شرح الموطأ - 308 - كتاب الطلاق: باب ما جاء في نفقة المُطَلَّقة

شرح الموطأ - 308 - كتاب الطلاق: باب مَا جَاءَ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الطلاق: باب مَا جَاءَ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ، و باب مَا جَاءَ فِي عِدَّةِ الأَمَةِ مِنْ طَلاَقِ زَوْجِهَا.

فجر الإثنين 30 جمادى الأولى 1443هـ.

 باب مَا جَاءَ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ

1702 - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ. فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ". وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: "تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَأبِي، اعْتَدِّي عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي". قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ، ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمِ بْنَ هِشَامٍ خَطَبَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ". قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: "انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ". فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ خَيْراً وَاغْتَبَطْتُ بِهِ.

1703 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: الْمَبْتُوتَةُ لاَ تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ: وَلَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ حَامِلاً، فَيُنْفَقُ عَلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا. قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا الأَمْرُ عِنْدَنَا.

 باب مَا جَاءَ فِي عِدَّةِ الأَمَةِ مِنْ طَلاَقِ زَوْجِهَا

1704 - قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي طَلاَقِ الْعَبْدِ الأَمَةَ، إِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ أَمَةٌ، ثُمَّ عَتَقَتْ بَعْدُ، فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الأَمَةِ، لاَ يُغَيِّرُ عِدَّتَهَا عِتْقُهَا، كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، لاَ تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا.

1705 - قَالَ مَالِكٌ: وَمِثْلُ ذَلِكَ الْحَدُّ يَقَعُ عَلَى الْعَبْدِ، ثُمَّ يَعْتِقُ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَإِنَّمَا حَدُّهُ حَدُّ عَبْدٍ.

1706 - قَالَ مَالِكٌ: وَالْحُرُّ يُطَلِّقُ الأَمَةَ ثَلاَثاً، وَتَعْتَدُّ بِحَيْضَتَيْنِ، وَالْعَبْدُ يُطَلِّقُ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَتَعْتَدُّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ.

1707 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ تَحْتَهُ الأَمَةُ، ثُمَّ يَبْتَاعُهَا فَيَعْتِقُهَا: إِنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الأَمَةِ حَيْضَتَيْنِ، مَا لَمْ يُصِبْهَا، فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ مِلْكِهِ إِيَّاهَا، قَبْلَ عِتَاقِهَا، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِلاَّ الاِسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُكرمنا بالمصطفى وشريعته وبيانه، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه أحسن البيان لأمته، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحابته، وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه، من الأنبياء والمرسلين، خيرة الله تعالى في البرايا وصفوته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وملائكة الله المقربين، وجميع عباد الله الصالحين أهل محبته ومعرفته، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. 

ويواصل سيدنا الإمام مالك -عليه رضوان الله- ذكر الأحاديث المتعلقة بالطلاق ونفقة المطلقة وعِدّتها، ويقول: "بابُ ما جاءَ في نفقةِ المُطلقة." 

وقد تقدم معنا في الباب الذي سبق، أن التي تعتد لوفاة زوجها، مهما كانت حائلًا، فبالإجماع لا نفقة لها، وإنما الكلام في السكنى، واختلفوا في الحامل، لقوله تعالى: (وإِنْ كُنَّ أُوْلَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوْا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق:6].

  • كما اتفقوا على أن المطلقة، وإن كانت بائنة، إذا كانت حاملًا فلها النفقة، 
  • فأما إذا كانت المطلقة بائنة ولا حمل عندها، فلا نفقة لها عند الأئمة الثلاثة.
  • وقال الإمام أبو حنيفة: في كل طلاق ما دامت في العدة، فلا بد لها من النفقة والسكنى، حاملا كانت، أو حائلًا غير حامل. 

يذكر لنا القصة التي أشار إليها، في الباب السابق، وقصة فاطمة بنت قيس. فيقول: "عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ ابنَ المُغيرَةِ" بنَ عبدِ اللهِ، هذا زوجُها، "طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ"؛ أي: طَلاقًا بائِنًا،  فَكانتْ الطَّلقةَ الثالثةَ، "وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ،" فكانَ قدْ طَلَّقَها مِن قبلُ طَلقتينِ، وَصَارت هذهِ الطَّلقةَ الثَالثةَ أرْسلَ بِها إليْهَا، "وهُو غَائِبٌ باِلشَّامِ،" والحَديثُ أيضًا في صحيحِ مسْلمٍ وغيرِه. 

يقول: "فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ" أي: على سبيل الإحسان بالنفقة، وإن كان لا تلزمه النفقة عليها، فقد بتّها، فإنما يلزم السكنى.

قال: "فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ"  تعني: في النَّفَقة، أي إحسانًا مِنه، أَرَادَ أن يُنفِقَ عَليها، وإنْ كانَ لا يَلزَمُه ذلك، فلمَّا جاءَ هذا الشَّعير "سَخِطَتْهُ"؛ استَقَلَّته، وقَالت هذا ما يَكفِيني لِلنَّفقةِ، فقالَ لهَا هذا الوَكيلُ:  "فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ." إنَّما إحسانٌ مِن زَوجِكِ، أنْ يُرسِلَ لكِ النَّفقَةَ، وأنْتِ في عِدَّةِ طَلاقٍ مَبْتوتٍ، -طلاقٍ بائِنٍ بَينونَةً كُبرَى- "وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ."  

"فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،" وفيه خُروجُ المُعتَدَّةِ للِاسْتِفْتاءِ إذا احتاجَت لذلك، ولمْ يُنكِرْ عَليها ﷺ خُروجَها إليه. "فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ" وفي رواية لمسلم قال: كم طلقك؟ فقلت: ثلاثا، قال: صدق، ليس لك عليه نفقة. وهذا دليل الأئمة  الثلاثة، في أنه لا تلزمها النفقة، ما لم تكن حاملًا. 

وأما إن كانت حاملا، وإن كانت مبتوتة، فتلزمُها النفقة، عند الإمام مالك، وعند الإمام الشافعي، وعند أبي حنيفة من باب أولى، ولكن عند الإمام أحمد، إذا كان الطلاق مبتوتًا لا نفقة ولا سكنى، وخصّص الآية بغير المبتوت طلاقها.

"وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ"؛ يعني: أعمل النَّظرَ في أحْسن مَكانٍ تَقْضِي فيهِ بَقيَّة عِدَّتِها، "وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ"،وهيَ قُرَشيَّةٌ عامِريَّةٌ، وقيلَ إنّها أَنْصارية. 

بعد ذلك لم يَستَحسِن بَقاءَها، "قَالَ: تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي"،  يَرِدون عَليْها - على أم شريك- ويَزورُونَها لِصلاحِها، كانتْ كَثيرةَ المَعروف، وكثيرةَ النَّفقةِ في سَبيلِ اللهِ، وكَذلِكَ كثيرةَ التَضييفِ لِلغُرباءِ، مِنَ المُهاجرينَ وغيرِهم.

فلمَّا ذكرَ ذلِكَ، ما أَحبَّ أنْ تَعتَدَّ في هذا البيتِ، لِطُروقِ الرِّجالِ لهُ كثيرًا، وتَرَدُّدِ الرِّجالِ عليه، فقال ﷺ: "اعْتَدِّي عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى"، ما يتردد عليه أحد، "تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ"، ما يَرى منكِ شيئاً، ولا يَلمَح مِنكِ شيئًا، لكونه أعمى، فاختار لها أن تَعتدَّ في هذا البيت، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. 

ولِماذا أمَرَها بالانتقالِ مِن بيتِ زوجِها إلى بَيتِ غيرِه؟ كما تقدَّم معَنا في الدَّرس، أنَّهُ كانَ لمُشادَّة بينَها وبينَ قرابَتِه، فيَحصل بينهم شرٌ ومُلاحاة، فأمَرَها أن تَبعدَ مِنهم، فتجلسَ هُناك، لأنَّها كانَ لها لسانٌ، وما تصبرُ عليهم، فأمرَها أن تبتعدَ عنهُم. 

فذكر بيتَ أمّ شريكٍ، لِكونِها امرأةً صَالحةً ذات معروف، وذات إحسان، ولكن ذكرَ بعد ذلكَ أنَّه يَغشى بيتها كثيرٌ منَ الضُّيوف والزَّائرين من الرّجال، فقالَ: "يَغْشَاهَا" الرجال، ارْجِعي إلى بيتِ "عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ"

ومعنى "تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ":

  • لا تلبسي ثياب الزينة في حال العِدّة. 
  • ويحتمل أن يكون كناية عن عدم جواز الخروج في أيام العدة؛ أي: الزمي المكان، لا تنتقلي إلى مكان آخر.
  • أو يكون كناية عن كونها غير محتاجة إلى الحجاب، لما جاء في رواية عند مسلم: فإنك إذا وضعتِ خمارك لم يَرَك. 

ويقول الإمام النووي في شرح مسلم: احتجّ بعضهم على جواز نظر المرأة إلى الأجنبي، بخلاف نظره إليها، قال: وهذا القول ضعيف، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء، قال: وأكثر أصحابنا أنه يحرم على المرأة النظر للأجنبي، كما يحرم عليه النظر إليها، إلا أنه إن اقترن ذلك بالتأمل أو بالشهوة، فهذا هو الذي يكون حرامًا. 

وأما التفريق بينهم، فنعم على العموم،  فهناك الأحاديث الكثيرة، من مثل كونهنّ يحتجبن ولا يحتجب الرجال، وكونه ﷺ قام أمام السيدة عائشة لتنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون، إلى غير ذلك، فإذا كان النظر غير متعمد ولا مقصود ولا بتأمل للمحاسن، فالأمر فيه أقل ضررًا وأبعد خطرًا. 

وجاء أيضًا في السُّنة، حديث النبهان عن أم سلمة، أنها كانت هي وميمونة عند النبي ﷺ، ودخل ابن أم مكتوم نفسه، قال الرسول: احتجبا، فقلنا: إنه أعمى لا يبصرنا، فقال: أفعمياوان أنتما؟ وهذا حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهم. 

ولكن أيضًا فيه احتمال الإرشاد لآل بيت النبوة ولأزواجه، أن يكون ما هو مستحب لغيرهن، كالواجب عليهن، وكالألصق بهن وبحالهن، لكونهنّ القدوة، ولمحل القرب من الجناب النبوي الشريف، فأمرهنّ بالاحتجاب عنه. 

يقول الحنابلة: نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب محرّم، إلى جميعها في ظاهر كلام الإمام أحمد، حتى قال: لا يأكل مع مطلّقته، فهو أجنبي، لا يحل له أن ينظر إليها، كيف يأكل معها! 

وقال القاضي: يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفّين، ومن غير شك، الاختلاف قائم في مسألة الوجه والكفين، إذا لم يكن بزينة، ولم تكن بارعة الجمال، وأمِنت الفتنة. والأَمرُ دائرٌ على أَمْرِ الفِتْنةِ بِوَجْهٍ آكَد، قالَ تَعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَاْ تُخْفِيْ الصُّدُوْرِ) [غافر:19]. 

قالَ: "فإذا حَلَلْتِ" أكْمَلتِ العِدَّةَ "فآذِنِينني" أَعْطِيني الخبر، وبهذا تفسير قولِهِ تعالى (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِيْ أَنٍفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُوْنَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوْهُنَّ سِرَّاً إِلَّاٍ أَنْ تَقُولُوْا قَوْلاً مَعْرُوفَاً) [البقرة:235].

قوله إذا أكملت العدة أعطيني خبر، يعني سيخطبها لأحد، يرتب لها زواجًا، ولكنه ما صرّح بالخطبة، وهذا في تفسير قوله: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِيْ أَنٍفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُوْنَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوْهُنَّ سِرَّاً إِلَّاٍ أَنْ تَقُولُوْا قَوْلاً مَعْرُوفَاً).

رُبَّ رَاغبٍ فيكِ، أو شيءٍ مِن مثلِ هذا الكلامِ، أو أعطوني خبر، هذا الجَائز، وفي هذا أيضًا اهتمامِهِ ﷺ بأحوالِ من حَواليه مِن أُمَّتِه والنِّساء، وتَرتيب شؤونهنَّ، ولمّا وقع عليها الطَّلاقُ قال لها "فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي".

"قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ" كمَّلت عِدتها، جَاءتْ إليه وأَخْبرَتهُ أنّها كَمَّلتْ العِدَّةَ، وأنَّهُ تقَدَّمَ لها لِلْخِطبَةِ: مُعَاويةُ بنُ أبي سُفيانٍ، وأبو جَهمِ بنُ هشامٍ،  قالت: خطباني.

.

.

(انقطاع في التسجيل)

 .

.

فألّهّوها، فجعلوها الأصل، مجرد الشهوة العابرة هي هي كأنها المقصود، وكأن الخلق خلقوا من أجلها، وما دروا أنها اختبارات وامتحانات، وأنهم هم بأنفسهم في أمور دنياهم، يرون أن العقل يقتضي ترك كثيرمن الشهوات لمصالح دنيويات، وتكون كثير من شهواتهم، إذا جاؤوا عند هذه الخباثة، راحوا بالوقاحة، بلا عقل وبلا حقائق إنسانية ولا بُعد نظر. والله أعلم وأحكم، ورسوله أتمّ وأقوم، رزقنا الله حسن متابعته.

وذكَرَ بَعدَ ذلكَ، أنَّهُ سَمِعَ ابن شِهاب يقول: "الْمَبْتُوتَةُ لاَ تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ"؛ أي: لَها السُّكْنَى "وَلَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ" وعلى ذلك الأئمة الثلاثة.

  • لها نفقة فقط من دون سكنى، عند الإمام مالك، والإمام الشافعي. 
  • ومع النفقة عند أبي حنيفة.
  • ورواية عند الإمام أحمد، مثل مالك والشافعي، أن لها السكنى دون النفقة.
  •  والرواية الثانية، وهو المشهور في مذهبه، أنه ما دامت مبتوتة لا سكنى ولا نفقة،  ما لها شيء. 

 

 باب مَا جَاءَ فِي عِدَّةِ الأَمَةِ مِنْ طَلاَقِ زَوْجِهَا

 

وجاء في عدَّةِ الأَمَة من طَلاقِ زَوجِها، يقول: "إِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ أَمَةٌ، ثُمَّ عَتَقَتْ بَعْدُ، فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الأَمَةِ"؛ يعني: قُرءَان، لا ثَلاثةَ قُروءٍ، لا يُغَيِّر عِدَّتَها حُدوث العِتقِ بَعدَ الطَّلاقِ، أمَّا لَو كانَ عِتقها قَبلَ الطَّلاقِ، فلا بدَّ مِن أن تَعتَدَّ ثلاثةَ قُروءٍ، ولَكِنْ ما دامَ بَعدَ الطَّلاقِ،  حَصَلَ العِتقُ، لا تَنتَقِلُ عِدَّتُها مِن عِدةِ الأَمةِ إلى عِدّةِ الحُرَّةِ. 

كَذلِكَ هذا الاعتداد في العِدَّةِ، وفي عددِ الطَلْقاتِ كذلك.

  • والأئمة الثلاثة يقولون: العبرة بالزوج:
    • إن كان هو حرًّا، فله ثلاث.
    • وإن كان هو مملوك فله طلقتان. 
  • قال أبو حنيفة: العبرة بالزوجة:
    •  إن كانت هي حُرّة، فزوجها يملك ثلاث تطليقات.
    • ولو كان مملوكًا، وإن كانت هي أمة، فزوجها لا يملك إلا طلقتين، وإن كان هو حر، هذا مذهب الإمام أبي حنيفة.

أما الثلاثة قالوا العبرة بالزوج. 

"قَالَ مَالِكٌ: وَمِثْلُ ذَلِكَ الْحَدُّ يَقَعُ عَلَى الْعَبْدِ، ثُمَّ يَعْتِقُ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَإِنَّمَا حَدُّهُ حَدُّ عَبْدٍ"؛ لأنه ارتكب ما يُوجب الحَدّ، وهو أيام الرِّق، ولو ارتكبه بعد العتق، لكان حدّه حدّ الحُر. 

"قَالَ مَالِكٌ: وَالْحُرُّ يُطَلِّقُ الأَمَةَ ثَلاَثاً"، لأن العبرة بالزوج عند الأئمة الثلاثة، فهو الذي يملك الثلاث طلقات، وإن كانت زوجته أَمَة مملوكة، إذا أبيح له أن يتزوّج المملوكة، أو طرأ عليه العَتق وقد تزوّجها، تعتدّ بحيضتين، "والعبدُ يُطلِّقُ الحُرَّةَ تَطليقتَينِ، وتَعتدُّ ثلاثةَ قروءٍ،"؛ يعني: العبرةُ بالزَّوج في عددِ الطَّلاقِ، كما أَشَرنا عِندَ الأئمةِ الثلاثةِ.

 "قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ تَحْتَهُ الأَمَةُ، ثُمَّ يَبْتَاعُهَا فَيَعْتِقُهَا: إِنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الأَمَةِ حَيْضَتَيْنِ، مَا لَمْ يُصِبْهَا، فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ مِلْكِهِ إِيَّاهَا، قَبْلَ عِتَاقِهَا، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِلاَّ الاِسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ."عقدُ المِلك يهدمُ حُكمَ عقدِ النِّكاح، والله أعلم.

ملأ الله قلوبنا بالإيمان واليقين، وجعلنا في الهداة المهتدين، وأحيا فينا شريعة سيد المرسلين، ورزقنا حسن الاقتداء به، والسّير في دربه، وألحقنا بحزبه، وسقانا من شُربه، وأصلح أحوال أمّته في المشارق والمغارب، ودفع عنا وعنهم جميع المصائب، وأصلح أحوال أسر المسلمين، وأقام بينهم الرفق والموافقة للشّرع المصون، مع السلامة من شرّ الشيطان ووسوسته، ومن كل سوء وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

02 جمادى الآخر 1443

تاريخ النشر الميلادي

05 يناير 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام