شرح الموطأ - 389 - كتاب الأقضِيَة: باب القضاء في الرَّهْن من الحيوان، وباب القضاء في الرَّهْن يكون بين الرَّجُلين، وباب القضاء في جامع الرهون
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الأقْضِيَة، باب الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ مِنَ الْحَيَوَانِ، باب الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، باب الْقَضَاءِ فِي جَامِعِ الرُّهُونِ.
.فجر الإثنين 5 ذي الحجة 1443هـ
باب الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ مِنَ الْحَيَوَانِ
2147 - قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الأَمْرُ الَّذِي لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ عِنْدَنَا فِي الرَّهْنِ: أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ يُعْرَفُ هَلاَكُهُ مِنْ أَرْضٍ، أَوْ دَارٍ، أَوْ حَيَوَانٍ، فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَعُلِمَ هَلاَكُهُ، فَهُوَ مِنَ الرَّاهِنِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَنْقُصُ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ شَيْئاً، وَمَا كَانَ مِنْ رَهْنٍ يَهْلِكُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَلاَ يُعْلَمُ هَلاَكُهُ إِلاَّ بِقَوْلِهِ، فَهُوَ مِنَ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ لِقِيمَتِهِ ضَامِنٌ، يُقَالُ لَهُ: صِفْهُ، فَإِذَا وَصَفَهُ، أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ وَتَسْمِيَةِ مَالِهِ فِيهِ، ثُمَّ يُقَوِّمُهُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا سَمَّى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أَخَذَهُ الرَّاهِنُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا سَمَّى، أُحْلِفَ الرَّاهِنُ عَلَى مَا سَمَّى الْمُرْتَهِنُ، وَبَطَلَ عَنْهُ الْفَضْلُ الَّذِي سَمَّى الْمُرْتَهِنُ فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَحْلِفَ، أُعْطِيَ الْمُرْتَهِنُ مَا فَضَلَ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ، فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ لاَ عِلْمَ لِي بِقِيمَةِ الرَّهْنِ، حُلِّفَ الرَّاهِنُ عَلَى صِفَةِ الرَّهْنِ، وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ إِذَا جَاءَ بِالأَمْرِ الَّذِي لاَ يُسْتَنْكَرُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ إِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، وَلَمْ يَضَعْهُ عَلَى يَدَىْ غَيْرِهِ.
باب الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ
2148 - قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِي الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ لَهُمَا رَهْنٌ بَيْنَهُمَا، فَيَقُومُ أَحَدُهُمَا بِبَيْعِ رَهْنِهِ، وَقَدْ كَانَ الآخَرُ أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ سَنَةً. قَالَ: إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُقْسَمَ الرَّهْنُ، وَلاَ يَنْقُصَ حَقُّ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ، بِيعَ لَهُ نِصْفُ الرَّهْنِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا، فَأُوفِي حَقَّهُ، وَإِنْ خِيفَ أَنْ يَنْقُصَ حَقُّهُ بِيعَ الرَّهْنُ كُلُّهُ، فَأُعْطِيَ الَّذِي قَامَ بِبَيْعِ رَهْنِهِ حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ أَنْ يَدْفَعَ نِصْفَ الثَّمَنِ إِلَى الرَّاهِنِ، وَإِلاَّ حُلِّفَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ مَا أَنْظَرَهُ إِلاَّ لِيُوقِفَ لِي رَهْنِي عَلَى هَيْئَتِهِ، ثُمَّ أُعْطِيَ حَقَّهُ عَاجِلاً.
2149 – قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِي الْعَبْدِ يَرْهَنُهُ سَيِّدُهُ، وَلِلْعَبْدِ مَالٌ، إِنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ بِرَهْنٍ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ.
باب الْقَضَاءِ فِي جَامِعِ الرُّهُونِ
2150 - قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِيمَنِ ارْتَهَنَ مَتَاعاً، فَهَلَكَ الْمَتَاعُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، وَأَقَرَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِتَسْمِيَةِ الْحَقِّ، وَاجْتَمَعَا عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَتَدَاعَيَا فِي الرَّهْنِ، فَقَالَ الرَّاهِنُ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَاراً. وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ. وَالْحَقُّ الَّذِي لِلرَّجُلِ فِيهِ عِشْرُونَ دِينَاراً. قَالَ مَالِكٌ: يُقَالُ لِلَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ صِفْهُ، فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ تِلْكَ الصِّفَةَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِمَّا رُهِنَ بِهِ، قِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ: ارْدُدْ إِلَى الرَّاهِنِ بَقِيَّةَ حَقِّهِ. وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِمَّا رُهِنَ بِهِ، أَخَذَ الْمُرْتَهِنُ بَقِيَّةَ حَقِّهِ مِنَ الرَّاهِنِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ.
2151 - قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الرَّهْنِ يَرْهَنُهُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَيَقُولُ الرَّاهِنُ: أَرْهَنْتُكَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ. وَيَقُولُ الْمُرْتَهِنُ: ارْتَهَنْتُهُ مِنْكَ بِعِشْرِينَ دِينَاراً. وَالرَّهْنُ ظَاهِرٌ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ، قَالَ: يُحَلَّفُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى يُحِيطَ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ : فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لاَ زِيَادَةَ فِيهِ وَلاَ نُقْصَانَ عَمَّا حُلِّفَ أَنَّ لَهُ فِيهِ، أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ، وَكَانَ أَوْلَى بِالتَّبْدِئَةِ بِالْيَمِينِ، لِقَبْضِهِ الرَّهْنَ وَحِيَازَتِهِ إِيَّاهُ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الرَّهْنِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ الَّذِي حُلِّفَ عَلَيْهِ، وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ أَقَلَّ مِنَ الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى، أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى، ثُمَّ يُقَالُ لِلرَّاهِنِ: إِمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَتَأْخُذَ رَهْنَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الَّذِي قُلْتَ أَنَّكَ رَهَنْتَهُ بِهِ، وَيَبْطُلُ عَنْكَ مَا زَادَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ. فَإِنْ حَلَفَ الرَّاهِنُ، بَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ غُرْمُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ.
2152 - قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ وَتَنَاكَرَا الْحَقَّ، فَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ: كَانَتْ لِي فِيهِ عِشْرُونَ دِينَاراً. وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: لَمْ يَكُنْ لَكَ فِيهِ إِلاَّ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ. وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ: قِيمَةُ الرَّهْنِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ. وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَاراً. قِيلَ لِلَّذِى لَهُ الْحَقُّ : صِفْهُ، فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ، ثُمَّ أَقَامَ تِلْكَ الصِّفَةَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أُحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَى، ثُمَّ يُعْطَى الرَّاهِنُ مَا فَضَلَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِمَّا يَدَّعِي فِيهِ الْمُرْتَهِنُ، أُحْلِفَ عَلَى الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ قَاصَّهُ بِمَا بَلَغَ الرَّهْنُ، ثُمَّ أُحْلِفَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى الْفَضْلِ الَّذِي بَقِيَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ مَبْلَغِ ثَمَنِ الرَّهْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ صَارَ مُدَّعِياً عَلَى الرَّاهِنِ، فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ عَنْهُ بَقِيَّةُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ مِمَّا ادَّعَى فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا بَقِيَ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مكرمنا بأحكام الشريعة، وبيانها على لسان عبده المجتبى محمد ذي المراتب الرفيعة، اللهم صلّ وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى أصحابه ومن سار في دربه وتحصّن بحصونه المنيعة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين هم إلى رضوان الله الذريعة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ذي العطايا الوسيعة.
وبعدُ،
فيواصل الإمام مالك الكلام عن الرهن، وفي هذا الباب يذكر "الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ مِنَ الْحَيَوَانِ"؛ يعني: إذا رهن شيئًا من الحيوان فمات ذلك الحيوان عند المرتهن، كيف يكون القضاء فيه؟
"قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الأَمْرُ الَّذِي لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ عِنْدَنَا فِي الرَّهْنِ"؛ أي: في مسألة الرهن "أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ"؛ يعني: أي شيء "يُعْرَفُ هَلاَكُهُ مِنْ أَرْضٍ، أَوْ دَارٍ، أَوْ حَيَوَانٍ" فالدار والأرض والحيوان إذا حصل هناك زلزال أو هدم أو موت يكون معلوم عند أهل المنطقة، معلوم عند أهل المحل، فيُعلم ويُدرى به، يقول: "مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ يُعْرَفُ هَلاَكُهُ مِنْ أَرْضٍ، أَوْ دَارٍ، أَوْ حَيَوَانٍ، فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَعُلِمَ هَلاَكُهُ" من أهل المنطقة وأهل البلدة "فَهُوَ مِنَ" ضمان "الرَّاهِنِ" ليس على المرتهن في ذلك شيء.
وقال: "وَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَنْقُصُ"؛ أي: ما تقدّم من الهلاك "لاَ يَنْقُصُ" ولا يضيع "مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ شَيْئاً" يريد أنّ حق المرتهن على الراهن بكماله؛ لا ينقص منه شيء بسبب ما ذهب من الرهن بيده.
علمنا ذلك عند الإمام مالك تفريقه بين: ما يمكن إخفاؤه وبين ما لا يمكن إخفاؤه،
- فما كان ظاهرًا بيّنًا
- لا يضمنه المرتهن إلاّ إن كان بتفريط منه. فإن لم يكن بتفريط منه بأن تكون سيولٌ جرفته أو هلكت الدار، أو زلزلة حصلت وتزلزل، أو مرض سرى إلى الحيوان فمات الحيوان الذي بيده، لا يوجد تفريط منه.
- وأمّا إن كان استعمل الحيوان وحمّله فوق طاقته فهلك فهو يضمنه، لأنّه كان هذا بتفريط منه، أو أهمل الماء في القصب مفتوح في البيت وهو من طين فتشقّق وسقط فهو يضمنه، لأن هذا بتقصير منه، فما لم يكن بتقصير منه فلا ضمان.
- وأما ما يمكن إخفاؤه كالحلي والعروض يقول:
- فإنه يضمن إن لم يكن المرهون عند أمين.
- أو لم يُقم بيّنة على أنه هلك من غير تقصير منه.
ففرّقَ بين ما يخفى ويمكن عدم معرفته بأن يكون دنانيرَ أو دراهمَ ونحوَها، ما يدري الناس صدق سُرق أو لم يُسرق، هذا أمر ما يُعلم، هو الذي يدّعي هلاكه بعد ذلك. هكذا فرّق الإمام مالك.
- قال الشافعية والحنابلة: إن يد المرتهن على العين المرهونة يد أمانة، فلا يضمن إن تلفت بغير تعدّ منه، ولا فرق بين ما يظهر وما لا يظهر، إن لم يكن تعدٍّ منه فلا يضمن.
- وقال الحنفية أيضاً: إنها يد ضمان يضمن للمرتهن إن هلك بيده بالأقل من قيمته ومن الدّيْن، فللحنفية نظر في كم مقدار الدّيْن الذي عليه، وكم قيمة المرهون الذي هلك. فيقولون:
- إن تساويا يعني قيمة المرهون مائة ألف والدّين مائة ألف كان المرتهن مستوفيًا حقّه، خلاص أخذت حقك وما بقي شيء لك عند الراهن.
- فإن زادت قيمة المرهون كانت الزيادة أمانة بيده.
- وإن نقصت عنها؛ بأن كان المرهون خمسين ألف قيمتُه والرهن مائة ألف؛ سقط بقدره من الدّيْن وهو الخمسون ألف، ويرجع على الراهن بخمسين ألف.
فيد الضمان عند الحنفية مربوطة بالأقل من قيمة المرهون ومقدار الدّيْن. ولم يفرّق الشافعية والحنابلة لا بمقدار الدّين ولا بما يخفى وما لا يخفى. وعند المالكية فرّقوا بين ما يخفى وما لا يخفى. وعند الحنفية فرّقوا بأن الضمان بمقدار الأقل من أحد الإثنين؛ مقدار الدين وقيمة المرهون، يضمن الأقل من ذلك.
قال سيدنا مالك: "وَمَا كَانَ مِنْ رَهْنٍ يَهْلِكُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَلاَ يُعْلَمُ هَلاَكُهُ إِلاَّ بِقَوْلِهِ، فَهُوَ مِنَ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ لِقِيمَتِهِ ضَامِنٌ"؛ أي: حيث لا بيّنة أنّه هلك من غير تقصير منه. "يُقَالُ لَهُ: صِفْهُ، فَإِذَا وَصَفَهُ" يُقال للمرتهن: صِفْه "فَإِذَا وَصَفَهُ"؛ يعني: اتفقا على وصفه.. حُكم بقيمة تلك الصفة، وإن اختلفا، قال: صِفه "فَإِذَا وَصَفَهُ، أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ" أنها كما وصف، وأُحلف على "تَسْمِيَةِ مَالِهِ"؛ أي: الدَّيْن الذي له فيه، إذا اختلفا في ذلك.
قال غير المالكية: إنّ القول قول الراهن في مقدار الديْن الذي به رُهن ذلك الأمر، فيُحلّف والقول قوله. قال: "أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ وَتَسْمِيَةِ مَالِهِ فِيهِ"؛ أي: في الرهن؛ أي: في مقابلته من الدَّيْن "ثُمَّ يُقَوِّمُهُ" أهل التقويم "أَهْلُ الْبَصَرِ بِذَلِكَ".
ثمّ كرّر المسائل لتوضيحها، يقول: "فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا سَمَّى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أَخَذَهُ الرَّاهِنُ"؛ أي: أخذ الزائد "وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا سَمَّى" المرتهن من الدَّيْن "أُحْلِفَ الرَّاهِنُ عَلَى مَا سَمَّى الْمُرْتَهِنُ، وَبَطَلَ عَنْهُ الْفَضْلُ الَّذِي سَمَّى الْمُرْتَهِنُ فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَحْلِفَ، أُعْطِيَ الْمُرْتَهِنُ مَا فَضَلَ"؛ أي: ما زاد من الدين "بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ" لنكوله عن اليمين؛ بسبب نكوله عن اليمين. "فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ لاَ عِلْمَ لِي بِقِيمَةِ الرَّهْنِ، حُلِّفَ الرَّاهِنُ عَلَى صِفَةِ الرَّهْنِ، وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ إِذَا جَاءَ بِالأَمْرِ الَّذِي لاَ يُسْتَنْكَرُ"؛ أي: لا يكون بعيدًا جدًا، ما يُقبل قوله ولا يُعقل في ذلك.
إذًا؛ علمنا هذا تفصيل مذهب الإمام مالك، وعلمنا أن مذهب الإمام الشافعي وأحمد وجمهور المحدثين معهم أنّ الرهن كله أمانة بيد المرتهن، فإذا هلك من غير تقصير منه فلا ضمان، ويبقى الدّيْن على ما هو عليه.
"قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ إِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، وَلَمْ يَضَعْهُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ"؛ أي: الحكم هذا الذي تقدم إذا قبض المرتهن الرهن بنفسه ولم يضعه على يدي غيره، فلو وضعه عند غيره يضمن، يقولون: من غير تفصيل. فإن كان بيد غيره فلا ضمان على المرتهن وإن لم تكن بيّنة. فالمتراهنان إذا شرطا كون الرهن على يدي رجل ورضيا به واتفقا عليه جاز، وكان وكيلاً للمرتهن نائبًا عنه في القبض، فمتى قبضه صح قبضه.
- وأيضًا عندنا الشافعية وكذلك عند الحنابلة والحنفية يقولون: أن الرهن يثبت بالقبض.
- وقال بعض الأئمة الأربعة: بمجرد العقد من قبل القبض يثبت الرهن.
باب الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ
يقول: "باب الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ"؛ يعني: إذا أخذ رجل ديْنًا من آخر، أخذ ديْنًا من زيد وديْنًا من عمرو، أخذ من هذا ألف ومن هذا ألف، ثم رهن عندهما -المدِّينين الاثنين- رهن عندهما دار لهم أو أي شيء. "الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ" رهن مرهونة بين رجلين عليه دين لذا وعليه دين لذا وجاء بحاجة رهنها للاثنين.
"قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِي الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ لَهُمَا رَهْنٌ بَيْنَهُمَا، فَيَقُومُ أَحَدُهُمَا بِبَيْعِ رَهْنِهِ، وَقَدْ كَانَ الآخَرُ أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ سَنَةً"، يقوم أحدهما زيد مثلاً ببيع رهنه، يعني يطالب زيد أن يُباع حصة رهنه ويُوفّى دينه، والآخر بقي أجل معه وقال له: لك سنة. قال مالك "إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُقْسَمَ الرَّهْنُ، وَلاَ يَنْقُصَ حَقُّ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ"؛ يعني: لا ينقص حق عمرو بهذه القسمة؛ إن لم تنقص قسمته حق الذي أنظره بحق بيعه، "بِيعَ لَهُ نِصْفُ الرَّهْنِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا، فَأُوفِي حَقَّهُ".
"وَإِنْ خِيفَ أَنْ يَنْقُصَ حَقُّهُ"؛ خِيف بالقسمة أن ينقص حقه؛ حق عمرو الذي أنظره؛ الثاني هذا، "بِيعَ الرَّهْنُ كُلُّهُ"؛ لكي لا يتضرر القائم بحقه بالتأخير، ولا المنظر هذا الذي قد حلّ أجله، لا نؤخره، والذي أَنظر لا نبخسه بحقه بسبب نقص القيمة، فنبيع الكل. "فَأُعْطِيَ الَّذِي قَامَ بِبَيْعِ رَهْنِهِ حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ طَابَتْ" رضيت "نَفْسُ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ" يعني "أَنْ يَدْفَعَ نِصْفَ الثَّمَنِ" الذي بقي "إِلَى الرَّاهِنِ"، فعلَ "وَإِلاَّ حُلِّفَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ مَا أَنْظَرَهُ إِلاَّ لِيُوقِفَ"؛ أي: لأجل أن يحبس "لِي رَهْنِي عَلَى هَيْئَتِهِ"؛ أي: على صفة الرهن "ثُمَّ" بعد التحليف "أُعْطِيَ حَقَّهُ عَاجِلاً".
وهكذا يقول الحنابلة: إذا رهن عينًا واحدة عند رجلين، عليه دين لذا ولذا، فقضى أحدهما، خرجت حصته من الرهن، لأن عقد الواحد مع اثنين بمنزلة عقدين، فكأنه رهن لكل واحد منهما النصف مفردًا، فإذا أراد مقاسمة المرتهن وأخذ نصيب من وفّاه..
- وكان الرهن مما لا تنقصه القسمة كالمكيل والموزون لزم ذلك.
- وإن كان تنقصه القسمة لم تجب قسمته، لأنّ على المرتهن ضرر في قسمته، ويُقَرّ في يد المرتهن نصفه رهن ونصفه وديعة إلى أن يأتي أجل الثاني، فإمّا أن يقضي الدين أو يُباع المرهون.
"قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِي الْعَبْدِ يَرْهَنُهُ سَيِّدُهُ، وَلِلْعَبْدِ مَالٌ، إِنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ بِرَهْنٍ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ."، وإن كان العبد مكاتَب أو مبعّض فما يدخل مال العبد وسط الرهن، إلا إن شرط المرتهن أن العبد وما يكسبه في أيام الكتابة يدخل وسط الرهن.
باب الْقَضَاءِ فِي جَامِعِ الرُّهُونِ
قال: "باب الْقَضَاءِ فِي جَامِعِ الرُّهُونِ"، "قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِيمَنِ ارْتَهَنَ مَتَاعاً، فَهَلَكَ الْمَتَاعُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، وَأَقَرَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِتَسْمِيَةِ الْحَقِّ، وَاجْتَمَعَا عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَتَدَاعَيَا فِي الرَّهْنِ" اختلفا في الرهن، وتداعيا بمعنى اختلفا. "فَقَالَ الرَّاهِنُ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَاراً. وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ. وَالْحَقُّ الَّذِي لِلرَّجُلِ" المرتهن "فِيهِ"؛ أي: في الرهن "عِشْرُونَ دِينَاراً"
"قَالَ مَالِكٌ:" في هذه الصورة "يُقَالُ لِلَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ صِفْهُ، فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ" مجهول "عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ"؛ أي: قوّم "تِلْكَ الصِّفَةَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا":
- "فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِمَّا رُهِنَ بِهِ، قِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ: ارْدُدْ إِلَى الرَّاهِنِ بَقِيَّةَ حَقِّهِ".
- "وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِمَّا رُهِنَ بِهِ، أَخَذَ الْمُرْتَهِنُ بَقِيَّةَ حَقِّهِ مِنَ الرَّاهِنِ".
- "وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ."
كما تقدم عندنا أن هذا مذهب الإمام مالك.
قال مالك: "الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الرَّهْنِ يَرْهَنُهُ أَحَدُهُمَا أحد الرجلين عند "صَاحِبَه، فَيَقُولُ الرَّاهِنُ: أَرْهَنْتُكَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ"؛ يعني: أخذت الدين عشرة دنانير وجعلت هذا رهن بها. "وَيَقُولُ الْمُرْتَهِنُ:" لا "ارْتَهَنْتُهُ مِنْكَ"؛ أخذته منك "بِعِشْرِينَ دِينَاراً"، أعطيتك عشرين دينار دين، ما أعطيتك عشرة، أعطيتك عشرين، وأخذت هذا الرهن مقابله، "وَالرَّهْنُ ظَاهِرٌ" موجود "بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ".
يقول مالك: "يُحَلَّفُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى يُحِيطَ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ"؛ يعني: لا يكون دعواه أكثر من قيمة الرهن. "فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ"؛ يعني: قيمة الرهن، "لاَ زِيَادَةَ فِيهِ وَلاَ نُقْصَانَ عَمَّا حُلِّفَ" المرتهن "أَنَّ لَهُ فِيهِ، أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ" لأنّه فعلًا يساوي الحق. "وَكَانَ" المرتهن "أَوْلَى بِالتَّبْدِئَةِ بِالْيَمِينِ، لِقَبْضِهِ الرَّهْنَ" لكونه قابضًا "وَحِيَازَتِهِ إِيَّاهُ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الرَّهْنِ أَنْ يُعْطِيَهُ"؛ يعني: المرتهن "حَقَّهُ الَّذِي حُلِّفَ عَلَيْهِ، وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ" فلا بأس بذلك، يسلم له الدعوى الذي ادّعاه، يقول: خذ على دعواك العشرين، ورد حقيَ المرهون، فيرجع الرهن إلى الراهن.
قال: "وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ أَقَلَّ مِنَ الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى، أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى، ثُمَّ يُقَالُ لِلرَّاهِنِ: إِمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَتَأْخُذَ رَهْنَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الَّذِي قُلْتَ أَنَّكَ رَهَنْتَهُ بِهِ، وَيَبْطُلُ عَنْكَ مَا زَادَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ. فَإِنْ حَلَفَ الرَّاهِنُ، بَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ غُرْمُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ".
"قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ وَتَنَاكَرَا" اختلفا "الْحَقَّ، فَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ: كَانَتْ لِي فِيهِ عِشْرُونَ دِينَاراً. وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: لَمْ يَكُنْ لَكَ فِيهِ إِلاَّ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ" ويكرر نفس المسألة… "وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ: قِيمَةُ الرَّهْنِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ. وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَاراً. قِيلَ لِلَّذِى لَهُ الْحَقُّ: صِفْهُ، فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ، ثُمَّ أَقَامَ تِلْكَ الصِّفَةَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ"؛ يعني: قوّموها، "فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أُحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَى، ثُمَّ يُعْطَى الرَّاهِنُ مَا فَضَلَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِمَّا يَدَّعِي فِيهِ الْمُرْتَهِنُ، أُحْلِفَ عَلَى الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ قَاصَّهُ بِمَا بَلَغَ الرَّهْنُ، ثُمَّ أُحْلِفَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى الْفَضْلِ الَّذِي بَقِيَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ مَبْلَغِ ثَمَنِ الرَّهْنِ".
قال الإمام مالك: "وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ صَارَ مُدَّعِياً عَلَى الرَّاهِنِ، فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ عَنْهُ بَقِيَّةُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ مِمَّا ادَّعَى فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِنْ نَكَلَ"؛ ما رضي أن يحلف؛ "لَزِمَهُ مَا بَقِيَ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ" فهذا ما بيّن الإمام مالك في مذهبه في حق الراهن والمرتهن:
- إذا اختلفوا في قدر الدّيْن الذي عليهم.
- أو قيمة الشيء المرهون.
إذًا؛ اختلاف الراهن والمرتهن في قدر الحق الذي به وجب الرهن. قال مالك: القول قول المرتهن فيما ذكره من قدر الحق الذي له، ما لم تكن قيمة الرهن أقل من ذلك، أعطاه رهن قيمة الرهن خمسون، وقال: أنا لي ثمانين عنده! قال له: ثمانين! وقبلت الرهن الذي قيمته خمسين؟! هذه شبهة في كلامك ما نقبل منك ذا الكلام.
أمّا إن عيّن شيئًا مثل الرهن وأقل فيُقبل قوله عندنا، كما قال الإمام مالك: القول قول المرتهن فيما ذكره من قدر الحق ما لم تكن قيمة الرهن أقل، فما زاد على قيمة الرهن فالقول قول الراهن؛ يعني: الراهن الذي يحلف يقول: اسمع، ما لك إلاّ هذه القيمة التي هي الخمسين، وأمّا الثلاثين هذه التي ادعيتها إن أقرّ بها صاحب الدّيْن فيسلّمها لك، ما أقرّ يحلف أنه ما لك شيء وتذهب؛ هذا هو مذهب الإمام مالك عليه رضوان الله تعالى.
وقال الشافعي وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء: القول في قدر الحق قول الراهن، الراهن يقول أنا ما أعطيتك هذا إلا بمقدار كذا كذا وهكذا.. لأنّ الراهن مُدّعى عليه والمرتهن مُدّعٍ، فوجب أن تكون اليمين على الراهن كما هو ظاهر السُّنة المشهورة: "البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر".
رزقنا الله الاستقامة، وأتحفنا بالكرامة، وبارك لنا في أقوالنا وأفعالنا وجعلها على ميزان الشرع المصون، ومتابعة الأمين المأمون، وحفظنا من الآفات والأوهام والخيالات والظّنون، ورزقنا سبحانه وتعالى الحظ الوافر من أيام العيد والمزيد والليالي العشر والأيام المعلومات والأيام المعدودات، وجعل لنا فيها الحظ الوافر من الهبات والعطيات والمنوحات والفتوحات والتوفيقات والمغفرات والنصرات والتقريبات والتعرّفات الربانيات، في ألطاف وعوافي وصلاح للظواهر والخوافي، لنا وللأمة أجمعين، بسِر الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.
07 ذو الحِجّة 1443