للاستماع إلى الدرس

الدرس السادس من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب فتوح الغيب للإمام الشيخ عبدالقادر الجيلاني - قدس الله سره، ضمن الدروس الصباحية لأيام الست الأولى من شوال 1447هـ.

المقالة السابعة : في إذهاب غمم القلب

فجر الخميس 7 شوال 1447هـ

نص الدرس مكتوب:

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وبسندكم المتصل إلى الإمام العارف بالله سبحانه وتعالى الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني -رحمه الله تعالى- ونفعنا به وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين -آمين- من كتاب "فتوح الغيب" رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:

الْمَقَالَةُ السَّابِعَةُ

فِي إِذْهَابِ غُمَمِ الْقَلْبِ

"اخْرُجْ مِنْ نَفْسِكَ وَتَنَحَّ عَنْهَا، وَانْعَزِلْ عَنْ مُلْكِكَ وَسَلِّمِ الْكُلَّ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَكُنْ بَوَّابَهُ عَلَى بَابِ قَلْبِكَ، وَامْتَثِلْ أَمْرَهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي إِدْخَالِ مَنْ يَأْمُرُكَ بِإِدْخَالِهِ، وَانْتَهِ بِنَهْيِهِ فِي صَدِّ مَنْ يَأْمُرُكَ بِصَدِّهِ، فَلَا تُدْخِلِ الهَوَى قَلْبَكَ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْهُ، فَإِخْرَاجُ الْهَوَى مِنَ الْقَلْبِ بِمُخَالَفَتِهِ وَتَرْكِ مُتَابَعَتِهِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَإِدْخَالُهُ فِي الْقَلْبِ بِمُتَابَعَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ.

فَلَا تُرِدْ إِرَادَةً غَيْرَ إِرَادَتِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْكَ تَمَنٍّ، وَهُوَ وَادِي الْحَمْقَى، وَفِيهِ حَتْفُكَ وَهَلَاكُكَ وَسُقُوطُكَ مِنْ عَيْنِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَحِجَابُكَ عَنْهُ.

احْفَظْ أَبَداً أَمْرَهُ، وَانْتَهِ أَبَداً نَهْيَهُ، وَسَلِّمْ أَبَداً لِمَقْدُورِهِ، وَلَا تُشْرِكْهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِرَادَتُكَ وَهَوَاكَ وَشَهَوَاتُكَ كُلُّهَا خَلْقُهُ، فَلَا تُرِدْ -زِيَادَةً-، وَلَا تَهْوَى، وَلَا تَشْتَهِي، لِئَلَّا يَكُونَ شِرْكاً. 

قَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف: 110].

لَيْسَ الشِّرْكُ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ -أَيْضاً- مُتَابَعَتُكَ هَوَاكَ، وَأَنْ تَخْتَارَ مَعَ رَبِّكَ شَيْئاً سِوَاهُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَالْآخِرَةِ وَمَا فِيهَا.

فَمَا سِوَاهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- غَيْرُهُ، فَإِذَا ركَنْتَ إِلَى غَيْرِهِ فَقَدْ أَشْرَكْتَ بِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- غَيْرَهُ.

فَاحْذَرْ وَلَا تَرْكَنْ، وَخَفْ وَلَا تَأْمَنْ، وَفَتِّشْ وَلَا  تَغْفُلْ فَتَطْمَئِنَّ، وَلَا تُضِفْ إِلَى نَفْسِكَ حَالاً وَلَا مَقَاماً، وَلَا تَدَّعِ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ.

فَإِنْ أُعْطِيتَ حَالاً أَوْ أُقِمْتَ فِي مَقَامٍ، فَلَا تَخْتَرْ أَحَداً بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللهَ (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29] فِي تَغْيِيرٍ وَتَبْدِيلٍ.

وَأَنَّهُ (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال:24]، فَيُزَيِّلُكَ عَمَّا أُخْبِرْتَ بِهِ، وَيُغَيِّرُكَ عَمَّا تَخَيَّلْتَ ثَبَاتَهُ وَبَقَاءَهُ، فَتَخْجَلُ عِنْدَ مَنْ أَخْبَرْتَهُ بِذَلِكَ، بَلِ احْفَظْ ذَلِكَ فِيكَ، وَلَا تُعَدِّهِ إِلَى غَيْرِكَ، فَإِنْ كَانَ الثَّبَاتُ وَالبَقَاءُ، فَتَعْلَمَ أَنَّهُ مَوْهِبَةٌ، وَتَسْأَلُ التَّوْفِيقَ لِلشُّكْرِ، وَاسْتُرْ رُؤْيَتَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ وَنُورٍ وَتَيَقُّظٍ وَتَأَدُّبٍ.

قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة:106].

فَلَا تُعَجِّزِ اللهَ فِي قُدْرَتِهِ، وَلَا تَتَّهِمْهُ فِي تَقْدِيرِهِ وَلَا تَدْبِيرِهِ، وَلَا تَشُكَّ فِي وَعْدِهِ، فَلْيَكُنْ لَكَ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، نُسِخَتِ الآيَاتُ وَالسُّوَرُ النَّازِلَةُ عَلَيْهِ، المَعْمُولَةُ بِهَا، المَقْرُوءَةُ فِي المَحَارِيبِ، المَكْتُوبَةُ فِي المَصَاحِفِ، وَرُفِعَتْ وَبُدِّلَتْ، وَأُثْبِتَ غَيْرُهَا مَكَانَهَا، وَنُقِلَ ﷺ إِلَى غَيْرِهَا، هَذَا فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ.

وَأَمَّا فِي البَاطِنِ وَالعِلْمِ وَالحَالِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فَكَانَ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِيْنَ مَرَّةً"، وَيُرْوَى: "مِئَةَ مَرَةٍ".

وَكَانَ ﷺ يُنْقَلُ مِنْ حَالَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَيُسَارُ بِهِ فِي مَنَازِلِ القُرْبِ وَمَيَادِيْنِ الغَيْبِ، وَيُغَيَّرُ عَلَيْهِ -خِلَعُ- الأَنْوَارِ، فَتَبِيْنُ الْحَالَةُ الأُوْلَى عِنْدَ ثَانِيهَا ظُلْمَةً وَنُقْصَاناً وَتَقْصِيْراً فِي حِفْظِ الْحُدُوْدِ، فَيُلَقَّنُ الاسْتِغْفَارَ، لأَنَّهُ أَحْسَنُ حَالِ الْعَبْدِ، وَالتَّوْبَةُ فِي سَائِرِ الأَحْوَالِ، لأَنَّ فِيْهَا اعْتِرَافَهُ بِذَنْبِهِ وَقُصُوْرِهِ، وَهُمَا صِفَتَا العَبْدِ فِي سَائِرِ الأَحْوَالِ، فَهُمَا وِرَاثَةٌ مِنْ أَبِي البَشَرِ آدَمُ -عليه السلام- إِلَى الْمُصْطَفَى ﷺ حِيْنَ اعْتَوَرَتْ صَفَاءَ حَالِهِ ظُلْمَةُ النِّسْيَانِ لِلْعَهْدِ وَالْمِيْثَاقِ، وَإِرَادَةُ الْخُلُوْدِ فِي دَارِ السَّلَامِ، وَمُجَاوَرَةِ الْحَبِيْبِ الرَّحْمَنِ الْمَنَّانِ، وَدُخُوْلِ الْمَلَاَئِكَةِ الْكِرَامِ عَلَيْهِ بِالتَّحِيَّةِ وَالسَّلاَمِ، فَوَجَدَتْ هُنَاكَ نَفْسُهُ مُشَارَكَةَ إِرَادَتِهِ لإرَادَةِ الْحَقِّ، فَانْكَسَرَتْ لِذَلِكَ تِلْكَ الإرَادَةُ، وَزَالَتْ تِلْكَ الْحَالَةُ، وَانعَزَلَتْ تِلْكَ الْوِلايَةُ، فَانْهَبَطَتْ تِلْكَ الْمَنْزِلَةُ، وَأَظْلَمَتْ تِلْكَ الْأَنْوَارُ، وَتَكَدَّر ذَلِكَ الصَّفَاءُ، ثُمَّ تَنَبَّهَ وَذَكَرَ صَفِيُّ الرَّحْمَنِ، فَعُرِّفَ الِاعْتِرَافَ بِالذَّنْبِ وَالنِّسْيَانِ، وَلُقِّنَ الْإِقْرَارَ فَقَالَ: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23].

فَجَاءَتْ أَنْوَارُ الْهِدَايَةِ وَعُلُومُ التَّوْبَةِ وَمَعَارِفُهَا، وَالْمَصَالِحُ الْمَدْفُونَةُ فِيهَا مَا كَانَ غَائِبًا مِنْ قَبْلُ، فَلَمْ تَظْهَرْ إِلَّا بِهَا، فَبُدِّلَتْ تِلْكَ الْإِرَادَةُ بِغَيْرِهَا، وَالْحَالَةُ الْأُولَىٰ بِأُخْرَىٰ، وَجَاءَتْهُ الْوِلَايَةُ الْكُبْرَىٰ وَالسُّكُونُ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ فِي الْعُقْبَىٰ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا لَهُ وَلِذُرِّيَّتِهِ مَنْزِلًا، وَالْعُقْبَىٰ لَهُمْ مَوْئِلًا وَمَرْجِعًا وَخُلْدًا.

فَلَكَ بِرَسُولِ اللهِ وَحَبِيبِهِ الْمُصْطَفَى وَأَبِيهِ آدَمَ صَفِيِّ اللهِ عُنْصُرِ الْأَحْبَابِ وَالْأَخِلَّاءِ أُسْوَةٌ فِي الِاعْتِرَافِ بِالْقُصُورِ وَبِالاسْتِغْفَارِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا".

 

رزقنا الله ذلك، وسلك بنا أشرف المسالك.

الحمد لله رب السماوات والأرض، رب الدنيا والبرزخ والآخرة، من بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع كل شيء، الإله الحق الذي نشهد أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له الرحيم الشفيق الرؤوف، ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله أسنى مظاهر رحمته العظمى ورأفته الكبرى ﷻ، إذ برأفته ورحمته بعث الأنبياء والمرسلين عُذرًا ونُذرًا، فخَتَمهم به وجعله سيدهم في الدنيا والأخرى. 

فصلِّ اللهم على عبدك الهادي إليك والدال عليك سيدنا محمد أعلى الخلائق لديك قدرًا وأعظمهم شرفًا ومنزلة وفخرًا، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ومن والاهم واتبعهم بإحسان سِرًّا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين رفعتَ لهم قدرًا وذكرًا، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد،

 فينبئ سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلاني -عليه رحمة الله- في هذه "الْمَقَالَةُ السَّابِعَةُ عن إِذْهَابِ غُمَمِ الْقَلْبِ"؛ وذلك باطِّراح الالتفاتات الدقيقة إلى غير رب الخليقة؛ هذه الالتفاتات التي تلتف على القلب..

  •  فتُكوِّنُ له غَينًا.
  • وقد تُكوِّنُ له بعد ذلك ظلمة.
  • وقد تُكوِّنُ له رَانًا -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ورَينًا. 

يجب على المؤمن بوعيه وعقله أن يتخلص منها، ويجعل وجهته صادقة إلى الحق في جميع أحواله وشؤونه في تبعيَّة (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: 79].

فيقول -عليه رحمة الله-: "اخْرُجْ مِنْ نَفْسِكَ وَتَنَحَّ عَنْهَا" أمامك كتلةٌ من الشهوات والرغبات والإرادات للفانيات، ولما نُهيتَ عنه، ولما حُذِّرتَ منه، ولما لا يحبه ربك.

والنفس مجبولة على رغبات وشهوات كثيرة تناسب هواها، مما يخرُج عن:

  • السَّنَن القويم.
  • فضلًا عما يكون محرَّمًا.
  • وبعده ما يكون مكروهًا
  • وبعده ما يكون خلاف الأولى والأفضل. 

هذه الرغبات كلها النفسية قال: تخلَّص منها بتقويم وتثبيت شهود أنك عبد.. أنك عبد، وأن الله السيد المالك الخالق. 

إذا ثبت هذا المعنى وتحول من تصديقٍ وإيمانٍ به إلى ذوق له وتحقق به؛ تخلَّصْتَ من هذه الآفات وأنواع هذه الرغبات المحيطة بنفسك، وتحوَّلَتْ رغبتك إلى ما رغَّبك فيه خالقك ورسوله؛ صرتَ عبدًا مطيعًا لله ورسوله، متحقِّقًا بالعبودية لله والتبعية لأصفى أصفياه وخاتم أنبياه ﷺ.

عندما تصح لك العبودية له والتبعية لحبيبه وصفيِّه؛ فأنت صاحب الملك العظيم والقدر الفخيم والشأن الكريم لدى الرب الكريم ﷻ. 

وفي ذلك يقول سيدنا أبو بكر العدني بن عبد الله العيدروس -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-:

إِذَا صَفَتِ العُبُودِيَّة *** وَصَحَّ القَصْدُ وَالنِّيَّة 

وَفَنِيَتْ كُلُّ بَشَرِيَّة *** فَحِينَئِذٍ فَهَنُّونِي  

قال: إِذَا صَفَتِ العُبُودِيَّة.. الله.. وَفَنِيَتْ كُلُّ بَشَرِيَّة؛ جميع الرغبات والإرادات لغير الله راحت؛ فصرتُ مريداً لله فقط وحده، فلا أرغب إلا فيما رغَّبَني فيه، ولا أُحِبُّ إلا ما أَحَبّ؛ لأنني أعبده وهو الرب..

 صَفَتِ العُبُودِيَّة.. وَفَنِيَتْ كُلُّ بَشَرِيَّة؛ ما عاد تَغلبنا نفس ولا هوى ولا إرادة لغير الحق، وَصَحَّ القَصْدُ وَالنِّيَّة 

.. فَحِينَئِذٍ فَهَنُّونِي.

"اخْرُجْ مِنْ نَفْسِكَ وَتَنَحَّ عَنْهَا"

 فَاصْرِفْ هَوَاهَا وَحَاذِرْ أَنْ تُوَلِّيَهُ *** إِنَّ الهَوَى مَا تَوَلَّى يُصْمِ أَوْ يَصِمِ

وَخَالِفِ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمَا *** وَإِنْ هُمَا مَحَضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِمِ

 

يعني: أظهَرا لك محض النصيحة.. وورائهم كيد؛ يضحكون عليك، بيرمونك من هنا.. وبيَلْوُونَ الأمر عليك؛ الناصح لك ربك ورسوله، هذا ما فيه تهمة لهم أبداً؛ الغني عنك الرحيم بك، وعبده الذي هو أرحم بك من أبيك وأمك ومن نفسك لنفسك؛ هؤلاء النصحاء ما في نصيحتهم تهمة أصلًا، امسك بحبلهم وروح؛ وأما نفسك هذه والشيطان عدوك؛ مهما أظهروا لك النصيحة يريدون لك الفضيحة والمسالك القبيحة، ويُلوون الأمر عليك ويطوونه عليك، فلماذا تصدقهم؟ ولماذا تستهين بما يعرضون عليك ولا تفتش وراءهم؟ شوف الناصح قدَّامك وخلاص.

يقول ﷺ: مَثَلي ومثلكم مثل ملك ابتنى دارا وجعل فيها مأدُبة، ثم أرسل رسولا يدعو الناس، فمن أجاب الرسول دخل الدار وأكل من المائدة، ومن لم يجب هذا الرسول الذي أرسله يقول: تعالوا كلوا؛ لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة". قال: الله: الملك، والدار: الجنة، والمائدة: النعيم الذي فيها؛ فمن أجابني دخل الدار وأكل من المائدة، ومن لم يجبني لم يدخل الدار ما يدخل الجنة، ولا يأكل ولا يحصل من النعيم شيئًا؛ هذا ناصح صادق، امش قفاه وانتهت المسألة وفزت.. 

  • (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) [النور:54].
  • (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران:31]. 

فلماذا نبقى وراء أنفسنا هذه وشهواتها؟ تقطعنا عن المعالي، عن المراقي العوالي، عن العيش الغالي، عن مرافقة الحبيب، عن العطاء العجيب، عن الفضل الرحيب.. لماذا؟ مقابل ماذا؟ تُمنِّينا بأشياء ما أحقرها وما أصغرها وما أسرع انتهاءها وانقضاءها؛ فلا بد أن نتخلص منها. 

"اخْرُجْ مِنْ نَفْسِكَ" تخرج من رمضان من دون خروج من نفسك؟! "اخْرُجْ مِنْ نَفْسِكَ".

"اخْرُجْ مِنْ نَفْسِكَ وَتَنَحَّ عَنْهَا" ارفض أهواءها وشهواتها؛ هذا الخروج عنها. 

"وَانْعَزِلْ عَنْ مُلْكِكَ" أي توَهُّم أنك تملك وأنك مَلِك؛ (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [آل عمران:109]، أنت لو كنت في الأرض أنت مُلْكُه، ولو كنت في السماء أنت مُلْكُه، الأرض والسماء وما فيها هو يملكه، (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ) [المائد:120]، أنت فين؟ في الأرض والسماء؟ أو في محل ثاني؟ أنت في الأرض أنت ملكه، وأنت في السماوات أنت ملكه؛ فلماذا تعمل لنفسك ملك وهمي خيالي يقطعك عن الأدب مع هذا الإله؟ كيف يتجلى هذا؟ 

  • يتجلى في أنك تخالف شيء من أوامره.
  • وتتَّهمه في شيء من وعوده ورزقه.
  • وتبني لك خيالات؛ لأنك ترى نفسك مَلِك.

لا، لا مَلِكَ إلا واحد هو، هو مالك السماء والأرض ومالك يوم الدين، هو هو نفسه هو المَلِك الحقيقي، (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) [الملك:1]، وأنا وأنت عبيد والخلائق. 

(إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا)، شفتوا الحقيقة الواضحة هذه؟ نغالط أنفسنا فيها! نصدِّق عدونا وأنفسنا! الحقيقة الواضحة، (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا) كل من حملة عرشه، أهل البيت المعمور، أهل الحجب، أهل سدرة المنتهى، ومن في الأرض ملوك، فقراء، صعاليك، وزراء، مثقفين، عوام، كل.. كل.. كل (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا)، ولا واحد يفلت منهم، (لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم:93-95]، لا تقول لي زيد، ولا عمرو، ولا فلان ولا فلتان، ولا هيئة ولا مؤسسة ولا جماعة ولا أفراد، كلهم (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا)؛ تتغافل عن هذه الألوهية؟! وتنسى هذه الربوبية؟! وتهاب غيره وترجو غيره وتخاف غيره؟! أنقذ نفسك.. اخرج منها.

"وَانْعَزِلْ عَنْ مُلْكِكَ وَسَلِّمِ الْكُلَّ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-"، (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:162]، "فَكُنْ بَوَّابَهُ عَلَى بَابِ قَلْبِكَ"؛ بواب الرحمن على القلب، لأنه محل نظره هنا، خزانة أعطاك إياها حافظ عليها، كن بوابًا عليها له، ما أمرك تُدخله ادخله، وما أمرك تمنعه امنعه؛ بواب أنت على هذا القلب، يعني: هذه مهمتك في العبودية، مهمتك في الحياة، مهمة الشريعة التي جاءتك لكي تكون هكذا، كن بوَّابًا على ساحة القلب، ما تُدَخِّل إليها الهوى، ما تُدَخِّل إليها العجرفة، ما تُدَخِّل إليها الكِبر، ما تُدَخِّل إليها الحسد.. قف!.. ابعد!.. لا تقبل، خالف الهوى فيخرج، إذا خرج لا تدخله.. بيجيك ثاني مرة؛ إن أطعته دخل، وإن ما أطعته هو خارج؛ وإذا ادخلته..

……………. *** إِنَّ الهَوَى مَا تَوَلَّى يُصْمِ أَوْ يَصِمِ

 خلِّه برّا، لا تأذن له بالدخول إلى قلبك، يعني: لا تطعه ولا تتبعه، "لا يؤمِنُ أحدُكم حتى يكونَ هواه تَبَعًا لِما جِئْتُ به"، يا رب صلِّ على سيدنا محمد وارزقنا حسن اتباعه. 

"بَوَّابَهُ عَلَى بَابِ قَلْبِكَ، وَامْتَثِلْ أَمْرَهُ"؛ لأن الأمر كله يدور بما ذكره في المقالة الأولى: 

  1. امتثال الأمر.
  2. واجتناب النهي.
  3. والرضا بالقضاء والقدر. 

هذا ملازم للعبد في أحواله كلها، قبل الفناء وبعد الفناء وفي حال البقاء؛ يقول: امتثل الأمر، واجتنب النهي، وارضَ .. ربوبية قدامك وألوهية. 

وَكُنْ رَاضِي بِمَا ***  قَدَّرَ المَوْلَى وَدَبَّرْ

وَلَا تَسْخَطْ قَضَا الله ***  رَبِّ العَرْشِ الأَكْبَرْ

وأعلَم وأعرَف وأحكَم وأعظَم، وماذا تعرف أنت أمامه ﷻ؟

قال: "وَامْتَثِلْ أَمْرَهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي إِدْخَالِ مَنْ يَأْمُرُكَ بِإِدْخَالِهِ" ماذا تُدخِل؟ تُدخِل محبته، تُدخِل محبة رسوله؛ ادخلها وسط قلبك..

  • افسح المجال لمحبَّته، تذكَّر نعمه، تذكَّر عظمته، تذكَّر جلاله.
  • افسح المجال لمحبة رسوله دخِّلها، اذكُر شمائله، اذكُر مناقبه، اذكر مكانته عند الرب، اذكر منزلته في الآخرة، صلِّ عليه وأكثر الصلاة عليه ﷺ، افسح المجال لتدخل محبته إلى القلب؛ فهذا فيه غناك وفيه هَنَاكَ وفيه المُلك الدائم، الله أكبر.
  • ومِن أجل الله ورسوله أحبْ ما أحب من الطاعات والخيرات أدخلها.
  • والدنيا وحقارتها، والهوى وسُلطانه، والكفار المشركين، لا تدخلهم قلبك! امنع.. ممنوع! كن بواباً على باب قلبك، الحق لك لا تُدخل هذا قلبك، الله أكبر.

قال: "وَانْتَهِ بِنَهْيِهِ فِي صَدِّ مَنْ يَأْمُرُكَ بِصَدِّهِ، فَلَا تُدْخِلِ الهَوَى قَلْبَكَ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْهُ" كيف يخرج؟ قال: "بِمُخَالَفَتِهِ وَتَرْكِ مُتَابَعَتِهِ" تخالف الهوى وتترك متابعته يخرج برّا؛ مُنتظر منك أي فرصة بيدخل، إن تطيعه ينساب الى وسط قلبك.. قل له: لا لا،  خلك برّا لا تدخل إلى القلب، أنا عبد لله وخاضع لجلاله ومُمتثل لأمره.

قال: "وَإِدْخَالُهُ فِي الْقَلْبِ بِمُتَابَعَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ. فَلَا تُرِدْ إِرَادَةً غَيْرَ إِرَادَتِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-" فهذه الأشياء واضح إرادته فيها؛ 

  • ما أمرنا به من تواضع، ما أمرنا به من إخلاص، ما أمرنا به من إنابة، ما أمرنا به من خشية، ما أمرنا به من شكر، ما أمرنا به من ذكر، ما أمرنا به -سبحانه وتعالى- من شهود المِنَّة له؛ هذه إرادته واضحة.
  • وما غاب عنك مما لا تعلم فسلِّم لإرادته؛ لكن الأمر الذي هو واضح لك اجعل مُراده هو مُرادك نفسه.. الله.

 يقول: "فَلَا تُرِدْ إِرَادَةً غَيْرَ إِرَادَتِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْكَ تَمَنٍّ" لا تتمنى على الله المحال، وقال: "وَهُوَ وَادِي الْحَمْقَى" التمنِّي، وقال ﷺ: "الكَيِّسُ مَن دان نفسَه وعمِل لما بعدَ الموتِ" هذا الذي امتثل وترك الهوى والأحمق "والعاجِزُ مَن أتبَع نفسَه هَواها وتمنَّى على اللهِ الأمانِيَّ"؛ قال: هذا الوادي حق الحمقى لا تدخل فيه، يقول: "وَهُوَ وَادِي الْحَمْقَى" شوف فيه وادٍ للمقربين والعارفين والصالحين والعقلاء رُحْ وراهم، "وَهُوَ وَادِي الْحَمْقَى، وَفِيهِ حَتْفُكَ وَهَلَاكُكَ وَسُقُوطُكَ مِنْ عَيْنِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَحِجَابُكَ عَنْهُ".

رجع إلى ما ذكره في المقالة الأولى: "احْفَظْ أَبَداً أَمْرَهُ، وَانْتَهِ أَبَداً نَهْيَهُ، وَسَلِّمْ أَبَداً لِمَقْدُورِهِ"؛ هذا هو الذي ذكره في المقالة الأولى بالضبط، فكل الذي يذكره من بعده يؤكد ويُحقق ويثبت المبدأ في السير إلى الله تعالى: 

  • امتثال أمره.
  • واجتناب نهيه.
  • والرضا بقدره. 

هذا هو عدتك في السير إلى الله، والباقي تفاصيل لها وتفاريع وتثبيت وتقوية لهذه المعاني.. سمعت؟

"وَلَا تُشْرِكْهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِرَادَتُكَ وَهَوَاكَ وَشَهَوَاتُكَ كُلُّهَا خَلْقُهُ، فَلَا تُرِدْ -زِيَادَةً-، وَلَا تَهْوَى، وَلَا تَشْتَهِي، لِئَلَّا يَكُونَ شِرْكاً".

  • "قَالَ اللهُ تَعَالَى(فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ)" يعني يؤمن بأنه راجع إلى هذا الرب الذي خلقه.
  • "(فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا)" يقتدي بنبيه ويمتثل أمره ويجتنب نهيه ويرضى.
  • (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف:110]. جل جلاله وتعالى في علاه.

 قال سيدنا عمر بن عبد العزيز: أصبحت لا رغبة لي ولا همَّ إلا فيما وقع به القضاء والقدر؛ رضاي فيما قدر وأراده سبحانه وتعالى -لله أكبر- رضي بأحكامه الشرعية فامتثلها، ورضي بأحكامه القضائية فسلَّم لها وسلَّم الحُكم لصاحب الحُكم -عليه رضوان الله- وهكذا كلُّ من تزكَّى.

"لَيْسَ الشِّرْكُ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ -أَيْضاً- مُتَابَعَتُكَ هَوَاكَ"، (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ) [الجاثية:23]، "وَأَنْ تَخْتَارَ مَعَ رَبِّكَ شَيْئاً سِوَاهُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَالْآخِرَةِ وَمَا فِيهَا" كيف؟ إرادتك للدنيا وما فيها، قد يكون أمرًا واضحًا عندك مع أنك أيضا أنت في الدنيا تريد الصلاة وتريد الإنفاق في سبيل الله وتريد...، ما عليك شيء في ذلك؛ لكن إرادتك للدنيا مشتهيات النفس منقطعةً عن إرادة الحق؛ هذا هو المصيبة!.

كذلك في الآخرة، أنت تريد الجنة؟ تريد الدرجات العُلى؟ تريد النعيم المقيم؟ من اجل ماذا؟ من اجل يوافق طبعك وتشتهيه نفسك، أم من أجله؛ قُرب من ربك ورضا من إلهك؟ من أجل ماذا؟ وتريد النجاة من النار من أجل ماذا؟.. سمعت؟ شفت كيف بَلَغتْ إرادة الصحابة؟ قال: إن لم أدخل الجنة لم أرك.. طيب هل عندك أهم من النار ولا من الجنة؟!.. وإن دخلتها كنت في منزلة دون منزلتك فلا أراك.. فماذا أريد بالجنة؟ قال: ما يريد الجنة من أجل ملاءمة الطبع بحُور ولا قصور ولا أنهار ولا اشجار؛ قال: فيها حبيبي، لهذا يقول الحبيب علي الحبشي:

في جنةٍ ما شاقَنِي من وَصفِها *** إلا لِكونِ الحِبِّ فيها خيَّما

هناك مرافقة النبيين، والله لما أنزل الآية لأهل المقام هذا ولا ذكر شيء من نعيم الجنة ولا حور؛ ذكر المعيَّة فقط (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) [النساء:69]، وقرت عيونهم بها وفرِحوا؛ ولا ذكر حور ولا ذكر أنهار ولا ذكر أشجار ولا أي شيء، قال: معه.. خلاص قَدِر يأكل ويشرب ثوبان، معه؟..الحمد لله، حصل مراده.د؛ هذا مراده الله ورسوله، هذا مراده الله ورسوله، الله أكبر.

في جنةٍ ما شاقَنِي من وَصفِها *** إلا لِكونِ الحِبِّ فيها خيَّما

سأل مرة بعض تلامذته عن إعراب البيت هذا..

  • قالوا: ما شاقَنِي من وَصفِها: فاعل محذوف تقديره شيء.

قال: هل هناك أحسن من هذا؟ قالوا: ماهناك أحسن، قال: أحسن! قالوا: كيف؟ قال:

  •  ما شاقَنِي: فاعل ومفعول أول.
  • من وَصفِها:
    • مِن: كلمة زائدة حرف جر.
    • وَصفِها: فاعل مرفوع علامة رفعه بالضمة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. 

أي: ما شاقني وصفُها؛ كل الوصف يشقيني إلا في حاجة واحدة: إلا لِكونِ الحِبِّ فيها خيَّما، اللهم صلِّ عليه وعلى آله.. سمعت؟

يقول: "وَالْآخِرَةِ وَمَا فِيهَا" 

  • ما تشتاقها من أجل عوام المؤمنين يتلذَّذون في الدنيا بمآكِل ومطاعم، ويذكرون في الجنة مآكِل ومطاعم، يقولون: بغيته هو هذا.
  • والذين ارتقوا في الإيمان حتى في الدنيا يأكلون من أجله، يأكلون من أجله ويشربون من أجله، يتقربون ويشكرونه.

 والحبيب ذكر العلاقة بينهم: "إنَّ اللَّهَ ليَرضى مِن العبدِ أن يأكُلَ الأَكلَةَ فيحمَدَهُ عليها ويشرَبَ الشَّربَةَ فيحمَدَهُ علَيها". يعني.. كيف يعمل؟ يعني: 

  • أيقن أنها منه.
  • واستعملها له.
  • وأقبل عليها من أجله ومن أجل أمره.  

هذا يحمده عليها، يشكره عليها، والله يحب منه ذلك -الله أكبر- صار حتى أكلهم وشربهم ليس مثل أكل الناس. سيدنا الخليل إبراهيم يقول: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) [الشعراء:79]. قال: تعرفون أنا اكل من يد من؟  نحسد سيدنا الخليل إبراهيم الذي قال: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)، الله أكبر.

كذلك الآخرة، هذه الحقيقة والدقيقة التي غابت عن كثير من الأذهان والعقول؛ الكل يريد الآخرة، من العوام المؤمنين ومن الخواص الذين لا يريدون إلا الله: 

  • لكن عوام المؤمنين يريدون الآخرة؛ من أجل يأكل ويشرب ويتنعَّم ويهنأ ويرى أنهار وأشجار حور وقصور ومافيها.
  • والثانيون يريدون الآخرة من أجل قربه، من أجل رضوانه، من أجل رؤيته، من أجل مرافقة أنبيائه، والباقي؟.. الباقي تبع ما فيه علامة رضاه وعلامة قربه من هذه الحيثية، وليس من حيثية شهوة النفس أو رغبة النفس، الله أكبر. 

وهذه الإرادة التي ذكرها الله لأمهات المؤمنين من أجل المرافقة والقرب: (وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ) [الأحزاب:29]، إذا قد أردْنَ الله ورسوله ماعاد  يُردن الدارة الآخرة لشيء يتعلق بنفوسهن ولا يتعلق بهواهن ولا بالطبع؛ هن يردن الله ورسوله، فما عاد يريدن الآخرة إلا من أجل الله ورسوله؛ فهذه الإرادة السامية العالية.

والإرادة الثانية التي تكلم عنها العارفون يقولون: لا تُرِد الجنة لذاتها؛ لأنها محل رضوان ربك إليك. 

ولهذا يقول لعموم أهل الجنة: هل رضيتم؟ يقولون: وكيف لا نرضى؛ أنجيتنا من النار وبيَّضت وجوهنا وأدخلتنا الجنة، اعطيتنا وأعطيتنا… يقول: ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك؟ -يعني الواقفين منكم عند هذا يلفتون نظرهم إلى فوق-، قالوا: ماهو؟ قال: "أُحِلُّ عليكم رِضواني فلا أسخَطُ بعدَه أبدًا"، أسمعنا يا ربنا هذا النداء في قرب منك ومن حبيبك محمد أعلى، يا أرحم الراحمين.

"فَمَا سِوَاهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى غَيْرُهُ، فَإِذَا ركَنْتَ إِلَى غَيْرِهِ فَقَدْ أَشْرَكْتَ بِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- غَيْرَهُ -شرك ظاهر أو شرك خفي- فَاحْذَرْ وَلَا تَرْكَنْ، وَخَفْ وَلَا تَأْمَنْ وَفَتِّشْ وَلَا  تَغْفُلْ فَتَطْمَئِنَّ" فإن الملائكة خائفون، والأنبياء خائفون وهم أقرب إلى الله؛ وأنت ما بتخاف؟! كل من عرفه لا بد يخاف.

قال: "وَفَتِّشْ وَلَا  تَغْفُلْ فَتَطْمَئِنَّ، وَلَا تُضِفْ إِلَى نَفْسِكَ حَالاً وَلَا مَقَاماً، وَلَا تَدَّعِ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ".

"فَإِنْ أُعْطِيتَ حَالاً أَوْ أُقِمْتَ فِي مَقَامٍ -من الأحوال الشريفة او المقامات العزيزة- فَلَا تُخْبِرْ أَحَداً بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللهَ (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29] فِي تَغْيِيرٍ وَتَبْدِيلٍ" ينزِّلك عنه، أو يرفِّعك فوقه، أويحبسك فيه؛ خلِّ الكلام، كُن عبد وامضِ في الطريق، وما أحب ستره استره، وتدَّعي وهو ما هو حقك! بل هو يقيمك فيه! بينزِّلك بينزِّلك أي وقت، وإن يرفِّعك بيرفِّعك ﷻ.

"وَأَنَّهُ (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال:24]" لا شيء من عندك أنت تستطيع تثبت شيء وتبعد شيء؛ العطاء عطاؤه، والفضل فضله، والله ينعم علينا بما هو أهله.

قال: "فَيُزَيِّلُكَ عَمَّا أُخْبِرْتَ بِهِ" يعني: خبر منتشي مُعجب، "وَيُغَيِّرُكَ عَمَّا تَخَيَّلْتَ ثَبَاتَهُ وَبَقَاءَهُ"، ويقول: حقي، ما هو حقك؛ إن هي ولاية هي منه، وإن هي نبوة هي منه، إن هي صِدّيقية هي منه، وإن هي تقوى هي منه، كله حقه ما شيء حقك أنت؛ في أي لحظة بيزيلها يزيلها، في أي لحظة بيبدلها يبدلها؛ فكن مع الله ﷻ لا مع الحال ولا مع المقام، مهما ترقَّيتَ في أحوال شريفة ومقامات عالية مُنيفة، كن مع الله لا معها، هي حقه كلها يمشِّك فيها، والمقصود هو.

قال: "فَتَخْجَلُ عِنْدَ مَنْ أَخْبَرْتَهُ بِذَلِكَ" وهو قد راح عليك الذي أخبرته به، "بَلِ احْفَظْ ذَلِكَ فِيكَ، وَلَا تُعَدِّهِ إِلَى غَيْرِكَ"، يقول: 

من أطلعوه على سر فباح به *** لم يطلعوه على الأسرار ما عاشا

قال: "فَإِنْ كَانَ الثَّبَاتُ وَالبَقَاءُ، فَتَعْلَمَ أَنَّهُ مَوْهِبَةٌ، وَتَسْأَلُ التَّوْفِيقَ لِلشُّكْرِ، وَاسْتُرْ رُؤْيَتَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ وَنُورٍ وَتَيَقُّظٍ وَتَأَدُّبٍ"، ما حصل لك ثبات وبقاء وتغير عليك شيء؛ ارجع تعلَّم وتعرَّف وانتبه وتأدَّب، من أجل ثاني مرة ما عاد تفعل مثل هكذا، ولا تظن شيء حقك ولا لك. 

قال الشيخ بامخرمة: 

ما أنا من أهل بي لي *** ……………

بي يكون كذا، بي كان كذا، لي كذا، قال: ما  بي، ولا لي.

ما أنا من أهل بي لي *** كلا ولا سبيلي

في الحطّ والرحيلِ *** إلا إن شيء بلا شيء

يالله بشيء بلا شيء

قال: به وله، ماشيء بي ولا لي، به وله -جل جلاله وتعالى في علاه- يا رب صلِّ على سيدنا محمد سيد أهل العبودية.

    يقول: "قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا) -(أَوْ نَنْسَأَها) في قراءة- (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة:106]".

"فَلَا تُعَجِّزِ اللهَ فِي قُدْرَتِهِ"، كيف تعجز الله في قدرته؟ تظن ان ذا حقك؟ ما أحد يشيله منك؛ وين راحت القدرة؟ نسيت أن ربك قادر؟! وأنه يعطي ويمنع؟! وأنه يخفض ويرفع؟! وأنه يهب ويسلب؟! نسيته وهو قادر؟! لا تقول: حقي؛ وهو حقه، لا إله إلا هو.

     قال: "فَلَا تُعَجِّزِ اللهَ فِي قُدْرَتِهِ، وَلَا تَتَّهِمْهُ فِي تَقْدِيرِهِ وَلَا تَدْبِيرِهِ، وَلَا تَشُكَّ فِي وَعْدِهِ" واقتدِ بالنبي محمد وبآدم والأنبياء؛ كيف؟ قال: فَلْيَكُنْ لَكَ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، نُسِخَتِ الآيَاتُ وَالسُّوَرُ النَّازِلَةُ عَلَيْهِ، المَعْمُولَةُ بِهَا، المَقْرُوءَةُ فِي المَحَارِيبِ، المَكْتُوبَةُ فِي المَصَاحِفِ، وَرُفِعَتْ وَبُدِّلَتْ، وَأُثْبِتَ غَيْرُهَا مَكَانَهَا -هذا حبيب الرحمن-، وَنُقِلَ ﷺ إِلَى غَيْرِهَا، هَذَا فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ".

وبعدين "وَأَمَّا فِي البَاطِنِ وَالعِلْمِ وَالحَالِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَانَ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِيْنَ مَرَّةً"". وَيُرْوَى: "مِئَةَ مَرَةٍ".

"وَكَانَ ﷺ يُنْقَلُ مِنْ حَالَةٍ إِلَى أُخْرَى" -ويرتفع ﷺ وهو فوق الخلائق، ومع ذلك يرتقي يرتقي يرتقي- "وَيُسَارُ بِهِ فِي مَنَازِلِ القُرْبِ وَمَيَادِيْنِ الغَيْبِ -الله أكبر- وَيُغَيَّرُ عَلَيْهِ خِلَعُ الأَنْوَارِ".

خلعة النور السابقة تخرج ويُعطى خلعة نور أزهى وأكبر، لا إله إلا الله! أين تروح؟ السوابق اللي فيه يخلعها على أكبر أهل القرب في أهل الزمن اللي يسمونه: قطب الزمن، إذا جاءته الخلعة الجديدة لبَّسَ السابقة لخليفته في الأرض، يقال: إنه بعض كلام الأكابر والأولياء من لسان الخلعةهذه، ماهو منهم، ما هو الذي يتكلم، لسان الخلعة  تتكلم فيه؛ لا إله إلا الله.

يقول: "فَتَبِيْنُ الْحَالَةُ الأُوْلَى عِنْدَ ثَانِيْهَا ظُلْمَةً وَنُقْصَاناً"

بالنسبة للحالة الثانية صار أعرف الآن وأقرب، فصارت الحالة الأولى بالنسبة للحالة اللي فيها الآن؛ الأولى نقصان، فيستغفر؛ لذا ما استغنى عن الاستغفار والتوبة سيد الأطهار والأبرار والمقربين والعارفين، فكيف غيره؟ يارب صلِّ عليه.

قال: "فَيُلَقْنُ الاسْتِغْفَارَ، لأَنَّهُ أَحْسَنُ حَالِ الْعَبْدِ، وَالتَّوْبَةُ فِي سَائِرِ الأَحْوَالِ، لأَنَّ فِيْهَا اعْتِرَافَهُ بِذَنْبِهِ وَقُصُوْرِهِ، وَهُمَا صِفَتَا العَبْدِ فِي سَائِرِ الأَحْوَالِ" لهذا يُعَدُّ له في المجلس الواحد مائة مرة من قوله: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"، يسمعونها منه ثاني مرة وثالث مرة، في المجلس الواحد إلى مائة مرة يسمعونها من فم الحبيب: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"، بعد قليل يقول: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"، يا رب صلِّ وسلم عليه وعلى أهل مجالسه تلك اللي جالسوه فيها، ما أعظم حالهم! والذين ورثوا الصدق من بعدهم لولا ما وُعِدوا به من مجالسته، منها ما يُعجَّل في عالم الأرواح لهم في الدنيا، وما وُعِدوا به في الآخرة؛ لما قدروا ان يعيشوا من بعدهم،لما قدروا ان يعيشوا من بعدهم لا إله إلا الله.

قال: "فَهُمَا وِرَاثَةٌ مِنْ أَبِي البَشَرِ آدَمُ -عليه السلام-" نَسِيَ وأكل من الشجرة فلما وقع في النسيان.. بسرعة (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ) بمجرد الذوق (بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا) وأنكشفت.. يالله ..يالله ..يالله (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ) [الأعراف:22]، وماذا؟ اعترفَ تاب أناب؛ خذ النتيجة: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ) [طه:122]، الآن قم بحق الخلافة الكرسي الغالي الذي أحييناه لك في الأرض قد غبطك الملائكة عليه من قبل ..الآن اخرح إليه باستغفارك وتوبتك …خرج وقام بكرسي الخلافة (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة:30] فصار هذا منزل لك ولذريتك من بعدك والمآل الآخرة؛ الدنيا منزل لكم والمآل الآخرة، في المنزل هذا يجري اختباركم وتُرفَع الدرجات لمن تُرفَع، ويهبط من يهبط، ويسعد من يسعد، ويشقى من يشقى.

يقول: "فَهُمَا وِرَاثَةٌ مِنْ أَبِي البَشَرِ آدَمُ -عليه السلام- إِلَى الْمُصْطَفَى ﷺ حِيْنَ اعْتَوَرَتْ صَفَاءَ حَالِهِ ظُلْمَةُ النِّسْيَانِ لِلْعَهْدِ وَالْمِيْثَاقِ" (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ)، نَسِيَ وأكل من الشجرة، (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه:115]، ما عَزَم على مخالفتنا، ولا قصد مخالفة الرحمن؛ إنما نسي ان هذه الشجرة المنهي عنها في وقت ذاك يمنِّه يقول له: خلد.. ودوام.. وتصير من الملائكة، فلما هذا الرغبات تحركت في آدم -عليه السلام- وقعت عليه المصيبة (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:22-23]، (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ)، وتوَّجَه بتاج الخلافة وخرج يباشر الخلافة في الارض على نبينا وعليه افضل الصلاة والسلام .

قال: "وَإِرَادَةُ الْخُلُوْدِ فِي دَارِ السَّلَامِ، وَمُجَاوَرَةِ الْحَبِيْبِ الرَّحْمَنِ الْمَنَّانِ، وَدُخُوْلِ الْمَلَاَئِكَةِ الْكِرَامِ عَلَيْهِ بِالتَّحِيَّةِ وَالسَّلاَمِ، فَوَجَدَتْ هُنَاكَ نَفْسُهُ مُشَارَكَةَ إِرَادَتِهِ لإرَادَةِ الْحَقِّ، فَانْكَسَرَتْ لِذَلِكَ تِلْكَ الإرَادَةُ، وَزَالَتْ تِلْكَ الْحَالَةُ، وَانعَزَلَتْ تِلْكَ الْوِلايَةُ، فَانْهَبَطَتْ تِلْكَ الْمَنْزِلَةُ، وَأَظْلَمَتْ تِلْكَ الْأَنْوَارُ، وَتَكَدَّر ذَلِكَ الصَّفَاءُ، ثُمَّ تَنَبَّهَ وَذَكَرَ صَفِيُّ الرَّحْمَنِ، فَعُرِّفَ الِاعْتِرَافَ بِالذَّنْبِ وَالنِّسْيَانِ، وَلُقِّنَ الْإِقْرَارَ فَقَالَ: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23]".

ونحن نقول لربنا في كل ما أخطأنا فيه وزللنا فيه وخالفنا فيه:

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

تب علينا توبة نصوحا زكِّنا بها قلبًا وجسمًا وروحًا.

"فَجَاءَتْ أَنْوَارُ الْهِدَايَةِ" فآتنا إياها يا رب، "وَعُلُومُ التَّوْبَةِ وَمَعَارِفُهَا" واجعلنا من خواص أهلها واجعلنا من التوَّبين واجعلنا من المتطهرين ومن عبادك الصالحين، "وَالْمَصَالِحُ الْمَدْفُونَةُ فِيهَا"؛ خلافة.. خلافة عن الحق، قال له: اخرج فيها .. اقعد على الكرسي الشريف؛ والمصالح مدفونة في الإنابة وفي التوبة وفي للرجوع إلى الرب -الله أكبر- قال: "فَلَمْ تَظْهَرْ إِلَّا بِهَا، فَبُدِّلَتْ تِلْكَ الْإِرَادَةُ بِغَيْرِهَا، وَالْحَالَةُ الْأُولَىٰ بِأُخْرَىٰ، وَجَاءَتْهُ الْوِلَايَةُ الْكُبْرَىٰ وَالسُّكُونُ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ فِي الْعُقْبَىٰ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا لَهُ وَلِذُرِّيَّتِهِ مَنْزِلًا، وَالْعُقْبَىٰ لَهُمْ مَوْئِلًا وَمَرْجِعًا وَخُلْدًا"؛ إذن قدَّامك حبيب الرحمن الذي نُسِخَتْ له آيات وترقى من مقام إلى مقام في كل وقت ..أنت لا شيء حقك ولا تقل: أنا هنا ..خَلَّك على قدم الحبيب.. استغفر ..ابوك آدم قال: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا) وأنت وراه، ابليس قال: أنا خير منه.

ابعد خل طريق الخبيث هذا الثاني لا تقرب منه، مالك تعصي؟ 

  • (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ) [ص:76].
  • (لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) [الحجر:33].

ابعد من هذا المسلك ..اعترف واخضع وانكسر وقل إليك يارب تبت، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) لا إله إلا الله.

"فَلَكَ بِرَسُولِ اللهِ وَحَبِيبِهِ الْمُصْطَفَى وَأَبِيهِ آدَمَ صَفِيِّ اللهِ عُنْصُرِ الْأَحْبَابِ وَالْأَخِلَّاءِ أُسْوَةٌ فِي الِاعْتِرَافِ بِالْقُصُورِ وَبِالاسْتِغْفَارِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا"؛ فدُم على ذلك سالكًا شريف المسالك، مُسَلِّم المُلْك للمالك .. وأنت مملوك صعلوك؛ اعترف بذلك وقم على باب مَلِك الممالك؛ يؤتيك "مالا عينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلْبِ بَشَرٍ" جل جلاله.

يارب اصلح إراداتنا، وأصلح رغباتنا، لا تجعل لنا مراد سواك، لا تجعل لنا مراد سواك، لا تجعل لنا ارادة غير إرادتك، ارزقنا العبودية المحضة الخالصة ياربنا في امتثال امرك واجتناب نهيك والرضى بقضائك وقدرك لا إله إلا أنت..دعوناك ورجوناك وأمَّلْنا بك وبفضلك علينا، فأتمم نعمتك واتمم فضلك علينا في مرافقة لحبيبك الزين قرة العين جد الحسن والحسين، ارزقنا مرافقته في الحياة وعند الوفاة وفي البرزخ وعند الموافاة وفي دار الكرامة ومستقر الرحمة، اللهم آمين اللهم آمين اللهم آمين، بوجاهته عند ومنزلته عندك، ومحبتك له ومحبته لك التي لا يعرفها غيرك، امنن علينا بقربه واسقنا من شربه، واجعلنا من حزبه، وثبتنا على دربه، ولا تحد بنا عن سبيله وادم لنا الشرب من سلسبيله؛ لأنه كلما سقيتنا نزداد عطشًا؛ لأن في جودك وما جُدْتَ به على حبيبك مالا نهاية له ولا غاية، فلا تحرمنا ولا تقطعنا عن الارتقاء الدائم المستمر، وتَلَقِّي الغيث المنهمر، في كل باطن وظاهر، برحمتك في لطف وعافية وتأييد منك فإنَّا ضعاف، وأنت اللطيف المولى الكريم الرؤوف، لا إله إلا أنت ءامنا بك وبهذا الحبيب؛ فحققنا بحقائق الإيمان واليقين وأن ترقينا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، واجعل ذلك من قِرار رمضان موهوبًا لنا ولأهلينا وأولادنا وطلابنا واحبابنا ومن والانا فيك فضلًا منك وكرمًا واحسانّا وزدنا من فضلك من أنت أهله في لطف وعافية؛ 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ ذوَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

ودَّعتم رمضان وإيام السِّت المتصلة بما بعد يوم العيد من شوال.. والحمد لله على الكمال والتمام، الله يكتب لنا القبول ويرزقنا الأقبال ودوام الإقبال عليه في كل حال ويُقبِل بوجهه الكريم علينا يامحوِّل الاحوال حوِّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال، وكل ما رقَّيتنا فيه وطورتنا من الأحوال فاجعله اللهم مرتقىً لما وراءه مما أنت أهله من عالِ المَنَال وعظيم الوِصال ولذيذ الإتصال مما أنت أهله يا ذا الافضال ياجزيل النوال، يامن يعطي ولا يبالي يامولى الموالي يا أكرم الاكرمين ويا أرحم الراحمين.

وعجل بتفريج كروب الامة اجمعين واجعلنا فيما يستبلقنا من أيام وليالي من أعمارنا على استقامة وصدق معك ظاهر وباطن أكرمنا بهذه الكرامة يا مكرم المكرمين يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين والحمدلله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

11 شوّال 1447

تاريخ النشر الميلادي

30 مارس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام