فتوح الغيب - 1 | امتثال أمر الله واجتناب النهي والرضا بالقدر
الدرس الأول من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب فتوح الغيب للإمام الشيخ عبدالقادر الجيلاني - قدس الله سره، ضمن الدروس الصباحية لأيام الست الأولى من شوال 1447هـ.
مقدمة المؤلف، المقالة الأولى: فيما لابد لكل مؤمن
فجر السبت 2 شوال 1447هـ.
يتضمن الدرس:
- التعريف بالإمام عبد القادر الجيلاني وكتابه "فتوح الغيب"
- شرح معاني الصفات الإلهية في مقدمة الكتاب
- المقالة الأولى: الأشياء الثلاثة التي تلزم المؤمن: امتثال أمر الله، واجتناب النهي، والرضا بالقدر
نص الدرس مكتوب:
بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام العارف بالله سبحانه وتعالى الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني -رحمه الله تعالى- ونفعنا به وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين -آمين- من كتاب "فتوح الغيب" رضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَةُ المُؤَلِّفِ
"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَوَّلاً وَآخِراً، وَظَاهِراً وَبَاطِناً، عَدَدَ خَلْقِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَرِضَاءَ نَفْسِهِ، وَعَدَدَ كُلِّ شَفْعٍ وَوَتْرٍ، وَرَطْبٍ وَيَابِسٍ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، وَجَمِيعِ مَا خَلَقَ رَبُّنَا وَذَرَأَ وَبَرَأَ، خَالِقٍ بِلاَ مِثَالٍ، أَبَداً سَرْمَداً، طَيِّباً مُبَارَكاً، (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ) [الأعلى:2]، (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ) [الأعلى:3]، (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) [النجم:44]، (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ) [النجم:43]، وَقَرَّبَ وَأَدْنَى، وَرَحِمَ وَأَخْزَى، وَأَطْعَمَ وَأَسْقَى، وَأَسْعَدَ وَأَشْقَى، وَمَنَعَ وَأَعْطَى، الَّذِي بِكَلِمَتِهِ قَامَتِ السَّبْعُ الشِّدَادُ، وَبِهَا رَسَتِ الرَّوَاسِي وَالْأَوْتَادُ، وَاسْتَقَرَّتِ الْأَرْضُ الْمِهَادُ، فَلَا مَقْنوطاً مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلَا مَأْمُوناً مِنْ مَكْرِهِ وَغَيْرَتِهِ وَإِنْفَاذ أَقْضِيَتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، وَلَا مُسْتَنْكِفاً عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا مَخْلُواً مِنْ نِعْمَتِهِ، فَهُوَ الْمَحْمُودُ بِمَا أَعْطَى، وَالْمَشْكُورُ بِمَا زَوَى.
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى ﷺ، الَّذِي مَنِ اتَّبَعَ مَا جَاءَ بِهِ اهْتَدَى، وَمَنْ صَدَفَ عَنْهُ ضَلَّ وَارْتَدَى، النَّبِيِّ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، الزَّاهِدِ فِي الدُّنْيَا، الطَّالِبِ الرَّاغِبِ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، الْمُجْتَبَى مِنْ خَلْقِهِ، الْمُنْتَخَبِ مِنْ بَرِيَّتِهِ، الَّذِي جَاءَ الْحَقُّ بِمَجيئِه، وَزَهَقَ الْبَاطِلُ بِظُهُورِهِ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِ.
ثُمَّ الصَّلَوَاتُ الْوَافِيَاتُ، وَالْبَرَكَاتُ الطَّيِّبَاتُ، الزَّاكِيَاتُ الْمُبَارَكَاتُ عَلَيْهِ ثَانِيًا، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، وَأَصْحَابِهِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، الْأَحْسَنِينَ لِرَبِّهِمْ فِعْلًا، الْأَقْوَمِينَ لَهُ قِيلاً، وَالْأَصْوَبِينَ إِلَيْهِ طَرِيقًا وَسَبِيلًا.
ثُمَّ تَضَرُّعُنَا وَدُعَاؤُنَا وَرُجُوعُنَا إِلَى رَبِّنَا، وَمُنْشِئِنَا وَخَالِقِنَا وَرَازِقِنَا، وَمُطْعِمِنَا وَمُسْقِينَا، وَنَافِعِنَا وَحَافِظِنَا، وَكَالِئِنَا وَمُحْيِينَا، وَالذَّابِّ وَالدَّافِعِ عَنَّا جَمِيعَ مَا يُؤْذِينَا وَيَسُوءُنَا، كُلُّ ذَلِكَ بِرَحْمَتِهِ وَتَحَنُّنِهِ وَفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ، بِالْحِفْظِ الدَّائِمِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، وَالْإِظْهَارِ وَالْكِتْمَانِ، وَالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَالنِّعْمَةِ وَالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، إِنَّهُ (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [هود:107 والبروج:16]، وَالْحَاكِمُ بِمَا يَشَاءُ، الْعَالِمُ بِمَا يَخْفَى، الْمُطَّلِعُ عَلَى الشُّؤُونِ وَالْأَحْوَالِ، مِنَ الزَّلَّاتِ وَالطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، السَّامِعُ لِلْأَصْوَاتِ، الْمُجِيبُ لِلدَّعَوَاتِ، لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ وَتَرَدُّدٍ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ نِعَمَ اللهِ عَلَيَّ كَثِيرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ -مُتَرَادِفَةٌ-، فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ، وَالسَّاعَاتِ وَاللَّحَظَاتِ وَالْخَطَرَاتِ وَجَمِيعِ الْحَالَاتِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [إبراهيم:34 والنحل:18]. وَقَوْلَهُ تَعَالَى: (وَمَا يَكُم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ الَّلهِ) [النحل:53].
فَلَا يَدَانِ لِي وَلَا جَنَانَ وَلَا لِسَانَ فِي إِحْصَائِهَا وَأَعْدَادِهَا، فَلَا يُدْرِكُهَا التَّعْدَادُ، وَلَا تَضْبِطُهَا العُقُولُ وَالْأَذْهَانُ، وَلَا يُحْصِيْهَا الْجَنَانُ، وَلَا يُعَبِّرُهَا اللِّسَانُ.
فَمِنْ جُمْلَةِ مَا مَكَّنَ عَنْ تَعْبِيْرِهَا اللِّسَانُ، وَإِظْهَارِهَا الكَلَامُ، وَكَتَبَهَا البَنَانُ، وَيُفَسِّرُه البَيَانُ، كَلِمَاتٌ بَرَزَتْ وَظَهَرَتْ لِي مِنْ فُتُوْحِ الغَيْبِ، فَحَلَّتْ فِي الْجَنَانِ، فَأَشْعَلَتِ المَكَانَ فَأَنْتَجَهَا وَأَبْرَزَهَا صِدْقُ الْحَالِ، فَتَوَلَّىٰ إِبْرَازَهَا لُطْفُ الْمَنَّانِ، وَرَحْمَةُ رَبِّ الأَنَامِ فِي قَالَبِ صَوَابِ المَقَالِ لِمُرِيدِي الحَقِّ وَالطُّلَّابِ.
المَقَالَةُ الأُولَى
فِيمَا لَا بُدَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ
لَا بُدَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
1- أَمْرٍ يَمْتَثِلُهُ.
2- وَنَهْيٍ يَجْتَنِبُهُ.
3- وَقَدَرٍ يَرْضَى بِهِ.
فَأَقَلُّ حَالَةٍ لَا يَخْلُو المُؤْمِنُ فِيهَا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ.
فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُلْزِمَ بِهَا قَلْبَهُ، وَلِيُحَدِّثَ بِهَا نَفْسَهُ، وَيَأْخُذَ بِهَا الْجَوَارِحَ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ".
الحمد لله المُنعِم المنَّان، الرَّحيم الرَّحمن، مُنزِل القرآن، والذي بلَّغنا شهر رمضان، الذي مضى علينا بجودٍ وامتنان، حتى كمُلَت عدتُه، وأقبل علينا عيد الفطر وما يليها من الأيام. له الحمدُ وله المنَّة. نشهدُ أنه الله الذي لا إله إلَّا هو وحدهُ لا شريك له. نسأله أن يمدّنا بالتوفيق، ويُلحقنا بخير فريق، ويثبِّت أقدامنا على المنهج القويم الوثيق، ويُعيذنا من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا ومن كلِّ تعويق، وأن يسقينا من أحلى رحيق. ونسأله أن يُصلِّي ويُسلِّم على مَن ختمَ به النبوَّة والرِّسالة، سيد أهل الدلالَة، عبده الذي كمَّلَ كمَاله، وجمَّلَ جمَاله، فلا في خلقه وبريَّته أجمل منه ولا أكمل ولا أعز ولا أفضل، فصلِّ اللهم وسلم وبارك وكرِّم على عبدك الأجَلِّ الأكمل سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اقتدى به فيما نواه واعتقد وقال وفعل، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك القادة الفُضَّل، وعلى آلهم وصحبهم ومن تبعهم بإحسان، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وهذه مقالات مما أجراه الله تعالى على قلب ولسان الإمام العارف بالله مُحيي الدين ومُجدِّد الإسلام في زمنه ووقته الإمام عبد القادر الجيلاني أعلى الله درجاته، وجمعنا به في أعلى جنَّاته، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. عبد القادر بن موسى أبي صالح الجيلاني -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-.
هذه مُقدمة الكتاب وأول مقالةٍ من مقالاته وفصلٍ من فصوله، يقول -عليه رحمة الله- رافعًا راية الحمد للإله رب العالمين -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: "أَوَّلاً وَآخِراً، وَظَاهِراً وَبَاطِناً". وهكذا يجب أن تثبُت هذه المعاني من خلال:
- قراءتنا للقرآن وكلام رسوله المصطفى من عدنان.
- ومن خلال صلواتنا وصيامنا وزكواتنا وأعمالنا الصالحة.
يجب أن تَرسَخ في بواطننا معاني الحمد للرب، وأنه الإله الذي هو رب العالمين، مالكهم ومدبرهم والمحيط بهم -جل جلاله-، من جميع الإنس والجن والملائكة ثم بقيَّة الكائنات والمخلوقات، وهو الذي يستحق الحمد "أَوَّلاً وَآخِراً، وَظَاهِراً وَبَاطِناً" -جل جلاله وتعالى في علاه-.
ولطلب الحظ الوافي من أداء حق الحمد لله الذي لا يقوم بحمده -سبحانه وتعالى- على وجهِهِ الأمثل سواه -سبحانه وتعالى- قال: "عَدَدَ خَلْقِهِ" أي: نحمده "أَوَّلاً وَآخِراً، وَظَاهِراً وَبَاطِناً" بشهود أنه رب العالمين.
- "عَدَدَ خَلْقِهِ":
والخلق يشمل: الحس والمعنى والظاهر والباطن، والروح والجسد، والجمادات والحيوانات والنباتات. وجميع ما خلق الحق سبحانه وتعالى.
- "وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ":
(قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) [الكهف:109].
- "وَزِنَةَ عَرْشِهِ":
وعرشه أكبر الكائنات جسمًا من حيث الخلق الجسماني. فهو أكبر الكائنات جسمًا؛ فلا جسمَ في المخلوقات أكبر من جسم العرش الذي يُحيط بالسماوات وما تحتها من الأرضين؛ ولذلك قال: "وَزِنَةَ عَرْشِهِ"؛ فكم زنة هذا العرش!
- "وَرِضَاءَ نَفْسِهِ":
ولا شيء أوسع من رضوان الله، وأعظم من رضوان الله، ولا أفضل من رضوان الله -جل جلاله-. فهو يُعبِّر عما استكنَّ في ضميره من واجب حمده لربه -سبحانه وتعالى- المتولِّي لجميع شأنه وتدبيره.
يقول: "وَعَدَدَ كُلِّ شَفْعٍ وَوَتْرٍ"؛ وقد أقسم الله بالشفع والوتر في كتابه.
- وكل زوجين شفع.
- وكل فرد وترٌ.
يقول: "وَرَطْبٍ وَيَابِسٍ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ"؛ لأن كلَّ شفع ووتر وكل رطب ويابس قد سبقت به إرادة الله، وأحاط به علمه، وسُطِّر في الكتاب المبين.
"وَجَمِيعِ مَا خَلَقَ رَبُّنَا وَذَرَأَ وَبَرَأَ، خَالِقٍ بِلاَ مِثَالٍ، أَبَداً سَرْمَداً، طَيِّباً مُبَارَكاً"؛ يعني: حمد أبدي سرمدي طيبًا مُباركًا فيه.
"(الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ) [الأعلى:2-3]"؛ وخلقه أولًا، ثم تسوِيَته ذلك الخلق إلى الحدّ الذي قال فيه:
- (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ) [الملك:3].
- (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) [السجدة:7] وفي القراءة الأخرى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ).
(فَسَوَّىٰ) -جل جلاله- ولا تُحيط العقول:
- بالخلق.
- ولا بالتسوية في ذلك الخلق.
ثمَّ بعد ذلك ما "(قَدَّرَ فَهَدَىٰ)" وهو الأمر الذي برز فيه لبصائر العارفين معاني جلَّت عن الوصف. أنه قَدَّرَ الأشياء في الأزل، قدَّر كل شيء:
- في طوله وعرضه.
- ولونه.
- وأخذه ووقته وزمنه.
- وجميع أحواله وحالاته.
"(قَدَّرَ فَهَدَىٰ)" كل شيء لِمَا قُدِّر له من نبات وحيوان وجماد.. كل واحدة مرتبٌ تقديرُها وهداها لما قدَّرهُ لها -سبحانه وتعالى-.
- وقد كان يقول من أئمة النور والعلم المتأخرين الإمام أبو بكر بن عبد الله العطاس: لو تكلمت على ما علمني الله في معنى قوله: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ) لأعجزت كَتَبَة الدنيا؛ عن معنى (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ)".
- ويقول بعض العارفين المتقدمين: إني قرأتُ للقرآن تفسيرًا فلم يَشْفِ لي غليلًا، وقرأتُ التفسير الثاني ولم يشفِ لي غليلًا، وقرأتُ التفسير الثالث ولم يشفِ لي غليلًا.. حتى قرأتُ مائة تفسيرٍ ولم تشفِ لي غليلًا. ففتح الله عليَّ فتحًا في قوله: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ) فشفى غليلي.
"و(قَدَّرَ فَهَدَىٰ) [الأعلى:3]، (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) [النجم:44]، (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ) [النجم:43] -كما دلَّت الآيات-، وَقَرَّبَ وَأَدْنَى، وَرَحِمَ وَأَخْزَى، وَأَطْعَمَ وَأَسْقَى، -جل جلاله-، وَأَسْعَدَ وَأَشْقَى، وَمَنَعَ وَأَعْطَى، الَّذِي بِكَلِمَتِهِ قَامَتِ السَّبْعُ الشِّدَادُ، وَبِهَا رَسَتِ الرَّوَاسِي وَالْأَوْتَادُ".
- (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت:11].
- (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس:82] -جل جلاله وتعالى في عُلاه-.
"وَاسْتَقَرَّتِ الْأَرْضُ الْمِهَادُ، فَلَا مَقْنوطاً مِنْ رَحْمَتِهِ -سبحانه؛ لا يجوز القنوط من رحمته-، وَلَا مَأْمُوناً مِنْ مَكْرِهِ وَغَيْرَتِهِ".
- لا يجوز لكل من آمن بالله وعرف الله أن يقنط من رحمته.
- ولا أن يأمن من مكره.
فإنه الله الذي ما يحدّه حد، ولا يحصُره حاصر، ولا يُحيط بعلمه محيط -جلَّ جلاله-.
فيجب على الكلِّ أن يكون:
- راجيًا.
- وخائفًا منه سبحانه وتعالى.
لا يجوزُ لأحدٍ أن يقنط من رحمته ولا أن يأمن مكرهُ ونقمتُه -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-. وقد مرَّ معنا في الآيات الكريمة:
- (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الزمر:13].
- ويقول سيدنا صالح لقومه: (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) [هود:63].
- ولمَّا قال مرة سيدنا عمر للحبيب ﷺ:"دَعْني أَنزِعْ ثَنِيَّتَيْ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو… فلا يقومُ عليكَ خَطيبًا في موطنٍ أبدًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: لا أُمثِّلُ به؛ فيُمثِّلَ اللهُ بي وإنْ كنتُ نبيًّا"، "ولعله يقوم مقامًا لا تكرهُه" أي: تحمده عليه ﷺ.
قال: أنا إذا تصرفت في العباد بغير حق، وبغير إِذن ومثَّلت بهم، ما آمن أن يُصيبني المُثْلَة أنا؛ وإن كنتُ نبيَّا. قال: "وإن كنتُ نبيَّا" اللهمَّ صلِّ عليه وعلى آله وصحبه. فلا مجال للأمنِ من مكر الله، ولا مجال للقنوط واليأسِ من رحمة الله -جلَّ جلاله-؛ فيجب أن تتعلق القلوب بهذا الإله -سبحانه وتعالى-.
"وَإِنْفَاذ أَقْضِيَتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، وَلَا مُسْتَنْكِفاً عَنْ عِبَادَتِهِ" (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) [النساء:172].
"وَلَا مَخْلُواً مِنْ نِعْمَتِهِ"؛ فما شيء من الكائنات قطُّ -على الإطلاق- إلا وفيه نِعَمه؛ لا شيء! لا شيء إلَّا ونعمه فيه -سبحانه وتعالى-. "فَهُوَ الْمَحْمُودُ بِمَا أَعْطَى، وَالْمَشْكُورُ بِمَا زَوَى".
"ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى ﷺ، الَّذِي مَنِ اتَّبَعَ مَا جَاءَ بِهِ اهْتَدَى". فهو مركز الهداية؛ ونقطة الفارق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والسعادة والشقاوة.
قال: "وَمَنْ صَدَفَ عَنْهُ ضَلَّ وَارْتَدَى، النَّبِيِّ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ"؛ أي:
- المُصدَّق بجميعِ ما يقول.
- والذي يجب تصديقه.
- فما عرفت الكائنات أصدق منه لهجة.
"الزَّاهِدِ فِي الدُّنْيَا".
هُوَ الزَّاهِدُ المُلْقِي لِدُنْيَاهُ خَلْفَهُ *** هُوَ المُجْتَزِي مِنْهَا بِزَادِ المُسَافِرِ
وَبَاذِلَهَا جُودًا بِهَا وَسَمَاحَةً *** بِكَفِّ نَدَاهَا كَالسَّحَابِ المَوَاطِرِ
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
وَفِي السَّخَا كأنَّهُ البَحرُ زَخَر *** يُعطِي مَئِينًا وَأُلُوفًا مَن حَضَر
وَمَا اصطَفَى لِنَفسِهِ وَمَا ادَّخَر *** إِلَّا يَسِيرًا وَهوَ ذُو العِيالِ
وَسَلْوةٌ لِمُعْسِرٍ مِسْكِيْنِ *** إِذْ صَحَّ لَم يَشْبَعْ وَلا يَوْمَيْنِ
وَقَدْ أَبَى جِبَالَهَا مِنْ عَيْنِ *** زُهْداً وَمِنْ جُوْعِ طَوَى لَيَالِيْ
مِن عَينِ أي: مِن ذَهَب.
اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه. وارزقنا متابعته، وارزقنا متابعته، وارزقنا متابعته، واحشرنا في زمرته، وأكرمنا بمرافقته، بجاهه عليك؛ آمين؛ برحمتك يا أرحم الراحمين.
"الطَّالِبِ الرَّاغِبِ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى"؛ اللَّهم صلِّ عليه، وهو سيد أهل الرفيق الأعلى وإمامهم. "الْمُجْتَبَى مِنْ خَلْقِهِ" أي: المصطفى؛ "الْمُنْتَخَبِ" كذلك المُختار "مِنْ بَرِيَّتِهِ" وهم جميع خلقه. "الَّذِي جَاءَ الْحَقُّ بِمَجيئِه" اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه.
(وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) [الإسراء:81]. "وَزَهَقَ الْبَاطِلُ بِظُهُورِهِ" اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله، "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِ"؛ صلوات ربي وسلامه عليه. فهو نور الله الأزهر صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. نور الله الأكبر.
"ثُمَّ الصَّلَوَاتُ الْوَافِيَاتُ، -من ربنا- وَالْبَرَكَاتُ الطَّيِّبَاتُ، الزَّاكِيَاتُ الْمُبَارَكَاتُ عَلَيْهِ ثَانِيًا" بعد حمد لله، صلاتنا ثانيًا على رسوله ومُصطفاه، "وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، وَأَصْحَابِهِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، الْأَحْسَنِينَ لِرَبِّهِمْ فِعْلًا، الْأَقْوَمِينَ لَهُ قِيلاً" فأحسَنُوا أفعالهم وقوَّموا أقوالهم على ما يُرضي الحق. مَنْ؟
- الآل.
- والصحابة.
- والتابعون لهم بإحسان.
فهم "الْأَصْوَبِينَ إِلَيْهِ طَرِيقًا وَسَبِيلًا"؛ فهم الأبواب المُوصِلة إليه، وهم المتمسكون بسنته وهديه صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. رزقنا الله متابعتهم. مَنْ هُم؟
- الآل.
- والصحب.
- والتابعون لهم بإحسان.
وهم المذكورون في قول الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ) -ومنهم خلاصة من آل بيته- (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:100].
وهم الذين قال عنهم الإمام الحداد:
وَآلُ رَسُولِ اللهِ بَيْتٌ مُطَهَّرٌ *** مَحَبَّتُهُمْ مَفْرُوضَةٌ كَالمَوَدَّةِ
هُمُ الحَامِلُونَ السِّرَّ بَعْد نَبِيِّهِمْ *** وَوُرَّاثُهُ أَكْرِمْ بِهَا مِنْ وِرَاثَةِ
وَأَصْحَابُهُ الغُرُّ الكِرَامُ أَئِمَّةٌ *** مُهَاجِرُهُمْ وَالقَائِمُونَ بِنُصْرَةِ
وَمُتَّبِعُوهُمْ فِي سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ *** إِلَى اللهِ عَنْ حُسْنِ اقْتِفَاءٍ وَأُسْوَةِ
هؤلاء الثلاث أصناف..
أُولَئِكَ قَوْمٌ قَدْ هَدَى اللهُ فَاقْتَدِهْ *** بِهِمْ وَاسْتَقِمْ وَالْزَمْ وَلَا تَتَلَفَّتِ
فَمَا بَعْدَ هَدْي المُصْطَفَى وَصِحَابِهِ *** هُدَىَّ لَيْسَ بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالَةِ
يقول: "ثُمَّ تَضَرُّعُنَا وَدُعَاؤُنَا وَرُجُوعُنَا إِلَى رَبِّنَا، وَمُنْشِئِنَا وَخَالِقِنَا وَرَازِقِنَا، وَمُطْعِمِنَا وَمُسْقِينَا، وَنَافِعِنَا وَحَافِظِنَا، وَكَالِئِنَا وَمُحْيِينَا، وَالذَّابِّ وَالدَّافِعِ عَنَّا جَمِيعَ مَا يُؤْذِينَا وَيَسُوءُنَا، -لا إله إلا الله- كُلُّ ذَلِكَ -جاء- بِرَحْمَتِهِ وَتَحَنُّنِهِ وَفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ"، لا نستحق شيئًا.. لا نستحق خلقًا، ولا نستحق رزقًا، ولا نستحق شيئًا على الله؛ بل كلُّهُ من فضل الله -جل جلاله وتعالى في عُلاه-.
"وَمِنَّتِهِ بِالْحِفْظِ الدَّائِمِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، وَالْإِظْهَارِ وَالْكِتْمَانِ، وَالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَالنِّعْمَةِ وَالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، إِنَّهُ (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [هود:107 والبروج:16]، وَالْحَاكِمُ بِمَا يَشَاءُ، الْعَالِمُ بِمَا يَخْفَى، الْمُطَّلِعُ عَلَى الشُّؤُونِ وَالْأَحْوَالِ، مِنَ الزَّلَّاتِ وَالطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، السَّامِعُ لِلْأَصْوَاتِ، الْمُجِيبُ لِلدَّعَوَاتِ، لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ وَتَرَدُّدٍ".
أَمَّا بَعْدُ:
"فَإِنَّ نِعَمَ اللهِ عَلَيَّ كَثِيرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ -مُتَرَادِفَةٌ-، فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ، وَالسَّاعَاتِ وَاللَّحَظَاتِ وَالْخَطَرَاتِ وَجَمِيعِ الْحَالَاتِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [إبراهيم:34 والنحل:18]. وَقَوْلَهُ تَعَالَى: (وَمَا يَكُم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ الَّلهِ) [النحل:53]. فَلَا يَدَانِ لِي وَلَا جَنَانَ وَلَا لِسَانَ فِي إِحْصَائِهَا وَأَعْدَادِهَا"؛ ليس لي يدان ولا جَنان ولا لسان، لا أقدر بيديَّ ولا بجَناني ولا بلساني أحصيها وأحصي أعدادها.
"فَلَا يُدْرِكُهَا التَّعْدَادُ، وَلَا تَضْبِطُهَا العُقُولُ وَالْأَذْهَانُ" وهكذا يجب أن يستشعر المؤمن نعمة الله عليه "وَلَا يُحْصِيْهَا الْجَنَانُ، وَلَا يُعَبِّرُهَا اللِّسَانُ"؛ أي: يُعبِّر عنها.
"فَمِنْ جُمْلَةِ مَا مَكَّنَ عَنْ تَعْبِيْرِهَا اللِّسَانُ"؛ أي: من نِعمه التي أنعم بها عليه "وَإِظْهَارِهَا الكَلَامُ، وَكَتَبَهَا البَنَانُ": اليد، واللسان، والجنان.
"وَيُفَسِّرُه البَيَانُ، كَلِمَاتٌ بَرَزَتْ وَظَهَرَتْ لِي مِنْ فُتُوْحِ الغَيْبِ".
- قال الله عنه: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282].
- وقال: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف:65].
"فَحَلَّتْ فِي الْجَنَانِ، فَأَشْعَلَتِ المَكَانَ فَأَنْتَجَهَا وَأَبْرَزَهَا صِدْقُ الْحَالِ، فَتَوَلَّىٰ إِبْرَازَهَا لُطْفُ الْمَنَّانِ، وَرَحْمَةُ رَبِّ الأَنَامِ فِي قَالَبِ صَوَابِ المَقَالِ لِمُرِيدِي الحَقِّ وَالطُّلَّابِ".
الله يُكرمنا، ويجعلنا من مُريدي الحق، ومُريدي الوجهة إلى الحق -سبحانه-، والوصول إلى الحق -جل جلاله-، ويجعل ذلك مُرادنا وقصدنا، مُتحققين بحقائقِ:
- لا معبود إلا الله.
- ولا مقصود إلا الله.
قال -رضي الله عنه- في أولِ المقالة: هذا المؤمن الذي يتوجّه إلى الله، ويريد الوصول إليه؛ عُمره كلُّه يمر ما بين هذه الثلاثة الأشياء، في جميع أحواله ما يخلو عن:
- أمر من أوامر الله ورسوله يمتثله.
- ونهي ينتهي عنه.
- وقدر يُمضيه فيرضى به.
فهذا ما يُلازِم المؤمن في سيره إلى الله -تبارك وتعالى-. ويكون شأنه وحاله في أيامه ولياليه، وفي سفره وإقامته، وحركته ما بين:
- أمرٍ يمتَثله.
- ونهيٍ يجتنبه.
- ورضىً بقدرٍ يُقدِّره ويقضِيه -سبحانه وتعالى-.
قال: فهذا أساس المُعاملة مع الرَّحمن -جل جلاله-. تقوم عليها بقية الصالحات؛ الصفات الصالحة والأعمال الصالحة.
كلُّها تقوم على هذا الأساس:
- امتثال الأمر.
- اجتناب النواهي.
- الرضا بالقضاء والقدر.
فلابُد يُلازِم المؤمن هذا الشأن. وعليه يقوم البناء؛ بناء الصفات الصالحة والأعمال الصالحة. كلها تبتني: بامتثال أمره، واجتناب نهيه، والرضا بقضائه وقدره. وما من خلل يُصِيب السائر إلى الله في سيره إلا من خلال عدم امتثال الأمر أو عدم اجتناب النهي أو عدم الرضا بالقضاء والقدر، كل أنواع الخلل من السيئات والذنوب والمعاصي تجيء من خلال هذا؛ فبها يحصل الخلل والزلل والبُعد عنه -عز وجل-؛ من عدم امتثال أمره؛ عدم اجتناب النهي؛ عدم الرضا بقضائه وقدره.
فألزِم نفسك في أحوالك المُختلفة بامتثال أمره واجتناب نهيه. ونحن في ما مضى علينا إن شاء الله في رمضان من صيام وقيام؛ امتثلنا أمره -إن شاء الله-، واجتنبنا -إن شاء الله- نهيه، ورضينا بقضائه وقدره. وجائنا هذا العيد ونحن في مثل هذا المجلس حضرناه امتثالًا لأمره:
- أمر إيجاب.
- وأمر ندب منه -سبحانه وتعالى-.
- فما يطرأ علينا ونلاقيه من المعلومات المُتعلِّقة بما هو فرض عين علينا؛ فهذا امتثال أمر واجب.
- وما نسمعه مما هو فرض كفاية أو ما هو مندوب لنا؛ فهذا امتثال أمر في الندب الذي ندبنا الله -تعالى- إليه. وفيه اجتناب نهي، ومن جملة ذلك نهانا عن الغفلة ونهانا عن الإعراض.
ونحن بحضورنا واستماعنا؛ انتهينا عن الغفلة، وانتهينا عن الإعراض عن ذكره -سبحانه وتعالى-.
ومع ذلك كله فيتتَوَّج حَالُنَا بأن يطَّلع من قلوبنا على أنَّا راضيين بما قضى وقدَّر -جل جلاله-. لا اعتراض لنا عليه، ولا سخط لشيء مما قضاه وقدَّره؛ يقينًا منَّا بأنه الأعلم، والأحكم، والأعظم، والأرحم، وأنه -سبحانه وتعالى- إنما يُقدِّر ما هو أتم وأقوم؛ فالأمر له -جل وعلا-.
وأين عقولنا، وأين مداركنا عند علم الذي أحاط بكل شيء علمًا -جل جلاله وتعالى في عُلاه-؟!
رضينا بقضاء الله كيف قضى.
وهكذا، جئنا الآن من الصلاة على ثلاثةٍ -عليهم رحمة الله تعالى-، وجعل الله قبورهم رياضًا من رياض الجنة، رضينا بقضاء الله -تبارك وتعالى- ونسأله التوفيق لنا.
قال: "لَا بُدَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ -في جميع أحواله- مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
1- "أَمْرٍ يَمْتَثِلُهُ": يستمر معنا امتثال هذا الأمر:
- بأن ننصرف من المجلس على الذكر؛ نُصلِّي ركعتين أو أربع من الضحى.. كلها أوامر نمتثلها!
- نمشي في الطريق بالآداب، نغض الطرف عمَّا لا يليق. ونواهيه نجتنبها: نبتعد عن سوء الظن.
- حتَّى إذا رقدنا، نوينا برُقَادِنَا ومَنَامِنَا التقوي على طاعته -سبحانه وتعالى-.
- مَن باشر منَّا صيام أيام الست من شوال، امتثل الأمر المندوب على لسان الحبيب المحبوب ﷺ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ"؛ ومَن يعزم على أدائها فيما بعد.
قال: "1- أمر يمتثله.
2- وَنَهْيٍ يَجْتَنِبُهُ: ففي كل وقت:
- يجتنب سوء الظن.
- ويجتنب نية السوء.
- ويجتنب العزم على الشر.
- ويجتنب الكبر والرياء والغرور والعُجب وما إلى ذلك.
اللَّهم ارزقنا حسن امتثال أمرك، وحسن اجتناب نهيك.
3- وَقَدَرٍ يَرْضَى بِهِ.
"فَأَقَلُّ حَالَةٍ لَا يَخْلُو المُؤْمِنُ فِيهَا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ. فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُلْزِمَ بِهَا قَلْبَهُ، وَلِيُحَدِّثَ بِهَا نَفْسَهُ، وَيَأْخُذَ بِهَا الْجَوَارِحَ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ".
فإنها مفتاح باب المعاملة مع الله، وأساس المعاملة!
امتثال الأمر، واجتناب النهي، والرضا بالقضاء والقدر.. هذا أساس تُبنى عليه المعاملة كلها.
امتثِل أمره، واجتنب نهيه، والرضا بقضائه وقدره -جل جلاله-؛ فهذا شأن العبد مع الرب!
إذا عرفت ألوهيته وربوبيته؛ هذه وظيفتك معه: تمتثل أمره، وتجتنب نهيه، وترضى بقضائه وقدره. وإذا صحَّ ذلك منك ورسخ فيك؛ فيُبتني عليه المعاملة الحسنة كلُّها. وبها تترقى في المرقى بعد مرقى.
ولكن هذا هو الأساس؛ وهو حُسن التقوى!
حُسن التقوى:
- امتثال الأوامر.
- واجتناب النهي.
- والرضا بقضائه وقدره.
اللَّهم أكرمنا بتقواك، وَوَفِّر حظنا من عفوك ومغفرتك ومن رضاك، وَوَفِّر حظنا من محبتك كما أحببت أنبياءك وأولياءك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الرَّاحمين. وأصلح شؤوننا والأُمة أجمعين.
رزقنا الله الاستقامة وأتحفنا بأنواع الكرامة، وبارك لنا في هذه الأيام من شوال وما بقي لنا من العمر بركة تامَّة في السِّر والجَهر، تقوم فينا الأُسُس على امتثال الأمر، واجتناب النهي، والرضا بقضاء الله وقدره، ويزيدنا الله بذلك رِفعة وقُربًا منه، ومحبَّة له. ولا يجعله آخر العهد من رمضان الذي فارقناه.
يا رب اقبلنا على ما كان منَّا، وضاعف هباتك لنا، وضاعف ونَمِّ ما وفقتنا من الخير له في رمضان، وأعِدْنَا إلى أمثاله في صلاح وفلاح ونجاح، واستقامة على منهج الهُداة الصُلَّاح، واجعلنا من خواص أتباع حبيبك المُصطفى وآله وصحابته الأزكياء في جميع الشؤون من جميع النواحِ كما أنت أهله، بما أنت أهله في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
04 شوّال 1447