شرح الموطأ - 390 - كتاب الأقضِيَة: باب القضاء في كِراء الدَّابّة والتَّعدِّي بها

شرح الموطأ - 390 - كتاب الأقْضِيَة: باب الْقَضَاءِ فِي كِرَاءِ الدَّابَّةِ وَالتَّعَدِّي بِهَا
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الأقْضِيَة، باب الْقَضَاءِ فِي كِرَاءِ الدَّابَّةِ وَالتَّعَدِّي بِهَا.

فجر الثلاثاء 6 ذي الحجة 1443هـ.

 باب الْقَضَاءِ فِي كِرَاءِ الدَّابَّةِ وَالتَّعَدِّي بِهَا

- قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَسْتَكْرِي الدَّابَّةَ إِلَى الْمَكَانِ الْمُسَمَّى، ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ وَيَتَقَدَّمُ، قَالَ: فإِنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ يُخَيَّرُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ دَابَّتِهِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي تُعُدِّىَ بِهَا إِلَيْهِ أُعْطِيَ ذَلِكَ، وَيَقْبِضُ دَابَّتَهُ، وَلَهُ الْكِرَاءُ الأَوَّلُ، وَإِنْ أَحَبَّ رَبُّ الدَّابَّةِ فَلَهُ قِيمَةُ دَابَّتِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي تَعَدَّى مِنْهُ الْمُسْتَكْرِى، وَلَهُ الْكِرَاءُ الأَوَّلُ إِنْ كَانَ اسْتَكْرَى الدَّابَّةَ الْبَدْأَةَ، فَإِنْ كَانَ اسْتَكْرَاهَا ذَاهِباً وَرَاجِعاً، ثُمَّ تَعَدَّى حِينَ بَلَغَ الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى إِلَيْهِ، فَإِنَّمَا لِرَبِّ الدَّابَّةِ نِصْفُ الْكِرَاءِ الأَوَّلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكِرَاءَ نِصْفُهُ فِي الْبَدَاءَةِ، وَنِصْفُهُ فِي الرَّجْعَةِ، فَتَعَدَّى الْمُتَعَدِّى بِالدَّابَّةِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلاَّ نِصْفُ الْكِرَاءِ الأَوَّلِ، وَلَوْ أَنَّ الدَّابَّةَ هَلَكَتْ حِينَ بَلَغَ بِهَا الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى إِلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُسْتَكْرِي ضَمَانٌ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُكْرِي إِلاَّ نِصْفُ الْكِرَاءِ.

قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ أَمْرُ أَهْلِ التَّعَدِّي وَالْخِلاَفِ لِمَا أَخَذُوا الدَّابَّةَ عَلَيْهِ.

2154- قَالَ: وَكَذَلِكَ أَيْضاً مَنْ أَخَذَ مَالاً قِرَاضاً مِنْ صَاحِبِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ: لاَ تَشْتَرِ بِهِ حَيَوَاناً، وَلاَ سِلَعاً كَذَا وَكَذَا. لِسِلَعٍ يُسَمِّيهَا وَيَنْهَاهُ عَنْهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ، فِيهَا فَيَشْتَرِي الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ وَيَذْهَبَ بِرِبْحِ صَاحِبِهِ، فَإِذَا صَنَعَ ذَلِكَ فَرَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ، إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي السِّلْعَةِ عَلَى مَا شَرَطَا بَيْنَهُمَا مِنَ الرِّبْحِ فَعَلَ، وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ رَأْسُ مَالِهِ ضَامِناً عَلَى الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ وَتَعَدَّى.

2155- قَالَ: وَكَذَلِكَ أَيْضاً الرَّجُلُ يُبْضِعُ مَعَهُ الرَّجُلُ بِضَاعَةً، فَيَأْمُرُهُ صَاحِبُ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً بِاسْمِهَا، فَيُخَالِفُ فَيَشْتَرِي بِبِضَاعَتِهِ غَيْرَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْبِضَاعَةِ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ، إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ مَا اشْتُرِىَ بِمَالِهِ أَخَذَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْمُبْضِعُ مَعَهُ ضَامِناً لِرَأْسِ مَالِهِ، فَذَلِكَ لَهُ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُكْرِمِنا بشريعته الغرَّاء وبيانها على لسان عبده خير الورى، سيِّدنا مُحمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب صلَّى الله عليه وسلَّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه الكُبراء، وعلى مَن والاهم في الله وبمجراهم جرى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين المُرتقين في المجد أعلى الذُّرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المُقربين وعلى جميع عباد الله الصَّالحين طُرًا، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرّاحمين.

وبعدُ،

فيذكر الإمام مالك -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في الموطأ استئجار وكراء الدَّابة، وما حُكم إذا استأجرها إلى مكان معيّن ثم زاد على ذلك المكان، وذهب بها إلى مكان آخر؟ وذلك حرامٌ باتفاق، ويكون صاحبه ضامنًا في وقت مُجاوزته الحد، تتحوّل يده يد ضمان. ثم إن أهل العلم والفقه في الشَّريعة المُطهرة، نظروا إلى ما يلزمه إذ تعدّى وجاوز المكان الذي استأجر إليه.

وقال الإمام الشَّافعي والإمام أحمد بن حنبل: 

  • يكون له إلى المكان الذي سُمّي الأجر الذي سُمّي. 
  • وما زاد على ذلك فهو مُتعد به وعليه فيه أجرة المِثل، فيما زاد على المحل الذي حدّده لكراء تلك الدَّابة. 

ومثله أن يستأجر دراجةً أو سيارةً أو أي شيءٍ من  الأدوات التي تنقل النَّاس فحكمها مثل حكم استئجار الدَّابة. إذًا؛ فعلمنا قول الإمام الشَّافعي والإمام أحمد بن حنبل، أن عليه إلى المكان المُسمَّى، الأجر المُسمَّى وما زاد على ذلك فعليه أن يُسلم كرّاء المسافة التي تعدّى فيها في أجرة المثل. 

كذلك يقول الإمام مالك كما سَمِعْت إلا أنه قال: إذا طرأ بسبب تعدّي ذاك على الدّابة شيء فهو مُخيّر: 

  • أن يأخذ الأجرة فيما زاد 
  • أو يأخذ قيمة الدّابة 

لأن صاحبها هذا الذي تعدّى بها وكأنه غصبها، وعليه أن  يُسلّم مثل القيمة، ثم في المحل الذي سُمّي الأجرة التي سُميت، وجعل الإمام مالك الخيرة لرّب الدّابة. 

كذلك يقول الإمام أبو حنيفة: يُسلِّم الأجرة كما سُمَّى وعليه إثم التعدّي ولا كراء فيه. 

ولكن الجميع أجمعوا على أن ذلك حرام؛ وأنه لا يجوز له. كيف والأمر وراءه حساب دقيق لرب الخلائق، حتى كان الإمام عبد الله بن المبارك -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- أوتي من بعضهم كتابًا يُرسله إلى المكان الذي يسافر إليه، فقال: حتى أستأذن المُكري فإن هذا حمول زائد على ما تشارطت أنا وإياه عليه، فإن أذِن لي وإلا ما أستطيع أزيد شيء فيحاسبني الله عليه. يستأذن من صاحب الدّابة التي اكتراها أن يحمل هذا الكتاب معه أو يتركه، وهكذا كان أهل الورع والاحتياط في الدّين. 

"قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَسْتَكْرِي الدَّابَّةَ إِلَى الْمَكَانِ الْمُسَمَّى، ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ وَيَتَقَدَّمُ"، أن ربَّ الدّابة يُخيَّر، "فَإِنْ أَحَبَّ  أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ دَابَّتِهِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي تُعُدِّىَ بِهَا إِلَيْهِ أُعْطِيَ ذَلِكَ، وَيَقْبِضُ دَابَّتَهُ، وَلَهُ الْكِرَاءُ الأَوَّلُ"، المُسمّى لأنه هو الذي يستحقه في الأصل. "وَإِنْ أَحَبَّ رَبُّ الدَّابَّةِ فَلَهُ قِيمَةُ دَابَّتِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي تَعَدَّى مِنْهُ الْمُسْتَكْرِى"؛ يعني: يأخذ من المُكري ما يكون قيمة دابته في ذلك اليوم، ويكون و"لَهُ" مع هذه القيمة "الْكِرَاءُ الأَوَّلُ" المُسمَّى. يقول الزرقاني: هذا التغيير أو التخيير لمَن؟ لمالك الدّابة إذا تغيرت بالزائد أو حبسها حتى تغيّر سوقها وقيمتها، فيسلِّم قيمتها في يوم تعدى. أما إذا ردَّها بحالها، فلا يكون لرّبها إلا كراء ما تعدّى فيه مع الكراء الأول، كما هو مذهب الإمام الشَّافعي والإمام أحمد بن حنبل -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى-. 

قال: إذا كان المُكتري اكتراها ذهابًا فقط فـ "إِنْ كَانَ اسْتَكْرَى الدَّابَّةَ الْبَدْأَةَ"؛ يعني: الذهاب فقط من دون رجعة، فهذا الحكم "فَإِنْ كَانَ اسْتَكْرَاهَا ذَاهِباً وَرَاجِعاً"، معًا؛ استكراها للذهاب والرجوع إليهما، "ثُمَّ تَعَدَّى" وجاوز المحل "حِينَ بَلَغَ الْبَلَدَ"، ثم تعدى  "حِينَ بَلَغَ الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى إِلَيْهِ، فَإِنَّمَا لِرَبِّ الدَّابَّةِ نِصْفُ الْكِرَاءِ الأَوَّلِ"، في هذا التعدي، ثم يُخيّر المكتري مثل ما سبق؛ فنصف الكراء لأنه الآن ذهاب فقط ولم يكن إياب؛ فله النصف. النصف للذهاب والنصف للإياب، وله بعد ذلك التخيير كما تقدَّم في مذهب الإمام مالك. 

"وَذَلِكَ"؛ أي: سبب وجوب النصف "أَنَّ الْكِرَاءَ" الكامل "نِصْفُهُ فِي الْبَدَاءَةِ، وَنِصْفُهُ فِي الرَّجْعَةِ"، ولمّا تعداه، تجاوز في البداءة فتعدّى المتعدي بالدابة "وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلاَّ نِصْفُ الْكِرَاءِ" في وقت التعدي. وفي هذا يقول أيضًا الإمام الزرقاني: أنه إذا كان أجرة الذهاب والإياب سواء، ولكن قد أحيانًا يكون في بعض الأحيان تختلف رغبات النَّاس فيكون في الذهاب إلى المكان الفلاني أجرة أكثر في الرجعة منه لا يرغب فيه النَّاس فيكون أجرة أقل مثلًا؛ فحينئذ يلزم التقويم. وأما إذا تساوى أمر الذهاب والإياب؛ فالنصف. 

قال: "وَلَوْ أَنَّ الدَّابَّةَ هَلَكَتْ"؛ ماتت "حِينَ بَلَغَ بِهَا الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى إِلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُسْتَكْرِي ضَمَانٌ"؛ لأنه فعل حسب الشرط، ولم يتجاوز، ولم يتعدّى المحل الذي استكراها إليه فماتت بعد ما وصل إلى البلد الذي استكراها إليها "وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُكْرِي إِلاَّ نِصْفُ الْكِرَاءِ"؛ لأنه أجَّره إياها ذهابًا وإيابًا فأوصلته إلى المكان المُحدد فماتت؛ فله نصف الأجرة المُسماة؛ وليس على المُستكري شيء ما لم يتعدّى؛ ما دام ما تعدى ولا تسبب في موتها فأجلها قد حضر.

"قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ أَمْرُ أَهْلِ التَّعَدِّي وَالْخِلاَفِ" على وفق ذلك الذي ذكرنا من أمر التعدي في المذهب، فأمر أهل التعدّي والخلاف في المُخالفة "لِمَا أَخَذُوا الدَّابَّةَ عَلَيْهِ" مثل أن يُحمّل عليها غير ما أكراها عليه أو يزيد عليه أكثر مما أكراها عليه وغير ذلك. مَن اكترى لحمل شيء فزاد عليه مثل أن يكتري لحمل قفيزين فحمل ثلاثة فوقها، فهذا حكمه مثل من اكترى إلى موضع وجاوزه، إذ جاوز في الحِمل على الدّابة كذلك، 

  • فيجب الأجر المُسمى. 
  • وله أيضًا أجر المثل لما زاد. 
  • وإذا تلفت لزم الضمان لأنه زيَّد هو فوقها، فوق المُستأجر عليه.

 وهكذا هو مذهب الشَّافعي أيضًا.

"قَالَ مالك: وَكَذَلِكَ أَيْضاً مَنْ أَخَذَ مَالاً قِرَاضاً" مُضاربة يتجر فيه، والربح بينه وبين صاحب المال "مِنْ صَاحِبِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ: لاَ تَشْتَرِ بِهِ حَيَوَاناً"، مثلًا "وَلاَ سِلَعاً كَذَا وَكَذَا."؛ حدد له بعض السلع ونهاه عنها "يُسَمِّيهَا" ويعيّنها له "وَيَنْهَاهُ عَنْهَا"، فصاحب المال "يَكْرَهُ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ، فِيهَا" في هذه الأشياء، قال له: "فَيَشْتَرِي الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ"، من السلع فكيف الحال؟ قال: "يُرِيدُ بِذَلِكَ" العامل بهذا التعدّي "أَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ، وَيَذْهَبَ"، ينفرد "بِرِبْحِ صَاحِبِهِ، يزعُم أنه لم تبقَ المضاربة؛ لأنه خالف عن ما نهى عنه رب المال.

"فَإِذَا صَنَعَ" العامل "ذَلِكَ" الأمر الشنيع "فَرَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ"، يقول الإمام مالك: حينئذ "إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي السِّلْعَةِ"؛ يشترك معه فيها هذه التي يكرهها، "عَلَى مَا شَرَطَا بَيْنَهُمَا مِنَ الرِّبْحِ" في أصل القراض "فَعَلَ" ذلك. "وَإِنْ أَحَبَّ" رب المال أن يأخذ رأس ماله "فَلَهُ رَأْسُ مَالِهِ"، حال كون المال "ضَامِناً"؛ أي: مضمون "عَلَى الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ وَتَعَدَّى" فيه؛ اشترى به غير البضاعة الذي اتُّفق عليها. وهكذا، اختلف الأئمة في ذلك، المقارِض الذي يأخذ المال من أجل الربح، يتّجر فيه، والربح بينه وبين صاحب المال، فإذا اشترط عليه تعيين جنس من السلع أو  تعيين مكان ونحو ذلك.

  • يقول الإمام مالك مثل الإمام الشَّافعي: إذا اشترط جنس من السلع، فقد يكون ذلك فيه تضييق على المُرابِح، هذا المُضارب إلا إذا كان هذا الجنس من السلع المتوفر دائمًا ومتكاثر، وما تختلف في وقت من أوقات السَّنة، فالأمر واسع. 
  • قال الإمام أبو حنيفة: يلزمه ما اشترط عليه. فإذا تصرّف في غير المُشترط عليه ضمن.

فصار الحكم هو الذي ذكره في الموطأ مثل الحكم في ما إذا جاوز المكان في الدّابة المُكتراة إلى مكانٍ معين. 

وذكر أيضًا باب التخيير فيه، فهذا القول عند الإمام مالك. فهذا هو الحُكم إذا اشترى ما لم يؤذن له فيه فربح فيه. يقول الإمام أحمد: يصير الربح لرّب المال، ولمَن؟ ولهذا المُضارب المُقارض له أجرة المثل؛ لأنه اشترى نوعًا من البضاعة لم يأذن له فيه، فبطلت المُضاربة التي بينهم والقِراض الذي بينهم؛ فصار المال وما نتج عنه كلَّه لرّب المال؛ الرِّبح كله لرّب المال، ولهذا الأجرة، بل إذا عدَّه مُتعدٍّ بسبب ذلك؛ لم يعد يستحق شيء. 

وجاء في رواية عن الإمام أحمد قال: الربح يُتصدَّق به، يبقى فقط رأس المال، والربح يُتصدق به؛ لا لهذا ولا لهذا، ولكن هذا كأنه منه فتوى على سبيل الورع؛ إرشاد من الإمام أحمد -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-. 

إذًا؛ على القول الأول: أن الربح كلّه لرّب المال، فماذا للمُضارب؟ أيضًا فيه روايتين:

○ الأولى: لا شيء له أبدًا؛ لأنه تَصرّف تَصرُف  غير مأذون له فيه؛ فهو كالغاصب فلا شيء له. 

○ والثانية: الذي ذكرنا أن له أجرة المثل في عمله، فهو داخل فيمَن عمل طامعًا.

"قَالَ مالك: وَكَذَلِكَ"؛ أي: مثل الذي ذُكر حُكم "أَيْضاً حُكم "الرَّجُلُ يُبْضِعُ مَعَهُ الرَّجُلُ -رجل آخر- بِضَاعَةً"، عقد بشرط كل الربح لمالك هذه البضاعة كما تقدَّم معنا، "فَيَأْمُرُهُ صَاحِبُ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً بِاسْمِهَا، فَيُخَالِفُ فَيَشْتَرِي بِبِضَاعَتِهِ غَيْرَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ"؛ يعني: يُعدّ فعل مُتعدي به "فَإِنَّ صَاحِبَ الْبِضَاعَةِ"؛ يعني: رب المال "عَلَيْهِ"؛ أي: على العامل "بِالْخِيَارِ، إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ" من العامل "مَا اشْتُرِىَ بِمَالِهِ أَخَذَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْمُبْضِعُ مَعَهُ ضَامِناً لِرَأْسِ مَالِهِ"، كلّه "فَذَلِكَ لَهُ" جائز؛ يعني: المُبضَع معه هذا تعدّى على البضاعة، ومنع صاحبها غرضه منها، وأراد أن ينفرد بالانتفاع دون صاحبها؛ وهو متعدٍّ، فإذا علم بتعدّيه قبل بيع ما اشترى به أو بعد ذلك.. 

  • إن علم به قبل أن يبيعه، فإنه على ما قال: يُخير رب البضاعة بين أن يأخذ السلعة التي ابتاع المبضع معه بمال، وبين أن يُضمِنه ثمنها.
  • فإن علم به بعد ما باع السلعة، فجاء في (المدوّنة) من كتب المالكية أن الربح للمُبضَع معه؛ لأنه قد ضمن البضاعة، وهذا تصرف غير مأذون له فيه.

 لكن المشهور في مذهب مالك يقول: 

○ إن كان في ثمنها ربح فهو لصاحب البضاعة.

○ وإن كان نقص فعلى المُبضَع معه؛ لأنه هو الذي تصرف واشترى بضاعة غير الذي أمره أن يتجر فيها ويشتري بها. 

والله أعلم. 

الله يرزقنا الاتباع والاقتداء وحُسن الاهتداء، ويكفينا الأسواء والأدواء وكل داء، ويغمرنا بفائض الجود والندى، ويربطنا بنبيّ الهُدى فيما خفي وفيما بدا، ويجعل حظنا منه من اتباعه وببركته وافرًا من أسرار يوم التروية ويوم عرفة، ويوم النحر وأيام التشريق والأيام المعلومات كلّها، والعشر من ذي الحجة وجميع أوقات الخير والبركة وجميع أوقات العُمر، وأن الله يوفّر حظنا من حبيبه البدر في السِّر وفي الجهر،  ويرزقنا حسن الاقتداء به والسير في دربه حتى يسقينا من شربه، ويدخلنا في حزبه ويحشرنا في زمرته ويجعلنا في أهل مودّته ومحبّته في لطف وعافية، ويفرِّج كروب  أُمّته أجمعين بجاهه لديه، وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

18 ذو الحِجّة 1443

تاريخ النشر الميلادي

17 يوليو 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام