شرح الموطأ -287- كتاب النكاح: باب ما جاء في الوليمة

شرح الموطأ -287- كتاب النكاح، باب ما جاء في الوليمة، من حديث: « أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ »
للاستماع إلى الدرس

شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب النكاح: باب ما جاء في الوليمة.

فجر الأربعاء 12 ربيع الثاني 1443هـ.

باب مَا جَاءَ فِي الْوَلِيمَةِ

1575 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا". فَقَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ".

1576 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ بَلَغَنِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُولِمُ بِالْوَلِيمَةِ، مَا فِيهَا خُبْزٌ وَلاَ لَحْمٌ.

1577 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا".

1578 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُول: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

1579 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطاً دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِ خُبْزاً مِنْ شَعِيرٍ، وَمَرَقاً فِيهِ دُبَّاءُ، قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الْقَصْعَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُكرمنا بشريعته، ومبيّنها على لسان خير بريته، سيدنا محمد عبده وصفوته، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحابته، وعلى أهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خيرة الرحمن في البرية وصفوته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

ويتحدث الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- عن: "ما جاء في الوليمة" 

  • المأخوذة من الوَلِمْ، وهو الجمع.
  • وأصلها تتميم الشيء واجتماعه، واختصت إذا أُطلقت الوليمة على طعام العرس الذي يُقدم بمناسبة الزواج. 
  • وهكذا في قول أهل اللغة: أن الوليمة تُطلق على ذلك. 
  • ويقول الإمام الشافعي وأصحابه: تُطلق الوليمة على كل دعوة تُتخذ لسرور حادثٍ من نكاح، أو ختان، أو غيرهما.

 لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في وليمة النكاح.

وبعد ذلك الدعوة بمختلف أصنافها: 

  • فمنها لوليمة العرس. 
  • ومنها الإعذار للختان. 
  • ومنها العقيقة لأجل الولادة، والأفضل أن تكون العقيقة في اليوم السابع، ويمكن أن تكون في السبع الثانية أو الثالثة، وما بين ذلك، ولكن الأفضل أن يكون سبع، أو سبع أخرى، أو سبع ثالثة.
  • ومنها دعوة الخرس لسلامة المرأة من الطَلق يقال لها. 
  • وكذلك ما يسمى بالنقيعة، وهي التي تكون لقدوم المسافر من السفر إلى البلد، مشتقة من النقع، وهو الغبار.
  • والوكيرة للمسكن المتجدد، إذا تجدّد له سكن في مسكن.
  • وكذلك ما يُتخذ عند المصيبة، يقال له وضيمة. 
  • وما لا سبب له ظاهر يقال له المأدبة. 

كل ذلك من جملة ما جاء في عموم الدعوة من حقوق المسلم وإذا دعاك فأجبه.

قال الإمام الشافعي وكذلك الإمام مالك: أن الإجابة إلى وليمة العرس واجبة؛ أي: إذا اجتمعت الشروط، قال: ولا أحب أن يترك الدعوات الأخرى -غير دعوة العرس- إلا أني لا أراه إذا تركها عاصٍ كما ظهر لي في وليمة العرس.

  • فخصّص الوجوب بوليمة العرس
  •  وجعل بعد ذلك أنها في بقية الدعوات سنة مؤكدة؛ أن يجيب دعوة من دعاه من المسلمين.

 قال ﷺ: "لو دُعيت إلى ذراعٌ أو كراعٌ  لأجبت، ولو أهديَ إليّ ذراعٌ أو كُراعٌ لقَبِلت" صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

وإذًا، عامة الفقهاء والعلماء يوجبون الإجابة في وليمة العرس. فعلى ذلك نص الإمام مالك والإمام الشافعي، وكذلك جاء عند الحنابلة، وإن كان هناك قول عند بعض الشافعية والحنابلة: أنها سنة مستحبة أيضًا كغيرها من الولائم، وفي بعض الروايات: "ومن لم يُجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم"؛ أي: الذي شرع للمسلمين أن يجيبوا دعوة بعضهم البعض، وذلك لما يترتب عليه من فضيلة إطعام الطعام، وفضيلة اجتماع الأقارب والجيران وأهل البلدة أو بعض الوافدين والمسافرين، وفي ذلك نشر للتعارف وللألفة بين المسلمين.

فتُسنّ الوليمة للعرس وتتأكد ّكما سمعنا في حديث سيدنا عبد الرحمن بن عوف -رضي الله تعالى عنه- وأمر النبي له بقوله: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ". 

  • وحملوا الخبر والأمر على الاستحباب وعلى الندب، لا على الوجوب. 
  • وإنما يكون الوجوب في الإجابة في إجابة الدعوة.

 وتجب الإجابة على من عُيّن بالدعوة، أما إذا دعا الجمع، وقال: تفضلوا، والدعوة عامة، فلا تكون فرضًا على كل واحد، ولا واجب على كل واحد، ولكن إذا عُيّن، وأما إذا نادى بالنداء العام: أيها الناس أجيبوا الوليمة، لم تجب على كل واحد منهم، ولا تتعين فتصير أشبه بفرض الكفاية، من حضر كفى. 

وقال ﷺ: "إذا دعا أحدكم أخاه فليُجبه عرساً كان أو نحوه" رواه أبو داود. وجاء أيضًا في الصحيح لإجابة الدعوة إلى الوليمة لأجل العرس: "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة عرس فليُجب"، في رواية ابن ماجة وغيره وهكذا، ولما يُستحب من إعلان التزويج، فاقترن بها شأن الدعوة. 

ولهذا قالوا إن للوجوب في إجابة الدعوة شروط

  • ومنها إن لم يحضر من يتأذى به المدعو لأمرٍ ديني، كمن شأنهم الوقوع في أعراض الناس فإذا حضر هذا الصنف لم تجب إجابة الدعوة.
  •  وإن لم يكن هناك في الوليمة منكر. 

فإذا كان فيها منكر من اختلاط النساء بالرجال، أو قول الكلام الماجن، أو استعمال الآلات المحرمة، أو فرش حرير، أو غير ذلك من المحرّمات، خلاص.. يسقط وجوب إجابة الدعوة، بل:

  • إذا أجاب، وَجَبَ عليه أن يُنكر. 
  • وأما إن عرف أنه إن أجاب اُمتِنع عن ذلك، أو قُبَل منه النهي سيتعيّن عليه الوجوب.
  •  وإن علم أنه إن ذهب يُداهن ويحابي ولا ينكر، فيصير حرام عليه الإجابة.

وكذلك استثنى بعضهم:

  • إذا كان هناك صور منحوتة أو مجسمة في مكان الوليمة. 
  • وكذلك ذكر بعضهم اشتراط عدم شدة الزحام، فإذا كان في محل معيّن يشتد فيه الزحمة، فيسقط الوجوب. 
  • ومنها أن لا يُخصَّص بها الأغنياء، ويُمنع منها الفقراء، فإذا فُعلت الوليمة بهذه الصورة لا يلزم فيها الإجابة ولا يجيب؛ فإنها مكروهة ومنهي عنها، وإنها شر الطعام، الوليمة يُدعى إليها الأغنياء ويُمنع عنها الفقراء. 

وهكذا جاء لنا بحديث: "عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ -رضي الله تعالى عنه وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة- جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ" أثر صفرة في يديه، جاء في رواية: "عليه ردع زعفران"؛ يعني: أثر الزعفران، وصفرة الخلوق: طيب يُصنع من الزعفران وغيره، فكأن الصفرة ظاهرة في يديه وجسده، أو سار منها مسار إلى ثيابه، فرأى عليه أثر الصفرة. 

وجاء في رواية الإمام البخاري يقول: "لما قدمنا المدينة عبد الرحمن بن عوف آخى ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع -رضي الله عنه- فقال سعد بن الربيع "إني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أيّ زوجتيّ هويتَ، نزلت لك عنها، فإذا أحلّتْ، تزوجتَها" فقال له عبدالرحمن: "لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟" قال: "سوق بني قينقاع" قال: فغدا إليه عبد الرحمن، فأتى بأقط وسمن، ثم تابع الغدو فما لبث أن جاء عبد الرحمن وعليه أثر الصفرة"؛ يعني: كسب ربحه وتزوّج. في رواية أخرى يقول: "خرج إلى السوق، فباع واشترى، فأصاب شيئًا من سمن وأقِط، فتزوّج". 

وفي رواية قال: مكثنا ما شاء الله، ثم جاء وعليه وضر صفرة، فلقيه النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-، جاء في رواية ابن سعد: في سكة من سكك المدينة وعليه وضرٌ من صفرة.، وفي هذا أنه لمناسبة الزواج لا بأس أن يظهر الأثر من صفرة زعفران ونحوه.

واختلفوا فيما جاء بصبغ الثياب أو اللحية بالزعفران: 

  • فجاءت كراهته عند الحنفية والشافعية.
  • وعند غيرهم: لا إشكال في ذلك.

 وفيه حديث ابن عمر أنه كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة، فقيل له: ما تصنع بالصفرة؟ قال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها. وكذلك جاء عند أبي داود وغيره في هذا الحديث، عن سيدنا عبدالله بن عمر -رضي الله عنه-. 

وجاء عند الحنابلة والشافعية: كراهة لبس المزعفَر للرجل والمعصفَر، لما رُوي من النهي عنه عن النبي ﷺ نهى الرجال عن التزعفر، في الصحيحين. 

وهكذا حديث سيدنا عبد الرحمن بن عوف: "فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ"؛ أي: عن سبب هذه الصفرة التي فيه، "فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ" امرأة من الأنصار، وولدت له ولدان، فقال له رسول الله ﷺ: "كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا"؛ فيه: اعتنائه بمعرفة المهر، وقد أرشد إلى تخفيفه، وقال: "إن أبرك النساء، أخفّهن مهوراً، و أيسرهن مؤونة"، ونهى عن التغالي فيه،  فَقَالَ: "زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ"، وزنة النواة من ذهب عند أكثر أهل العلم: أنها زنة خمسة دراهم 

  • وجاء أيضًا أنها عند الإمام أحمد بن حنبل: أنها ثلاثة دراهم. 
  • وأكثر أهل العلم يقولون: أن زنة النواة هي وزن خمس دراهم. 

"فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" بارك الله لك، "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ".؛ قال: وليس هذا بحد لأقل الوليمة، لأنه لا حدّ لأقلها، وإنما ذلك على حسب الوجود. وقد جاءنا في الحديث بعد ذلك: أنه لمّا أولم على صفية بنت حيي، لم يكن هناك في الوليمة لحم، ولكن لما رأى من حال عبد الرحمن بن عوف واستطاعته قال له، أمره أن يذبح ولو شاةً لهذه المناسبة.

وكان سيدنا عبد الرحمن بن عوف من أثرياء الصحابة، وقال لأخيه سعد بن الربيع: "بارك الله لك في مالك وأهلك، ولكن دلني على السوق"؛ فصار من التّجار الأغنياء. 

وجاء عنه أنه تصدق على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله، ثم تصدّق بعد بأربعين ألف دينار؛ يعني: مبالغ هائلة في ذاك الوقت، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، وخمسمائة راحلة كان من نفقات سيدنا عبد الرحمن بن عوف، ومات عن أربع نسوة، قُسم لكل امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف؛ أي: ذلك ربع الثمن، لأن الثمن من تركته يوزع على الأربع النساء، فأصاب الواحدة منهن مائة ألف، فيكون مجموع تركته وقت وفاته ثلاثة آلاف ومائتي ألف.

يقول: "عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ بَلَغَنِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُولِمُ بِالْوَلِيمَةِ" يعني على بعض نسائه، "مَا فِيهَا خُبْزٌ وَلاَ لَحْمٌ."؛ وهذه وليمته على سيدتنا صفية، وهي آخر أزواج النبي ﷺ تزوّجها عند رجوعه من خيبر، ثم أصبح فكان ما تيسّر من السويق والدقيق والزيت والتمر حاسوا به حَيْسة، وقدّموها، ودعا المسلمين لحضور الوليمة، فكانت هذه وليمة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. 

عن سيدنا أنس قال: "فدعوت المسلمين إلى وليمة رسول الله ﷺ ما كان فيها خبز ولا لحم، وما كان إلا أن أمر بالأنطاع فبُسطت، فألُقيَ عليها التمر والأقط والسمن"، فحاسوا حيسًا، وهذا هو الحيس الذي كان معهود، يخلطون به أقِط، وسمن، وتمر، فيشبه هذا العصيدة التي يعملونها في حضرموت. وجاء في رواية: فأصبح ﷺ عروساً، فقال: من كان عنده شيء فليجئ به، فبسطَ نطاعًا فجعل الرجل يجيء بالأقط، ورجل يجيء بالتمر، ورجل يجيء بالسمن، فحاسوا حيسًا، وكانت وليمة رسول الله ﷺ وهذا في آخر عمره، ولو أراد أن يجمع أنواع الطعام ويجعلها أكبر وليمة لفعل، ولكنه لا يلتفت إلى شيء من ذلك ﷺ.

جاء في رواية قال: "من كان له فضل زاد فليأتنا به، فجعل رجل يجيء بفضل التمر، وفضل السويق، وفضل السمن، حتى جعلوا سواد حيس، فجعلوا يأكلون ويشربون من ماء السماء إلى جنبهم، وكانت تلك وليمة النبي ﷺ على صفية". وهكذا كان يقول سيدنا أنس: "لقد رأينا لرسول الله ﷺ وليمة ليس فيها خبز ولا لحم"، ويذكر هذا الحديث. 

ثم ذكر لنا حديث الأمر بالإجابة في الدعوة، أنه ﷺ قَالَ: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا". والحديث أيضًا في الصحيحين، وأخذ بعضهم من تعبيره بالوليمة أنها المراد: وليمة العرس. 

"عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، -رضي الله عنه- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ."؛ والحديث أيضا في الصحيحين "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ"؛ أي: من شر الطعام، سمّاه شرًا لما فيه من احتقار أرباب الفقر والمسكنة والحاجة، والتفاخر والتباهي بالوليمة، لدعوة الأغنياء. 

وأما أصل الدعوة: إذا خلت عن المنكرات، واجتمعت فيها شروط الإجابة، من لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله ﷺ

  • من هنا قال من قال بالوجوب كما هو الجمهور. 
  • وبعضهم جعلوا على تأكيد الاستحباب. 

ثم ذكر لنا  "أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطاً دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ،" وقيل أنه سيدنا أنس يقول: كان غلام النبي ﷺ ومولى من مواليه شغله الخياطة دعا النبي ﷺ لطعام صنعه، "قَالَ أَنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِ خُبْزاً مِنْ شَعِيرٍ، وَمَرَقاً فِيهِ دُبَّاءُ،" يسموه بعضهم: القرع، "قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الْقَصْعَةِ" نعم وهكذا ترجم البخاري في صحيحه قال: باب من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية ذلك، قال سيدنا أنس رضي الله تعالى عنه: "فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ." لما رأى النبي ﷺ يحبها، أحبها، وفي هذا قوة انطوائهم برسول الله، حتى صارت طبائعهم تمضي معه وتتغيّر، مع أنها شؤون تختصّ بكل فرد في ميله إلى أي نوع من الطعام، لكن إذا رأوا رسول الله مال إلى طعام طبائعهم أيضًا تنساق إلى متابعته، فيحبون ذلك، وهكذا، وإذا رأوه لا يحب طعاماً كذلك وإن كانوا يحبونه تحوّلت محبتهم منها.

وهكذا قال سيدنا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: "وكنا نقدم العشاء لرسول الله ﷺ شهرين"؛ التي جلسها في بيته أول ما وصل المدينة المنورة فكان في بيت سيدنا أبي أيوب نحوًا من شهرين، ثم انتقل إلى الحجرة التي بناها، فكان يقول: نقدم له العشاء، ثم نأخذ منه الإناء، فأتسابق أنا وأم أيوب إلى مواضع أصابعه ﷺ، قال: وقدمنا له ليلة عشاءً، فرد إلينا الصحفة، فلم نر أثرًا لأصابعه فيها، قال: فخِفت، وأتيتُ النبي ﷺ وقلت: لم تأكل عشاءنا الليلة! قال: "إني رأيت فيه أثرًا من هذا الثوم، فكلوه أنتم، فإني أُناجي من لا تناجون، قال سيدنا أيوب: "فكان آخر يوم دخل فيه الثوم إلى بيتنا.. وما عاد أدخل الثوم نهائيًا إلى دارهم بعد ذلك اليوم، فكانوا يغيّرون عاداتهم وطباعهم بالتبعية لسطوة المحبة، وقوة الاقتداء والاهتداء به ﷺ، عليهم الرضوان.

وجاء أن طالوت الشامي يقول: دخلت على أنس بن مالك -رضي الله عنه- وهو يأكل قرعًا -هذه الدباء- وهو يقول: يا لك من شجرة! ما أحبك إلا لحُب رسول الله ﷺ إياكِ! فكان يعتني بها وبإحضارها، وإذا حضرت يكثر الأكل منها، ويقول: ما أحبك إلا لحب رسول الله ﷺ إياكِ. وهكذا جاء في سنن الترمذي. وعند الإمام أحمد في المسند عن أنس رضي الله عنه قال: أن النبي ﷺ قال: "إذا طبخت قدرًا فأكثر فيها من الدباء، فإنها تشدّ قلب الحزين"، وجاء في رواية الطبراني: "عليكم بالقرع، فإنه يزيد في الدماغ"، في رواية البيهقي: "عليكم بالقرع، فإنه يزيد في العقل، ويكبّر الدماغ" وجاء أيضًا في رواية أنه: "يجلو البصر، ويليّن القلب".

ويروى: أن الدباء أو البطيخ من الجنة. وحتى قال القاري: قيل أن من سبب محبته له ما فيه من إفادته زيادة العقل، والرطوبة المعتدلة مما كان يلحظه من السر الذي أودعه الله فيه، إذ أخصّه بالإنبات على سيدنا يونس لما خرج من بطن الحوت، (وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ)[الصافات:146] هي الدباء، فصار هو الأنسب له وهو خرج سقيم مريض، فهذا كان مناسبًا له، فأطعمه الله إياه وتعافى تحت ظل شجرة اليقطين.

رزقنا الله المتابعة لحبيه الأمين، والاهتداء بهديه، والاقتداء به، والسير في دربه، وسقانا من شُربه، وأدخلنا في حِزبه، وحشرنا في زمرته، ورزقنا حسن متابعته ظاهرًا وباطنًا، وأصلح به شؤوننا وشؤون أهالينا وذريّتنا وذوينا ومن يوالينا، بسِرّ الفاتحة وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

20 ربيع الثاني 1443

تاريخ النشر الميلادي

25 نوفمبر 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام