شرح الموطأ - 393 - كتاب الأقضِيَة: باب القضاء فيمن وَجَد مع امرأته رَجُلاً، وباب القضاء في المَنْبُوذ

شرح الموطأ - 393 - كتاب الأقْضِيَة: باب الْقَضَاءِ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الأقْضِيَة، باب الْقَضَاءِ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، وباب الْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ.

فجر الأحد 18 ذي الحجة 1443هـ.

باب الْقَضَاءِ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً

2164 - حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلاً، أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ".

2165 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - يُقَالُ لَهُ ابْنُ خَيْبَرِيٍّ - وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً فَقَتَلَهُ، أَوْ قَتَلَهُمَا مَعاً، فَأَشْكَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيَانَ الْقَضَاءُ فِيهِ، فَكَتَبَ إِلَى أبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ يَسْأَلُ لَهُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَالِبٍ عَنْ ذَلِكَ، فَسَأَلَ أَبُو مُوسَى عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَا هُوَ بِأَرْضِي، عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنِّي. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: كَتَبَ إِلَىَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيَانَ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَبُو حَسَنٍ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ.

باب الْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ

2166 - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُنَيْنٍ أبِي جَمِيلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذاً فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ فَقَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا. فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلاَؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.

2167 - قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ: وَأَنَّ وَلاَءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُكرمنا بشريعتِه، وبيانها على لسان عبده وحبيبه وصفوتِه، أكرم بريّته سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحابته، وعلى أهل محبته ومودته ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، خيرة الرحمن سبحانه في جميع خليقته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين و أرحم الراحمين.

يتابع الإمام مالك -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ذكر الأحاديث المتعلقةِ بإقامة الحدود وبالقصاصِ وما تعلَّقَ بذلك، ويذكر هنا أن إقامة الحدِّ إنما يرجعُ إلى الوالي وأمير أهلِ الإسلام، إذا لم تكن هناك شبهةٌ وثبتت موجب الحدِّ أن يقيم عليه الحدِّ، وإنَّ تركَ الحدِّ لعموم الناس يورث الجراءة والفسادَ والدعاوي بينهم البين على غير بيِّنة والفوضى في البلد، فلهذا يجب الرجوع إلى وليُّ الأمر في إقامة الحدود التي هي زواجر تزجر الناس عن المنكرات والسيئات وعن الجرائم الموبقات، ولذلك شرَعها سبحانه وتعالى. 

ويقول: "باب الْقَضَاءِ"؛ أي: الحكم "فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً"، وذكر أنَّ سعد بن عبادة -رضي الله تعالى عنه- وكان من أهل الغيرة لحرماتِ الله -سبحانه وتعالى- حتى جاء في الحديث: "اسمعوا إلى ما يقول سيّدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني"، ذلك أنه سأل سعد بن عبادة رسول الله ﷺ لما علم الحكمَ في مسألة الزنا، وهو لكونه من الجرائم والكبائر العظيمة لا يُقبل فيه إلا الإقرارِ أو شهادة أربعة، وليس من الأعمالِ الأخرى نحتاج فيه إلى شهادة أربعة إلا هذا؛ لشناعة الأمر وعظمته وخطورة الرمي به، ولتتنَزَّه أفكار وألسنة المسلمين عن اللَّوثِ في ذلك والخوض فيه. وبذلك جاء حديث سيدنا سعد بن عبادة أنه سأل النبي ﷺ: "أَرَأَيْتَ"؛ يعني: أخبرني "إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلاً، أَأُمْهِلُهُ"؛ يعني يمهله عن ماذا؟ عن القتلِ، ما معنى يمهلهُ أن يفعل فعلته، بل يجب عليه أن يزجره ويبعده ولكن يمهله في القتل، ما يقتله معناه؛ ما يجوز له أن يقتل؛ لأن قتله لا بد له من بيِّنة: 

  • إما إقرار منه وهو محصن، أو بينة وهو محصن ليقام عليه الحدّ بالقتل. 
  • وإن لم يكن محصنًا فيقام عليه الحدُّ بالجلد والتعزير.

وأما تولي القتل من قِبل الرجل نفسه فإن ذلك يفتح الباب لكل من أراد يقتل واحد يقتله، ويقول: حصلته مع امرأتي! وصارت الدنيا فوضى ولعب، ولهذا رتَّبَ الشارع هذا الترتيب. وإنما معنى "أَأُمْهِلُهُ"؛ أي: عن القتل وليس معنى ذلك أن يتركه مع امرأته، بل يجب عليه إن يزجره حالاً، ويضربه ويرفسه ويبعده، ثم يسمع إن وجدَ الإقرار منه أو الشهود أقيمَ عليه الحد، وإلا أُبعِدَ عن محل التهمةِ وحفظ الرجل بيته وهكذا.

يقول: لمّا علم أنّ الحكم لابد من وجودِ أربعة شهداء، "أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ"؛ أي: لا يجوز لك قتله، كما رواه الإمام مالك ورواه الإمام مسلم أيضًا. "نَعَمْ"؛ يعني: لا يجوز لك أن تتباشر قتله حتى تأتي بأربعة شهداء فيأمر الحاكم بقتله. فبعد ذلك قال سيدنا سعد: والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجلنّه بالسيف قبل ذلك. يعني أقتله قبل ما أجيء عندكم، فقال ﷺ: "اسمعوا ما يقول سيدكم إنه لغيور، وأنا أغير منه والله أغيَرُ مني"، لا إله إلا الله..

جاء في رواية الإمام أحمد عن ابن عباس لما نزلت الآية: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [النور:4]، قال سيدنا سعد: أهكذا أُنزِلَتْ يا رسولَ اللهِ؟ قال: يا معشر الأنصار أتسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله لا تلُمهُ فإنه رجلٌ غيور، والله ما تزوج امرأة قط فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها من شدة غيرته. قالَ سعدُ بن عُبادةَ: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق، وأنها من الله، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعًا قد تفخّذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته"، بل يعني أعاجله بالقتل، فذكر النبي غيرته أثنى على غيرته، ولكن الحكمَ هكذا لئلا لا تنفتح الأبواب بالدعاوي وأن لا يتحول الأمر إلى فوضى.

وهذه الغيرة المحمودة التي يقابلها الدياثة، التي هي وصفٌ لا يدخل صاحبه الجنة، وهو الذي لا يبالي من دخلَ على أهله، ويقرر الخبث في أهله، هذا الديوث، الديوث لا يدخل الجنة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، "لا يدخل الجنة ديوث". وهكذا، وإنما يضرب بها المثل في الحيوانات بالخنزير لأنه عنده دياثة، والعجب أن أكل لحم الخنزير هذا المحرّم يؤثر في آكله أن تضعفَ فيه الغيرة، أو أن يصير إلى الدياثة أقرب، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

قال: "عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - يُقَالُ لَهُ ابْنُ خَيْبَرِيٍّ - وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً فَقَتَلَهُ، أَوْ قَتَلَهُمَا مَعاً، فَأَشْكَلَ" القضاء فيه على "مُعَاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيَانَ"؛ لأنه في الشام هناك، "فَكَتَبَ إِلَى أبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ" الصحابي الشهير يأمره ويطلب منه أن" يَسْأَلُ لَهُ" باب مدينة العلم سيدنا علي، فهو مع خروجِهِ عن الإمام علي وبغيهِ عليه، يوقِنُ أنه صاحب العلم والخصوصية والمزيّة وأنه صاحبُ المكانة، وأرادَ في هذه المسألة أن يكون على بيِّنة وبصيرة، فالتجأ إلى من يسأل سيدنا علي بن أبي طالب ليعرف الحكم؛ لأنه يعرف أنه سيأتي بالفقه القويم القوي لمكانته من رسوله ﷺ يقول: "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها" فكتب معاوية له. 

وفي هذا أن الإنسان قد تحمله نفسهُ على فعل شيء من أمر الشر والسوء، ثم في بقية الأمور يراعي ويراقب، وهذا قد حملته نفسه على البغي والخروج عن الإمام ولكن بعد ذلك، ليس في كل الأمور يبقى بلا دين وبلا أصل، فجاء وعرف أن هذا معدن العلم ومحله. 

فسأل سيدنا أبو موسى -رضي الله عنه- سيدنا علي بن أبي طالب، فقال له سيدنا علي: "إِنَّ هَذَا"؛ أي: الحكاية والقصة "الشَّيْءَ مَا هُوَ بِأَرْضِي"؛ يعني بأرض العراق ولا الأرض التي له الولاية عليها، "عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنِّي"، أين وقع هذا؟ إيش هذه المصيبة؟ هذه أين وقعت؟ قال له سيدنا أبو موسى: "كَتَبَ إِلَىَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيَانَ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ سيدنا  عَلِيٌّ: أَنَا أَبُو حَسَنٍ" -عليه رضوان الله تعالى- أي: المخصوص من المصطفى بالمكانة والمنزلة في هذا العلم، والائتمان عليه والرجوع  إليه، -عليه رضوان الله- ثم أجابه سيدنا علي وقال له: "إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ" يشهدون على ما فعل "فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ" وفي لفظ: بذمّته؛ يعني: يسلَّم إلى وليّ المقتول بحبل؛ يعطى برمته يسلم له بالحبل الذي يشدُّ به، وعلى هذا جماعة الفقهاء والأئمة الأربعة وغيرهم، يقول سيدنا علي. 

وهو إن كان الأمر واقعًا وقتل ذلك غيرةً والرجل محصن فبينه وبين الله بريء الذمة في الآخرة؛ في القيامة ما عليه شيء، لكن في الدنيا نقيم عليه الحد نقتله به، إلا أن يُقِرَّ أولياء المقتول بفسق مقتولهم وأنه يتكرر منه الوقوع في الزنا وهو محصَن، حينئذٍ خلاص ما يُقتل بهِ، وإلا فيقتلُ به، والمعتمد عند الأئمة الأربعة: أنه إذا لم يأتِ بأربعة شهداء فيقتل، ولكن بينه وبين الله ما يكون عليه إثم إذا كان هذا الزاني فعلاً محصَن، فهو ما عليه عقاب في الآخرة ولا عليه إثم، ويكون هذا القتل رفعة لدرجاته، والقصاص من أجل انتظام الحياة في الدنيا حتى لا يقتل الناس بعضهم البعض، ويقول: حصلته مع امرأتي… وبعدين؟ كل ما تسنّى له قتل أحد، يروح يقتله يقول: ما له؟ يقول: حصلته مع امرأتي! فتبقى ذريعة وحجة يفسد بها وضع الناس في أمنهم. فبذا جاءت الشريعة بهذا الأمر.

  •  ويروى عن الإمام أبي حنيفة قول: بأنه يُقبل فيه قوله لأن الأمر يخص ذمَّتَه ويلحقه العار، فيُقبل فيه قوله إذا بدت القرائن على صدقِهِ، وعلى هذا فيُقبل قوله ولا يُقتَلْ به.
  •  ولكن المعتمد عند الأئمة: أنه لا يُقبل قوله حتى لا يُتخذ ذلك ذريعة.

 إذًا: 

  • فالجمهور أنه إن أقام بيّنة أنه وجده مع امرأته هُدر دمه.
  •  وهكذا يقول الإمام الشافعي: يسعه بينه وبين الله تعالى إن كان رجل ثيّبًا أن يقتله، هذا بينه وبين الله، لكن في الحد نقيم الحد عليه في الدنيا إلا أن يعفو أهل المقتول على دية ونحوه، يسلم الدية.

وجاء عند عبد الرزاق يقول: بسند صحيح: أن هانئ بن حزام يقول: إن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتلهما، فكتب عمر كتابًا في العلن أن يَقِيدوه به وكتابًا في السر أن يعطوه الدية، أن يَقِيدوه يعني يقتصّوا، وكتب كتاب كتاب في السر أن يعطوه الدية، فجاءت في ذلك روايات عن سيدنا عمر، حتى قال سيدنا الشافعي: لا نعلم لعليّ - رضي الله عنه- مخالفاً في ذلك.

 

باب الْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذ

 

ثم ذكر المنبوذة وهو المطروح، ويُقال له: اللقيط،  قال: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ) [الصافات:145] يعني طرحناه، فالمطروحُ هذا الذي يُقال له اللقيط.

  •  يقول الحنفية: إنه اسم لحيٍّ مولود طرحه أهله خوفًا من العيْلَة، أو فرارًا من تهمةِ الرِّيبة وهكذ.
  •  يقول المالكية: صغير آدمي لم يُعلَم أبوهُ ولا رِقِّهِ؛ ما ندري هو مملوك أو هو حر.
  • وعرََُّفه الشافعية: أنه كل صبي ضائع لا كافل له فهو لقيط .
  • وكذلك يقول الحنابلة: أنه طفل غير مميز لا يُعرَف نسبه ولا رِقُّه طُرح في شارعٍ أو ضلَّ الطريق ما بين ولادته إلى سن التمييز، فيقال: له هذا لقيط، وهذا منبوذ وطريح.

وذكر لنا حديث: "رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذاً فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ" لقيطًا، "قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ" من أجل يجري نفقته من بيت مال المسلمين، قال عمر: "ماحَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟" هذه النسمة لماذا تأخذها؟ النسمة يعني النفس، فكأنه خاف أن يكون مراده من حمله مجرد تحصيل النفقة من بيت المال، ربما كان له فيها مصلحة وفائدة ونصيب فأراد أن يتأكد سيدنا عمر من السبب،  لماذا أخذته؟ قال: "وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا"؛ يعني: وجدت هذه النسمة؛ أي: النفس ضائعة على شرف الضياع فأخذتها، رفقًا بها لأجل حفظها وأداء حق الإنسانية فيها. "فَقَالَ لَهُ" أي: لعمر "عَرِيفُهُ"  عريفه؛ لأن كان سيدنا عمر قسّم الناس، وجعل لكل قبيلة عريف ينظر إليهم، قال له عريفه: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ"، لا تهمة عليه، يعني: لا يُتهم، قال: "أَكَذَلِكَ؟" أهو معروفٌ عندكم بذلك؟ "قَالَ: نَعَمْ، قَالَ عُمَرُاذْهَبْ" يعني: اذهب به "فَهُوَ حُرٌّ" ، 

  • فاللقيط في قول عامة أهل العلم: حُرٌّ 
  • إلا ما يروىٰ عن النخعي أنه يكون مملوكًا. وجاء عن النخعي: 
    • إن التقطه للحُسبة يكون حُر.
    • وإن التقطه ليسترِقَّهُ فله ذلك.

 لكن الجمهور قالوا: لا، ما لم تثبت مملوكيته فهو حر، "وَلَكَ وَلاَؤُهُ" يقول سيدنا عمر أن يحكم بأنه حر يقتضي أن لا ولاء عليه، كيف هذا يقول لك ولاؤه؟ لا ولاء على حر، إنما الولاء لمن أعتق؟ هذا أراد بها الولاية العامة؛ يعني: لك عليه يد، ولك حق الكرامة وحق البر والإحسان الذي أحسنتهُ إليه. ولم يقول غير هذا إلا ما يروى عن إسحاق أنه قال: إذا مات اللقيط ولم نعرف له ورثة فيرثه الملتقط، هذا معنى: "وَلَكَ وَلاَؤُهُ"؛ قال: إنه يرثه الملتقط، هذا عنده إسحاق لكن غير إسحاق ما قالوا بهذا. ويكون ولاؤه لسائر المسلمين يعني ميراثه لهم، ما ملكه فتوفيَ عنه يصيرُ إلى بيت المال.

ويقول ﷺ: "فإنما الولاء لمن أعتق"، وما في هذا عتق.

قال سيدنا عمر: "وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ"؛ يعني: في بيت مال المسلمين نحن سنسيّر له النفقة، ولهذا كان يقول: من التقط لقيطًا فعليه نفقته حتى يبلغ ويستغني، وليس له أن يطرده، إذا تعذّر من بيت المال، على الملتقط أن يقوم من ماله يؤدّي حق هذه الكفاية، فرض الكفاية بنفقته حتى يكبر، فإن كان فقيرًا فعلى أغنياء المسلمين أن يسلّموا له النفقة.

"قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ" نعم؛ هذا أمر مجمع عليه ما لم يثبت رِقُّه ببيّنة، "وَأَنَّ وَلاَءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ"؛ يعني: هم "يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ"، يعني: إذا جنى اللقيط جناية تحملها العاقلة فعلى المسلمين، مياسير المسلمين، لأنه لا عاقلة له، والله أعلم.

الفاتحة أن الله يصلح أحوالنا والمسلمين ويرزقنا الإنابة والخشية واليقين، ثبتنا على الحق فيما نقول ونفعل ونعتقد وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ويحفظ المسلمين من الآفات والعاهات، ويغفر للمنتقل إلى رحمة الله صالح بن محمد السقاف يجمعنا به في دار الكرامة ومستقر الرحمة وهو راضٍ عنّا،  واخلفه في أهله وذويه وبلده وفينا والمسلمين بخلف صالح، وأن الله ينوّر له في قبره، ويحمله سلامًا منا في كل لمحة وفي كل نفس، ويجعل مستقر روحه في الفردوس الأعلى، وأن يرحمه برحمته الوسيعة، وأن يرفعه مراتبه الرفيعة وإلى حضرة النبي ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

20 ذو الحِجّة 1443

تاريخ النشر الميلادي

19 يوليو 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام