شرح الموطأ - 226 - كتاب الحج: باب فِدْيَة مَن حَلَقَ قبل أن يَنْحَر
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الحج: باب فِدْيَةِ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ.
فجر الأحد 22 ذو الحجة 1442هـ.
باب فِدْيَةِ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ
1252 - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِماً، فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ وَقَالَ: "صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ".
1253 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أبِي الْحَجَّاجِ، عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ". فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ".
1254 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ بِسُوقِ الْبُرَمِ بِالْكُوفَةِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَنْفُخُ تَحْتَ قِدْرٍ لأَصْحَأبِي، وَقَدِ امْتَلأَ رَأْسِي وَلِحْيَتِي قَمْلاً، فَأَخَذَ بِجَبْهَتِي، ثُمَّ قَالَ: "احْلِقْ هَذَا الشَّعَرَ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ". وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَنْسُكُ بِهِ.
1255 - قَالَ مَالِكٌ فِي فِدْيَةِ الأَذَى: إِنَّ الأَمْرَ فِيهِ: أَنَّ أَحَداً لاَ يَفْتَدِي حَتَّى يَفْعَلَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ، وَإِنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَأَنَّهُ يَضَعُ فِدْيَتَهُ حَيْثُ مَا شَاءَ، النُّسُكَ، أَوِ الصِّيَامَ، أَوِ الصَّدَقَةَ بِمَكَّةَ، أَوْ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبِلاَدِ.
1256 - قَالَ مَالِكٌ: لاَ يَصْلُحُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَنْتِفَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئاً، وَلاَ يَحْلِقَهُ، وَلاَ يُقَصِّرَهُ حَتَّى يَحِلَّ، إِلاَّ أَنْ يُصِيبَهُ أَذًى فِي رَأْسِهِ، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلاَ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ، وَلاَ يَقْتُلَ قَمْلَةً، وَلاَ يَطْرَحَهَا مِنْ رَأْسِهِ إِلَى الأَرْضِ، وَلاَ مِنْ جِلْدِهِ، وَلاَ مِنْ ثَوْبِهِ، فَإِنْ طَرَحَهَا الْمُحْرِمُ مِنْ جِلْدِهِ، أَوْ مِنْ ثَوْبِهِ, فَلْيُطْعِمْ حَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ.
1257 - قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَتَفَ شَعَراً مِنْ أَنْفِهِ، أَوْ مِنْ إِبْطِهِ، أَوِ اطَّلَى جَسَدُهُ بِنُورَةٍ، أَوْ يَحْلِقُ عَنْ شَجَّةٍ فِي رَأْسِهِ لِضَرُورَةٍ، أَوْ يَحْلِقُ قَفَاهُ لِمَوْضِعِ الْمَحَاجِمِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، نَاسِياً أَوْ جَاهِلاً، إِنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْلِقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ.
1258 - قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ جَهِلَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ افْتَدَى.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله الذي بَيَّنَ لنا الأحكام، على لسان عبده وحبيبه خير الأنام، سيدنا محمد صلَّى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وعلى من تبعهم بإحسان، وصدق الى يوم القيام، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين المرتقين أعلى مقام، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر سيدنا الإمام مالك -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: "فِدْيَةِ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ"، وذلك من المسائل المختلف فيها في الحج؛ فهل يجوز أن يُقدّم الحلق على النحر، أو على الرمي أم لا؟
وقد سبق معنا أن الشافعية يقولون؛: أنه إذا انتصف الليل من ليلة النحر فقد دخل وقت الرمي، ووقت النحر، ووقت الحلق، ووقت الطواف، فأي شيءٍ منها قدَّمه فلا حرج عليه.
رأى بعض أهل العلم أنه يُؤخر الحلق حتى يرمي أولًا، وإذا حلق قبل أن يرمي فعليه الفدية.
يذكر الإمام مالك: "عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلَى"، من التابعين، وقد ولد في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب، لستٍّ بقين من خلافة سيدنا عمر، ومع ذلك فكان من علماء التابعين، وكان يجلس إلى حلقته جماعة من أصحاب النبي ﷺ. يقول عبدالرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومئة من الأنصار صحابة. يقول عبد الملك بن عمير: رأيته؛ يعني: عبدالرحمن بن أبي ليلى هذا في حلقة فيها نفر من الصحابة، فيهم البراء، يسمعون لحديثه وينصتون له. وفي ذلك أدب الصحابة وحسن تربيتهم، فَيتَلقون العلم، ويعرفون ما كان على منهج رسول الله ﷺ، وما سمعوه منه، فينصتون إلى من علم من التابعين وأحسن النقل من التابعين، وغاص على حِكم الشريعة من التابعين، وهم الصحب الأكرمون، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
فأين هذا ممن إذا اتصل بشيخٍ من الشيوخ أو كبير سن، أنِفَ أن يأخذ ممن في سنّهِ أو ممن أصغر منهُ، ويقول أنا قد جالست الشيخ الفلاني، أو أنا قد عرفت فلان… هؤلاء أصحاب رسول الله عرفوا رسول الله، وجالسوا رسول الله، ومع ذلك أخذوا عن التابعين، واستفادوا من التابعين، علمهم وإنصافهم وأدبهم؛ ولكن هكذا تَربِية زين الوجود ﷺ، ومن أحسن منه مربيًا ﷺ.
يقول: "عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِماً" وذلك في عام الحديبية، حينما ردوهم المشركين "مُحْرِماً" أي بالعمرة، " فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ"، جاء في رواية عند البخاري: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ"، قال: نعم يا رسول الله.
وجاء في رواية أخرى: وقف عليَّ رسول الله بالحديبية ورأسي يتهافت قمل، فقال: يؤذيك هوامك، قلت: نعم، قال: احلق رأسك. وخيَّرهُ بعد ذلك بين أن ينسك شاة، أو أن يطعم ست مساكين، أو أن يصوم ثلاثة أيام. وهذا هو التخيير قال تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)[البقرة:196] والصيام ثلاثة أيام، والنسك ذبح شاة، وأما الصدقة فإطعام ستة مساكين كما بيّن في عدد من روايات الحديث الشريف.
وجاء عند الطبراني: أنّه لَقيَهُ وهو عند الشجرة وهو مُحرِم. وجاء أيضًا: أتى عليّ النبي ﷺ وأنا أوقد تحت برمتهِ، والقمل يتناثر على رأسي، قال: ادنُ، فدنوت، قال: أيؤذيك؟. وفي رواية: كُنا مع رسول الله ﷺ في الحديبية ونحن مُحرمون، وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تتساقط على وجهي، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟.
وفي رواية: قال: أحرمتُ، فكثر قمل راسي، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاني وأنا أطبخ قدرًا لأصحابي. وجاء في رواية: ليسقط القمل على وجهه، فأمره أن يحلق وهم بالحديبية.
ويقول عبدالله بن معقل: جلست مع كعب بن عجرة فسألته عن الفدية: قال نزلت فيَ خاصة، وهي لكم عامة، حُملت الى رسول الله والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى. وفي رواية: لمّا رآني قال: "لقد أصابك بلاء ونحن لا نشعر ادعوا اليّ الحَجَّام". وعلى كل الأحوال في مختلف الروايات أنه أمره أن يحلق رأسه وهو مُحرم؛ فأزال شعر رأسه ليزول عنه الأذى. " احْلِقْ هَذَا الشَّعَرَ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ"؛ أي: لكل واحد من الستة مدّين.
- وعلى هذا الجمهور من أهل العلم، ولا فرق بين أن يكون بُرًّا أو تمرًا أو شعيرًا مما يقتات الناس، "مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ"؛ أي: نصف صاع لكل مسكين، فالمجموع ثلاث آصع، والصاع أربع أمداد بمد النبي ﷺ.
قال: "أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ"؛ أي: من هؤلاء الستة. جاء في رواية: "أو تصدق بفَرَقٍ بين ستة".
وجاء أيضًا: "أو أطعم ثلاثة آصع من تمرٍ على ستة مساكين"؛ يعني: لكل مسكين مُدَّين، "أو أطعم ست مساكين لكل مسكين نصف صاع"، على اختلاف الروايات، والفَرَق: ثلاثة آصع، لما قال: أطعم فَرَق، الفرق ثلاث آصع.
وجاء أيضًا: "في كل مسكين نصف صاع تمر". وفي رواية أحمد: "نصف صاع طعام"، وفي رواية عن شعبة يقول: "نصف صاع حنطة"، فقوله في الرواية: "نصف صاع من طعام"، يشمل الكل من هذا، وبعد ذلك أخرج أي نوع من أنواع الطعام الذي يُقتات فهو مجزئ، فالإطعام لست مساكين هكذا بَيَّنهُ في الحديث، وهكذا عليه جماهير أهل العلم.
وأما الصوم فإنه ثلاثة أيام. ويُروى عن الحسن قال: الصوم عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين؛ لكن عامة الأئمة الأربعة وعامة الفقهاء قالوا:
- إنما الصوم ثلاث أيام.
- وإنما الإطعام ستة مساكين.
كما صَحَّ في رواياتٍ عنه ﷺ. وكل مسكين له مُدّان؛ أي: نصف صاع من أي شيء كان أخرجه؛ سواءً بُر، أو شعير، أو تمر، أو غيره.
- هكذا يقول الإمام مالك والإمام الشافعي.
- يُروى عن الثوري وأبي حنيفة:
- أن هذا من البر
- وأما من الشعير والتمر فصاع لكل مسكين؛ فستة آصع بدل من ثلاث آصع، لكل مسكين صاع كامل.
- ولكن جاء رواية عند الإمام أبي حنيفة كقول الشافعي وقول مالك: سواءً كان الطعام برًا أو غيره فمُدّان لكل مسكين.
- وجاء في رواية عن الإمام أحمد: أن الإطعام مُدٌّ.
- ولكن جماهير أهل الفقه أنه مُدّان.
وهكذا كما أشرنا في مذهب الإمام أبي حنيفة -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- أنه يجزئ من البر نصف صاع لكل مسكين، أمّا من التمر والشعير ونحوه، فصاع صاع.
"أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ"؛ يعني: اذبح، تقرّب إلى الله بذبحها، فهو مخَيَّر بين هذه الثلاثة، (فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)[البقرة:169]؛ أي: ذبح شاة.
وجاء في رواية أبي داود عن كعب بن عجرة: أنه أصابه أذى فحلق فأمره ﷺ أن يهدي بقرة.
وجاء عند الطبراني: "أمره رسول الله ﷺ أن يفتدي، فافتدى ببقرة" هذا محمول على تبرعه بذلك وكان يجزئه شاة.
وجاء في بعض الروايات: أنه أطعم، وفي رواية: أنه صام، والفدية:
- إن كانت صيام ففي أي مكان يصح
- وإن كانت إطعام أو ذبح فلا بد أن يكون في مكة
فاتفقوا على أن الصوم له أن يفعله حيث شاء، لا يختص بمكة ولا بالحرم، وإن كان الصوم بمكة أفضل. وأما النسك والإطعام فأطلق فيهما الإمام مالك وقال يجوز في أي مكان.
وخصّص الشافعي ذلك في مكة أو بالحَرَم. وجاء في رواية عند الإمام أبي حنيفة أن الدم يختص بالحرم، والإطعام لا. والرواية الثانية مثل مذهب الشافعي: أنه سواءً كان دمًا أو إطعامًا فإنه يختصّ بموجودين في حرم الله -تبارك وتعالى- لا يُخرجه في مكان آخر.
إذا؛ فالطعام لا يجزئ إلا في الحرم عند الإمام الشافعي وكذلك الإمام أحمد، وكذلك رواية عند الإمام أبي حنيفة. ووسع الإمام مالك فقال: يذبح في أي مكان، ويُطعم في أي مكان.
قال له النبي ﷺ: "أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ"، واحد من هذه الثلاثة، كما جاءت (أو) للتخيير في الآية الكريمة، وعليه الجمهور. ولكن يذكر بعضهم: إذا كان حلق رأسه ومثله إذا لبس أو تطيَّب مُتعمّد فهل كذلك يُخَيّر بين الثلاثة أم لا؟
- يقول الإمام مالك: نعم هو على التَّخيير، وهو المعتمد كذلك عند الشافعية.
- وقيل: أنه لا يُخَيّر إلا للضرورة، وهكذا نقل المذهب الشافعي الحافظ ابن حجر والقسطلاني: أنه لا يُخيّر إلا للضرورة.
ولكن المعتمد في مذهب الشافعية، كما هو عند الإمام أحمد وعند الحنفية: أنه مُخيّر بين ما شاء من هذه الثلاثة.
قال: "عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ، فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: احْلِقْ رَأْسَكَ"؛ أي: وهو مُحرم "وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ".
وقد تقدّم في الرواية قبلها تحديد الإطعام، وفي هذا أيضًا تحديد الصيام أنه ثلاث أيام، وعليه الجمهور، خلافًا لِما تقدم عن الحسن البصري أنَّ الصوم عشرة أيام.
وهذا يقول: "حَدَّثَنِي شَيْخٌ بِسُوقِ الْبُرَمِ بِالْكُوفَةِ" البُرَم: جمع بُرمة؛ القدر من الحجر يُقال له: بُرمة. "عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: "جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَنْفُخُ تَحْتَ قِدْرٍ لأَصْحَأبِي"؛ يشتغلون بخدمة بعضهم البعض، وهم في حالة الإحرام، ويقوم يطبخ لأصحابه، و يوقد النار، لا يوجد استعمال غاز ولا غيره من هذه الوسائل. "جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَنْفُخُ تَحْتَ قِدْرٍ لأَصْحَأبِي"، وفي رواية: "تحت برمة"؛ يعني: القدر برمة عبارة عن قدر من الحجر، "وَقَدِ امْتَلأَ رَأْسِي وَلِحْيَتِي قَمْلاً، فَأَخَذَ بِجَبْهَتِي" لعلّه على سبيل التأنيس "ثُمَّ قَالَ: احْلِقْ هَذَا الشَّعَرَ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ". ما ذكر الذبح لأنه عرف أنه ما عنده قدرة أو أخبره بأنه لا يجد شيء.
جاء في رواية: هل تجد شاة؟ قال لا. قال: "احْلِقْ هَذَا الشَّعَرَ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ". وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَنْسُكُ بِهِ " ما عندي شيء أذبحه.
"قَالَ مَالِكٌ فِي فِدْيَةِ الأَذَى: إِنَّ الأَمْرَ فِيهِ: أَنَّ أَحَداً لاَ يَفْتَدِي حَتَّى يَفْعَلَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ" لا تتقدم الفدية، يقول أنا سأحلق فسأفدي أولًا! احلق أولًا ثم أفدي، وهكذا فلا يدخل وقت الفدية حتى يحلق الرأس أولًا. وكذلك من جاوز الميقات بالإحرام "وَإِنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَأَنَّهُ يَضَعُ فِدْيَتَهُ حَيْثُ مَا شَاءَ"، هذا مذهب الإمام مالك.
- قد علمت من مذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد والرواية عن أبي حنيفة إن الإطعام مثل النسك لابد أن يكون في الحرم، والصوم في أي مكان شاء.
- وكذلك الرواية الثانية عن أبي حنيفة: أن النسك الذبح لابد في الحرم؛ أما الإطعام يجوز في أي مكان.
- ومذهب الإمام مالك: سواء الإطعام أو النسك أو الصوم يجوز في مكة وفي غيرها.
"وَأَنَّهُ يَضَعُ فِدْيَتَهُ حَيْثُ مَا شَاءَ"، في أي موضع من الحرم "النُّسُكَ، أَوِ الصِّيَامَ، أَوِ الصَّدَقَةَ " ،هذا مذهب الإمام مالك "بِمَكَّةَ، أَوْ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبِلاَدِ".
قال: "لا يَصْلُحُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَنْتِفَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئاً" وذلك محرم عليه، فالمُحرم ممنوع من أخذ شعره إلا من عذر، "وَلاَ يَحْلِقَهُ، وَلاَ يُقَصِّرَهُ" بمقراض "حَتَّى يَحِلَّ"؛ يعني: يستمر عدم الجواز إلى أن يحل من إحرامه "إِلاَّ أَنْ يُصِيبَهُ أَذًى فِي رَأْسِهِ، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ"، بعد الحلق كما أمره الله تعالى (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)[البقرة:196]، "وَلاَ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ"؛ ممنوع فلا يجوز للمحرم أن يُقلّم شيء من أظفاره؛ إلا إن آذاه ظفر فعليه أيضًا الفدية، "وَلاَ يَقْتُلَ قَمْلَةً"
- وهي عند مالك والحنفية ما يجوز قتله.
- واختلفت الرواية عند الإمام أحمد.
- قال النووي عن مذهب الشافعي: له أن ينحّي القمل من بدنه وثيابه، ولا كراهة في ذلك، وله قتله ولا شيء عليه. قال: بل يُستحب للمُحرم قتله، كما يستحب لغيره.
ولكن عند مالك والرواية عند أبي حنيفة ما يقتل القمل وإن قتله يتصدق بحفنة من طعام. وهكذا خصّص أيضًا الشافعية الفدية في شعر الرأس واللحية.
"وَلاَ يَطْرَحَهَا مِنْ رَأْسِهِ إِلَى الأَرْضِ، وَلاَ مِنْ جِلْدِهِ، وَلاَ مِنْ ثَوْبِهِ" شدّد الإمام مالك! "فَإِنْ طَرَحَهَا الْمُحْرِمُ مِنْ جِلْدِهِ، أَوْ مِنْ ثَوْبِهِ، فَلْيُطْعِمْ حَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ" هكذا في مذهب الإمام مالك -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- وفي رواية عن الإمام أحمد، والرواية الثانية كما هو عند الشافعية: أنه يجوز له أن يخرج القمل، وأن يقتله ولا شيء عليه.
"قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَتَفَ شَعَراً مِنْ أَنْفِهِ، أَوْ مِنْ إِبْطِهِ"؛ يعني: أي موضع من مواضع الجسد، "أَوِ اطَّلَى جَسَدُهُ بِنُورَةٍ، أَوْ يَحْلِقُ عَنْ شَجَّةٍ فِي رَأْسِهِ لِضَرُورَةٍ، أَوْ يَحْلِقُ قَفَاهُ لِمَوْضِعِ الْمَحَاجِمِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ" كل هذا عليه فيه الكفارة، "نَاسِياً أَوْ جَاهِلاً، إِنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْلِقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ".
وهكذا؛
- فإن أخرج شعرةً واحدة فعليه مُد
- أو شعرتين فَمُدّان
- فإن كنّ ثلاث أو أكثر في مكان واحد تَخيّر بين ذبح شاة وصيام ثلاثة أيام، وإطعام ستة مساكين
والله أعلم.
الله يرزقنا المتابعة لِنبيّه، ويُفقهّنا في دينه، ويرزقنا الاستقامة على ما يحبه منّا في ظاهر الأمر وباطنه، وسِرّه وعلنه، حتى نفوز باللحوق بأهل التقوى، ونحوز من الحق -تعالى- نيل المنى والرجوى، وفوق ما يؤمل المؤملون، ويَطمع الطامعون من جود من يقول للشيء كن فيكون، بوجاهة الأمين المأمون بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي ﷺ.
24 ذو الحِجّة 1442