فتوح الغيب - 3 | في الموت المعنوي
الدرس الثالث من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب فتوح الغيب للإمام الشيخ عبدالقادر الجيلاني - قدس الله سره، ضمن الدروس الصباحية لأيام الست الأولى من شوال 1447هـ.
المقالة الرابعة: في الموت المعنوي
فجر الإثنين 4 شوال 1447هـ.
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام العارف بالله سبحانه وتعالى الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني -رحمه الله تعالى- ونفعنا به وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين -آمين- من كتاب "فتوح الغيب" رضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
المَقَالَةُ الرَّابِعَةُ
فِي المَوْتِ المَعْنَويِّ
"إِذَا مُتَّ عَنِ الْخَلْقِ، قِيلَ لَكَ: رَحِمَكَ اللهُ، وَأَمَاتَكَ عَنِ الْهَوَى.
وَإِذَا مُتَّ عَنْ هَوَاكَ، قِيلَ لَكَ: رَحِمَكَ اللهُ، وَأَمَاتَكَ عَنْ إِرَادَتِكَ وَمُنَاكَ.
وَإِذَا مُتَّ عَنِ الْإِرَادَةِ، قِيلَ لَكَ: رَحِمَكَ اللهُ، وَأَحْيَاكَ حَيَاةً لَا مَوْتَ بَعْدَهَا، وَتَغْنَى غِنًى لَا فَقْرَ بَعْدَهُ، وَتُعْطَى عَطَاءً لَا مَنْعَ بَعْدَهُ، وَتُرَاحُ بِرَاحَةٍ لَا شَقَاءَ بَعْدَهَا، وَتَنْعَمُ بِنِعْمَةٍ لَا بُؤْسَ بَعْدَهَا، وَتَعْلَمُ عِلْمًا لَا جَهْلَ بَعْدَهُ، وَتُؤْمَنُ أَمْنًا لَا خَوْفَ بَعْدَهُ، وَتَسْعَدُ فَلَا تَشْقَى، وَتُعَزُّ فَلَا تُذَلُّ، وَتُقَرَّبُ فَلَا تُبْعَدُ، وَتُرْفَعُ فَلَا تُوضَعُ، وَتُعَظَّمُ فَلَا تُحَقَّرُ، وَتُطَهَّرُ فَلَا تُدَنَّسُ، لِتُحَقَّقَ فِيكَ الْأَمَانِيُّ، وَتُصَدَّقَ فِيكَ الْأَقَاوِيلُ، فَتَكُونَ كِبْرِيتًا أَحْمَرَ فَلَا تَكَادُ تُرَى، وَعَزِيزاً فَلَا تُمَاثَلُ، وَفَرِيدًا فَلَا تُشَارَكُ، وَحِيداً فَلَا تُجَانَسُ، فَرْداً بِفَرْدٍ وَوِتْراً بِوِتْرٍ، وَغَيْبَ الْغَيْبِ، وَسِرَّ السِّرِّ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ وَارِثَ كُلِّ نَبِيٍّ وَصِدِّيقٍ وَرَسُولٍ، بِكَ تُخْتَمُ الْوِلَايَةُ، وَإِلَيْكَ تَصِيرُ الْأَبْدَالُ، وَبِكَ تَنْكَشِفُ الْكُرُوبُ، وَبِكَ تُسْقَى الْغُيُوثُ، وَبِكَ تَنْبُتُ الزُّرُوعُ، وَبِكَ يُدْفَعُ البَلَاءُ وَالْمِحَنُ عَنِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَأَهْلِ الثُّغُورِ وَالرَّاعِي وَالرَّعَايَا، وَالْأَئِمَّةِ وَالْأُمَّةِ وَسَائِرِ البَرَايَا، فَتَكُونُ شُحْنَةَ البِلَادِ وَالْعِبَادِ، فَتَنْطَلِقُ إِلَيْكَ الرِّجْلُ بِالسَّعْيِ وَالتَّرْحَالِ، وَالأَيْدِي بِالبَذْلِ وَالعَطَاءِ وَالْخِدْمَةِ، بِإِذْنِ خَالِقِ الْأَشْيَاءِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَلْسُنُ بِالذِّكْرِ الطَّيِّبِ وَالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَجَمِيعِ الْمَحَالِ، وَلَا يَخْتَلِفُ فِيكَ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، يَا خَيْرَ مَنْ سَكَنَ الْبَرَارِي وَجَالَ بِهَا.
(ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد:22 والجمعة:4]."
الحمد لله الحيِّ القيوم (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك:2]، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الوجود الحق والحياة الحق، والكمال المطلق من غير حدٍّ ولا حصر ولا عدٍّ، فلا يحيط به إلا هو، بل لا يعرفهُ حقيقة المعرفة إلا هو.
يُشرِّفُ من شاء من خلقه بتعرفٍ منه إليهم؛ فيعرفون من عظمته ومن عظمة وجوده ومن صفاته ومن أسمائه ما يعرفون، وبذلك يتشرفون ويُرَقَّون ويُعَظَّمون، وتأتيهم المواهب من حضرة الواهب ﷻ بما لا يخطر على البال ولا يرد على الظنون، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17]، وهذه المعرفة أجلُّ ما يؤتي أحدًا من خلقه في أرضه وسمائه في الأولين والآخرين، وأفضل وأجمل وأكمل، فلا شيء أعظم من هذا.
فالله يختصنا بنصيب وافٍ وافر من هذه الرحمة بتعرُّفِه إلينا، وندرك نصيبًا من سر هذه المعرفة.
الحي الذي تفرد بحقيقة الحياة؛ فحياته:
- أبدية سرمدية.
- كما أنها أزلية لا افتتاح لوجودها.
رتَّبَ في الكائنات والخلق في الحس والمعنى حياةً وموتًا،
- فمن الحياة الحسية: حياة الأجساد، حياة الأشجار، حياة الأرض، حياة الحيوانات، حياة حسية؛ وسواءٌ من الموت الحسي: مفارقة الأجساد للأرواح، ويبس الأشجار، وقحالة الأرض وموتها بيَبَسِها وعدم النبات فيها؛ وهذا موت حِسِّي.
- الحياة المعنوية: حياة القلب، حياة العقل، حياة المعرفة الخاصة هذه التي أشرنا إليها أعلى الحيَوات، الحياة المعنوية لها ارتباط بالموت المعنوي أيضًا؛ الموت المعنوي: موت القلوب، موت العقول، موتٌ معنوي.
الموت المعنوي: كما أن في الحياة الحسية ما يُحمد ويُثنى عليه وفيها ما يُذَم، ويجعلون للنفس الأمارة والقوى الشريرة في الإنسان حياة وموت؛ للقلب كذلك حياة وموت.
- حياة القلب محمودة وحياة النفس مذمومة.
- موت القلب مذموم ولكن موت النفس محمود.
وهذا يقابل هذا..
- فلا يحيا قلب إلا من ماتت نفسه.
- ولا يموت قلب إلا من حييت نفسه.
فمن كانت نفسه حيَّة فقلبه ميت، ومن ماتت نفسه وموت النفس عن هواها وعن رغباتها ومراداتها وشهواتها يقابله للقلب حياة.
فأول حياة القلب بالإيمان بالله -سبحانه وتعالى-، ودرجاتها يَرقوا فيها بدرجات الإيمان المنتهية إلى منازل حياة أهل حق اليقين؛ وهذه أشرف الحياة، حياة أهل حق اليقين أعظم الحياة حياتهم:
- من الملائكة.
- من النبيين.
- ومن كُمَّل ورثتهم من الصديقين أهل حق اليقين، هؤلاء حيوا بحياة عظمى في معرفة الحق الخاصة ومحبته الخالصة.
أهل حق اليقين حياتهم أشرف الحياة وأعظم الحياة:
- وأعظمهم في ذلك النبيون.
- وأعظمهم في ذلك خاتم النبيين نبينا محمد ﷺ، فحياته في العالم الخلقي ما تضاهيها حياة، فهو في عالم الخلق صاحب الحياة الكبرى ﷺ.
فإن كان شيء يصِح أن يسمى حيٌّ من الكائنات، فمحمد أولى بأن يسمى حيًّا، فإن الله أمده بحياة فرَّع عنها الحياة الكريمة للمقربين من أهل حق اليقين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ فهو الأب لهم:
- كما أننا عالم الإنس الأب لأجسادنا في تكوينها آدم عليه السلام.
- ولكن الأب للأرواح ولحياة المقربين محمد ﷺ.
في خلال حياة نفسك والنفس -يقولون- ما دامت حيَّة؛ فهي حيَّة؛ حيَّة تلسع فيها سُمّ، قد تؤدي إلى قتل دينك من أصله وقتل قلبك من أصله، النفس ما دامت حيَّة؛ فهي حيَّة.
ولذا يلحظ بعضهم عندما ينادي الحق: يا محيي يا مميت، يقول: يا محيي القلوب يا مميت النفوس. يا محيي يامميت، في حياة النفس الذميمة يكون لك التفات إلى الخلق، وتعلق بالخلق، وطلب منزلة عند الخلق، وملاحظة للخلق، وهذا من جملة حياة النفس المذمومة؛ فتحسب الحساب للخلق، ولِمَا يقولون الخلق، ولِمَا يعطون الخلق، ولِمَا يمنعون الخلق، ولِمَا يرفعون الخلق، ولِمَا يخفضون الخلق، ولا أحد منهم مُعطي ولا مانع ولا نافع ولا ضار على الحقيقة ولا خافض ولا رافع، ولكن هكذا بوهمك تبقى في نفسك حياة التشوف للخلق.
فقال سيدنا الجيلاني: "إِذَا مُتَّ عَنِ الْخَلْقِ"، ماتت النفس، مات التفاتها إلى الخلق وتعلقها بالخلق وإنزالها للخلق في غير منزلتهم. ماتت عن ذلك، "قِيلَ لَكَ: رَحِمَكَ اللهُ، وَأَمَاتَكَ عَنِ الْهَوَى" أي: تموت عن الخلق ولكن الهوى في نفسك ما زال موجود.
فَاصْرِفْ هَوَاهَا وَحَاذِرْ أَنْ تُوَلِّيَهُ *** إِنَّ الْهَوَى مَا تَوَلَّى يُصْمِ أَوْ يَصِمِ
يُصْمِ أي: يُميت
يَصِمِ أي: يوقع في العار.
إما يُصميك بالموت أو يوصِمك بوصم العار.
…..…… *** إِنَّ الْهَوَى مَا تَوَلَّى يُصْمِ أَوْ يَصِمِ
وهواها هذا خفيّ، وقد حذّر الحق من أن يصير حال كثير من الناس يجعلونه إلهًا مع الله (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [الفرقان:43] فإذا مُتَّ عن الخلق وارتفعت عن التعلق بهم تعلقًا بالخالق، وأنزلتهم منزلتهم من حيث أمرك أن تحب وتبغض وتكرم وتُذِل وتوالي وتعادي من حيث ترتيبه هو؛ أما عنهم فقد مُتَّ.
يبقى عندك الهوى، قال: "وَإِذَا مُتَّ عَنْ هَوَاكَ، قِيلَ لَكَ: رَحِمَكَ اللهُ، وَأَمَاتَكَ عَنْ إِرَادَتِكَ وَمُنَاكَ". يعني: رقَّاك لتتحقق بالعبودية المحضة، فلا يكون لك مراد معه ولا مُنىً إلا هو، قال:
وَكُنْتُ قَديمًا أَطْلُبُ الْوَصْلَ مِنْهُمْ *** فَلَمَّا أَتاني الْعِلْمُ وَارْتَفَعَ الْجَهْلُ
تَحَقَّقْتُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا طَلَبَ لَهُ *** فَإِنْ قَرَّبُوا فَضْلٌ وَإِنْ بَعْدُوا عَدْلٌ
وفي لفظ وَقَدْ كُنْتُ قِدْمًا
وَقَدْ كُنْتُ قِدْمًا أَطْلُبُ الْوَصْلَ مِنْهُمْ *** فَلَمَّا أَتاني الْعِلْمُ وَارْتَفَعَ الْجَهْلُ
تَحَقَّقْتُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا طَلَبَ لَهُ *** فَإِنْ قَرَّبُوا فَضْلٌ وَإِنْ بَعْدُوا عَدْلٌ
وهذه مرتبة في الفناء في الله -سبحانه وتعالى- أن يميتك عن إرادتك ومُناك؛ بها تدرك حياة طيبة للقلب والروح والعقل.
قال: "وَإِذَا مُتَّ عَنِ الْإِرَادَةِ"، ولم يبق لك مع الله إرادة ولا أماني ولا رغبات؛ فلا تقصد غيره ولا ترم غيره، يقول: "قِيلَ لَكَ: رَحِمَكَ اللهُ، وَأَحْيَاكَ حَيَاةً لَا مَوْتَ بَعْدَهَا". وهذه الحياة القلبية بدرجاتها قال الله عنها في كتابه:
- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:24].
- وقال عنها جل جلاله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ -فَلَنُحْيِيَنَّهُ لام التوكيد ونون التوكيد ونون العظمة- فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97]. عاملوا الصالحات من الذكور والإناث بالإيمان وهو مؤمن.
- هذه الحياة إذن أشار إليها سبحانه وتعالى بقوله: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) [الأنعام:129].
- وقال تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)[يس:69-70]، ليسوا بأحياء. لا إله إلا الله.
يقول: "إِذَا مُتَّ عَنِ الْإِرَادَةِ قِيلَ لَكَ رَحِمَكَ اللَّهُ وَأَحْيَاكَ حَيَاةً لَا مَوْتَ بَعْدَهَا". قالوا لسفيان الثوري: مما غشيه من شهود جلال الله تعالى ما عاد وجد في نفسه فرصة للابتسام، فلما توفي ولده خرج في الجنازة يبتسم! قالوا له: لك مدة ما ابتسمت! قال: رأيته أراد بي أمرًا يخصني في شأني بتصرفه بإرادته، فعبرت عن رضاي بأمره؛ فَرِح، سمعت؟ ما بقي له إرادة! لا إله إلا الله.
"وَأَحْيَاكَ حَيَاةً لَا مَوْتَ بَعْدَهَا" هذه الحياة الشريفة الكريمة، وقد أدركها من أدركها من الإنس والجن من أمة محمد في رمضان؛ حيوا ناس كانوا ما عندهم هذه الحياة وجِن كذلك حيوا. ونحن نسأل الله أن يحيينا بهذه الحياة الكريمة الطيبة.
يقول: إذًا هذه الحياة يعطيك من أوصافها وشؤونها وأحوالها، "وَتَغْنَى غِنًى لَا فَقْرَ بَعْدَهُ" لمَ؟ بصدق افتقارك إليه يغنيك به، بصدق افتقارك إليه يغنيك به عمن سواه. الغنى بالله غنىً ما شي معه فقر، اغتنيت بصاحب الغنى المطلق جل جلاله، منين يجيك الفقر؟ سمعت؟
قبل سنوات واحد من أرباب الثروات الكبيرة في العالم، بلغونا أنَّه قال وهو في شيء هائل من دَخله، أنه مرّة قال: "لو كان الفقر كذا وكذا لن يصل إلي" ويوم بلَّغونا الكلمة قلت لهم: ترقبوا له .. مشكلة تقع له! عدّت السنوات، سنوات عدَّت، هو الآن جُرِّد من كثير من أمواله وعُطًِلت كثير من أحواله، ما أدري كيف يعيش أو يحيى -لا إله إلا الله- يظن أن شيء غير الله يغنيه! من أغنى أغنياء العالم، يقول: لو كان الفقر مدري إيش طير ما بيوصلنا، ولو كان الفقر مدري إيش ما بيصل إلي.. مسكين! مسكين! تغتني بغيره؟ لا إله إلا الله.
ولهذا يقول: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ۚ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ۚ وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَٰؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ) [الزمر:49-51]. أنت بتفوت على مَن؟ وبتخرج من قدرة مَن؟ ومن قبضة مَن؟ وين بتروح؟ ولا الدنيا بما فيها يغنيك عن الحق، لا إله إلا الله. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)[فاطر:15].
يقول: "وَتَغْنَى غِنًى لَا فَقْرَ بَعْدَهُ" بصدق افتقارك إليه تغنى به عمن سواه. "ارحَمْنا رحمةً تُغنينا بها عن رحمةِ من سواك".
"وَتُعْطَى عَطَاءً لَا مَنْعَ بَعْدَهُ":
- (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا)[فاطر:2].
- (قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ)[الزمر:38].
لا إله إلا الله.
قال: "وَتُعْطَى عَطَاءً لَا مَنْعَ بَعْدَهُ"؛ وهذا العطاء متنوع إلى أن ترتقي فيه، فيتحول ما صورته مَنْع لك أيضًا عطاء.
إِنَّ الْعطا إِمْدادُهُ مُتَنَوِّعٌ *** يا حُسْنَ هَذاكَ الْعطا الْمُتَنَوِّعُ
وبعدين يقول:
فَاسْتَأْنِسِي بِالْمَنْعِ وَارْعِي حَقَّهُ *** إِنَّ الرِّضَا وَصْفُ الْمُنِيبِ الْأَلْمَعِ
وبعدين يقول:
وَرَدُوا عَلَى نَهْرِ الْحَيَاةِ وَكُلُّهُمْ *** شَرِبُوا وَكَمْ فِي الرَّكْبِ مِنْ مُتَضَلِّعٍ
حَاشَا الْكَرِيمَ يَرُدُّهُمْ عَطَشًا وَقَدْ *** وَرَدُوا وَأَصِلَ الْجُودِ مِنْ ذَا الْمَنْبَعِ
(اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:24].
قال: "وَتُرَاحُ بِرَاحَةٍ لَا شَقَاءَ بَعْدَهَا"، راحة القلب والروح راحة الرضى.
حَضَرْنَاهُمْ عَلَى خَمْرِ الدِّنَانِ *** عَلَيْهِمْ أَمْطَرَتْ تِلْكَ الْغَمَامَةُ
وَهُمْ فِي السُّكْرِ مَا شَهِدُوا لِثَانٍ *** وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْمَوْلَى عَلَامَةٌ
-وَهُمْ فِي السُّكْرِ أي: في غيبتهم عن الكائنات-
تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فِي كُلِّ آنٍ *** وَلَا يَخْشَوْنَ عُقْبَاهَا نَدَامَةً
يقول: "وَتُرَاحُ بِرَاحَةٍ لَا شَقَاءَ بَعْدَهَا" (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران:8] وتسعد فلا تشقى بسعادة الأبد، بسعادة رضوانه ومعرفته ومحبته وقربه وواسع امتنانه، هل ترى لهذه السعادة انقضاء؟ اللهم أسعدنا بأعلى السعادات التي أسعدت بها محبوبيك في الغيب والشهادات يا أكرم الأكرمين، سعادة الأبد.
قال: "وَتَنْعَمُ بِنِعْمَةٍ لَا بُؤْسَ بَعْدَهَا"، نعمة الإسلام أعلى نعمة حلَّت وتتحقق بحقائق الإسلام والإيمان؛ فينزاح عنك البؤس بجميع معانيه. "عَجَبًا لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ، وليسَ ذاك لأحَدٍ إلّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له".
يقول سيدنا عمر بن عبد العزيز: أصبحت ولا رغبة لي ورضا إلا في مواقع القدر، يعني: أنا ما أحب إلا القدر الذي قدرُهُ الله له، هذا رغبتي. لا إله إلا الله. فأيش يحصل لك؟
قال: "وَتَنْعَمُ بِنِعْمَةٍ لَا بُؤْسَ بَعْدَهَا" وفي معنى من معانيها يشير الحبيب علي الحبشي يقول:
مِنْ أَيْنَ يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِيَ الْكَدَرُ وَالْحَزَنُ *** وَأَنَا مَعِي خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ جَدُّ الْحَسَنِ
قال واحد للحبيب علوي بن شهاب -عليه رحمة الله-: عسى ما بكم هم ولا ضيق؟ قال: ما بي هم ولا ضيق وعندي كتاب الله وعندي كتب السلف الصالحين، من أين يجيني هم وضيق؟ كيف يجيني هم وضيق؟ من أين يجيء هذا؟ من تعلق بغير الله وانقطع إلى غير الله يمكن؛ لكن أنا من أين سيجيء الهم والضيق؟ عندي كتاب ربي وعندي كلام العارفين، ولكن من عرف ذاق ونال لهذه السعادة.
لا إله إلا الله.
قال: "وَتُرَاحُ بِرَاحَةٍ لَا شَقَاءَ بَعْدَهَا، وَتَنْعَمُ بِنِعْمَةٍ لَا بُؤْسَ بَعْدَهَا، وَتَعْلَمُ عِلْمًا لَا جَهْلَ بَعْدَهُ" من سِرِّ العلم المودوع في خزائن (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد:19]، الله يقول لحبيبه: "فاعلم" وش ذا العلم ذا؟ (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ) [النساء:113]، (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ)، كم وسطها كنوز؟ علوم فهوم حقائق معارف، وسط لا إله إلا الله.
وهذا يُعَلِّمُ عِلم "وَتَعْلَمُ عِلْمًا لَا جَهْلَ بَعْدَهُ، وَتُؤْمَنُ أَمْنًا لَا خَوْفَ بَعْدَهُ" (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [يونس:62]، بسم الله آمنا بالله ومن يؤمن بالله لا خوفٌ عليه، اللهم حققنا بحقائق الإيمان.
قال: "وَتَسْعَدُ فَلَا تَشْقَى -نِعم السعادة- وَتُعَزُّ فَلَا تُذَلُّ" كان يقول بعض العارفين: ما أعزت العبادة أنفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت أنفسها بمثل معصية الله.
العز كل العز للمتقي، إذا زيَّنك بعبادته فقد أعزك، وإذا أوقعك في مخالفته ومعصيته فقد أهانك، والعياذ بالله تعالى.
ما شيء هُون من أن يرميك في قاذورات مخالفته ومعصيته، هُون ما بعده هُون، ذُل ما بعده ذل! يقول عَّلمنا ﷺ في الدعاء الذي علمه ولد بنته سيدنا الحسن سبطه: "فإنه لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ" أي واحد واليته ما يمكن يُذَل هو العزيز بولائك له، أنت رب السموات والأرض رب العرش مالك يوم الدين تواليه، من أين له الذل هذا؟ ما يمكن يكون ذليل أصلًا! "لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ.." واحد عاديتَه وكتبتَ عليه الشقاء والخلود في النار، من أين يجيه العز؟ من أي مكان؟ بأي معنى يجيه؟ ما له عز! ما له عز أصلًا، من قريب ولا من بعيد هذا ذليل؛ لا إله إلا الله
- (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ) -من أين لهم العز؟!- (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الزمر:60-61]؛ هؤلاء أهل العز! وهكذا لا إله إلا الله
- (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ) [الشورى:45]؛ لا إله إلا الله. يقول: ( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۖ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ) [يونس:27].
- (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) [الأحقاف:20].
هؤلاء ما عندهم عز، ما لهم عز أصلاً! "ولا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ"، ما لهم عز، العز لمحمد وللأنبياء وللمقربين والأتقياء والصالحين، هؤلاء لهم العز الدائم الحقيقي.
يا من أعزَّهم أعِزَّنا، أعِزَّنا بطاعتك، أعِزَّنا بقربك، أعِزَّنا بمعرفتك، أعِزَّنا بالصدق معك، أعِزَّنا بالإخلاص لوجهك، أعِزَّنا بالقبول عندك يا أكرم الأكرمين يا عزيز.
قال: "وَتُقَرَّبُ فَلَا تُبْعَدُ"؛ بل تزداد قربًا في كل يوم، في كل ليلة، في كل ساعة، في كل لحظة تزيد قرب، هكذا "ومَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبرًا تَقَرَّبتُ منه ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعًا تَقَرَّبتُ منه باعًا، ومَن أتاني يَمشي أتَيتُه هَرولةً"؛ سبحانه من كريم!
ويزدادون قرب، لي لهم كل ساعة منه عطوة جديدة، كل ساعة وهم أقرب، كل ساعة وهم أطيب، كل ساعة وهم أرقى، كل ساعة وهم أنقى، كل ساعة وهم أصفى وهكذا، (هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [ص:39] إلى أن يلقوه على أتم الصفا وأتم النقا وأتم القرب وأتم الحبور والأنس والرضا؛ الحمد لله رب العالمين.
يا من أكرمهم أكرمنا، يا من أعطاهم أعطنا، يا من منحهم امنحنا، يا من جاد عليهم جُد علينا برحمتك يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين حقق لنا ذلك وزدنا.
قال: "وَتُقَرَّبُ فَلَا تُبْعَدُ"، والقرب هذا كله معنوي من الحق سبحانه وتعالى، فينكشف لك من سر حقيقة قوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)، شيء فشيء، شيء فشيء، شيء فشيء ما هو مثل حبل الوريد، حاشا لله أن يكون أقرب من حبل الوريد؛ قرب معنوي، أقرب إليه من حبل الوريد وكم مسافة بينك وبين حبل وريدك؟ وسطك داخل! يقول لك: أنا أقرب إليك من هذا؛ (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16].
قال: "وَتُرْفَعُ فَلَا تُوضَعُ" (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11]، من رفعه الله ما أحد يقدر يخفضه، ولا يقدر أحد يضعه، من عزَّه الله ما ضره كلام الشواني -أي: المبغضين- يتكلمون وهو يزداد عزه.
قال: "وَتُعَظَّمُ -بمكانتك عند العظيم- فَلَا تُحَقَّرُ" بل كل من حقَّرك أو استهزأ بك أو انتقص من حقك هو الذي يذل على الذل الكبير -والعياذ بالله تبارك وتعالى-
- "مَن عادى لي وليًّا فقد آذَنتُه بالحَربِ" -والعياذ بالله تعالى-.
- ويقول سيدنا عيسى ابن مريم: "من عَلم وعمل وعَلَّم فذلك يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات".
والذي يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات من يقدر ينزله؟ ينزل اسمه من ملكوت السماوات! ما يصلون إليه وغاية الأمر يحاولون يشوهون سمعة واحد في الدنيا هنا في الأرض ويجيبون عليه ك كل ما يلفقون له تهم، لكن هو في ملكوت السماوات مدعو عظيمًا، إيش يعملون؟ هم الأذلة وهو العزيز؛ لا إله إلا الله. "يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات" وفي الأرض هؤلاء كذابين قد سمعنا في نشراتهم وأخبارهم وإعلامهم، يوم يعظمون واحد، ويوم يسبونه وينقصونه، ويوم يرفعونه، ويوم يَدَعُونه، كلامهم كلهم! ماشيء منه؛ (قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ) [ الأنعام:73]. وقول الخلق هؤلاء في المواقع والإذاعات والقنوات اللي كانت تمدح هي نفسها ترجع تسب، يوم تسب ويوم تمدح، ولا يقلبون في الحق شيء، لا يقدرون يرفعون أحد ولا يخفضونه، كله محاولات وتروح، والكل منهم يذهب ويضمحل، ويبقى من الذي عظمه الله هو العظيم، من الذي شرفه الله هو الشريف، من الذي كرمه الله هو الكريم.
- (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد:20].
- (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [فاطر:5].
اطلب لك محل عنده، اطلب لك اسم عنده، اطلب لك مكانة عنده، هو الباقي بس هو هذا الحق؛ الباقي باطل في باطل في باطل ما يساوي شيء.
قال الإمام الغزالي: لو فرضنا أن الخلق اللي في الدنيا كلهم عظموك حتى سجدوا لك، قال: بيعطيك كم؟ أكبر تقدير؟ خمسين سنة لا أنت ولا هم؛ لا الساجد ولا المسجود له؛ وبعدين شوفوا النتيجة! إيش معكم؟ هذا كله هباء راح! فإيش؟ الحقيقة هناك؛ من أنت؟ وكيف أنت؟ شوفها قدامك، وأما هذا ما شيء منه يبقى ولا شيء منه يدوم، كله ما أسرع ما يضمحل.
"وَتُعَظَّمُ فَلَا تُحَقَّرُ، وَتُطَهَّرُ -بتطهير الله تعالى- فَلَا تُدَنَّسُ،" (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة:222] ولا تدنس، الله أكبر.
"لِتُحَقَّقَ فِيكَ الْأَمَانِيُّ، -وتنال فوق ما تمنيت- وَتُصَدَّقَ فِيكَ الْأَقَاوِيلُ، -ولا يبلغ قولٌ حقيقة ما تُخَصُّ به من حضرة الرحمن- فَتَكُونَ كِبْرِيتًا أَحْمَرَ فَلَا تَكَادُ تُرَى" ما أحد يطَّلع على حقيقة فضله عليك، لا إله إلا الله، لا تكاد تُرى وكل ما عرفوا عنك من خير وفضائل وراءه من جوده عليك ما لم يعرفوه، لكن هذا في حق الخواص والأولياء، كيف بالأنبياء؟، كيف بسيد الأنبياء ﷺ؟ يُروى أن سيدنا أويس يقول لسيدنا عمر وسيدنا علي: ما عرفتما من رسول الله إلا الظل! ما عرفتم من النبي إلا ظله. قالا: نعم والله ما عرفنا منه إلا ظله، حقيقته من يعرفها الله ﷺ، جمعنا الله به في الدنيا والبرزخ والآخرة.
قال: "وَعَزِيزاً فَلَا تُمَاثَلُ، -عندما يعزك بعزته سبحانه وتعالى-، وَفَرِيدًا فَلَا تُشَارَك -هذا سبحانه بما أفردك به من فضله وجوده-، وَحِيداً فَلَا تُجَانَسُ، فَرْداً بِفَرْدٍ" فردًا بين الخلائق متفردًا عنهم بخصائص كثيرة.
بِفَرْدٍ أي: بعظمة الفرد وقربك من الفرد وتولي الفرد لك أنت فرد بفرد؛ كان الشيخ بامخرمة يقول: كن واحد لواحد، مجموع كلك للواحد؛ لله تعالى، (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ) [الأنعام:162-163]. كن واحد لواحد.
"فَرْداً بِفَرْدٍ وَوِتْراً بِوِتْرٍ" "إنَّ اللهَ وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ"، فتكون أنت وتر بين الناس، يعني: ما يكون لك نظير.
"وَغَيْبَ الْغَيْبِ، وَسِرَّ السِّرِّ" حتى ما يطَّلع الملائكة على خصائص السر الذي بينك وبين الرب، اسمع! ولا أنت، ما يكون بينك وبينه سر ما تعلمه أنت ولا ملَك ولا غيره إلا هو! الله الله الله الله الله،! دعانا إليه ويعطي عطاء، ويكرم كرم، ويهب مواهب، ويتفضل بفضل دونه عقل كل عاقل، وإدراك كل مدرك! الله! لا إله إلا هو! لو ذرة من معرفته نالت قلبك بتعشقه عشق ولا بتولي وجهك عنه لحظة! بتعكف على بابه.
لَمْ أَزَلْ بِالبَابِ وَاقِف *** فَارْحَـمَـنْ رَبِّي وُقُوفِي
وَبوَادِي الفَضْل عَاكِفْ *** فَأَدِمُ رَبِّي عُكُوفِي
يقول: "فَحِينَئِذٍ تَكُونُ وَارِثَ كُلِّ نَبِيٍّ وَصِدِّيقٍ وَرَسُولٍ".
أُولَئِكَ أَبْدَالُ النَّبِيِّينَ أَبْرِزُوا *** لِفَضْلِ رَسُولِ اللهِ فِي خَيْرِ أُمَّةِ
ورثة النبيين نعم.
قال: "بِكَ تُخْتَمُ الْوِلَايَةُ" أي: في ذلك الزمان والوقت، لأن للنبوة ختم كان بمحمد ﷺ، لكن ورثته عند كل واحد منهم الذي يبلغ الغاية الكبرى ويكون ينال الخلافة العظمى عنه، يكون ختم الأولياء في زمانه، أرفعهم، ختم الأولياء في زمانه، فكما للنبوة ختم فللولاية ختم، ولكن الولاية بمعنى وصول إلى الذروة فيها ما يصلها أحد في ذاك الزمان والوقت وهكذا، فسر ختم النبيين بقي في ختم الولاية في ورثته في كل زمان.
قالوا إن سيدنا الشيخ معروف باجمال الذي رأى الحبيب ﷺ مرة، يقول له:
لـكــلِّ زمـانٍ واحدٌ يُقْتَـدى بِهِ *** وهذا زمانٌ أنتَ لا شكَّ واحـده
ثم توفي، فيقول العارفون في ذاك الوقت: إنه ما غابت شمس الشيخ معروف باجمال حتى أشرقت شمس الشيخ أبي بكر بن سالم تلميذه، وكان يتردد عليه أيام كان بشبام ثم انتقل إلى دوعن، ولما وقت وفاته، وصل الشيخ أبو بكر إلى دوعن وصلى عليه، هو قال لهم: انتظروا بجنازتي حتى يقدم من يصلي عليه، انتظروا بالجنازة، إلا وصل الشيخ من مسافة الثلاثة أيام كانت من عينات إلى دوعن.
يقول:"تَكُونُ وَارِثَ كُلِّ نَبِيٍّ وَصِدِّيقٍ وَرَسُولٍ بِكَ تُخْتَمُ الْوِلَايَةُ، وَإِلَيْكَ تَصِيرَ الْأَبْدَالُ،" أو "تُصَيَّر الْأَبْدَالُ"، يعني مراتب الولاية يكون تحت ظلك، وهذا إشارة إلى رأسهم وهو القطب الذي نال السيادة عليهم.
"وَبِكَ تَنْكَشِفُ الْكُرُوبُ، وَبِكَ تُسْقَى الْغُيُوثُ، وَبِكَ تَنْبُتُ الزُّرُوعُ"، كما قال ﷺ عن الأبدال، وذكر أن منهم من يكون بالشام، كثير من الأبدال يكونون في الشام، أربعون من الأبدال في كل زمان ما ينقصون عن أربعين، قال: "إنَّ الأبدالَ بالشّامِ يَكونونَ وهم أربعونَ رجلاً بِهِم تُسقَونَ الغيثَ وبِهِم تُنصَرونَ"، بهم يُغاث أهل الأرض، وبهم يرزقون ويمطرون، هكذا جاء في الحديث.
قال: "وَبِكَ تَنْكَشِفُ الْكُرُوبُ، وَبِكَ تُسْقَى الْغُيُوثُ، وَبِكَ تَنْبُتُ الزُّرُوعُ، وَبِكَ يُدْفَعُ البَلَاءُ وَالْمِحَنُ عَنِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ"، (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) فبهم يدفع الله البلايا، (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) لكن يؤخر العذاب بسبب وجود هؤلاء (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ) [الفتح:25].
بِهِمْ يَدْفَعُ اللَّهُ البَلَايَا وَيَكْشِفُ الــــــرَّزَايَا وَيُسْدِي كُلَّ خَيْرٍ وَنِعْمَةِ
وَلَوْلَاهُمْ بَيْنَ الأَنَامِ لَدُكْدِكَتْ *** جِبَالٌ وَأَرْضٌ لِارْتِكَابِ الخَطِيَّةِ
يقول: "عَنِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَأَهْلِ الثُّغُورِ" الذين يجاهدون في سبيل الله تعالى ويحمون ثغور المسلمين، بواسطة هؤلاء الصالحين يُمَدون ويحصرون.
"وَالرَّاعِي وَالرَّعَايَا" يُحصَل الألطاف في الأرض في مختلف الأقطار بسبب وجود هؤلاء الصالحين "وَالْأَئِمَّةِ وَالْأُمَّةِ وَسَائِرِ البَرَايَا، فَتَكُونُ شُحْنَةَ البِلَادِ وَالْعِبَادِ، فَتَنْطَلِقُ إِلَيْكَ الرِّجْلُ بِالسَّعْيِ وَالتَّرْحَالِ" وأن يجعل الله سبحانه وتعالى لمن أظهره في ذلك وأقامه مودة في قلوب الخلق، ويُقصد من الشرق ويُقصد من الغرب، إن كانت حضرموت محل نائي عن أكثر البلاد والوصول إليها صعب، برز مثل الشيخ أبُو بكر بن سالم، آل الحرمين جاءوا، آل مصر جاءوا، آل الشام جاءوا، آل المغرب جاءوا، آل الروم جاءوا، جاءوا من المشارق والمغارب سعوا. لا إله إلا الله.
"فَتَنْطَلِقُ إِلَيْكَ الرِّجْلُ بِالسَّعْيِ وَالتَّرْحَالِ، وَالأَيْدِي بِالبَذْلِ وَالعَطَاءِ وَالْخِدْمَةِ، بِإِذْنِ خَالِقِ الْأَشْيَاءِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَلْسُنُ بِالذِّكْرِ الطَّيِّبِ وَالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَجَمِيعِ الْمَحَالِ -أي: الأماكن-، وَلَا يَخْتَلِفُ فِيكَ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ" -البر والفاجر يقولون: هذا طيب، هذا إنسان طيب-، "يَا خَيْرَ مَنْ سَكَنَ الْبَرَارِي وَجَالَ بِهَا. (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد:22 والجمعة:4]".
اللهم تفضل علينا، اللهم تفضل علينا، اللهم أكرمنا واجعل لنا بعد الخروج من شهر الصوم وإتباعه بست من شوال نرقى مراقي عوال في صدق الإقبال، وكمال القبول، واتساع المجال في معرفتك ومحبتك، بالوفاء بعهدك يا ربنا وبالظفر بمحبتك وَوُدِّكَ، آمين، آمين، آمين، يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين، بوجاهة حبيبك الأمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
06 شوّال 1447