شرح الموطأ - 383 - كتاب الأقْضِيَة: باب القضاء في شهادة المَحْدُود
للاستماع إلى الدرس
Audio Stream
Audio Stream
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الأقْضِيَة، باب الْقَضَاءِ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ.
فجر السبت 26 ذي القعدة 1443هـ.
باب الْقَضَاءِ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ
2118 - قَالَ يَحْيَى: عَنْ مَالِكٍ ،أَنَّهُ بَلَغَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ جُلِدَ الْحَدَّ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ.
2119 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مِثْلَ مَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ.
2120 - قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور:4-5].
قَالَ مَالِكٌ: فَالأَمْرُ الَّذِي لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ عِنْدَنَا: أَنَّ الَّذِي يُجْلَدُ الْحَدَّ، ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِي ذَلِكَ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله عالم الغيب والشهادة، مشرّع الأحكام على لسان عبده المصطفى حبيبه سيد السادة، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه ومن مضى على سبيله وأحبّه في الله ووادَّه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل القرب من الرحمن في الغيب والشهادة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
في هذا الباب يذكر سيدنا الإمام مالك -عليه رضوان الله- حكم من قد جرى عليه حدٌّ من الحدود في الشريعة فأُقيم عليه حدّ الله، ما حاله في الشهادة؟ أتقبل شهادته؟ أو يصير بسبب إقامة الحد عليه فاسقًا لا قبول لشهادته؟
وأراد به على وجه الخصوص المحدودَ في القذف؛ أي: من قذف مسلمًا ورماه بالزنا أو اللواط -والعياذ بالله تعالى- ولم يُقِمْ على ذلك بيّنة. فإنّه اختلف فيه: هل إذا تاب تقبل شهادته أم لا؟
مع أن جماهير أهل العلم في جميع الحدود: أنّ كل من تاب قُبلت شهادته إذا صحت توبته وظهرت علامات الصدق على توبته، كما تُقبل شهادة من أسلم من الكفار إذا أسلم ودخل دين الله -تبارك وتعالى-، فتُقبل شهادته بعدالته بعد الإسلام. ولكن جاء الاختلاف في الذي تجرأ فقذف عرض مسلم، وهذا يبيّن لنا خطر أعراض المسلمين عند الله تبارك وتعالى.
فلم يختلف الأئمة الأربعة وجماهير العلماء فيمن أُقيم عليه حد سرقة أو زنا أو غير ذلك من شرب خمر أو غيره إذا تاب وحسنت توبته أنّه تُقبل شهادته، ولكن اختلفوا في الذي رمى مسلماً بالفاحشة فهو القاذف، وذلك لما جاء في القرآن الكريم، يقول تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النور:٤-٥] فالاستثناء في قوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ) يرجع إلى ماذا في الآية؟
- قال الجمهور: يرجع إلى كل ما في الآية، فإذا تابوا قُبلت شهادتهم، وذهب فسقهم، وتعرّضوا للرحمة والمغفرة (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
- لكن قال الإمام أبو حنيفة: يرجع إلى آخر ما ذُكر، وهو ارتفاع الفسق فقط، أما قبول الشهادة فلا؛ لا تُقبل شهادته.
فارتفاع الفسق بالتوبة الصحيحة متفق عليه عندهم، متفقون أنّه يرتفع عنه الفسق، ولكن قبول شهادته اختلفوا فيها؛ فقال الجمهور: تُقبل الشهادة كما ذكر الإمام مالك بعد توبته. وقال الإمام أبو حنيفة: قد قال الله (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا)؛ مهما تاب كُفّرت سيئاته، وتعرّض لمغفرة الله، وارتفع عنه الفسق، ولكن لا تُقبل منه الشهادة، فلم يجعل الاستثناء راجعًا إلى قوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا).
هذا إذا لم يُقم البيّنة والحجّة.
- أمّا من قذف ثمّ أقام البيّنة أربعة شهداء فلا دخل له ولا أثر، ولا يزال عَدْلاً تُقبل شهادته.
- أو كان زوجًا فلاعَنَ زوجته، فإذا لاعنها وحلف الأيمان الخمسة فتقبل شهادته.
- ولكن إذا لم يكن زوجًا فلاعن ولم يأتِ بأربعة شهداء فهذا الذي يفسق بالاتفاق، ثمّ إن تاب يرتفع عنه الفسق بالاتفاق، واختُلف هل تُقبل شهادته أم لا.
إذًا؛ فليحترز الإنسان من أعراض المسلمين، ولا يذكرهم بسوء، فإنّ الواقع في السوء نفسُه لو أنه -والعياذ بالله- زنى ثمّ أُقيم عليه الحدّ بالجَلد مئة جلدة ثمّ تاب تُقبل شهادته باتفاق.
ولكن إن رمى غيره بذلك اختلف في قبول شهادته، لأنّه انتهك عِرض مسلم وانتهك الحرمات، فذلك خطير عند الله -تبارك وتعالى-، فما أخسر الذين يلوكون ألسنتهم في عباد الله ويتكلمون عليهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ما يتعرّضون له من غضب الله وطردهم أمرٌ شنيع شديد.
هكذا يقول عليه -رضوان الله تبارك وتعالى-: "بَلَغَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ جُلِدَ الْحَدَّ"، فدخل فيه القذف "أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ"، فكيف تظهر منه التوبة ويصدق؟ بأن يكذّب نفسه فيما رمى به أخاه المسلم.
- وقال الحنفية: التوبة بينه وبين الله تعالى ترفع عنه الفسق.
- وقال الجمهور: لا بد أن يكذّب نفسه فيما قال؛ لأنّه عصى بقول، فلا بد أن يتوب بالقول أيضًا بأن يكذّب نفسه. كمثل من ارتدّ بقولٍ، فإن عودته إلى الإسلام لا بمجرّد الشهادتين ولكن بأن يردّ القول الذي قاله ويكذبه ويرجع عنه؛ فكذلك في القاذف عليه أن يكذّب نفسه فيما قاله وقدح به في عِرض أخيه المسلم.
وقال: "أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مِثْلَ مَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ"، أنه تُقبل شهادته إذا ظهرت منه التوبة.
وقال مالك: "وَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا"؛ يعني: في المدينة المنورة، ولم يختلف أهل الحجاز في ذلك؛ أن قبول توبة القاذف تُوجب قبول شهادته. قال: "وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ)"؛ يرمون المحصنات العفيفات "(ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)" وهذه أغلظ شهادة أيضاً جعلها الله شهادة الأربعة "(فَاجْلِدُوهُمْ)"؛ يعني: كلَّ واحد منهم (ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً)" في شيء من الأمور أصلاً "(أَبَداً)" ما لم يتوبوا عند الجمهور، وإن تابوا عند أبي حنيفة ومن معه من بعض علماء العراق وإن تابوا فلا تُقبل لهم الشهادة، وعند الجمهور يعني: ما لم يتوبوا. "(وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)"؛ المحكوم عليهم بالفسق لأنهم أتوا الكبيرة؛ رمي المحصن؛ قذف المحصنات الغافلات المؤمنات. "(إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)"؛ يعني: رجعوا عن قذفهم "(وَأَصْلَحُوا)" أعمالهم "(فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)".
فقوله: "(إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا)" هو دليل الإمام مالك والجمهور وأن هذا الاستثناء يعود على جميع ما تقدم.
وقال الإمام أبو حنيفة: إنّما ذلك استثناء من قوله: "(وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)"؛ آخر ما ذُكر؛ فيرتفع عنه الفسق بالتوبة بالاتفاق، ولكن قبول الشهادة: لا. وإذًا؛
- أوجب عليه جلد الثمانين
- وأنّه ترد شهادته أبداً
- وأنه فاسق عند الله تعالى وعند الناس.
ثمّ استثنى التائب. فبقي عندنا في الآية ثلاثة أشياء:
- الأمر بالجلد.
- وعدم قبول الشهادة.
- والحكم بالفسق عليه.
ثلاثة أشياء. "(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا)" فتناول رفع الفسق عنه، وقبول شهادته. أما الجلد فالحدّ ثابت عليه لأدلة أخرى.
إذًا؛ فالاستثناء يتناول الاثنتين هاتين، لا نقول إذا تاب لم نجلده! "(فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)"، "(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا)" إذا ثبت ذلك، وطلب المقذوف إقامة الحد عليه أقامه، وإن كان قد سبقت منه التوبة، هذا لدليل آخر.
- فقال الجمهور: يعود الاستثناء إلى جميع ما تقدم، إلاّ ما دلّ دليلٌ على خروجه، والدليل دلّ على خروج الجلد، أمّا قبول الشهادة ورفع الفسق فهذا لا يخرج، فيعود عليه الاستثناء.
- قال الحنفية: لا، كما أخرجتم الأول أيضًا نخرج الثاني، ما بقي إلاّ الثالث الأخير الذي يعود عليه الاستثناء، وهو ارتفاع الفسق عنه، ولا تُقبل له الشهادة، كما أننا نجلده ولو تاب.
فإذا حصل منه القذف ولم يتم جلده..
- فكذلك يقول الحنفية والمالكية: تُقبل شهادته حتى يُقام عليه الحد، لأنّه ربما جاء بأربعة شهداء.
- قال الحنابلة والشافعية: أبدًا! بمجرد ما يصدر منه القذف سقطت عدالته، فلا تُقبل شهادته وإن لم يُقم عليه الحد.
فإذا أُقيم عليه الحد..
- سقطت عدالته عند المالكية والحنفية.
- فإن تاب:
- رجعت عدالته عند المالكية.
- ولم ترجع عند الحنفية.
إذًا؛ فهو قبل أن يُقام عليه الحد أيضًا ساقط العدالة عند الشافعية وعند الحنابلة. ولم يزل عَدلاً تُقبل شهادته ما لم يُقام عليه الحد عند المالكية والحنفية، فإذا تاب ارتفع عنه الفسق بالاتفاق، وأُقيم عليه الحد بالاتفاق، ولكن ترجع عدالته عند المالكية كما قال الشافعية والحنابلة، ولا ترجع عند الحنفية.
"قَالَ مَالِكٌ: فَالأَمْرُ الَّذِي لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ عِنْدَنَا: أَنَّ الَّذِي يُجْلَدُ الْحَدَّ، ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ"، وبالله التوفيق.
الله يصلح أحوال المسلمين، ويدفع البلاء عنا وعنهم أجمعين، ويلهم الرشد، ويعاملنا بفضله، ويجعلنا من أهل خشيته في الغيب والشهادة، وأهل الصدق معه المُتبوِّئين ذرى السعادة، المحفوفين بالعناية منه في الغيب والشهادة، وأن يصلح أحوالنا والمسلمين، ويدفع البلاء عنّا وعن المؤمنين، بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.
تاريخ النشر الهجري
30 ذو القِعدة 1443
تاريخ النشر الميلادي
29 يونيو 2022
مشاركة
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(163)
(616)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(339)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(8)
(4)
(24)
(394)