فتوح الغيب - 5 | في الفناء عن الخلق
الدرس الخامس من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب فتوح الغيب للإمام الشيخ عبدالقادر الجيلاني - قدس الله سره، ضمن الدروس الصباحية لأيام الست الأولى من شوال 1447هـ.
المقالة السادسة: في الفناء عن الخلق
فجر الأربعاء 6 شوال 1447هـ
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام العارف بالله سبحانه وتعالى الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني -رحمه الله تعالى- ونفعنا به وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين -آمين- من كتاب "فتوح الغيب" رضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
الْمَقَالَةُ السَّادِسَةُ
فِي الْفَنَاءِ عَنِ الْخَلْقِ
"افْنَ عَنِ الْخَلْقِ بِحُكْمِ اللهِ تَعَالَى، وَعَنْ هَوَاكَ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [المائدة:23]، وَعَنْ إِرَادَتِكَ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى ، فَحِينَئِذٍ يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ وِعَاءً لِعِلْمِ اللهِ تَعَالَى.
فَعَلَامَةُ فَنَائِكَ عَنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى: انْقِطَاعُكَ عَنْهُمْ، وَعَنِ التَّرَدُّدِ إِلَيْهِمْ، وَالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ.
وَعَلَامَةُ فَنَائِكَ عَنْكَ وَعَنْ هَوَاكَ: تَرْكُ التَّكَسُّبِ وَالتَّعَلُّقِ بِالسَّبَبِ فِي جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ، فَلَا تَتَحَرَّكُ فِيكَ بِكَ وَلَا تَعْتَمِدُ عَلَيْكَ لَكَ، وَلَا تَنْصُرُ نَفْسَكَ، وَلَا تَذُبُّ عَنْكَ، وَلَكِنْ تَكِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ تَوَلَّاهُ أَوَّلاً فَيَتَوَلَّاهُ آخِراً، كَمَا كَانَ ذَلِكَ مَوْكُولاً إِلَيْهِ فِي حَالِ كَوْنِكَ مُغَيَّباً فِي الرَّحِمِ، وَكَوْنِكَ رَضِيعاً طِفْلاً فِي مَهْدِكَ.
وَعَلَامَةُ فَنَائِكَ عَنْ إِرَادَتِكَ بِفِعْلِ اللهِ أَنَّكَ لَا تُرِيدُ مُرَاداً قَطُّ، فوَلَا يَكُونُ لَكَ غَرَضٌ، وَلَا يَبْقى لَكَ حَاجَةٌ وَلَا مَرَامٌ، فَأَنَّكَ لَا تُرِيدُ مَعَ إِرَادَةِ اللهِ سِوَاهَا، بَلْ يَجْرِي فِعْلُ اللهِ فِيكَ، فَتَكُونَ أَنْتَ عِنْدَ إِرَادَةِ اللهِ تَعَالَىٰ وَفِعْلِهِ، سَاكِنَ الْجَوَارِحِ، مُطْمَئِنَّ الْجَنَانِ، مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ، مُنَوَّرَ الْوَجْهِ، عَامِرَ الْبَطْنِ، غَنِيَّاً عَنِ الْأَشْيَاءِ بِخَالِقِهَا، تَقَلِّبُكَ يَدُ الْقُدْرَةِ، وَيَدْعُوكَ لِسَانُ الْأَزَلِ، وَيُعَلِّمُكَ رَبُّ الْمِلَلْ وَيَكْسُوكَ أَنْوَاراً مِنْهُ وَالْحُلَلَ، وَيُنْزِلُكَ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ الْأَوَّلِ، فَتَكُونَ مُنْكَسِراً أَبَداً.
فَلَا تَثْبُتُ فِيكَ شَهْوَةٌ وَإِرَادَةٌ، كَالْإِنَاءِ الْمُثَلَّمِ - الَّذِي لَا يَثْبُتُ فِيهِ مَائِعٌ وَلَا كَدَرٌ - فَتَفْنَى عَنْ أَخْلَاقِ الْبَشَرِيَّةِ، فَلَنْ يَقْبَلَ بَاطِنُكَ ساكنًا غَيْرَ إِرَادَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فَحِينَئِذٍ يُضَافُ إِلَيْكَ التَّكْوِينُ وَخَرَقُ الْعَادَاتُ، فَيُرَىٰ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ظَاهِرِ الْفِعْلِ وَالْحُكْمِ، وَهُوَ فِعْلُ اللهِ وَإِرَادَتُهُ حَقّاً فِي الْعَالَمِ، فَتَدْخُلُ حِينَئِذٍ فِي زُمْرَةِ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمُ الَّذِينَ كُسِرَتْ إِرَادَتُهُمُ الْبَشَرِيَّةُ، وَأُزِيلَتْ شَهَوَاتُهُمُ الطَّبِيعِيَّةُ، فَاسْتُؤْنِفَتْ لَهُمْ إِرَادَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ: الطَّيِّبُ، وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ".
فَأُضِيْفَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْهُ وَزَالَ عَنْهُ تَحْقِيْقاً بِمَا أَشَرْنَا، وَتَقَدَّمَ.
قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ: "أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي".
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَكُونُ عِنْدَكَ حَتَّى تَنْكَسِرَ جُمْلَةُ هَوَاكَ وَإِرَادَتِكَ، فَإِذَا انْكَسَرَتْ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيكَ شَيْءٌ وَلَمْ يَصْلُحْ فِيكَ شَيْءٌ، أَنْشَأَكَ اللهُ، فَجَعَلَ فِيكَ إِرَادَةً، فَتُرِيدُ بِتِلْكَ الْإِرَادَةِ، فَإِذَا صِرْتَ فِي تِلْكَ الإِرَادَةِ الْمُنْشَأَةِ فِيكَ كَسَرَهَا الرَّبُّ تَعَالَى بِوُجُودِكَ فِيهَا، فَتَكُونُ مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ أَبَداً، فَهُوَ لَا يَزَالُ يُجَدِّدُ فِيكَ إِرَادَةً ثُمَّ يُزِيلُهَا عِنْدَ وُجُودِكَ فِيهَا هَكَذَا إِلَى أَنْ (يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) [البقرة:235]، فَيَحْصُلَ اللِّقَاءُ، فَهَذَا هُوَ مَعْنَى: "عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي".
وَمَعْنَى قَوْلِنَا: عِنْدَ وُجُودِكَ فِيهَا: هُوَ رُكُونُكَ وَطُمَأْنِينَتُكَ إِلَيْهَا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي حَدِيثِهِ الْقُدْسِيِّ الَّذِي يَرْوِيهِ ﷺ: "لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا". وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: "فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يَبْطُشُ، وَبِي يَعْقِلُ".
وَهَذَا إِنَّمَا يَكُوْنُ فِي حَالَةِ الفَنَاءِ لَا غَيْرُ، فَإِذَا فَنِيْتَ عَنْكَ وَعَنِ الخَلْقِ، وَالْخَلْقُ إِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ وَشَرٌّ، وَكَذَلِكَ أَنْتَ خَيْرٌ وَشَرٌّ، فَلَمْ تَرْجُ خَيْرَهُمْ، وَلَا تَخَافُ شَرَّهُمْ، بَقِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَمَا كَانَ، فَفِي قَدَرِ اللهِ خَيْرٌ وَشَرٌّ، فَيُؤْمِنُكَ مِنْ شَرِّهِ وَيُغْرِقُكَ فِي بِحَارِ خَيْرِهِ، فَتَكُوْنُ وَعَاءَ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَمَنْبَعاً لِكُلِّ نِعْمَةٍ وَسُرُوْرٍ، وَحُبُوْرٍ، وَضِيَاءَ أَمْنٍ وَسُكُوْنٍ.
فَالْفَنَاءُ وَالْمُنَى وَالْمُبْتَغَى وَالْمُنْتَهَى، حَدٌّ وَمَرَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ مَسِيْرُ الْأَوْلِيَاءِ، وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ الَّتِي طَلَبَهَا مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَبْدَالِ: أَنْ يَفْنَوْا عَنْ إِرَادَتِهِمْ وَتَبَدَّلُ بِإِرَادَةِ الْحَقِّ عَزَّ وَجَلَّ، فَيُرِيْدُوْنَ بِإِرَادَةِ الْحَقِّ أَبَداً إِلَى الْوَفَاةِ، فَلِهَذَا سُمُّوْا: أَبْدَالاً، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
فَذُنُوْبُ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ: أَنْ يُشْرِكُوا إِرَادَةَ الْحَقِّ بِإِرَادَتِهِمْ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ، وَغَلَبَةِ الْحَالِ وَالدَّهْشَةِ، فَيُدْرِكُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ بِالتَّذْكِرَةِ وَالْيَقَظَةِ، فَيَرْجِعُوا عَنْ ذَلِكَ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ.
إِذْ لَا مَعْصُوْمَ عَنِ الْإِرَادَةِ إِلَّا الْمَلَائِكَةُ، عُصِمُوا عَنِ الْإِرَادَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ عُصِمُوا عَنِ الْهَوَى، وَبَقِيَّةُ الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ الْمُكَلَّفِينَ لَمْ يُعْصَمُوا مِنْهُمَا، غَيْرَ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ بَعْضَهُمْ يُحْفَظُوْنَ عَنِ الْهَوَى، وَالْأَبْدَالَ عَنِ الْإِرَادَةِ، وَلَا يُعْصَمُوْنَ مِنْهُمَا عَلَى مَعْنَى يَجُوْرُ فِي حَقِّهِمُ الْمَيْلُ إِلَيْهِمَا فِي الْأَحْيَانِ، ثُمَّ يَتَدَارَكُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْيَقَظَةِ بِرَحْمَتِه".
الحمدُ للهِ الواحد الأحد الحي القيوم، الذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، وهو القائم على كل شيء.
نشهدُ أنَّه الله الواحد القيوم الحي، ونشهدُ أنَّ سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه المُنتَقى من بني لُؤي، جمع الله فيه -سبحانه وتعالى- الخيرات والمبرَّات والكمَالات الخَلقيَّة الإنسانيَّة بأوسعِ المعاني وأجلِّها، فهو الذَّات المخلوقة التي تميَّزت عن جميع ذوات المخلوقين، والموصوفة بالصفات التي عَلَت على صفات جميع المخلوقين، والمُسمَّى بالأسماء التي تفرَّدَت وتميَّزَت عن أسماء بقيَّة المخلوقين من حيث دلالتُها ومعناها المُراد فيهِ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعدُ،،
فيُبيِّن لنا الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ذوقًا للمؤمن هو مقتضى لا إله إلا الله؛ ولكنَّه يدِقُّ ويَخفَى.
هذا الذوقُ يُوصِل المؤمن إلى شهودٍ قويمٍ حقيٍّ نبويٍ، يثبُتُ فيه:
- حقيقة الفعل للفعَّال لما يريد.
- ومعرفة أن كل ما سواه فهو فعله.
- لا استقلال لشيءٍ مما سواه بشيءٍ لا من خلقه ولا من أحوالِه وأفعالِه.
قال سيدنا الخليل إبراهيم لقومه:
(أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:95-96]؛ فأنتم وعملكم خلقه -جل جلاله وتعالى في علاه-.
معرفة أنَّ ما سواه خلقه، وأن ما سواه فعله..
- ما بين تصديق وإيمان مفروض على جميع الذين شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله وجميع أتباع الأنبياء.
- ولكن ما بين ذوق وتحقُّق: وهذا يختصُّ بخاصةٍ من أتباع الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-.
- وما بين أن يكون ذلك شهودًا وعيانًا: وذلك يختص بأخصِّ الخاصة من أتباع الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-.
فجميع المؤمنين من أتباع الأنبياء يعلمون ويُصدِّقون أن جميع ما سوى الله فعله، وأنَّ جميع ما سواه خلقه، الله خالق كل شيء، ولكن أن يذوقوا هذا المعنى ويتحقَّقوا به؛ قليل منهم؛ هم الخاصة:
- يرتفعون في هذا الإيمان والتصديق إلى ذوق وتحقُّق.
- ثمَّ وراء هذا الذوق والتحقق شهود وعيان، وهذا لأهل حق اليقين وخاصة أولئك الخاصة من أتباع النبيين -صلوات الله وسلامه عليهم-.
وهذه هي المواهب الغاليات العاليات التي يتحصَّلُ عليها من سبقت له السعادة من المؤمنين على ظهر الأرض.
جعل الله تعالى ميدان تحصيلها، ووقت تحصيلها، و إمكانية تحصيلها في هذا العمر؛ من حين تمييز الإنسان إلى وقت وفاته، فللعمر هذا خطر ما يُقدَر قدره، ولا يُعلم حقيقة عظمته وغَلاه وما ينطوي فيه من شؤون كبرى:
- يُدرَك الكثيرُ منها لعامَّة الناس بعد الموت.
- ويُدرِك الكثيرَ منها أرباب البصائر في الحياة وهم على مراتب في إدراك ذلك..
وبعد الموت يدرك الناس خطر ذلك العمر وأهمية ذلك العمر، وعجائب ما طَوى الرحمن في هذا العمر من جميع ما سبقت به إرادته من:
سعادةٍ وشقاوة، وقربٍ وبعد، وقبولٍ وطرد، وإعطاءٍ ومنع، ورفعٍ وخفض، ووَصلٍ وقَطع، وإكرامٍ وإهانة.
سوابق الإرادة المتعلقة بالمكلفين تعلقها بهذا العمر القصير قوي، وهي معجونة ومستكنَّة فيما يجري لهذا الإنسان في خلال هذا العمر؛ هذا العمر من أخطر الأعمار:
- مضى بنا عمر في عالم الأرواح وهو عظيم وفيه ما فيه.
- ولكن الخطر في هذا العمر أشد وأكبر.
- ثم يكون لنا عمر في البرزخ.
- ثم يكون لنا عمر في القيامة.
- ثم يكون لنا عمر في الجنة أو النار.
- فالعمر الذي كان في عالم الأرواح قبل خروجنا إلى بطون أمهاتنا ومنها إلى الأرض: كمُقدِّمة لهذا العمر.
- وعمر البرزخ والقيامة والجنة والنار: نتيجة لهذا العُمر.
وانظر..
جعل الله كل هذه الأعمار محطَّها الذي يبرُز فيه ويجري أسرار ما سبق في الأزل من السعادة والشقاوة، والقرب والبعد، والقبول والطرد، والضر والنفع، والخفض والرفع، والإصلاح والإفساد، وأنواع هذه الأشياء بالإرادات الربَّانية؛ ممزوجة ومعتجنة بما يجري على هذا الإنسان في خلال هذا العمر: من إيمان وكفر، من صلاح وفساد، من خير وشر، من إقبال وإدبار، من طاعة ومعصية، ومن انقياد لأمر الله وتعظيم الله وإهمالٍ له.
هذا الذي يجري في العمر هو الذي ينبني عليه:
- ما سيكون في البرزخ.
- وما سيكون في القيامة.
- وما سيكون في الجنة أوفي النار.
فكأن العمر الأول في عالم الأرواح مُقدمة له؛ وهو مقصود؛ وما بعده في البرزخ والقيامة والجنة والنار؛ نتيجة له وثمرة لما كان في خلال هذا العمر الذي نحن الآن فيه.
ولذا لمَّا مرَّ بعضهم بقبر مَن كان يعرفه، ثم حضرته الصلاة فتنحى ناحية وصلى ركعتين، فرآه في الليل يقول: أنتم لا تدركون قيمة الحياة التي أنتم فيها!.. رأيتك البارحة جئت تزورنا ثم أدركتك الصلاة فصليت ركعتين قريبًا منَّي؟ قال: نعم، قال: نحن نتمنى مثل هذه الركعتين لو تُكتب لنا كما تُكتب لهؤلاء الأحياء ونحصِّل نتائجها، ولو كُنَّا في الدنيا نملك الدنيا من أقصاها إلى أقصاها لبذلناها في سبيل تحصيل هذه الركعتين.. أنتم ما تُدركون قيمة ما أنتم فيه! والأمر كذلك.
فنحن في عمرٍ من أخطر الأعمار يترتب عليه سعادة الأبد وشقاوة الأبد، نعيم الأبد وعذاب الأبد، كله من خلال ما يجري لك في هذا العمر:
إيمانًا وذوقًا، ومعرفةً ومحبةً، وقصدًا ونيةً، وحركةً وسكونًا، وأخذًا وعطاءً، وطاعةً ومعصيةً، وصلاحًا وفسادًا؛ هذا هو الذي يبتني عليه كل سعادة الأبد أو كل شقاء الأبد، كل نعيم الأبد أو كل عذاب الأبد، كله يبتني على هذا الذي يجري من قلبك، وعلى عينيك وأذنيك ولسانك وفرجك وبطنك ويدك ورجلك، ومقاصِدك ونيَّاتك في الحياة؛ يترتب الأمر عليها.. فالأمر خطير!
وهذه أمانة كبرى لم يستطع حملها السماوات والأرض ولا الجبال: (فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ)[الأحزاب:72]..
- فإذا قام بحقِّها؛ فما أعظمه ولا يساويه أرض ولا سماء ولا جبال ولا غيرها.
- وإذا خان وأضاع الأمانة وصدَّ عن سبيل ربِّه وآثر غيره عليه؛ فهو أضل من الحيوانات، والجمادات خير منه.
- (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) [النبأ:40] فلا يحصِّل حتى منزلة جماد ولا منزلة حيوان.
- (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان:44] والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فمِمَّا يجري لنا في هذه الحياة مما يتعلق بالإيمان، معرفتنا:
- أنَّ الله هو الخالق والفعَّال.
- وأنَّ بيده ملكوت كل شيء.
- ولا يستقل شيء غيره قطّ.. بأي شيء.
- والكل تحت حكمه وتحت قهره وإرادته.
التصديق بهذا واجب على الكل؛ لكن أن نصفِّيَ قلوبنا ونطهِّرها فنذوق ونتحقَّق أن الله هو الفعال؛ هذا الذي يتحدثون عنه من مبادئ الفناء؛ يفنى الإنسان في شهوده وذوقه عن رؤية غير الله.
يعود الأمر إلى استقامةٍ باطنةٍ في هذا الإنسان في قلبه وروحه وسرِّه؛ استقامةً:
- يفنى فيها عن الصفات الذميمة كلها.
- مُتحليًا بالصفات الحميدة المحبوبة للرب.
- تفنى فيها أفعاله أمام الشريعة؛ الأمر والنهي: افعل ولا تفعل.
هذا له أفعال وهذا له أفعال؛ الفاني والمحجوب كلهم لهم أفعال؛ لكن:
- أفعال هذا الفاني مُقيَّدة بالشَّرع قد صَفَتْ وخَلَتْ عن هواه وإرادته واختياره؛ صار يفعلها ويُقْبِل عليها بأوجه..
- أنها مراد ربه ومرضاة ربه.
- وأنَّ إقباله عليها بتوفيق ربه وفضل ربه عليه.
- فله أفعال ولكنَّه يشهد الفعَّال.
- وذلك له أفعال ينسبها لنفسه..
- (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي) [القصص:78].
- (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ۚ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الزمر:49-50]، إنما هي فتنة، والفعَّال في الحقيقة هو ﷻ.
فَفَناء أفعالك بواسطة هذه الشريعة؛ منهج رباني: افعل ولا تفعل، تترقى فيها في امتثال الأمر واجتناب النهي -كما تقدم في أول مقالة له: أن المؤمن ما بين امتثال الأمر واجتناب النهي ورضا بالمقدور- تترقى فيها إلى إحسانها وإتقانها وأدائها؛ عبودية له..
- لا من حيث رغبتك الخاصة؛ لكن من حيث أنه رغَّبك.
- لا من حيث محبتك الذاتية لها؛ لكن من حيث أنه يحبها، أنها أفعال هو يحبها -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.
- فتكون فاعلاً لها وأنت فانٍ.
- والثاني يفعلها ويخالطه فيها هواه، ويخالطه فيها رغبته، ويخالطه فيها أغراضه، ويخالطه فيها نوع من شهود نفسه وأنه فعّال، ونسي أن المقدِّر له هذا الفعل لو أراد في لحظة، لَيَبَّسَت يده أو رجله وما قدر يعمل شيء! ينسى كل هذا وكأنه مستقل بالأمر وعنده قدرة.
فكلهم يفعلون، لكن هذا فعل فاني وهذا فعل محجوب.
ثم تأتي إلى الأوصاف فتتخلَّى عن كل وصف لا يحبه الربُّ، ويكون تخلِّيك عنه بالإحسان والإتقان، تصل فيه إلى حالة توقن أنك لست الذي خليت نفسك عنه ولا صفيت نفسك عنه، ولكنه صفاك وخلاك عن ذلك الوصف الذميم، فتفنى عن أوصافك الذميمة كلها، وتثبت فيك الأوصاف التي يحبها من عباده.
- يفنى عنك الكبر؛ تفنى عن الكبر وعن الرياء وعن العجب وعن الغرور وعن الحقد وعن الحسد وما إلى ذلك.
- وتثبت على الإخلاص والصدق والعبودية والذلة والانكسار والافتقار والاضطرار والتواضع والإنابة والخشية والمحبة.
فناؤك عن هذا بهذه تترقى فيه إلى أنه ليس باستقلال منك ولا بجهد منك، بل أنت وجهدك خُلِقَ منه. عندئذ تعرف معنى قوله لنبيه: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) [الأنفال:17]؛ وما رميت طريقة، إذ رميت شريعة، ولكن الله رمى حقيقة. عند وصولك في هذا التخلِّي إلى هذا الذوق والمستوى تكون في الفناء، فتكونُ متخلِّيًا ومتحلِّيًا ولكن فانيًا؛ فانيًا في الذي خلّى وحلَّى ﷻ.
ثم تأتي إلى ذاتك فينقشع عنك أوهام أن لها وجوداً ذاتياً أصلاً، فتعلم أنها عدم محض، أُنشئت -بقدرة- لحكمة تجري تحت تصاريف هذا الحكيم القادر جلّ جلاله. وحينئذ يكون فناء ما يسمى: بفناء الذات، وتفنى في الأفعال وتفنى في الصفات وتفنى في الذات. فتدرك بعض معنى قوله ﷺ: "أصدَقُ كَلِمةٍ قالها الشَّاعِرُ كَلِمةُ لَبيدٍ: ألا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلٌ" فتصير حقاً بلا باطل.
يقول -عليه رحمة الله-: "افْنَ عَنِ الْخَلْقِ" عن التفاتك إليهم، عن تعويلك عليهم، عن اعتمادك عليهم، عن طلب المنزلة عندهم، عن مراءاتهم، عن الاستكبار على أحد منهم، عن عبادة أحد منهم. "افْنَ عَنِ الْخَلْقِ بِحُكْم اللهِ تَعَالَى" وهو ما أمرك به من العبودية له.
- (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) [آل عمران:20]،
- يقول: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام:79].
- ويقول سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الانعام:161-163].
إذًا نتعلم إن إقامتنا للصلوات وإيتاءنا للزكوات وقيامنا بالصوم، مِنن مِنَ الحي القيوم أعطانا إياها، ووفقنا لها، وأجراها علينا، وأتمَّها بفضله فله الحمد وله الشكر، فلنعبده فانين.
وَلْنفنى عن الخلق:
- عن خوف ذمهم.
- ومحبة مدحهم.
- وعن طلب المنزلة لديهم.
"بِحُكْم اللهِ تبارك وتَعَالَى"، فيكون هو المقصود دونهم، وهو المعبود دونهم، وهو المشهود دونهم -جلّ جلاله وتعالى فِي علاه-.
وافنَ "عَنْ هَوَاكَ بِأَمْرِ اللهِ تبارك وتعالى".
(إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ) وكان من جملة المعاني كما ذكره الإمام الحبيب الحسن بن صالح البحر في هذا الدعاء الذي ورد في التوجه والافتتاح في الصلاة وقال:
- "(إِنَّ صَلَاتِي" ومعناها: صِلاتي من رحمته.
- "(إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي" عبادتي له سبحانه وتعالى وجود عبادتي،
- "وَمَحْيَايَ" قال: بالتعلق بأوصاف جماله،
- "وَمَمَاتِي" بفنائي بأوصاف جلاله، وفنائي عن شهود نفسي، وفنائي عن الفناء فيه.
كل ذلك لله.. مِنه.. تفضَّل به عليّ وأكرمني به؛ إلى آخر ذلك المعاني الصحيحة المُندرجة في هذه الكلمات المليحة، التي خير من قالها محمد صاحب الأنوار الصبيحة، وبعده الأنبياء والمرسلون، وبعده الصدِّقون والمُقربون، واتبعهم المؤمنون في قول هذه الكلمات، وأخذهم النصيب من معانيها والارتقاء في مراقيها، والشرب من سواقيها،
كُلٌّ عَلَىٰ قَدْرِ الصَّفَاءِ وَالِاقْتِدَاءِ *** نَالَ الْهُدَىٰ فِي أَحْسَنِ اسْتِقْبَالِ
قال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [المائدة:23] فلا تعتمدوا على غيره، ولا تستندوا إلى سواه، فعلى قدر إيمانكم به تفنوا عن الخلق فلا تقصدوهم ولا تلجأوا إليهم.
قال: "-وتفنى- عَنْ إرَادَتِكَ بِفِعْلِ اللهِ تبارك تَعَالَى"، بمطالعتك لصفحة إرادته؛ وصفحة إرادته: ما يفعل بك وما يجريه عليك هذه إرادته، فما تجعل لك مقابلها إرادة ثانية،
- "ما شاء اللهُ كان وما لم يشأْ لم يكن".
- قال سيدنا الشافعي:
فَمَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ *** وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ
خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا أَرَدْتَ *** فَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنُّ
عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ *** وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ
- سبحانه (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:23].
"وَعَنْ إرَادَتِكَ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى، فَحِينَئِذٍ.." إذا كان عندك التحقق بالفناء عن الخلق، وعن الهوى، وعن إرادتك بفناء أفعالك وصفاتك، عندئذٍ تكون صالحًا "يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ وِعَاءً لِعِلْمِ اللهِ تَعَالَى"؛ أي: اللَّدُني.
- الذي قال عنه في سيدنا الخضر: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف:65].
- وقال عنه: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255].
"تَكُوْنَ وِعَاءً لِعِلْمِ اللّهِ تَعَالَى"، فيظهر عليك آثار الحكمة والمعرفة والعلم.
- (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر:9].
- وبذا قال سيدنا الإمام الحداد: "ما أدركنا العلم بالقيل والقال ولا بمزاحمة الرجال، ولكن بخلوُّ القلب عن الدنيا، والاستغفار في الأسحار، والانكسار في جوف الليل"؛ انكسار في جوف الليل والاستغفار في الأسحار أدركنا العلم!
- وبهذا قال الإمام الشافعي:
شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي *** فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي
وَأَخْبَرَني بِأَنَّ الْعِلْمَ نُورٌ *** وَنُورُ اللَّهِ لَا يُهْدَى لِعَاصِي
قال: "يَصْلُحُ أَنْ تَكُوْنَ وِعَاءً لِعِلْمِ اللّهِ تَعَالَى"، لا مجرد المعلومات التي يتقنها البر والفاجر، يكدسونها في الأشرطة وفي الأوراق وفي الكتب وفي الشرائح، كما هذه شريحة صغيرة تكدس فيها معلومات كثيرة! ما هو هذا؛ كان سيدنا الإمام مالك يقول: "ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب"، نور يقذفه الله في القلب!.
اللهم علمنا من لدنك علمًا، اللهم إنا نسألك العلم اللَّدُني والمشرب الصافي الهنيء، يا وهاب يا غني.
لكن هذه المعلومات التي فرض الله علينا أخذها هي المفتاح للوصول إلى هذا العلم وهذا النور.
"فَعَلَامَةُ فَنَائِكَ عَنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى: انْقِطَاعُكَ عَنْهُمْ، وَعّنِ التَّرَدُّدِ إِلَيْهِمْ، وَالْيَأسِ مِمَّا فِي أَيْدِيْهِمْ"؛ لأنك لا ترجوهم ولا تخافهم وتوقن أنه ليس بيدهم شيء، فلماذا تلجأ إليهم؟ ولماذا تركن عليهم؟ ولماذا تتأثر بكلامهم؟
دَعَ النَّاسَ يَا قَلْبِي يَقُولُونَ مَا بَدَا *** لَهُمْ وَاتَّثِق باللهِ رَبِّ الخَلَائِقِ
يقول:
الْزَمْ بَابَ رَبِّكَ، وَاتْرُكْ كُلَّ دُوْنِ *** وَاسْأَلْهُ السَّلَامَة مِنْ دَارِ الفُتُون
كُلَّ دُوْنِ: كل ما سواه.
لا يَكْثُرُ هَمُّكَ، مَا قُدِّرْ يَكُوْنَ
لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ، فَالحَادِثْ يَهُون *** الله المُقَدِّرُ، وَالعَالَمْ شُؤُون
يبديها ولا يبتديها، هو الذي يظهرها
(كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29].
(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26].
فلماذا تذهب إلى مَن يؤتى له الملك أو مَن يُنزع منه الملك أو مَن يُعَزُّ أو مَن يُذَل؟ اذهب إلى الذي يُؤتِي ويُنزِع ويُذِل ويُعِز، اذهب إليه هذا هو؛ أما ذا إلا معزوز ومُذَل ومُؤتى ومنزوع، ما لهم استقلال في شيء؛ وكان جاء في وصف نبينا أنه ما كان يَهاب ملوك الأرض، ما كان عنده هيبة من هذا! الله أكبر.
قالوا لسيدنا خالد بن الوليد في مائدة معه كبار الكفار المشركين وفي أيام الجهاد معهم القتال، سقطت لقمة من يده، رفعها، أماط ما بها من أذى وأكلها؛ جاء بعضهم عنده قال: أتفعل هذا قدام هؤلاء؟ يحتقروننا! قال: هذه سنة رسول الله، أأتركها لهؤلاء النتنة؟ لأجل هؤلاء الحمقى أترك سنة الأعقل الأفضل الأجمل؟! من هم هؤلاء؟! أترك سنة رسول الله لهؤلاء الحمقى! ما أدركوا من ربهم ولا عرفوا ما آخرتهم؟! من هؤلاء؟! ما لهم وزن عنده؛ وهكذا يفعل الإيمان بأصحابه لا إله إلا الله!
وأكثر الناس يقولون لا إله إلا الله وما يتحققون بها، ولولا فضل الله على الخلق لجعل سبحانه وتعالى التصديق بأول معناها سبب للنجاة من النار وعدم الخلود في النار، وإلا فقليل متحققون بحقائقها، لا إله إلا الله".
قال: "وَعَلَامَةُ فَنَائِكَ عَنْكَ وَعَنْ هَوَاكَ: تَرْكُ التَّكَشُبِ وَالتَعَلُّقِ بِالسَّبَبِ فِي جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعٍ الضَّرّر، فَلا تَتَحَرَّكُ فِيْكَ بِكَ"؛ ولكن حركتك محكومة مقيدة بأوامره تعالى:
- فيما أباح
- أو سَنَّ
- أو أوجب عليك الحركة فيه.
من خلال هذا تتحرك فيك لا بك، تتحرك به قال الله لحبيبه محمد: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) [النحل:127]؛ ما هو من نفسك أنت تصبر -اللهم صل على سيدنا محمد-.
قال: "وَلَا تَعْتَمِدُ عَلَيْكَ لَكَ -ولكن تعتمد عليه ﷻ لأجله ولما شرع لك-، وَلَا تَنْصُرُ نَفْسَكَ"، كان ﷺ لا ينتصر لنفسه ولا ينتقم لها أبدًا، "كان يعفو عن الذنب إذا كان في حقه وسببه، فإذا أضيع حق الله لم يقم أحد لغضبه"، عبدٌ مَحْضٌ ﷺ؛ قال جاء في وصفه في السيرة الشريفة: "كان يُنْصِفُ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا يَنْتَصِفُ لَهَا"، (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4].
قال: "وَلَا تَذُبُّ عَنْكَ -بشيء منك ومعتمد على غيره سبحانه وتعالى-، لَكِنْ تَكِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى"، وقرأنا اليوم في قول المؤمن من آل فرعون: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) -ونِعم التفويض؛ إلى من؟ فوضه إلى القوي القادر العزيز المتين جل جلاله؛ فالنتيجة-: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) [غافر: 44-45].
قال: "لأَنَّهُ تَوَلَّاه أَوَّلاً فَيَتَوَلاَّهُ آخِراً"، تولى رزقك وشأنك ومصلحتك أولًا، قل لي من كان يعتني بتحضير رزقك وأنت في بطن أمك؟ وإيش لك من إرادة فيه أو من حركة؟ وما تستطيع تفعل وأنت وسط البطن؟ تولاك وحتى مصلحة جسدك: جعل لك متكأ عن اليمين الكبد وعن اليسار الطحال، وجعل وجهك إلى ظهر أمك حتى لا تؤذيك رائحة الطعام ما تصل إليك، وعلمك القعود والقيام في وسط بطن أمك، ما تحتاجه من الرياضة يمشي لك من دون اختيار منك لا إله إلا الله!.
يقول: "كَمَا كَانَ ذَلِكَ مَوْكُولاً إِلَيْهِ فِي حَالٍ كَوْنِكَ مُغَيَّباً فِي الرَّحِمِ، وَكَوْنِكَ رَضِيْعاً طِفْلاً فِي مَهْدِكَ" وهو الذي يسلط على قلب الأم والأب؛ يجيب لك كذا، ويجيب لك كذا، وينظفونك من كذا، يلبسونك كذا، يطعمونك كذا، يشربونك كذا! بأيش من جهد منك؟! فكذلك الأمر وإن كبرت وقويت أبذل ما في وسعك بأمره وله من أجله، لست مستقلًا في شيء وانتظر ما يأتي به من جوده مطمئن البال منشرح الصدر، لا إله إلا الله.
قال: "وَعَلَامَةُ فَنَائِكَ عَنْ إرَادَتِكَ بِفِعْلِ اللهِ أَنَّكَ لا تُرِيْدُ مُرَادًا قَطُّ -فيبقى مرادك هو عين مراد الله تبارك وتعالى-، فَلَاَ يَكُنْ لَكَ غَرَضٌ، وَلَاَ تَقِفُ لَكَ حَاجَةٌ وَلاَ مَرَامٌ، لأَنَّكَ لاَ تُرِيْدُ مَعَ إِرَادَةِ اللهِ -إرادة- سِوَاهَا، بَلْ يَجْرِي فِعْلُ الله فِيْكَ، فَتْكُوْنَ أَنْتَ عِنْدَ إِرَادَةِ اللهِ -تَعَالَى- وَفِعْلِهِ، سَاكِنَ الْجَوَارِحِ، مُطْمَئِنَّ الْجَنَانِ، مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ، مُنَوَّرَ الْوَجْهِ، عَامِرَ البَاطْنِ، غَنِيًّا عَنِ الأَشْيَاءِ بِخَالِقِهَا".
أراد بعض الظلمة أن يؤذي ويعاقب بعض الصالحين والأولياء، وأمر بأن يخرج عليه الأسد مجوَّع لأن يفترسه؛ بينما هو جالس مطمئن أطلقوا عليه الأسد، جاء الأسد لعنده وجلس جنبه يقبل قدميه وتأدب معه، والرجل مشتغل بذكره! وبعدين أطلقوه، فكانوا يسألونه: في اللحظة التي أدخلوا عليك الأسد فيها إيش كان فكرك؟ قال: مما طرأ على فكري في حكم الشرع في سؤر السباع، طهارته وعدم طهارته؛ كان يفكر في حكم الشريعة! سمعتْ؟
وكان بعض الصحابة في أثناء القتال ينعس حتى يسقط السيف من يده، يخرج من على الفرس ويرجع، في بعض المعارك مرتين ثلاث مرات يسقط السيف على يد الواحد منهم، مطمئنين في وقت القتال! (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ) [آل عمران:154].
وقد قالوا: من علامة الإيمان النعاس في القتال، وعلامة النفاق النعاس في الصلاة لا إله إلا الله.
وهكذا يقول: "مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ، مُنَوَّرَ الْوَجْهِ".
وشوا الناس على جماعة من الصالحين فيهم أبو الحسين النوري وقت الإمام الجنيد بن محمد وقالوا: هذا في البلد هنا ناس زنادقة يخرجون الناس عن الدين، بلغوا الحاكم وأمر أن يُقبض عليهم وأن يقتلوا، فقُبض عليهم، أمسكوهم وجاءوا بهم، بعدين قدموا النطع من شأن يضربوهم بالسيف عليه، فسبق أبو الحسين؛ يتعجب السياف الذي سيقتله قال: أنت تسابق ليش؟ تدري أيش بنفعل بك؟! قال: تقتلنا؛ قال: كيف تسابق؟! قال: أُؤثر أخواني هؤلاء بلحظات من العمر؛ فتحير هذا واهتز وقال: إذا هؤلاء زنادقة بالأخلاق هذه التي عندهم؟! تحير وقال: أرفع خبرهم إلى السلطان؛ رفعوا خبرهم، وصادف عنده واحد قاضي صالح، قال له: الجماعة كذا وكذا ولا عليهم ملامح زندقة، وفي أخلاق عندهم تسابقوا حتى عند القتل! قال القاضي: دعني أنظرهم يا أمير؛ قال: روح شوفهم؛ فاستدعاهم وسألهم أسئلة وجاوبوه؛ حصّل علم ونور؛ بل إنهم حطوا عليه مسائل ما عرفها! رجع إلى عند السلطان قال: اسمع، إن كان هؤلاء زنادقة ما عاد أحد ولي في الأرض أبدًا، ما عاد أحد ولي، إذا ما كان هؤلاء هم أولياء الله، ما عاد أحد ولي. قال: أطلقوهم أطلقوهم!؛ فأطلقوهم كلهم ونجوا!
قال سيدنا أبو الحسن الشاذلي: كنت في بعض سياحاتي ومشيت في الليل دخلت إلى البرية والصحراء، فقمت أتهجد، قال: جاءت الوحوش سباع جلست حولي وأنا في تهجدي، قال: وكنت مطمئن تماماً، وإلى أن جاء وقت الفجر وقمت أؤذن وكملت صلاتي انصرفن ومشيت. قال: وفي الليلة الثاني كنت مشيت في الطريق قمت أصلي وأحسيت بحشرة، وشعرت بوحشة! فتعجبت قلت: إيش هذا؟ البارح وحوش وسباع وأنا مطمئن واليوم حشرة وحصلت بقشعريرة منها ووحشة؟ فأخذ يتعجب، فرأى من يقول له: إنك البارحة دخلت بربك، وأنك الليلة دخلت بنفسك؛ فأدنى شيء أثر عليك، ولما كنت معه البارحة الوحوش ما أثرت عليك ولا أقلقتك.
سيدنا سعيد بن جبير وهم آخذينه إلى الحجاج لما طلبه، مروا في الطريق دخلوا إلى حصن، فقال لهم: إذا لا تلزمونا دخول الحصن فدعوني في الخارج، فإني ما أحب دخول بيوت الظَّلَمة. قالوا: في الخارج هنا أرض سباع. فقال: ما عليكم، إذا ما تلزمونا وترغمونا ما أدخل، قالوا: ما نلزمك، اقعد. جلس وحده وقعد يصلي، وجاءت السباع فرأوها متأدبة حواليه، معظِّمة له، فارشة أيديها قدامه وهو يصلي طول الليل، وهم يشوفون. وفي اليوم الثاني يمشون معه في الطريق قالوا: هذا من أيش من رجل هذا؟ وهكذا حتى وصل، قال: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: أنت شقي بن كُسير! قال: لا؛ أبي وأمي أدرى باسمي منك؛ ما سموني إلا سعيد وأبي اسمه جبير وأنا سموني سعيد. قال: لأفعلن بك وأفعلن... قال: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي، وقتله. وما قدر يقتل أحداً بعده؛ سبحان الله. واحتُضِر، جلس أسبوع ينازع؛ وكان يقول: الله قتلني بكل نفس قتلتها قتلة، وبسعيد بن جبير مئة قتلة. لا إله إلا الله.
يقول -عليه الرضوان-: "غَنِيَّاً عَنِ الْأَشْيَاءِ بِخَالِقِهَا، تَقَلِّبُكَ يَدُ الْقُدْرَةِ، وَيَدْعُوكَ لِسَانُ الْأَزَلِ" لا إله إلا الله، يلهمك وتناجيه وتجد معاني وحيِه تنزل إلى باطنك. "وَيَدْعُوكَ لِسَانُ الْأَزَلِ وَيُعَلِّمُكَ رَبُّ الْمِلَلْ وَيَكْسُوكَ أَنْوَاراً مِنْهُ وَالْحُلَلَ، وَيُنْزِلُكَ -منازل من سلف-، قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) [النساء:55] "مِنْ أُولِي الْعِلْمِ الْأَوَّلِ فَتَكُونَ مُنْكَسِراً أَبَداً"، موقناً أن الخير خير والفضل فضل وأنك لست بشيء لا إله إلا الله.
"فَلَا تَثْبُتُ فِيكَ شَهْوَةٌ وَإِرَادَةٌ، كَالْإِنَاءِ الْمُثَلَّمِ - الَّذِي لَا يَثْبُتُ فِيهِ مَائِعٌ وَلَا كَدَرٌ - فَتَفْنَى عَنْ أَخْلَاقِ الْبَشَرِيَّةِ، فَلَنْ يَقْبَلَ بَاطِنُكَ ساكنًا غَيْرَ إِرَادَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ"، باطنك ما يقبل شيء يسكنه غير إرادة الله. "فَحِينَئِذٍ يُضَافُ إِلَيْكَ التَّكْوِينُ وَخَرَقُ الْعَادَاتُ"، يقول: "فبي يسمع وبي يبصر، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه".
قال: "وَإِرَادَتُهُ حَقّاً فِي الْعَالَمِ" أنك قد فَنيت إرادتك ما بقيت إلا إرادة الله. الله الله. "فَتَدْخُلُ حِينَئِذٍ فِي زُمْرَةِ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمُ الَّذِينَ كُسِرَتْ إِرَادَتُهُمُ الْبَشَرِيَّةُ، وَأُزِيلَتْ شَهَوَاتُهُمُ الطَّبِيعِيَّةُ، فَاسْتُؤْنِفَتْ لَهُمْ إِرَادَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَشَهوات إِضافِيَّة" كيف صاروا؟ صار الآن يأكل ويقول: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) [الشعراء:79]؛ ما عاد يأكل بشهواته.. يأكل بترغيب الله له وبأمر الله له، وللاستعانة على طاعته سبحانه وتعالى من الحلال بما شرع له وباسمه تعالى وبالوجه الذي يريد وتصير شهواته ثانية واستشهد بحديث النبي: "حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ: الطَّيِّبُ، وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ". كيف حُبب إليَّ؟ يعني: صرت أتعامل معها غير تعامل أهل الطبع والنفوس العادية، أنا من أجله أحبها، "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ"، فأضيف ذلك. وكان يقول الإمام الشيخ الشعراني: أني أجيء إلى أهلي بالحالة التي أدخل فيها في الصلاة، ويكون قلبي وأنا عند أهلي مثل ما أنا في الصلاة! الحمد لله لا إله إلا الله.
قال: "فَأُضِيْفَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْهُ وَزَالَ عَنْهُ تَحْقِيْقاً بِمَا أَشَرْنَا، وَتَقَدَّمَ. قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ: "أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي"، فيضاف إلى فعل الله سبحانه وتعالى.
- وقال لسادتنا الصحابة (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ)[الأنفال: 17] يعني: على أيديكم.
"فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَكُونُ عِنْدَكَ حَتَّى تَنْكَسِرَ جُمْلَةُ هَوَاكَ وَإِرَادَتِكَ، فَإِذَا انْكَسَرَتْ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيكَ شَيْءٌ وَلَمْ يَصْلُحْ فِيكَ شَيْءٌ، أَنْشَأَكَ اللهُ، -(ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) [المؤمنون:14]- "فَجَعَلَ فِيكَ إِرَادَةً، فَتُرِيدُ بِتِلْكَ الْإِرَادَةِ -من إرادته- فَإِذَا صِرْتَ فِي تِلْكَ الإِرَادَةِ الْمُنْشَأَةِ فِيكَ كَسَرَهَا الرَّبُّ تَعَالَى بِوُجُودِكَ فِيهَا فَتَكُونُ مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ أَبَداً، فَهُوَ لَا يَزَالُ يُجَدِّدُ فِيكَ إِرَادَةً ثُمَّ يُزِيلُهَا عِنْدَ وُجُودِكَ فِيهَا" إيش معنى بِوُجُودِكَ فِيهَا؟ قال: ركونك إليها وطمأنينتك إليها، قال: هذا النقص الذي يعتريك، "فَتَكُونُ مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ أَبَداً، فَهُوَ لَا يَزَالُ يُجَدِّدُ فِيكَ إِرَادَةً ثُمَّ يُزِيلُهَا عِنْدَ وُجُودِكَ فِيهَا -أي: إذا التفت إليها واستندت إليها- هَكَذَا إِلَى أَنْ (يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) [البقرة:235]، فَيَحْصُلَ اللِّقَاءُ، فَهَذَا هُوَ مَعْنَى: "عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي. وَمَعْنَى قَوْلِنَا: عِنْدَ وُجُودِكَ فِيهَا: هُوَ رُكُونُكَ وَطُمَأْنِينَتُكَ إِلَيْهَا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي حَدِيثِهِ الْقُدْسِيِّ الَّذِي يَرْوِيهِ ﷺ: "لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَإِنْ سَألَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذّنِي لأُعِيذَنَّهُ" هذا الحديث في صحيح البخاري؛ ألَّفَ فيه الشيخ الشوكاني -رحمة الله عليه- رسالة سماها (قطر الولي على حديث الولي)، قطر الولي: المطر على حديث الولي من تولاه الله تعالى. "وَفِي لَفْظٍ آخَرَ -هذا عند الترمذي الحكيم في نوادر الأصول-: فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يَبْطُشُ، وَبِي يَعْقِلُ". لا إله إلا الله فيكون عبداً مقرباً.
وَهَذَا إِنَّمَا يَكُوْنُ فِي حَالَةِ الفَنَاءِ لَا غَيْرُ، فَإِذَا فَنِيْتَ عَنْكَ وَعَنِ الخَلْقِ، وَالْخَلْقُ إِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ وَشَرٌّ، وَكَذَلِكَ أَنْتَ خَيْرٌ وَشَرٌّ، فَلَمْ تَرْجُ خَيْرَهُمْ، وَلَا تَخَافُ شَرَّهُمْ، بَقِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَمَا كَانَ، فَفِي قَدَرِ اللهِ خَيْرٌ وَشَرٌّ، فَيُؤْمِنُكَ مِنْ شَرِّهِ وَيُغْرِقُكَ فِي بِحَارِ خَيْرِهِ، فَتَكُوْنُ وَعَاءَ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَمَنْبَعاً لِكُلِّ نِعْمَةٍ وَسُرُوْرٍ وَحُبُوْرٍ وَضِيَاءَ أَمْنٍ وَسُكُوْنٍ.
فَالْفَنَاءُ وَالْمُنَى وَالْمُبْتَغَى وَالْمُنْتَهَى، حَدٌّ وَمَرَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ مَسِيْرُ الْأَوْلِيَاءِ، -رضوان الله عليهم- وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ الَّتِي طَلَبَهَا مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَبْدَالِ: -الأبدال: تبدَّلت صفاتهم بصفات والنور والوهب من الله تُبدَّل بإرادة الحق عز وجل- فَيُرِيْدُوْنَ بِإِرَادَةِ الْحَقِّ أَبَداً إِلَى الْوَفَاةِ، فَلِهَذَا سُمُّوْا: أَبْدَالاً، -سموا أبدال لأنه تبدلت صفاتهم بأوصاف من الحق تعالى أعطاهم إياها ووصفهم بها ورقّاهم في مراقيها، ثم كانوا أيضًا أبدلًا في الأرض للنبين بدلًا النبيين؛ لأن الأمة ما فيها أنبياء إلا النبي محمد ﷺ، فجعل فيها الأبدال.
أُولَئِكَ أَبْدَالُ النَّبِيِّينَ أُبْرِزُوا *** لِفَضْلِ رَسُولِ اللهِ فِي خَيْرِ أُمَّةٍ
وقال عنهم ﷺ: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل".
قال: "فَذُنُوْبُ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ: أَنْ يُشْرِكُوا إِرَادَةَ الْحَقِّ -يخلطون بشيء- بِإِرَادَتِهِمْ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ، -فيرجعوا يتداركوا الأمر- وَغَلَبَةِ الْحَالِ وَالدَّهْشَةِ، فَيُدْرِكُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ بِالتَّذْكِرَةِ وَالْيَقَظَةِ، فَيَرْجِعُوا عَنْ ذَلِكَ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ".
قال: لأن "لَا مَعْصُوْمَ عَنِ الْإِرَادَةِ إِلَّا الْمَلَائِكَةُ -فلا إرادة لهم إلا إرادة الله- عُصِمُوا عَنِ الْإِرَادَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ عُصِمُوا عَنِ الْهَوَى، -أصلاً قال الله في حبيبه (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4]- وَبَقِيَّةُ الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ الْمُكَلَّفِينَ لَمْ يُعْصَمُوا مِنْهُمَا، غَيْرَ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ بَعْضَهُمْ يُحْفَظُوْنَ عَنِ الْهَوَى، وَالْأَبْدَالَ عَنِ الْإِرَادَةِ، وَلَا يُعْصَمُوْنَ مِنْهُمَا عَلَى مَعْنَى -أنه- يَجُوْرُ فِي حَقِّهِمُ الْمَيْلُ إِلَيْهِمَا فِي -شيء من-الْأَحْيَانِ، ثُمَّ يَتَدَارَكُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْيَقَظَةِ بِرَحْمَتِه".
(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [الأعراف:201]، والعصمة عن الهوى للأنبياء وعن الإرادة للملائكة صلوات الله وسلامه عليهم.
فأيش الآن تعمل في حالك مع الله تعالى في هذا الإسلام والإيمان؟ ومتى تبقى مع نفسك وهواك وصفاتك؟ متى تتبدل صفاتك وتفنى عن صفاتك تجيك صفات أحسن منها؟ وتفنى عن أفعالك ويجري فيك فعله بعنايته ورعايته سبحانه وتعالى.
يا من وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه، وفقنا للخير وأعاننا عليه بمحض فضلك وجودك، وزدنا زيادة وأسعدنا سعادة برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك أجود الأجودين. ثم لم يبقَ معنا من هذه الست بعد رمضان إلا يوم واحد هو يوم غد إن شاء الله يوم الخميس يوم عرض الأعمال، الله يختمها لنا بخير، ارزقنا برها ونورها وبركتها ويعيدنا إلى أمثالها ويصلح أحوال الأمة ويكشف الغمة، ويحسن الأحوال إلى أحسنها.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
06 شوّال 1447