(444)
(628)
(368)
الدرس الثاني من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب فتوح الغيب للإمام الشيخ عبدالقادر الجيلاني - قدس الله سره، ضمن الدروس الصباحية لأيام الست الأولى من شوال 1447هـ
فجر الأحد 3 شوال 1447هـ
المقالة الثانية: في التواصي بالخير، المقالة الثالثة: في حكمة الابتلاء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام العارف بالله سبحانه وتعالى الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني -رحمه الله تعالى- ونفعنا به وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين -آمين- من كتابه (فتوح الغيب) رضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
المَقَالَةُ الثَّانِيَةُ
فِي التَّوَاصِي بِالْخَيْرِ
"اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، وَأَطِيعُوا وَلَا تَمْرُقُوا، وَوَحِّدُوا وَلَا تُشْرِكُوا، وَنَزِّهُوا الْحَقَّ وَلَا تَتَّهِمُوه، وَصَدِّقُوا وَلَا تَشُكُّوا، وَاصْبِرُوا وَلَا تَجْزَعُوا، وَاثْبُتُوا وَلَا تَفِرُّوا، وَاسْأَلُوا وَلَا تَسْأَمُوا، وَانْتَظِرُوا وَتَرَقَّبُوا وَلَا تَيْأَسُوا، وَتَوَاخُوا وَلَا تَعَادَوْا، وَاجْتَمِعُوا عَلَى الطَّاعَةِ وَلَا تَتَفَرَّقُوا، وَتَحَابُّوا وَلَا تَبَاغَضُوا، وَتَطَهَّرُوا عَنِ الذُّنُوبِ وَبِهَا لَا تَتَدَنَّسُوا وَلَا تَتَلَطَّخُوا، وَبِطَاعَةِ رَبِّكُمْ فَتَزَيَّنُوا، وَعَنْ بَابِ مَوْلَاكُمْ فَلَا تَبْرَحُوا، وَعَنِ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ فَلَا تَتَوَلَّوْا، وَبِالتَّوْبَةِ فَلَا تُسَوِّفُوا، وَعَنِ الِاعْتِذَارِ إِلَى خَالِقِكُمْ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ فَلَا تَمَلُّوا، فَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَتُسْعَدُونَ، وَعَنِ النَّارِ تُبْعَدُونَ، وَفِي الْجَنَّةِ تُحْبَرُونَ، وَإِلَى اللهِ تُوصَلُونَ، وَبِالنَّعِيمِ وَافْتِضَاضِ الْأَبْكَارِ فِي دَارِ السَّلَامِ تُشْتَمَلُونَ، وَعَلَى ذَلِكَ أَبَداً تَخْلُدُونَ، وَعَلَى النَّجَائِبِ تَرْكَبُونَ، وَبِحُوْرِ الْعِينِ وَأَنْوَاعِ الطَّيِّبِ وَصَوْتِ الْقِيَانِ مَعَ ذَلِكَ النَّعِيمِ تُحْبَرُونَ، وَمَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ تُرْفَعُونَ".
المَقَالَةُ الثَّالِثَةُ
في الابتِلَاءِ
"إِذَا ابتُلِيَ العَبْدُ بِبَلِيَّةٍ تَحَرَّكَ أَوَّلاً فِي نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهَا اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْخَلْقِ كَالسَّلاطِينِ، وَأَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ، وَأَرْبَابِ الدُّنْيَا، وَأَصْحَابِ الأَمْوَالِ، وَأَهْلِ الطَّبِّ فِي الأَمْرَاضِ وَالأَوْجَاعِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي ذَلِكَ خَلاصاً، رَجَعَ -حِينَئِذٍ- إِلَى رَبِّهِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالثَّنَاءِ.
فَمَا دَامَ يَجِدُ بِنَفْسِهِ نُصْرَةً لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْخَلْقِ.
وَمَا دَامَ يَجِدُ بِهِ عِنْدَ الْخَلْقِ نُصْرَةً لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْخَالِقِ.
ثُمَّ إِذَا لَمْ يَجِدْ عِنْدَ الْخَلْقِ نُصْرَةً، اسْتَطْرَحَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُدِيماً لِلسُّؤَالِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالثَّنَاءِ، وَالاِفْتِقَارِ مَعَ الْخَوْفِ مِنْهُ وَالرَّجَاءِ.
ثُمَّ يُعْجِزُهُ الْخَالِقُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَنِ الدُّعَاءِ، وَلَمْ يُجِبْهُ، حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْ جَمِيعِ الأَسْبَابِ، فَحِينَئِذٍ يَنْفُذُ فِيْهِ القَدَرُ، وَيَفْعَلُ فِيْهِ الْفِعْلُ، فَيَفْنَى العَبْدُ عَنْ جَمِيعِ الأَسْبَابِ وَالْحَرَكَاتِ، فَيَبْقَى رُوحاً فَقَطْ، فَلَا يَرَى إِلَّا فِعْلَ الْحَقِّ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَيَصِيرُ مُوْقِناً مُوَحِّداً ضَرُورَةً، وَيَقْطَعُ أَنْ لَا فَاعِلَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا مُحَرِّكَ وَلَا مُسَكِّنَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ، وَلَا ضَرَّ وَلَا نَفْعَ، وَلَا عَطَاءَ وَلَا مَنْعَ، وَلَا فَتْحَ وَلَا غَلْقَ، وَلَا مَوْتَ وَلَا حَيَاةَ، وَلَا عِزَّ وَلَا ذُلَّ، وَلَا غِنَى وَلَا فَقْرَ، إِلَّا بِيَدِ اللَّهِ. فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ كَالطِّفْلِ الرَّضِيعِ فِي يَدِ الظِّئْرِ، وَالْمَيِّتِ الْغَسِيلِ فِي يَدِ الْغَاسِلِ، وَالْكُرَةِ فِي صَوْلَجَانِ الْفَارِسِ، يُقَلِّبُ وَيُغَيِّرُ وَيُبَدِّلُ وَيُكَوِّنُ، وَلَا حَرََاكَ بِهِ فِي نَفْسِهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، فَهُوَ غَائِبٌ عَنْ نَفْسِهِ فِي فِعْلِ مَوْلَاهُ، فَلَا يَرَى غَيْرَ مَوْلَاهُ وَفِعْلَهُ، وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَعْقِلُ مِنْ غَيْرِهِ، إِنْ أَبْصَرَ فَلِصُنْعِهِ أَبْصَرَ، وَإِنْ سَمِعَ وَعَلِمَ، فَلِكَلَامِهِ سَمِعَ، وَلِعِلْمِهِ عَلِمَ، وَبِنِعْمَتِهِ تَنَعَّمَ، وَبِقُرْبِهِ سَعِدَ، وَبِتَقَرِيبِهِ تَزَيَّنَ وَتَشَرَّفَ، وَبِوَعْدِهِ طَابَ وَسَكَنَ، وَبِه اطْمَأَنَّ، وَبِحَدِيثِهِ أَنِسَ، وَعَنْ غَيْرِهِ اسْتَوْحَشَ وَنَفَرَ، وَإِلَى ذِكْرِهِ الْتَجَأَ وَرَكَنَ، وَبِه عَزَّ وَجَلَّ وَثِقَ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلَ، وَبِنُورِ مَعْرِفَتِهِ اهْتَدَى وَتَقَمَّصَ، وَتَسَرْبَلَ، وَعَلَى غَرَائِبِ عُلُومِهِ اطَّلَعَ، وَعَلَى أَسْرَارِ قُدْرَتِهِ أَشْرَفَ، وَمِنْهُ سَمِعَ وَوَعَى، ثُمَّ عَلَى ذَلِكَ حَمِدَ وَأَثْنَى، وَشَكَرَ وَدَعَا".
الحمد لله؛ وفي هذه التنبيهات الرفيعة، والتوجيهات البديعة، والتعليمات الشريفة، والتذكيرات المنيفة؛ ذكَّرنا في المقالة الأولى بأساس يدوم عليه حالنا بحكم الإيمان مع إلهنا الرحمن ﷻ، وأننا لا نزال ما بين..
فلا نزال على ذلك ولابد للمؤمن من ذلك إن تحقق بالإيمان فسلك في خير المسالك، ثم تأتي الوصية العامة في صفات يجب على المؤمن أن يتحلى بها، وأحوال يجب أن يكون من أهلها، وأذواق ينبغي له أن يتذوقها.
فقال -رضي الله عنه- سيدنا الإمام عبد القادر الجيلاني: "اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا" وهذا أساس في السير إلى الله تبارك وتعالى؛ الاتباع في امتثال الأوامر فرائضها ونوافلها وسننها، بل في عاداتنا ما نُقِل لنا عن نبينا من شأن نتبعه فيه: في أكلنا وشربنا، وكيفية نومنا وقيامنا، ودخولنا وخروجنا، ومشينا ومحادثاتنا، ولبسنا ومختَلَف أحوالنا؛ نقتدي بنبينا ﷺ فذلك مفتاح باب المحبة الإلهية: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران: 31]، جل جلاله وتعالى في علاه.
"اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا"، ومعنى "وَلَا تَبْتَدِعُوا":
وإنما كونوا منقادين، لا تُحَكِّموا عقولكم، لا تُحَكِّموا أهواءكم، لا تُحَكِّموا رغباتكم، لا تُحَكِّموا استحساناتكم، وانظروا:
وإلا فقد ابتدعتَ باستحسانك ما لم يأتِ عنهم استحسانه، وبرغبتك فيما لم يُرَغِّبوك فيه.
" وَلَا تَبْتَدِعُوا" بأن تَنصِبوا أنفسكم واستحساناتكم مع الحق ورسوله ومن يبلِّغُ عنه وينوب عنه ﷺ، فهذا هو الابتداع الذي حذّرَ منه سيدنا الإمام الجيلاني، فضلًا عن إحداث شيء في الدين ليس منه ومخالفًا لأصله، ولكن حتى في الميل والرغبات ينبغي أن نكون متبعين، ورأيتم في مسلك الصحابة هذا حتى أحدهم يحب الطعام الذي يرى الرسول ﷺ يحبه، ويجتنب ما يرى ما لا يحبه..
فهذا هو الأصل، وما حقُّ الوَرَثة ومن المشايخ الدالين على الحق والهدى إلا من حيث..
فالأصل هو المتبوع ﷺ على الإطلاق، وهو المقتدى به.
قال: "اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، وَأَطِيعُوا وَلَا تَمْرُقُوا" عن الطاعة بما ذكر من هذه الاستحسانات والميولات يمنة ويسرة؛ إن المؤمن تتلقاه هذه الميولات وخصوصًا في شبابه، تأتي استحسانات؛ ولهذا تكون الموضات ونحوها شغالة فيهم بقوة؛ لأنهم قوة الاستحسان والمَيل عندهم قوية، يميلون مع ذا ومع ذا وحيث ما حُسِّن لهم وما زُيِّن.
فاعلم..
أن الزَّينَ الحَسَنَ على الإطلاق هو الله، وأن حُسنه ﷻ وجماله وبهاءه لم يبدُ في الخلق ولا في شيء من الكائنات كما بدا في محمد جامع المحاسن والزين ﷺ؛ فلا يوافي القيامة أحسن منه ولا أزين منه، ولهذا قال الضَّبُّ في نطقه بالإيمان به ﷺ: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة. قال: من يوافي القيامة؟ الأولين والآخرين؛ قال: أنت زينهم، أنت زين الموافين للقيامة كلهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ فيرجع الحُسن جميعه في الخَلق إليه عليه الصلاة والسلام.
فينبغي أن يضبط المؤمن استحساناته باتباع هذا الحبيب ﷺ، يستحسن ما استحسنه ويحب ما أحب.
وبهذا تقوم الطاعة بلا مروق في الدين "وَأَطِيعُوا وَلَا تَمْرُقُوا".
وبذلك يُغاصُ على حقائق التوحيد الرباني؛ قال: "وَوَحِّدُوا وَلَا تُشْرِكُوا" لأن مقتضى هذا التوحيد:
فهذا مقتضى التوحيد، فإذا قمت بذلك قوي يقينك وتوحيدك؛ لهذا قال: "وَوَحِّدُوا وَلَا تُشْرِكُوا" بالله سبحانه وتعالى شيئًا..
قال: " وَلَا تُشْرِكُوا"، لا تجعل اعتمادك إلا عليه، ولا التفاتك إلا إليه، ولا قصدك إلا له.
قال: "وَنَزِّهُوا الْحَقَّ":
قال: "وَنَزِّهُوا الْحَقَّ وَلَا تَتَّهِمُوه" تتهموا عزته وجلاله في شيء من الكائنات، ولا مشابهة شيء من المخلوقات ولا شيء مما لا يليق بجلاله وعظمته، ولا بنسيان ولا بخل ولا عجز ولا كسل لا تتهمه؛ ولا تتهمه في رزقك، ولا تتهمه في إحاطته بك، ولا تتهمه في أنه يفعل لك الأصلح ما كنت مؤمنًا به؛ لا تتهم ربك؛ اتهم نفسك في جهلها وفي عدم إدراكها للحقيقة، لا تتهم ربك، ربك المنزه المقدس ﷻ الواحد الأحد.
قال: "وَنَزِّهُوا الْحَقَّ وَلَا تَتَّهِمُوه"؛ وحينئذ يكون شأنكم الارتقاء في مراتب الصدق.
قال عليه الرضوان: "وَصَدِّقُوا وَلَا تَشُكُّوا" لا يخالط الشك أذهانكم ولا بالكم، نعوذ بالله من الشكوك والظنون والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب، فقد (ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) [الأحزاب:11]، نسألك العصمة في الحركات والسكنات والكلمات والإرادات والخطرات من الشكوك والظنون والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب، وإن الذين شَكُّوا وظنوا بالله الظن السيء أخزاهم الله تبارك وتعالى: (وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ) [فصلت: 22-23] أرداكم: أهلككم.. لا إله إلا الله.
قال: "وَصَدِّقُوا وَلَا تَشُكُّوا" وكل ما أخبر به الله ورسوله فاعلموا أنه الحق اليقين القطعي الذي لا شك فيه (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ) [البقرة:2] لا شك.
"وَاصْبِرُوا وَلَا تَجْزَعُوا" (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:200] اصبروا:
وَكُنْ صَابِرٌ وَشَاكِرِ
تَكُنْ فَائز وَظَافِر
وَمِنْ أَهْل السَّرَائِر
رِجَالِ اللهِ مِنْ كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُنَوَّر *** مُصَفًّى مِنْ جَمِيعِ الدَّنَسُ طَيِّبٌ مُطَهَّر
يقول:
أَلَا يَا صَاحُ يَا صَاحٍ لَا تَجْزَعْ وَتَضْجَر *** وَسَلَّمْ لِلْمَقَادِيْرِ كَيْ تُحْمَدْ وَتُؤْجَر
وَكُنْ رَاضِي بِمَا قَدَّرَ المَوْلَى وَدَبَّر *** وَلَا تَسْخَطْ قَضَى اللهِ رَبِّ العَرْشِ الأكْبَر
فإن هذه أوصاف من لم يتحقق بحقائق الإيمان ويصدق مع الرحمن: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) [المعارج:20-23] هؤلاء ما يجزعون ولا يهلعون، فاللهم ألحقنا بهم واجعلنا منهم، وعسى استفدنا هذا من دروس رمضان.
قال: "وَاثْبُتُوا وَلَا تَفِرُّوا"
ولما اشتد الأمر في البداية على أصحاب مؤتة، فجماعة منهم هرعوا نحو المدينة وجاءوا إلى رسول الله ﷺ، ثم إنهم خافوا على أنفسهم وأنهم فَرُّوا من لقاء العدو، وأنهم تولوا يوم الزحف، فذكروا خشيتهم ذلك لرسول الله ﷺ قال: "أَنَا فِئَتُكُم"، الله قال: (إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ) [الأنفال:16]، جئتم إلى عندي وتنصروننا، ما رحتم هاربين مرتدين على أدباركم، قال: "أَنَا فِئَتُكُم"، أنا فئة المؤمنين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يا ربِّ صلِّ عليه وعلى آله وصحبه.
وأمامك أيضًا ما تستفيد بإيمانك في مسلكك في الحياة، سواء كنت طالب علم أو كنت من أرباب الحِرَف والمهن وغيرها، ما تستفيده من خلال العلم والإيمان والدروس فيما تستقيم عليه في حياتك؛ لا تفر، اثبت.. اثبت، لا تفر:
لِكُلٍّ إِلَى شَأْوِ العُلَا حَرَكَاتُ *** وَلَكِنَّ عَزِيزٌ فِي الرِّجَالِ ثَبَاتُ
وكان ﷺ عمله ديمة، إذا عمل عملًا أثبته؛ أنت اثبت لا تفر في مسلكك وفي طريقك، في قيامك بالواجبات وتركك للمنهيات، في حضورك في مجالس العلم، إلى غير ذلك مما ترتب لك في الحياة… اثبت.. اثبت واصبر، لا تفر ولا تتولى من الزحف.
قال: "وَاسْأَلُوا" الكريم المعطي الجواد الرحيم، ادعوه تضرعوا إليه، واعرضوا حاجاتكم عليه في كل ما تحتاجونه في أمر دينكم ودنياكم وبرزخكم وآخرتكم، اسألوا واطلبوا..
قال: "وَلَا تَسْأَمُوا" ولا تستكثروا على الله شيء، يعطيك ما طلبت وفوق ما طلبت ولا يَنقُصُ من خزائنه شيء ﷻ.
"وَاسْأَلُوا وَلَا تَسْأَمُوا، وَانْتَظِرُوا وَتَرَقَّبُوا" واسعات جوده وإحسانه..
وَكُنْ لِلُطْفِ اللهِ مُسْتَنْظِرًا *** مِنْ حَيْثُ لَا تَدْرِيهِ أَوْ تَدْرِي
فَاصْبِرْ عَلَى الْمحَنِ القَوَاصِدِ وَ انْتَظِرْ *** فَرَجاً تَدُولُ بِهِ دِوَلُ القَدَرْ
وانتظر نفحة التقريب لك من قريب، وانتظر إفضاله وإحسانه، فإن الناس لهم انتظارات؛ لكن الانتظار الطيب المحمود: ما ينتظره المؤمن من جود الله تبارك وتعالى، مع قيامه بأمره وامتثاله لأمره واجتنابه لنهيه، قال الله تعالى لنبيه محمد:
أنتم تنتظرون ما تُملي عليكم أنفسكم وأهواؤكم، أنكم بتعملون وبتزحفون وبتقتلون وبتنتصرون… ونحن ننتظر ما وعدنا الله سبحانه وتعالى وما تجري به أقداره، وما وثقنا به فيه من رجاؤه وحَبله؛ انتظروا نحن منتظرين كذلك؛ لكن أنتم تنتظرون وهم وخيال وضلال، ونحن ننتظر حقًّا وصدقًا وعظمة من العظيم ﷻ ووعدًا صادقًا لا يُخلَف.
قال: "وَانْتَظِرُوا وَتَرَقَّبُوا" فائضات الجود والنفحات وما يتكرم به باريء الأرض والسماوات.
"وَلَا تَتَفَرَّقُوا" فإن يد الله مع الجماعة.
"لَا تَتَفَرَّقُوا" قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال:46]، يتخلى الحق عنكم وعن نصركم بسبب التنازع.. وهكذا أهل كل طاعة وعبادة كلما تآلفت قلوبهم وتحابوا؛ كان أقوى لهم في استجلاب الرحمات واستنزال الخيرات والبركات وسعة القبول عند الرب سبحانه وتعالى.. وكذلك حتى إذا تحاب واجتمع أهل المهنة في مهنتهم، والعمل في عملهم، وأهل الوظيفة في وظيفتهم؛ ينتجون ويثمرون وتتبارك أعمالهم ويأتون بنتائج حسنة.
قال: "وَلَا تَتَفَرَّقُوا، وَتَحَابُّوا وَلَا تَبَاغَضُوا" فإن من مقتضى إيمانك بالله أن تحب صنعته كلها، فكيف إذا كان عبد من عباده مؤمن به ﷻ.. كيف ما تحبه؟ يجب تحب جميع المؤمنين، الله الله لا إله إلا الله..
"وَتَحَابُّوا" فإذا كان هذا المؤمن له معك جوار أو مصاحبة أو مجالسة أو مزاملة في عبادة أو في علم، كيف ما تحبه؟! كيف ما تحبه؟!.. وأنت تدّعي الإيمان بالله! أين المحبة في الله؟ إن كنت مؤمن به؛ فمن أجله تحب ومن أجله تبغض، فأين محبتك للمؤمنين عامة وخاصتهم خاصة؟
وهكذا قال -عليه رحمة الله تعالى-: "وَتَرَقَّبُوا وَلَا تَيْأَسُوا، وَتَوَاخُوا وَلَا تَعَادَوْ" أي: لا يعادي بعضكم بعضًا.
"وَاجْتَمِعُوا عَلَى الطَّاعَةِ وَلَا تَتَفَرَّقُوا" ومن هنا كانت:
قال: "وَاجْتَمِعُوا عَلَى الطَّاعَةِ وَلَا تَتَفَرَّقُوا" وقد ذكرّهم الله بهذه النعمة فقال:
"وَتَطَهَّرُوا عَنِ الذُّنُوبِ وَبِهَا لَا تَتَدَنَّسُوا وَلَا تَتَلَطَّخُوا" فما هناك حقائق القاذورات إلا معصية رب الأرض والسماوات؛ هذه القاذورات، وهذه الأوساخ، وهذه التي تلطخ الوجوه في القيامة والقلوب والعياذ بالله تبارك وتعالى.
قال: "وَتَطَهَّرُوا عَنِ الذُّنُوبِ" (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة:222] "ولَا تَتَدَنَّسُوا" أي: تتسخوا " وَلَا تَتَلَطَّخُوا" بالمعاصي والسيئات صغيرها وكبيرها. فإن المؤمن الصادق مع الله يرى الذنوب صغيرها وكبيرها كالنيران المحرقة والمياه المغرقة، ما يفكر أنه يدخلها، والسموم القاتلة، ما يقول قليل سم ما فيه شيء، قليل السم ما فيه شيء؟ وقليل وقليل والثانية وتموت بعدين، كيف هذا؟ فالمؤمن يعتقد في الذنوب أنها مثل السموم ومثل النيران، ما شيء قليل نار، ما شيء قليل نار، ما شيء من النار تقدر عليه لا قليل ولا كثير، وهكذا ابتعد عن جميع الذنوب فإن من وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى تَرْكِ الذُّنُوبِ جالت روحه في عالم الملكوت.
قال: "وَبِطَاعَةِ رَبِّكُمْ فَتَزَيَّنُوا". ونعمَ الزينة، ونعم الزينة طاعة الحق سبحانه وتعالى. فتزين بالخضوع لجلاله، وبالامتثال لأمره، تزين بالعبادة له، بالطاعة له، فهي زينة مهما صدقت فيها وقبلت منك لا تُنزَع عنك؛ يظهر بهاؤها وجمالها من عند الموت وفي البرازخ، ثم في القيامة ثم في الجنة تتمتع بها. زينة الطاعة والعبادة، زينة الذكر والشكر، زينة صفاء الفكر، زينة الركعات والسجدات في الخلوات، زينة الجماعات هذه خير زينة يتزين بها المؤمن، -الله أكبر- ويظهر جمالها وبهاؤها أكثر من عند الغرغرة وإلى ما في البرزخ، وبعدين في القيامة وفي الجنة يتمتع بهذه الزينة، الله أكبر.
"وَبِطَاعَةِ رَبِّكُمْ فَتَزَيَّنُوا، وَعَنْ بَابِ مَوْلَاكُمْ فَلَا تَبْرَحُوا"
لم أزل بالباب واقف *** فارحمن ربي وقوفي
في أحد خير منه بتروح لعنده؟ في حد خير منه روح لعنده؟ ما حد خير منه، ما حد خير لك من ربك. فقف على بابه.
قـف عـلى بـاب مـا يـقلِّدُه يـا سـعدُ قـالـد *** بـابُ مـولاك لـي مـنهُ ورودُ الـفـوائـد
-مـا يـقلِّدُه أي: ما يقفله مقفل-
قال سيدنا الحداد:
لَمْ أَزَلْ بِالبَابِ وَاقِفْ *** فَارْحَمَنْ رَبِّي وُقُوفِي
وَبِوَادِي الفَضْلِ عَاكِفْ *** فَأَدِمْ رَبِّي عُكُوفِي
قال الحبيب علي الحبشي:
وَحَسْبي أنَّني بالبابِ حاني *** على الأعتابِ إلى يوم القيامة
ما لي عنكم منصرف -ما أروح مكان-.
فقف على باب الله جل جلاله.
قال: "وَعَنْ بَابِ مَوْلَاكُمْ فَلَا تَبْرَحُوا، وَعَنِ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ فَلَا تَتَوَلَّوْا" فإنه يقبل على من أقبل عليه، "من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً".
"وَبِالتَّوْبَةِ فَلَا تُسَوِّفُوا" بادر! (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا) [التحريم:8].
"وَعَنِ الِاعْتِذَارِ إِلَى خَالِقِكُمْ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ فَلَا تَمَلُّوا" فإنكم مهما عملتم وشمرتم فأنتم مقصرون، فاعتذروا إليه وتذللوا وانكسروا من أجله، يكن معكم "أنا عندَ المُنكسرةِ قلوبُهمْ مِنْ أجلِي" يقول جل جلاله.
قال: "وَعَنِ الِاعْتِذَارِ إِلَى خَالِقِكُمْ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ فَلَا تَمَلُّوا، فَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ". اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة. "وَتُسْعَدُونَ" اللهم أسعدنا أعلى السعادة.
"وَعَنِ النَّارِ تُبْعَدُونَ" (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا)، وإن زفير النار ليُسمع من مسافة مئة عام، مئة سنة بينكم وتسمع الزفير حقهم، لا إله إلا الله، (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) [الفرقان:12] اللهم أجرنا من النار. (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ)[الأنبياء:101-103] اللهم اجعلنا ممن سبقت لهم منك الحسنى.
قال: "وَفِي الْجَنَّةِ تُحْبَرُونَ، وَإِلَى اللهِ تُوَصَلُونَ" وهذا المقصود الأكبر، والجنة وما فيها إنما فروع لذلك وآثار. "وَبِالنَّعِيمِ وَافْتِضَاضِ الْأَبْكَارِ فِي دَارِ السَّلَامِ تُشْتَمَلُونَ" قال: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) هذا شغلهم، طيب أنواع النعيم؟ والسلام على أيدي الملائكة، والسلام من الله تعالى، والتلاقي مع الأنبياء والمرسلين والمقربين، والنظر إلى وجه الله الكريم، هذا شغلهم وأولئك في النار مساكين ايش يشتغلون به؟ ايش شغلهم؟ حميم وزقوم وسلاسل وأغلال نعوذ بالله. (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ *سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) [يس:55-58]، من عند الرب يسلم عليك جل جلاله، لا إله إلا الله.
قال: "وَعَلَى ذَلِكَ أَبَداً تَخْلُدُونَ" الله أكبر "وَعَلَى النَّجَائِبِ تَرْكَبُونَ" عند الخروج من القبور، لأنه عند البعث من القبور يُؤتى للمقربين والصالحين بالنجائب يركبون عليها وتطير بهم إلى ظل العرش وأمكانهم، لا إله إلا الله. وأهل السوء تجيء لهم ذنوبهم في صور قبيحة، يقولون: احملنا، يقول: ايش احملنا أنا لا أعرف أين أذهب بك! أنا عملك، كذباتك، الكذبات حقك، النظرات الفاسدة والمعاملة السيئة، أنا عملك فاحملنا! لا إله إلا الله.
وهؤلاء يركبون على النجائب وتطير بهم "وَبِحُوْرِ الْعِينِ وَأَنْوَاعِ الطَّيِّبِ وَصَوْتِ الْقِيَانِ مَعَ ذَلِكَ النَّعِيمِ تُحْبَرُونَ، وَمَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ تُرْفَعُونَ" اللهم ألحقنا بهم واجمعنا بهم.
فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ الَّذِي قَدْ أَشْرَقَتْ *** أَنْوَارُهُ بِالعِنْدِ يَا لَكَ مِنْ سَنَا
وَالمُتَّقُونَ رِجَالُهُ وَحُضُورُهُ *** يَا رَبِّ فَالْحِقْنَا بِهِمْ يَا رَبَّنَا
هذه وصايا نافعة جامعة، ثم ذكرّنا في هذه المقالة التي بعدها بأمر عظيم، يقول: ما دمت راجع إلى نفسك وإلى الخلق من حولك؛ فأنت في القصور، وأنت في الحجاب، وأنت في الغفلة، وأنت في ضياع العمر، حتى تيأس وتسأم من نفسك ومن جميع الخلق، وتوقن يقيناً تاماً أن الأمر به وله، وترجع إليه. ولهذا قالوا الفرق بين الصادق المتحقق بالإيمان وضعيف الإيمان:
ويقول: "إِذَا ابتُلِيَ العَبْدُ بِبَلِيَّةٍ تَحَرَّكَ أَوَّلاً فِي نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهَا اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْخَلْقِ كَالسَّلاطِينِ، وَأَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ، وَأَرْبَابِ الدُّنْيَا، وَأَصْحَابِ الأَمْوَالِ، وَأَهْلِ الطَّبِّ فِي الأَمْرَاضِ وَالأَوْجَاعِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي ذَلِكَ خَلاصاً، رَجَعَ -حِينَئِذٍ- إِلَى رَبِّهِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالثَّنَاءِ" لماذا من أول ما رجعت إليه؟ "فَمَا دَامَ يَجِدُ بِنَفْسِهِ نُصْرَةً لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْخَلْقِ.
وَمَا دَامَ يَجِدُ بِهِ عِنْدَ الْخَلْقِ نُصْرَةً لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْخَالِقِ.
ثُمَّ إِذَا لَمْ يَجِدْ عِنْدَ الْخَلْقِ نُصْرَةً، اسْتَطْرَحَ بَيْنَ يَدَيْهِ"
وعندئذٍ كما قال من قال:
ثق بمولاك في جميع الأمورِ*** واحسب الناس كلهم في القبورِ
-من يرجع من القبر؛ هو في قبر؟!
……….. *** واحسب الناس كلهم في القبور
لا إله إلا الله.
وهكذا يقول الإمام الحداد:
دَعَ النَّاسَ يَا قَلْبِي يَقُولُونَ مَا بَدَا *** لَهُمْ وَاتَّثِقْ بِاللهِ رَبِّ الخَلَائِقِ
وَلَا تَرْتَجِي فِي النَّفْعِ وَالضُّرِّ غَيْرَهُ *** تَبَارَكَ مِنْ رَبِّ قَدِيرٍ وَخَالِقٍ
فَلَيْسَ لِمَخْلُوقِ مِنَ الأَمْرِ هَا هُنَا *** وَلَا ثَمَّ شَيْءٌ فَاعْتَمِدْ قَوْلَ صَادِق
يقول: إنما يحصل لك الوصول إلى الله حتى تيأس من نفسك ومن الناس والأكوان العلوية والسفلية كلها، وتوقن أن كلهم عبيده وتحت أمره وترجع بالصدق إليه.
يقول: " ثُمَّ إِذَا لَمْ يَجِدْ عِنْدَ الْخَلْقِ نُصْرَةً، اسْتَطْرَحَ بَيْنَ يَدَيْهِ مديمًا لِلسُّؤَالِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالثَّنَاءِ، وَالاِفْتِقَارِ مَعَ الْخَوْفِ مِنْهُ وَالرَّجَاءِ، قال: ثُمَّ يُعْجِزُهُ الْخَالِقُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَنِ الدُّعَاءِ" كيف؟ "حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْ جَمِيعِ الأَسْبَابِ، فَحِينَئِذٍ يَنْفُذُ فِيْهِ القَدَرُ، وَيَفْعَلُ فِيْهِ الْفِعْلُ، فَيَفْنَى العَبْدُ عَنْ جَمِيعِ الأَسْبَابِ وَالْحَرَكَاتِ"
قال: الذي طلب من سيدنا موسى دعاء يدعوه في حاجة له، أخذ الدعاء ورجع إليه بعد مدة قال: يا نبي الله أنا لي سنة أدعو وما انقضت الحاجة. قال: إذا كلمت ربي أسأله، فلما كلَّم ربه قال: يا ربي عبدك له حاجة وعلمته دعاء يدعوك ويقول له سنة يدعوك ولم تجبه، وأنا عبدك مخلوق لو كانت الحاجة بيدي لرحمته وأنت أرحم به. فأوحى الله إليه: يا موسى إنه يدعوني وقلبه عند غنمه، الدعاء يدعو به ولكن قلبه عند الغنم ما هو معي، معلق بغنمه يحب الغنم، معه غنم كثير ويفكر فيها، ولو دعاني مرة واحدة وقلبه معي لأجبته. قال له سيدنا: تعال أنت مجنون؟ تقعد تدعي ربك وقلبك مع غيره! أخرج من قلبك الغنم وغير الغنم واحضر مع الرب الأكرم جل جلاله وتعالى في عُلاه.
لهذا كان يقول سيدنا عمر بن الخطاب: إني لا أحمل هَمَّ الإجابة، ولكن أحمل هَمَّ الدعاء، أحمل هَمَّ الدعاء كيف أدعو؟ إذا دعوت على الوجه اللائق ما أحمل هَمَّ الإجابة، الإجابة يقين: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60]. لكن هَمَّ الدعاء، كيف أدعو؟ على أي حال أدعو؟ بأي قلب أدعو؟ لا إله إلا الله.
يقول -عليه رضوان الله-: "حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْ جَمِيعِ الأَسْبَابِ، فَحِينَئِذٍ يَنْفُذُ فِيْهِ القَدَرُ، وَيَفْعَلُ فِيْهِ الْفِعْلُ، فَيَفْنَى العَبْدُ عَنْ جَمِيعِ الأَسْبَابِ وَالْحَرَكَاتِ فَيَبْقَى رُوحاً فَقَطْ"، أي: يغلب روحه على هيكله وجسده وطبيعته النفسية، "فَلَا يَرَى إِلَّا فِعْلَ الْحَقِّ"، (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29].
"فَلَا يَرَى إِلَّا فِعْلَ الْحَقِّ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَيَصِيرُ مُوْقِناً مُوَحِّداً ضَرُورَةً، وَيَقْطَعُ أَنْ لَا فَاعِلَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا مُحَرِّكَ وَلَا مُسَكِّنَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ، وَلَا ضَرَّ وَلَا نَفْعَ، وَلَا عَطَاءَ وَلَا مَنْعَ، وَلَا فَتْحَ وَلَا غَلْقَ، وَلَا مَوْتَ وَلَا حَيَاةَ، وَلَا عِزَّ وَلَا ذُلَّ، وَلَا غِنَى وَلَا فَقْرَ، إِلَّا بِيَدِ اللَّهِ. فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ -أو في القدر- كَالطِّفْلِ الرَّضِيعِ فِي يَدِ الظِّئْرِ -المرضِعة- وَالْمَيِّتِ الْغَسِيلِ فِي يَدِ الْغَاسِلِ، وَالْكُرَةِ فِي صَوْلَجَانِ الْفَارِسِ" ينظر تصاريف الأقدار فيه، "يُقَلِّبُ وَيُغَيِّرُ وَيُبَدِّلُ وَيُكَوِّنُ، وَلَا حَرََاكَ بِهِ فِي نَفْسِهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، فَهُوَ غَائِبٌ عَنْ نَفْسِهِ فِي فِعْلِ مَوْلَاهُ، فَلَا يَرَى غَيْرَ مَوْلَاهُ وَفِعْلَهُ، وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَعْقِلُ مِنْ غَيْرِهِ، إِنْ أَبْصَرَ فَلِصُنْعِهِ أَبْصَرَ، وَإِنْ سَمِعَ وَعَلِمَ، فَلِكَلَامِهِ سَمِعَ، وَلِعِلْمِهِ عَلِمَ، وَبِنِعْمَتِهِ تَنَعَّمَ، وَبِقُرْبِهِ سَعِدَ" اللهم أسعدنا بقربك. "وَبِتَقَرِيبِهِ تَزَيَّنَ وَتَشَرَّفَ، وَبِوَعْدِهِ طَابَ وَسَكَنَ، وَبِه اطْمَأَنَّ، وَبِحَدِيثِهِ أَنِسَ، وَعَنْ غَيْرِهِ اسْتَوْحَشَ وَنَفَرَ، وَإِلَى ذِكْرِهِ الْتَجَأَ وَرَكَنَ، وَبِه عَزَّ وَجَلَّ وَثِقَ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلَ، وَبِنُورِ مَعْرِفَتِهِ اهْتَدَى وَتَقَمَّصَ، وَتَسَرْبَلَ، وَعَلَى غَرَائِبِ عُلُومِهِ اطَّلَعَ" (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282]، وقال سبحانه وتعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة:151].
"وَعَلَى غَرَائِبِ عُلُومِهِ اطَّلَعَ وَعَلَى أَسْرَارِ قُدْرَتِهِ أَشْرَفَ، وَمِنْهُ سَمِعَ وَوَعَى، ثُمَّ عَلَى ذَلِكَ حَمِدَ وَأَثْنَى، وَشَكَرَ وَدَعَا" فلا يزال حامداً شاكراً داعياً مقتدياً بمحمد ﷺ، الصابر الشاكر الداعي الحامد ﷺ، حتى يرتقي في كل يوم بل في كل ساعة رقياً، وهكذا حتى يلقى ربه في حال سني شريف، لا يشبع المؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة، ولا يزال يرتقي درجة بعد درجة ما دام في هذه الفرصة وهذه الحياة.
اللهم كما أنعمت علينا بالإسلام والإيمان وإدراكِ رمضان وتمامه، وإدراكِ أيام العيد وبدئنا في صيام الست من شوال اتباعاً لنبيك ﷺ؛ فأتمم نعمتك علينا بتطهير قلوبنا عن الالتفات إلى ما سواك وعن التعلق بمن عداك. اللهم نزه قلوبنا عن التعلق بمن دونك، واجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك. اللهم وما أعطيت الصائمين والقائمين والصادقين المخلصين من المعرفة واليقين والأدب والاقتداء والاهتداء والوصف الجميل؛ أعطنا ذلك كله بالفضل والإحسان، يا واسع الإحسان، يا قديم الإحسان، يا عظيم الامتنان، يا رحيم يا رحمن، يا حي يا قيوم، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
04 شوّال 1447