شرح الموطأ - 381 - كتاب الأقْضِيَة: باب التَّرغِيب في القَضَاءِ بِالحَقِّ
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الأقْضِيَة، باب التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ.
فجر الثلاثاء 22 ذو القعدة 1443هـ.
باب التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ
2113- حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِىَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلاَ يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئاً، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ".
2114- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ، فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ، فَقَضَى لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ. فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالدِّرَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: إِنَّا نَجِدُ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ، إِلاَّ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ، يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَادَامَ مَعَ الْحَقِّ، فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكْرِمِنا بشريعته وبيانها على لسان عبده وصفوته خير بريته، سيِّدنا مُحمَّد بن عبد الله صلَّى الله عليه وسلَّم وبارك وكرَّم في كل لمحة ونفسٍ عليه وعلى آله وصحابته، وعلى أهل ولاءه ومحبته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقربين، وعلى جميع عباد الله الصَّالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين.
وبعدُ،
وقد ابتدأ الإمام مالك -عليه رضوان الله- يذكر الأحاديث المُتعلِّقة بالقضاء والشَّهادات.
- والقضاء يُطلق في اللغة: على معاني منها، إتقان الشيء وإنفاذه.
- وهو في الشَّرع: قطع الخصومة والنزاع بين المتخاصمين بشرع الله تعالى وبحكم شريعة الله -جلَّ جلاله-.
وهذا القضاء مما يحتاج إليه النَّاس في واقعهم لقطع الخصومات وللتخليص فيما بينهم، ولإنصاف المظلوم وإيصال الحق لأهله. فبحكم طبائعهم ونفوسهم لا يقومون بذلك ولا يؤدّونه؛ فتدخل بينهم الأهواء. قال ﷺ: "لو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى رِجَالٌ أموال قَوْمٍ ودِماءَهُمْ، لَكِنِ البَيِّنَةُ على المُدَّعِي والْيَمينُ على من أَنْكَرَ". فهذا شأن النُّفوس تدّعي ما ليس لها، وتطمع فيما ليس لها؛ فاحتاج النَّاس إلى حاكم يحكم بينهم، وقاضٍ يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه. لذلك كان على المؤمنين فرض كفاية إقامة القاضي في كل قطر وكل مكان يرجع النَّاس إليه فيما اختلفوا فيه وتنازعوا عليه.
ثم أنه من جملة الولايات التي:
- مَن سألها وُكِل إليها
- ومَن طُلب لها أعين عليها.
فهو لخطره وتعرُّض صاحبه للمقت والغضب وللحيف وللجور؛ نفر عنه الصَّالحون من الأُمة من الصَّحابة ومن بعدهم. وهو مع ذلك كله لمَن اتقى الله فيه وقام بحقه وقضى بالحق، فضلٌ كبير، وعطاء عظيم، وثواب جزيل، وقدر جليل عند الله سبحانه وتعالى، وقليلٌ ما هم. إذًا؛
- فهو من فروض الكفايات على العموم.
- وهو قد يتعين بحق فرد ليس في القطر والمكان الذي هو فيه مَن يصلح للقضاء وتجتمع فيه شروطه إلا هو؛ فيصير فرض عين عليه وواجب ويتحتم.
- وإذا وجد غيره؛ فهو بعد ذلك إما مكروه أو مستحب.
- مكروهٌ؛ إذا كان في المنطقة مَن هو أحسن منه وأفضل أداءً لحق القضاء، فيُكره أن يتصدى له وأن يأخذه مع وجود الأعلم والأحكم منه.
- وقد يكون مُستحبًا؛ إذا لم يوجد إلا مَن هو دونه أو يُخاف لمَن تولاه من غيره أن يحيف، ويقع في الجور والظلم؛ فحينئذ يُستحب له كما قال الشَّافعية وغيرهم. وقال الإمام أحمد: ما يستحب لحال خطره، ولكن إذا تعين عليه؛ وجب عليه أن يقوم به.
فجاءنا في الحديث، أنَّ "القضاة ثلاثةٌ قاضيانِ في النَّارِ وقاضٍ في الجنَّةِ .."،
- فأما القاضيان في النَّار:
- فمَن قضى بالباطل والجور
- ومَن قضى بالحق وهو لا يعلم وإن صادف الحق
- ومَن كان علم فقضى بالجور والظلم؛ فهذان في النَّار.
- والثالث الذي في الجنَّة فمَن عرف الحق وقضى به، وتحرى استطاعته وجهده فهذا مهما أصاب؛ فله أجران ويتضاعف إلى عشرة أضعاف، ومهما أخطأ؛ فله أجر واحد.
وهكذا ومَن لا يحسن القضاء ولا يقوم بحقه؛ يحرُم عليه الدخول فيه؛ لا يجوز له أن يدخل فيه وهو لا يحسنه، ولم تجتمع فيه شروطه. فمَن قضى بالجهل ولو صادف الحق وحُكم الشَّريعة؛ فإنه يكون في النَّار -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
كما أن بعض أهل العلم ذكروا:
- في حق مَن كان عالمًا وأهل للقضاء ولكنه خامل لا يُستفتى في الدين، ولا يؤخذ عنه العلم ثم عُرِض عليه القضاء؛ فإنه يُستحبّ له لخدمة الشَّريعة وليسأله النَّاس.
- وأما مَن كان معروفًا ومشتهرًا، ويرجع النَّاس إليه ويستفتونه في قضاياهم؛ فلا ينبغي له أن يتعرّض للقضاء، وكفى بما أتاه الله نعمةً لنشر العلم وتبليغ الرّسالة وكفاه ذلك.
وهكذا حتى قال بعض أهل العلم: إن طالب القضاء لا يولَّى إلا إذا تعيّن عليه، وأي طالب للقضاء من غير متعين عليه ممَن لا يوجد إلا هو؛ فلا ينبغي أن يولّى إذا طلب القضاء، قال ﷺ: إنّا لا نوليها مَن سألها.
وهكذا فلمَّا سُئل بعض أهل العلم عن القاضي إذا قبل الرشوة، أيُعزل؟ قال: قل لي أيكفر أم لا؟ إيش يعزل!! قل لي: أيكفر أو لا؟ هل هو بالإسلام؟ إذا قبل رشوة هو فاسق؛ لا شك معزول؛ ما يصح أن يكون قاضيًا! حتى قالوا فيه: لا ينفذ حكمه، لماذا؟ قالوا: لأنه فسق بأخذ الرشوة؛ فاستحق العزل، ولو كان عَدْل قبلها. فبقبوله الرشوة فسق، وانتقل من العدول إلى الفُساق؛ فحينئذٍ لا يصح قضاؤه، ولا ينفذ قضاؤه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وهكذا وقد دُعي أبو حنيفة إلى القضاء ثلاث مرات، في كل مرة يأبى، يُضرَب إلى ثلاثين ضربة في كل مرة ولا يرضى أن يتولى القضاء. وفي مرة قال لهم: أستشير أصحابي، لمَّا استشار أبا يوسف، قال له: لو تقلّدت لنفعت النَّاس. فنظر إليه أبو حنيفة، نظر المغضَب قال: أرأيت لو أُمرت أن أعبر البحر سباحة، أكنت أقدر عليه وكأني بك قاضيًا؟ قال أنت الذي ستتولى القضاء! فما رضي أبو حنيفة. وذات مرة دعي مع اثنين ليتولى أحدهم القضاء، فأما أحد الثلاثة فتظاهر بالجنون والسّفه، قال للملك لمَّا دخل عليه: كيف أهلكم والغنم معكم كم والدجاج عندكم؟ قالوا: ما هذا! هذا لا يصلح للقضاء خرّجوه، وهذا ما يريده. فخرج وسيِّدنا أبو حنيفة قال: إني لا أصلح للقضاء، قال له: بل تصلح، قال: أنا أحد رجلين إما صادق فيما أقول فأنا لا أصلح، وإما كاذب، فهل يصلح الكاذب؟ تولّي كاذب! إذا أنا كذاب في قولي، كيف توليني القضاء وأنا أكذب؟ قال: فتركوه.. ووقعت على الثالث.
فانظر كيف صار النَّاس يتسابقون إليه، ويدخلون معهد القضاء العالي من أجل أن يتولوا القضاء، من أول يوم يدرس ونيّته يصبح قاضي؛ لأنه من الخشية والتعظيم للأمر فاضي!.. وإلا رفضوا القضاء في الخلافة الراشدة في أيام الصَّالحين، فكيف في زمن… إلا لمَن تعين عليه أو سُئِل له، وكان أحق به ممَن سواه فحينئذ يُعان كما سمعت من كلامه صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
ثم إنه يدور على الأُسس التي جاءت بها الشَّريعة من "البَيِّنَةُ على المُدَّعِي والْيَمينُ على من أَنْكَرَ". وأنه على حسب ما يتبين للقاضي ويجتهد فقد يكون بعض النَّاس ذلق اللسان وقويّ العارضة، حاضر البديهة يتقن أن يوهم الحق معه؛ فيُقضى له بما لَحَن
- من الَّلَحَن، وهو الاتقان والإحسان في الأمر.
- أما اللحْن تغيير اللفظ.
- أما اللَحَنُ الإحسان والاتقان، ولهذا يُسمّون إتقان الصوت وإحسانه لحَن، من اللحَن وليس من اللحْن، يقول لحَّنه.
بهذا سمِعنا قوله ﷺ: "فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ"؛ يعرف يعرض الكلام، يوهم السامع أن الحق معه، وأنه مسكين لا يريد إلا الحق، ويكون صاحب الحق غير مُتكلم ولا يعرف يقيم الحُجة، ويقول ﷺ: الشَّريعة تحكم بالظاهر ولكن وراءكم حكم في يوم القيامة، يا ويل مَن تحيّل، ويا ويل من كذب، ويا ويل مَن ادّعى بغير حق، ومَن حَلَف يمينًا يقتطع بها مال امرئ مُسلم فله النَّار -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وهذه اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في نار جهنم.
قال الله تعالى في شأن حاجة الأمة للقضاء، تولاه الأنبياء كلهم؛ لأنهم هم أحق بهم من غيرهم وما كان لغيرهم أن يتولى في حضرتهم، ومع ذلك فقد أحال كثير من الأنبياء كثيرًا من القضاء إلى بعض أصحابهم، وأمروهم أن يقضوا فيها.
وحصل ذلك حتى لنبينا ﷺ، فقد أمر بعض أصحابه أن يقضي في مسألة، يقول له: أنت أحق يا رسول الله، يقول: وإن كان، لينظر كيف يقضي، وكيف يؤدي الحكم، ويطمئن أن في أُمته من يؤدي الأمر على وجهه ويحسن القضاء. ولمَّا دعا لسيِّدنا علي على صدره وثبّته، صار لا تختلط عليه مسألة ولا تشتبه عليه أبدًا من بعد ما ضرب على صدره، وكان يقول ﷺ: "أقضاكم عليّ"؛ يعني: أحسنكم قضاءً. ومع ذلك في أيام خلافته كان يعيّن القضاة ويقيمهم، وكان يختار من القضاة مَن يرى علمهم وخوفهم وورعهم؛ فيولّيهم القضاء.
وكان القاضي شُريح في وقته ممَن اختارهم سيِّدنا علي للقضاء، حتى أن يهوديًا سرق درع الإمام علي، فلمَّا لقيه قال: هذا الدرع درعي. قال: أبدًا هو لي، قال: أخذته وسرقته مني. قال له: نتحاكم.. ذهب وهو وإياه إلى شُريح القاضي، فاستقبل أمير المؤمنين واليهودي معه. قال: إنما جئنا بقضية، إن هذا سرق درعي. قال: أكذلك؟ قال اليهودي: لا، أبدًا هذا لي، أنا اشتريته ولا سرقته. قال: يا أمير المؤمنين ألك بيّنة؟ قال: يعرف هذا الدرع عندي أبنائي الحسن والحسين. قال: يا أمير المؤمنين، لا تُقبل شهادة الابن لأبيه، قال: تردّ شهادة الحسن والحسين. قال: والله إني لأعلم أنهما سيّدا شباب أهل الجنَّة، وأنهما ريحانتا رسول الله ﷺ لكن هذه شريعته، ما يمكن القضاء فيها بشهادة الولد لأبيه، ولكن يحلف اليهودي أنه له. رأى الأمر بهذه الصورة ارتعب اليهودي وقال: وصل لدينكم هكذا أن تحكم على أمير المؤمنين أنه لي، الدرع لعلي أنا الذي أخذته، أنا سرقته، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ دخل في الإسلام. فلمَّا أنقذه الله من الكُفر فرح سيِّدنا علي، وقال: الدرع لك، مني لك، خذه، حلال طيبة نفسي منه، وأعطاه إياه.
وهكذا وكانوا يقولون: مَن ولّي القضاء ثم لم يفتقر فهو لص! وكثير من الأخيار والصَّالحين تولوا القضاء وكان عندهم مال، فأنفقوا المال في الإصلاح بين المُتخاصمين؛ وخرجوا من القضاء فقراء ماعندهم شيء، -عليهم الرضوان-. فهؤلاء القضاة الذين هم من أهل الجنَّة والذين لهم القدر عند الله -سبحانه وتعالى-، وفيهم يقول بعض الصَّحابة: لأن أجلس بين اثنين أقضي بينهما، أحب إليّ من عبادة سبعين سنة؛ لإقامة أمر الله على وجهه من دون محاباة ولا مداهنة، ولا خروج عن القضاء وإيصال الحقوق إلى أهلها.
وذكر في المُحلّى لأبي داود، أتى النَّبي ﷺ رجلان يختصمان في مواريث لهما ولم تكن لهما بينة إلا دعواهما، كانت في أرضٍ هلكت. وقال الله تعالى لسيِّدنا دوود: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26]، وفيه إذا صدق القاضي:
- الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر
- وإنصاف المظلوم
- وإيصال الحقوق إلى أهلها
- وإقامة الشَّريعة
- وربط الخلق بخالقهم -جلّ جلاله وتعالى في عُلاه-.
وبهذا يقول جماعة من أهل العلم: مَن خاف الحيف في القضاء؛ فتوليه القضاء حرام عليه؛ لا يجوز له ذلك؛ ولا يصح. فالقضاء بالحق له درجة عند الله -سبحانه وتعالى- ومنزله كما سمِعنا.
روى لنا حديث "أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ"، أم المؤمنين قالت: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ"؛ يعني: إنسانٌ من بني آدم، أظهرني الحق تعالى في قالب الآدمية والإنسانية في هذا العالم، "وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ"؛ أي: فيما بينكم البين، "فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ"؛ يعني: عسى بعضكم "أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ"؛ يعني: أفصح بحجته وأبلغ بها، وأفطن لها وأعرف بإيراد الكلام من غيره. إذًا فاللَحَنٌ بفتح الحاء؛ الفِطنة؛ معناه أبلغ في مقصوده وأوضح في إيراد الحُجة، "مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِىَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ"؛ أي: بما يظهر من الحُجة والبُرهان في كلامه.
فإذًا؛ يقضي الحاكم بما سمع واختلفوا في قضاءه في علمه إذا علم مسألة من أصله، ولاختلافهم مجال وقد تختلف الأحوال. قال: "فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ"؛ يعني: بحسب الظاهر أنه له بسبب حُجته والواقع أنه حق أخيه، "فَلاَ يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئاً" فإنه إن أخذ "فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ"؛ أي: مآله إلى النَّار -والعياذ بالله تعالى-، كما قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء:10] -والعياذ بالله-.
وهكذا إذا كان الأمر في هذا القضاء، فلا تحسب أن القضاء يحِلّ حلالًا أو يحرّم حرامًا. والحكم في باطن الأمر، قد يكون فيه بخلاف الظاهر، فلا يؤثر ذلك في الحكم عند الله -سبحانه وتعالى-. ولا يكفي أن يقول: قد قضى لي الحاكم أو قد أعطتنا الدولة!.. دولة، أو حاكم، أو قاضي، إذا ما اتقى الله ولا حكم بالحق ما يقدر أن يحلّل لك الحرام عند الله تعالى. فالحرام حرام ولا يحلّه أنه قضى به لك والمحكمة أمامك بتجيء على النقير والقطمير، حتى على الفتيل، حتى على مثقال الذرة، فانتبه لنفسك ولا يغرك الأمر.
قال: "وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ، فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ" ثابت "لِلْيَهُودِيِّ، فَقَضَى لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ"؛ يعني: قضيت بتأييد الله وتوفيقه. "فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالدِّرَّةِ"، قالوا على سبيل المُلاطفة ما ضربه ضرب مُبرح إنما للتأديب. "ثُمَّ قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: إِنَّا نَجِدُ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ"، يعني: في التوراة عندهم "إِلاَّ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ، يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَادَامَ مَعَ الْحَقِّ، فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا"؛ يعني: الملكان إلى السَّماء "وَتَرَكَاهُ" وهواه.
فالجواب: أنه يقول لو مال عن الحق يقضي للمسلم على اليهودي، لم يكن مسددًا، فلمَّا قضا له عرف بتأييده وثباته وعدم ميله أنه موفّق ومُسدد. سيِّدنا عمر يقول له: "وَمَا يُدْرِيكَ؟" لأنه كره مدحه أو لعله أراد أنه وافقهم بما عندهم في التَّوراة. جاء في رواية أنه قال: يهودي تطاول، وقال إن الملكان جبرائيل وميكائيل يتكلمان بلسانك، فهما عن يمينك وشمالك، فضربه عُمَر بالدُّرة، وقال: لا أم لك وما يدريك؟ قال: قال: "إنهما مع كل قاض يقضي بالحق ما دام مع الحق فإذا ترك الحق عرجا وتركاه. قال عُمَر: والله ما أراك إلا أبعدت.
وعلى كلٍ، من المُسلّم به أن الملائكة تُسدّد وتعين مَن يريد الحق من الحكّام والقضاة والولاة ويتحرّاه، فيكون له من الله عناية ورعاية ما دام متحرّيًا للحق غير مائلٍ إلى الباطل، ولا راغبٍ في أخذ نصيبٍ من الدُّنيا ولا قابلٍ لرشوة ولا غيرها.
أحيا الله فينا الشَّريعة ورفعنا مراتبها الرفيعة، ووقانا الأسواء والأدواء، وأصلح لنا السِّر والنجوى، وغمرنا بفائضات إسعاده، وأمدّنا بواسع إمداده، وأصلح لنا جميع الشَّأن، وتولّانا في السِّر والإعلان، وربطنا بالقُرآن ومَن أنزل عليه القُرآن ربطًا لا ينحل ظاهرًا وباطنًا في لطف وعافية، بِسِرّ الفاتحة وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.
23 ذو القِعدة 1443