الكبريت الأحمر - 5 | أنموذج من علم القلب
الدرس الخامس للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الكبريت الأحمر و الأكسير الأكبر في معرفة أسرار السلوك إلى ملك الملوك ، للإمام الحبيب عبد الله بن أبي بكر العيدروس . ضمن دروس الدورة الصيفية الأولى بمعهد الرحمة بالأردن.
مساء الخميس 18 صفر 1446 هـ
نص الدرس المكتوب :
بسم الله الرحمن الرحيم
من كتاب الكبريت الأحمر والإكسير الأكبر وبسندكم المتصل إلى صاحب الكتاب الحبيب عبد الله بن أبي بكر العيدروس -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين إلى أن قال:
فصْل
فِي شَرْحِ أُنْمُوْذَجٍ مِنْ عِلْمِ القَلْبِ
"لأنه المضغة التي إذا صَلُحَتْ.. صلُح بها سائر الجسد، وإذا فسدت.. فسد بها سائر الجسد، وهي القلب؛ في الحديث الصحيح المحمدي، عليه أفضل الصلاة والسلام.
وإنما سُمِّيَ القلبُ قلبًا؛ لأنه سريعُ التَّقَلُّبِ؛ بتقليب مقلب القلوب، كما قال ﷺ: "إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ إِصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلَّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ".
ولأنه خُلق في قلب عالَم الغيب والشهادة، وهما: الروح والجسد، وقد تولّد من ازدواجهما؛ فصورتهُ مُتَصِلَةٌ بالجسد، وروحُهُ مُتَّصِلة بالروح.
وقد عبَّر النبي ﷺ عن عالَم الغيب والشهادة بالأُصبعين؛ لأنهما صورتا صِفَتَي لطف الله وقهره.
وقد ورد في الحديث، كما قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابع الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ".
قوله: "إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ"، أي: باستيلاء صفات الروحانية عليه، أقامَهُ متوجِّهًا إلى حضرة العِزَّة.
"وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ"، أي: بغلبات صفاتِ الحيوانية عليه، أزاغَهُ مُعْرِضًا عن الحقِّ متوجهًا إلى الدنيا، وشهواتها، واستيفاء لذاتها، وطلب جاهها .
فإن من سننه تعالى أنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ فلا يرفع العبد إلى الحضرة العِندية إلا بعد أن يرفع العبد أعماله الجسدانية، كما قال الله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ) [الصف:5]، أي: زاغوا بإيذاء رسول الله .. أزاغ قلوبهم عن الإيمان.
وكذلك إقامة القلوب.. إنما تكون بإقامة شرائط العبودية في تصفية القلب، وتنقيته، وتربيته في الترقي إلى المقامات الكسبية، المثمرة للأحوال الوهبية، المثمرة للأَنْفَاسِ الغيبية، التي هي أرقُّ وألطف من الأحوال الوهبية.
ورد في الحديث -كما ذكر الشيخ رحمه الله-: "إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابع الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ"، ولكن كما يذكر الشيخ أن الإزاغة هذه إنما تحصل عندما يزيغ القلب؛ يرفض خطاب النبيين وندائهم، يرفض ما وُجّه إليه من قِبل الرب -سبحانه وتعالى- ويؤثِر القواطع والفانيات، حينئذٍ يزيغ فيُزاغ -والعياذ بالله تعالى-، فكذلك إذا قُوّم على امتثال الأوامر واجتناب النواهي فالحقّ يقوّمه -جلّ جلاله- وله الأمر كله وله القدرة وله التصرف وله الإرادة.
ولأنه خُلق في قلب عالم الغيب والشهادة؛ يعني: بينهما؛ فهما الروح والجسد، فعالم الروح من عالم الغيب، والجسد من عالم الشهادة، وتولّد من ازدواجِهما هذا القلب، صورته متصلة بالجسد؛ وهي: قطعة اللحم هذه الصنوبرية الشكل، ويترتب عليها أيضًا صحة الجسد كله؛ وإذا فسدت يفسد الجسد الظاهر، كذلك باطنها وروحها؛ متصلة بالروح الفيبي؛ فكانت برزخ بين عالم الأجساد وعالم الأرواح، ولهذا يكون باطن الإنسان قلبه، وباطن القلب الروح، وباطن الروح السِر؛ سِرّ الإنسان.
- فقلبه محل المعرفة.
- وروحه محل المحبة.
- وسرّه محل المشاهدة.
يقول: "وقد تولّد من ازدواجهما؛ فصورتهُ مُتَصِلَةٌ بالجسد، وروحُهُ مُتَّصِلة بالروح"، "وقد عبَّر النبي ﷺ عن عالَم الغيب والشهادة بالأُصبعين"؛، قال: "بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابع الرَّحْمَنِ"، "لأنهما صورتا صِفَتَي لطف الله" وهي: عالم الروح، "وقهره"؛ وهو: عالم الجسد "وقد ورد في الحديث، كما قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابع الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ"؛ "قوله: "إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ" أي: باستيلاء صفات الروحانية عليه"؛ فكيف الإقامة؟ يقيمه ربي:
- إذا رأى منّا صدق في التوجّه إليه
- ومداواة القلب وعلاجه بأخذ العلم والعمل به، وما إلى ذلك..
- وكثرة الذكر لله
يقيم القلب.. كيف يقيم القلب؟
يقيمه "متوجِّهًا إلى حضرة العِزَّة"، إلى حضرة الربوبية، فيصحّ له معنى: ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ) [الأنعام:79] مسلمًا، وإذا توجّه إلى فاطر السماوات والأرض، قال: لم يبقَ له مطلوب سماوي ولا أرضي؛ لأنه توجه إلى فاطرها، فإيش يبقى له فيها؟ ما يبقى له التفات إلى شيءٍ منها، ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ).
قال: " "إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ"، بغلبات صفاتِ الحيوانية عليه"، فكيف الزيغ؟ بإعراضه عن الحق "متوجهًا إلى الدنيا، وشهواتها، واستيفاء لذاتها"، وكأنه ما خُلق إلا لها، وكأنها باقية، وليس شيء من ذلك واقع بل محض وهمٍ وخيال يَضِل به من يضل. قال: "فإن من سننه تعالى أنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ فلا يرفع العبد إلى الحضرة العِندية" بتحقيق العبودية، تصحّ له العبدية، فتتولاها الربوبية، فيكون عند الله، "إلا بعد أن يرفع العبد أعماله الجسدانية" فلا يرضى بما حرّم الله تعالى من كذب، ولا غيبة، ولا زنا، ولا لواط، ولا سرقة، ولا قتل بغير حق، ولا ضرب بغير حق، ولا شيء من معاصي العين، ولا اليد، ولا الرجل، ولا الأعضاء كلها السبعة، فترفع أعماله الجسدية إلى رفيع الطاعات.
فحينئذٍ يرفع الله تعالى هذا العبد، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ) [فاطر:10]، فإذا رفع عمله.. رفع العامل، إذا رفع العمل رفع العامل، كيف يرفع العمل ولا يرفع العامل؟! ما يرفع عمله إلا وقد رفع قدره وشأنه وذاته، فعلى قدر ما ترفع إلى ربك من العمل الصالح، يرفعك الحق سبحانه وتعالى، "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين".
"كما قال الله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)، آذوا النبي وكذبوا بما جاء به، (فَلَمَّا زَاغُوا)؛ هذا الزيغ: تكذيبهم بالنبي ومخالفتهم له، (أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)، فسلّط عليهم محبة الفانيات، قارون وفرعون وهامان، وانتهوا نهاية قبيحة وإلى الأبد في الخزي، (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ) من يوم غرقوا إلى الليلة، حتى العشية هذه وهم يعرضون على النار، والصبح عُرضوا، ومن يوم ماتوا وهم يعرضون على النار، كم من حزن ذا؟ وكم من تعب.. وكم من ألم.. طول الليل والنهار (غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:45-46]، أجارنا الله من ذلك. قال: "زاغوا بإيذاء رسول الله موسى.. أزاغ قلوبهم عن الإيمان".
"وكذلك إقامة القلوب.. إنما تكون بإقامة شرائط العبودية"، فإذا عرفنا عبوديتنا لهذا الإله، وقمنا بحق العبيد، حتى يقول سيدنا الحداد: ما ترك من الكمال شيئًا، من أقام نفسه من ربه، مقام عبده من نفسه. قال: حتى في أتفه الأشياء..عبدك هذا المملوك كيف تقيمه إذا أنت ملكته من نفسك؟ طبعًا الفارق الكبير، لا خلقته ولا رزقته ولا مرجعه إليك، إنما فقط ملكت رقبته بسبب من الأسباب، قال: لو أنت كنت مع الله مثل ما تُحب المملوك فقط يكون معك، ما تركت من الكمال شيء، ستحوز الكمالات، لأن الله رضي منّا باليسير، رضي منّا بالقليل، وهو الإله الحق، ونحن عبيده حق، أنت ربنا حقا ونحن عبيدك رِقّا… لا إله إلا الله، ولكن يوفق الله من شاء.. عبيد ما عرفنا قدر سيدنا، ما عظّمنا قدر سيدنا، ما أحسنّا امتثال أمر سيدنا، ما حق العبد إلا يُطيع السيد! لا إله إلا الله..
قالوا لسيدنا الشيخ أبي بكر بن سالم، وهو جلس في آخر عمره سنة، سنتين، ثلاثة، أربع إلى خمسة عشر سنة… ما يُرى إلا متورّك جلسته في الصلاة، في مجالسه الخاصة والعامة، قالوا له: أنت كبير السن بتتعب، رجولك ما تتعب؟ قال: هذه جلسة العبد بين يديّ سيده، وأنا عبد بين يديّ سيدي! يعني: ما يغيب عنه الشهود في كل مكان جالس هكذا، وهو كبير في السن، في السبعين سنة وهو جالس متورّك في طول المجلس، في بيته وفي المجالس قاعد متورّك، قالوا له: ما لك؟ قال: هذه جلسة العبد بين يديّ سيده، أنا عبد بين يدي سيديّ.. لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، سبحان الله! قال سيدهم ﷺ: "إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد"، يا رب صلّ عليه.
قال: "إقامة القلوب.. إنما تكون بإقامة شرائط العبودية في تصفية القلب، وتنقيته، وتربيته في الترقّي إلى المقامات الكسبية" والمقامات الكسبية -سيذكرها لنا عشرة مقامات- تثمر: "أحوالاً وهبية"، والأحوال الوهبية التي تثمرها المقامات، تثمر: "أنفاسًا غيبية"، فالأنفاس "أرقُّ وألطف من الأحوال الوهبية"، ولهذا يسمّون الإمام عمر بن عبد الرحمن العطاس: قطب الأنفاس، لا قطب الأحوال، بل قطب الأنفاس. قد يكون قطب في حال من الأحوال؛ قطب الراضين، قطب المتوكلين، قطب المحبين… لكن: قطب الأنفاس، قال في هذه الأنفاس الغيبية: "والأَنْفَاس ترويح القلوب".
وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:
"والأَنْفَاس ترويح القلوب بلطائف الغيوب.
وصاحب الأنفاس أرقُّ، وأصفى.. مِن صاحب الأحوال، فكأن صاحب الوقت والمقام مبتدئٌ، وصاحب الأنفاس منتهٍ، وصاحب الأحوال بينهما؛ فالأحوال وسائط، والأنفاس نهاية الترقي.
فالأوقات لصاحب القلوب، والأحوال لأرباب الأرواح، والأنفاس لأهل السرائر.
وأجمع العارفونَ على أن أفضل العبادات حفظ الأنفاس مع الله، ويكون دخولها وخروجها بذكر الجلالة، وهو قولك: "الله ، الله" ، أو ذكر: "لا إله إلا الله" ، وهو الذَّكرُ الخفي الذي لا تتحرك به الشفتان، أعني: أفضل العبادات حفظ الأنفاس مع الله، أعني: الأنفاس الهوائية الجسمانية يكون دخولها وخروجها على أفضل الرّضا والذكر؛ لأنها جواهر الأعمال المثمرة لمعارف الأسرار، والأنوار، وهذا معدود من المقامات.
أما الأنفاس - التي هي أرق وأصفى من الأحوال ـ هي ترويحات، غيبيات، لدنيات، روحانيات، وهبيات من ينبوع (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۗ) [البقرة:105]، (وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف:65]، أعني: أنها عبارة عن المشاهدة، والمكاشفة الواردة على ساحات القلوب من عوالم الغيوب؛ ترويحا للقلوب إلى مقلب القلوب، وهي: دقائق حقائقِ لطائف ترويح قلب المحب المحبوب المستمِدّ من ينبوع (يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54] ، الذي لم يزل سر روحه معتكفًا في حضرة مقلب القلوب."
قال الإمام الحداد عن العيدروس المؤلف هذا: انكشف له من أسرار الطريقة ما لم ينكشف لكثير ممّن قبله، في السير إلى الله تعالى. قال: عندنا:
- مقامات
- وأحوال
- وأنفاس
المتوجّهون إلى الله بالصدق والسائرون إليه؛ يتعرّضون إلى المقامات أولًا يكتسبونها بالعلم. وسيذكر المقامات بعد هذا الفصل؛ عشر مقامات من التوبة إلى الورع إلى الزهد إلى مقام الصبر، إلى مقام الفقر…. هذه الأشياء بواسطة العلم تُكتسب فتكون هذه المقامات عملًا بالعلم. هذه المقامات المكتسبة بالعلم تُفضي إلى الأحوال؛ يعني: لها نتائج.. ما تصدق في التوبة إلا ويلوح عليك حال من سر المحبة، (إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلتَّوَّ ٰبِینَ وَیُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِینَ) [البقرة:222]، فما تصدق في التوبة إلا ويلوح ويبرق لباطن قلبك أثر من حال المحبة. فالتوبة مثلًا تثمر المحبة، وهكذا.. سيحدّثنا عن العشر مقامات والعشر الأحوال التي تثمرها هذه المقامات. فتكون الأحوال نتيجة للمقامات.
ولكن هذه الأحوال أيضًا، يكون لصاحبها فيها ضعف أو قوة، وتمكن وعدم تمكّن، واتساع وارتقاء.. يختلف، فإذا قويت وتمكنت أورثت حال، أورثت النفس؛ ترويح للقلب بلطائف من لطائف الغيب، يروّح الله بها القلب، يذوق بها لذة القرب من ربّه، ولذة العناية من إلهه، فهكذا:
- بواسطة العلم نكتسب المقامات
- وبواسطة المقامات نوهَب الأحوال
- وبتمكّن الأحوال نُعطى الأنفاس
فصارت ثلاثة.
يقول: "والأَنْفَاس ترويح القلوب بلطائف الغيوب. وصاحب الأنفاس أرقُّ، وأصفى.. مِن صاحب الأحوال"، كما أن صاحب الأحوال أرقّ وأصفى من صاحب المقامات، قال: فكأن صاحب الوقت والمقام مبتدئٌ، وصاحب الأنفاس منتهٍ"، وفي الوسط بينهم "صاحب الأحوال بينهما؛ فالأحوال وسائط، والأنفاس نهاية الترقي. فالأوقات لصاحب القلوب، والأحوال لأرباب الأرواح، والأنفاس لأهل السرائر".
……………..………. *** ولا الأسرار إلا لمن صفّى السرائر
ويقول:
………………….. *** ومن لم يُدمن الغوص ما جاب الجواهر
ولهذا يقول المقام ما يُثمر الحال إلا إذا قوي، إذا قوي في المقام، وتمكّن فيه صاحبه، يُثمر له الحال. والحال ما يُثمر النفس بعده إلا إذا تمكّن وقوي فيه؛ يُثمر النفس، وهكذا، فكل من حقّق مقام التوبة بالصدق وتمكن فيه، أثمر له حال المحبة، وحال المحبة يورث له نَفَس من أنفاس مواصلة المحبوب، جلّ جلاله وتعالى في علاه.
ما أحد أكرم من ربكم ولا أسخى منه، إذا توجّه عبده إليه، إذا أعطى.. عطاه ما يُمكن يُحدّ، إذا كان عذابه ما يُحدّ ولا يُطاق فكيف بعطائه؟ عطاؤه أكبر وأعظم! "رحمتي سبقت غضبي" وفي عذابه قال: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ* وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ) [الفجر:25-26]، ونعيمه؟ أحد ينعم بمثل نعيمه؟! من باب أولى ذاك أوسع وأرفع، ما أحد يقدر ينعّمك مثل تنعيمه، ولا يقرّبك مثل تقريبه، ولا يُكرمك مثل تكرّمه وتكريمه سبحانه وتعالى، له الحمد، يُكرم يُكرم.. إذا أكرمك.. يُكرم بلا حد، بلا عد، بلا حساب، بلا وقوف، بلا انقطاع، (هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [ص:39] كريم جلّ جلاله، الله يرزقنا صدق الإقبال عليه.
له الحمد، فتح لنا الأبواب، أرسل لنا سيد الأحباب، وأنزل عليه الكتاب، صارت الأبواب مفتّحة ما يمر زمان إلا ويتلقّى مِن الأمة مَن يتلقى، ويترقّى مَن يترقّى، ويُنتقى مَن يُنتقى، ويختار الله من يشاء، الله يوفّر حظنا إن شاء الله، حظكم في هذا الزمان الذي جعلنا نحن فيه، يوفّر حظّنا مما يُؤتي أهليه، ومما يتكرم به على من فيه من عباده المقربين، وحزبه المُفلحين، وأهل اليقين والتمكين.
قال: "وأجمع العارفونَ على أن أفضل العبادات حفظ الأنفاس مع الله"، قال: أردت بهذه الأنفاس لا تلك الأنفاس العظيمة، الأنفاس العظيمة التي هي نتيجة.. لا، إنما هذه في البداية: "حفظ الأنفاس مع الله" هذا من باب العبادات، الأنفاس الحسية هذه التي هي دخول الهواء وخروجه، هذه أنفاس، قال: إذا حفظت هذه الأنفاس مع الله تعالى فهي المفتاح؛ توصلك وترقّيك إلى المقام إلى الحال.. وتصل إلى تلك الأنفاس؛ فهذا المفتاح الآن؛ "أفضل العبادات حفظ الأنفاس مع الله، ويكون دخولها وخروجها بذكر الجلالة: الله الله الله"، وما يخرج لك نَفَس ولا يدخل إلا وأنت تذكر الله، "أو ذكر: لا إله إلا الله"، أفضل الكلمات وهي البداية للسالكين، ما يستقر ويعذُب سلوكهم إلا بـ "لا إله إلا الله"، والإكثار من "لا إله إلا الله"، وإليها ينتهي المنتهون، وهي بداية السالكين "لا إله إلا الله".
ذكرٌ جامع؛ وهو ذكر كله جوفي باطني ما تتحرك به الشفة، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، شفتك ما تحركها، حتى ما أحد يشوفك أنت ساكت أو متكلم.. كله باطني، حروفه كلها جوفية: (ل) و (أ) و(هـ) لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله…
فحفظ الأنفاس بالذكر، قال: "وهو الذَّكرُ الخفي الذي لا تتحرك به الشفتان"، أفضل العبادات، قال: "حفظ الأنفاس مع الله، أعني: الأنفاس الهوائية الجسمانية يكون دخولها وخروجها على أفضل الرّضا والذكر، لأنها جواهر الأعمال المثمرة لمعارف الأسرار، والأنوار، وهذا معدود من المقامات"؛ أن يتمكن في دوام الذكر لله تعالى ويحفظ أنفاسه.
"أما الأنفاس" الثانية تلك "التي هي أرق وأصفى من الأحوال ـ هي ترويحات، غيبيات، لدنيّات، روحانيات، وهبيّات" هذه الأنفاس التي تحدث عنها، إيش قال؟ "ترويحات، غيبيات، لدنيات" من لدن عظيم حكيم، من لدن الوهاب المنّان، "لدنيّات، روحانيات، وهبيّات، من ينبوع (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ) [البقرة:105]"، ومن ينبوع: "(وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف:65]"، قال: "أعني: أنها عبارة عن المشاهدة، والمكاشفة الواردة على ساحات القلوب من عوالم الغيوب؛ ترويحًا للقلوب إلى مقلب القلوب"، سبحانه وتعالى قال: "وهي: دقائق حقائقِ لطائف ترويح قلب المحب المحبوب المستمِدّ من ينبوع (يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54]"، (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، سبق محبته لهم، بعدين هم يحبونه من فضله عليهم، لكن الفضل له سبحانه؛ (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ).
وهذا أيضًا آتي كل ما يحصل فترة في هذه الأمة، وتظهر غفلات وانقطاع وبُعد وصَولة وسلطنة كُفّار أو فجّار، لابد بعدها يظهر رجعة للدين وإقامة له، يختار الله له من شاء، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54]، فلا تتجدّد ولا تتكرر مظاهر الرِدّة في الدين والخروج، إلا ويتجدّد فيها (يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)..
فيا بشراك، إن جعلك من هؤلاء، في زماننا هذا الذي غفلت فيه قلوب الكثير، وتسلّط فيه كفار كثير، لكن الدين محفوظ، وسوف يأتي (يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ..) تأمل فيمن سيأتي بهم هو.. قال أنا أختارهم برعايتي وعنايتي سيدخلون، لا أحزاب ولا هيئات ولا شيء من هذه السياسات.. ليست هي التي تأتي بهذا القوم، قال الرحمن أنا أجيء بهم.. (يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ) فازوا وسعدوا، ثم يتكرم عليهم ويعلّق قلوبهم به.. (وَيُحِبُّونَهُ)، وهذا وصفهم: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ)؛ يعني: ما يعتبرون الموازين الساقطة التي ما لها قدر عند الله ما يعتبرون بها، يعتبرون بكيف هم عند الله، وكلام الناس الفاضي واعتباراتهم ما يلقون لها بالًا، (وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) الله أكبر! إيش هذا؟ (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ والطريق إليه؟ قال: الولاء.. بأن يوالي الله ورسوله والمؤمنين، (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة:54-56].
(فَسَوۡفَ یَأۡتِی ٱللَّهُ بِقَوۡمࣲ یُحِبُّهُمۡ وَیُحِبُّونَهُ)، الله يختارنا في من يأتي بهم في هذا الزمان، ممّن (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، ويجعلنا منهم إن شاء الله، وأهلينا، وأولادنا، وطلابنا، وأحبابنا، وأصحابنا، اللهم آمين.
قال: "(يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، الذي لم يزل سِرّ روحه معتكفًا في حضرة مقلّب القلوب"، هذا صاحب الأنفاس، لا يزال سِرّ روحه معتكف في حضرة مقلّب القلوب، قال سيدنا الحداد:
لم أزل بالباب واقف *** فارحمن ربي وقوفي
وبوادي الفضل عاكف *** فأدِم ربي عكوفي
فأدِم ربي عكوفي؛.. على طول أبقني هنا ما أتحرك من ذا المكان.. وادي الفضل
وبوادي الفضل عاكف *** …………………
"سِرّ روحه معتكفًا في حضرة مقلب القلوب"
وبوادي الفضل عاكف *** فأدِم ربي عكوفي
ويقول الحبيب علي الحبشي:
وحسبي أنني بالباب حاني *** على الأعتاب إلى يوم القيامة
ويقول في أوّل هذه القصيدة:
دعوني فالذي أهوى دعاني *** وأبدى لي من البشرى علامة
وأوضح في الهوى قصدي وشاني *** على ورعٍ وجنّبني الملامة
الله أكبر!
حضرناهم على خمر الدناني *** عليهم أمطرت تلك الغمامة
وهم في السُّكر ما شهدوا لثاني *** وبينهم من المولى علامة
تدلّ على الرضا في كل آنِ *** ولا يخشون عقباها ندامة
لهم من فائضات الامتنان *** مواهب أدركوا فيها الإمامة
عسى معهم إلى دار الجنان *** وساقينا النبي أهل الزعامة
يا رب صلّ عليه.
"لم يزل سِرّ روحه معتكفًا في حضرة مقلب القلوب"
وبوادي الفضل عاكف *** فأدِم ربي عكوفي
واحد في الرؤيا رأى سيدنا الحداد، قال له: أين وادي الفضل؟ تقول: وبوادي الفضل عاكف؟ قال له: وادي من أودية قلب القطب، وادي من أودية أصحاب الأنفاس هذا مقصده؛ المُعتكفين على سرّ التوجّه لحضرة الله جلّ جلاله، يا رب أكرمنا.
والآن بعدها إن شاء الله يذكر لنا بالباب المقامات العشر، والأحوال العشر، والأنفاس وراءها.. وإلى أين نصل؟ الله يواصل لنا، يوصِلنا ويواصلنا.
عسى بفضله يعاملنا *** من العطب والغضب نسلم
في جنة الخُلد يدخلنا *** مع النبي المصطفى الأكرم
وعاقبتنا تقع حسنى *** في حين ما عُمرنا يُختم
آمين يا رب العالمين.
قد تمّم الله مقاصدنا *** وزال عنّا جميع الهم
ببركة النور شافعنا *** جوده وفضله علينا عمّ
طابت بذكره مشاربنا *** وكم مِنن له علينا كم
وكم تَفَضَّل وكم أَغْنَى*** وكم تَكَرَّمْ وَ كم أَنْعَمْ
ذا وعد جانا بلا سَهْنا *** سبحان مولاي من ألهَم
مبنى الهوى عندنا مبنى *** بالشّان داخله أن يسلم
وله حقيقة وله معنى *** قليل تلحَقه من ترجم
ليلة صفا قد صَفَت معنا *** ونورها بيننا يُقسَمْ
وضربة الطبل تُطربنا *** وراجيَ الله ما يُحرّمْ
يا أكرم الأكرمين، الله يُكرمنا وإياكم، ويتدارك هذه الأمة أجمعين، بغياث عاجل، يا مغيث المستغيث عجّل بالغياث الحثيث، وادفع عنا شرّ كل خبيث، يا غياث المستغيث عجّل بالغياث الحثيث، وادفع عنا شرّ كل خبيث، اللهم يا مغيث المستغيث عجّل بالغياث الحثيث، وادفع عنا شرّ كل خبيث.
ثبّتنا على الاستقامة، ثبّتنا على الحق فيما نقول، وثبّتنا على الحق فيما نفعل، وثبتنا على الحق فيما نعتقد، واختم لنا بأكمل حسنى وأنت راضٍ عنّا.
بسِرّالفاتحة
إلى حضرة النبي محمّد ﷺ.
07 صفَر 1447