الماء في أرض غيره:
- لغير ضرورة: لا بد من إذن صاحب الأرض كما هو عند الجمهور.
- وإن كان لضرورة؛ مثل أن يكون له أرض لزراعة لا طريق لها إلا أرض الجار هذا؛ فجاءت لنا الروايتان عن الإمام أحمد كذلك:
- أنه لا يجوز له أن يتصرف في أرض غيره بغير إذنه.
- والأخرى: أنه يجوز لقول عمر ابن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- في هذه القصة؛ "لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ"؛ للمبالغة في ذلك؛ إشارة إلى أن له حق في ذلك، لا يجوز لك أن تمنعه.
وذكر لنا أيضًا حديث يحيى المازني: "أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فِي حَائِطِ جَدِّهِ رَبِيعٌ"؛ يعني: جدول، نهر صغير، "لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْحَائِطِ هِيَ أَقْرَبُ إِلَى أَرْضِهِ"؛ من هذه الناحية، "فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ، فَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ"؛ أمير المؤمنين، "عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ، فَقَضَى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِتَحْوِيلِهِ."؛ لكونه أرفق، ولا يضر صاحب الأرض أن يكون في هذا الجانب إجراء النهر وفي الجانب الثاني، والجانب الثاني أوفق وأرفق للآخر، فلا ينبغي أن يكون الأمر على الهوى والتشفّي، ولكن يُنظَر إلى المصلحة وإلى الفائدة، و "لا ضرر ولا ضرار"؛ كما هي قاعدة من قواعد الشرع المصون.
رزقنا الله متابعة الأمين المأمون، ونقّانا به عن شوائب الشكوك والأوهام والظنون، وجعلنا في قومٍ يهدون بالحق وبه يعدِلون، بِسِرّ الفاتحة وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.
01 مُحرَّم 1444