الحِكَم العطائية -6 | لا يُشَكِّكَنَّك في الوعْد عدم وقوع الموعود به وإن تعيّن زمنه
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.
عصر الإثنين 12 ذي القعدة 1440هـ.
الحكمة (7): لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود به وإن تعيّن زمنه، لئلا يكون ذلك قدحًا في بصيرتك، وإخمادًا لنور سريرتك.
الحكمة (8): إذا فتح لك وجهةً من التعرّف فلا تبال معها وإن قلّ عملك؛ فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرّف إليك، ألم تعلم أن التعرّف هو مورِده عليك والأعمال أنت مهديها إليه؟ وأين ما أنت مهديه إليه مما هو مورِده عليك؟
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام علي بن عبد الله باراس إلى أن قال:
الحكمة (7): لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود به وإن تعيّن زمنه، لئلا يكون ذلك قدحًا في بصيرتك، وإخمادًا لنور سريرتك.
فحيث وعدك الحق وعد فهو لا يخلف الميعاد، فمتى شككت في صدق وعده؛ واستبطأت وجود عونه ونصره، فذلك قدح؛ أي نقص في بصيرتك وهذا دون ما سبق من اليأس عند تأخر العطاء، فإشَارته في اليأس إلى طمس البصيرة أبعد واكثف من القدح فيها، فإن القدح فيها مع وجودها أخف من الطمس لأصلها، فإذا فهمت ما ذكرنا لك علمت أن الشك هنا ليس من الشك في اللّٰه ولا من الشك فيما عِند اللّٰه من حيث التكذيب بما وعد، ولكن من حيث تَجويز عدم وقوعه من حيث العدل، وأن له أن يمنع ذلك أو يفعل مثله. ومثل هذا التشكيك في عدم وقوع الموعود قد يخالج قلوب بعض المؤمنين؛ سيما إذا تعين زمنه.
ولكن من علامات مباشرة الإيمان للقلوب؛ وانكشاف أستار الغيوب بصريح الإيمان، وإشراق أنوار الإيقان أن يكون الإنسان حَسَن الظن بالله، ويقطع بصدق وعد الله ثقةً منه بأنه يفعل معه الفعل الحسن كما جرت به سنة اللّٰه بأنه يفي إذا وعد، ويلوي أي يعفو إذا أوعد، فإذا عدم وقوع الموعود به فليعلم العبد عند ذلك أن لله في الأمور علما استأثر به دون خلقه، وليعلم أن هناك حكمة اقتضت التأخير أو عدم الوقوع؛ أما لتأخّر شرط قد قدر مقارنته له في سابق علمه ونافذ حكمه فلا تتغير الحكمة الإلهية لأجل حظك وتحقيق مرادك، فمتى شككت في وعد الله وأردت غير مراد اللّٰه كان ذلك قادحًا في بصيرتك، مخمِدًا نور سريرتك.
والبصيرة هي للقلب كالبصر للقالب، والسريرة هي نور ذلك البصر القائم بذلك البصر، والخمود خبوء إضائتها وانتشارها في أرجاء القلوب، وكمونها تحت أستار كثائف الشهوات وظلم القلوب مع بقاء أصلها.
فالشك في الطرف الأقرب إلى جانب اليقين من اليأس ، كما أن الظن أقرب أيضا من الشك، فكأنك تيقنت وعد الله لكن حيث لم يأت على ما ظننت، سيما وقد وجدت مخائل إبان وقوعِه كاضطرار ووجود إعسار، واحتباس أمطار، وصبر عند مقاتلة عدو لطلب الانتصار، وغير ذلك مما وعد به من اليسر مع العسر، والنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب.
فمع عدم وقوع ذلك عند تَعين أَزمانه فلا ينبغي لمن كان ذا بصيرة وصفو سريرة أن يشك في وعد الله، فالموعِد صادق، والوعد حق، فلا يشك العبد في وعد سيده ومولاه، وليطمئن إلى وعده، ويعلم يقينًا أنه واقع ليس له مانع.
قال اللّٰه جل ذكره (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة:214]، فإياك أن تسيء الأدب فينالك التعب والنصب. شعرا:
فلا تشكن في الموعود إن له *** وقتًا متى حان جاء بالفتح والفَرَجِ
لا تخمدن لنور السر واعزله *** من همك أوشك المقرون بالحرج
كم ما تضيق أمر العسر كان له *** من الفَرَجِ مخرَجٌ والضيق منفرج
لا إله إلا الله.
سبحان العليم الحكيم، الذي يجري الأمور بحكمة بالغة تدق عن فهم حقائقها، أفهام كل فهيم، فحُقّ للعقول في عجائب حكمه أن تهيم. ومما يحصل في عالم الدنيا وفي هذه الحياة إشاراتٌ في الكتاب العزيز أو السنة إلى أحوال معينة أن يصحبها شيء، ثم يتفرع عن ذلك أحيانا من أنواع البشائر، أو الوعد والوعيد، ما يعيَّنُ له وقت، ومرجِع هذا التعيين:
- أما إلى مطالعة ألواح المحو والإثبات، من قبل القلوب الصافيات أو الملائكة الكرام الذين يبثون في القلوب ما يبثون.
- أو توقع ذي فراسة وذي نظر يعود إلى ذلك الوقت.
وفيما يكون من نظر ذوي الفراسة أو من مطالعة ألواح المحو والإثبات يكون ضمنه وطيّه خفايا لم يطلعوا عليها، في أن الله رتب ظهور ذلك الحدث والأمر في ذاك الزمن مقترنًا بشرط كذا وكذا، ولم يطلعوا على الشرط إلا بعد؛ لا يكون الشرط مبينُا فيتأخر، كما هو في علم الله -تبارك وتعالى- من دون تقديم وتأخير ولكن بالنسبة لما يظهره.
والحكمة في شؤون المحو والإثبات، وإظهار بعض الفراسات والإلهامات، على غير ما يريد أن يكون؛
- أن يعلم الكل أن لا علم لهم إلا ما علمهم.
- وأن الإحاطة بعلم شيءٍ لا تكون إلا بإذنه، (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ) [البقرة:255].
أن يعلم الكل أن العلم لله جل جلاله. ويحصل هذا إما:
- عبر رؤيا.
- أو عبر إلهام ببثٍّ في الروع وقذف الخواطر من قِبل الملك أو من الخواطر الربانية.
- أو بشيءٍ من الفراسات.
- أو المطالعة لألواح المحو والإثبات.
فقد يجيء الوقت المحدد، أو تظهر بعض الأحوال المرتبطة بظهور ذلك الأمر، ولا يظهر الأمر في ذلك الوقت.
يقول: الأمر كما ذكر لا تشكن فيه، ولكن أمر التوقيت منطوٍ في علم الحق جل جلاله، بشرائط قد تخفى على مَلَك أو على وليٍّ من الأولياء، والوعد كما ذكروا لابد منه وإن طال المدى.
ولما أشارت رؤية سيدنا يوسف -عليه السلام- إلى أن أبويه الذين مثلّهما في الرؤيا الشمس والقمر، وأخوته الذين مثلّهم في الرؤيا أحد عشر كوكب يسجدون له، وقص الرؤيا على أبيه و (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [يوسف:5]. فمضَت على الرؤيا ما كان من مكر إخوته واستدراجهم أباه حتى أخرجه معهم ووضعه في الجب ومرور السنوات ووضعه في السجن، وخروجه من السجن وتولّيه لأمر الأرض وخزائنها، ومرور السبع السنوات بعد خروجه من السجن؛ الطيبة الكثيرة الغذاء والثمرات، ثم جاءت السنوات العجاف، وجاء إخوة يوسف ودخلوا عليه وعرفهم وهم له منكرون، كم سنة قد عدّت؟ من متى الرؤيا؟!.. وبعد رجعوا، أول مرة، ثاني مرة، وبعدين جاءوا بأهلهم كلهم (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًاۖ)؛ شمس وقمر وأحد عشر كوكبًا؛ إخوانه. (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ) [يوسف:99-100]، لمّا كنت صغير أيام كنت عندكم في فلسطين ورأيت الرؤيا؛ هذا التأويل.
فمهما تأخر الوقت، فما أُنبِئت به من تلك الجهات العليا فلابد أن يكون فلا تتشكك فيه. وإن قرّبت بعض أنظار البصائر زمناً أو استبعدته فقد يكون على خلاف ما قرّبه المنظار، لكنه هو بنظر الجبار الغفار محدّد معيّن بلحظات لا تتقدم ولا تتأخر، ما يُطلِع عليها كل الناس، (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ) [آل عمران:179].
هذا يقول: "لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود به وإن تعيّن زمنه" فسيقع،" لئلا يكون ذلك قدحًا في بصيرتك"؛ فإنه شك في وعدٍ في أمر طال؛ ليس شكاً في الله ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا بشيءٍ مما يجب الإيمان به في الآخرة، ولكن حوادث تحصل في الدنيا يكون كذا ويكون كذا… وتسمع في كلام كثير من الصالحين الأولياء وبعدين يتأخر الزمن، وبعدين يمر وقت وما يجيء، ما يظهر… هو كما قاله، ولكن التوقيت يحتاج أيضًا إلى عبودية؛ التوقيت يحتاج إلى عبودية، ولابد من عبودية في التوقيت..
وسحاب الخير له مطر *** فإذا جاء الإبان تجيء
وهكذا يقول: "فحيث وعدك الحق وعد فهو لا يخلف الميعاد، فمتى شككت في صدق وعده؛ واستبطأت وجود عونه ونصره، فذلك قدح؛ أي نقص في بصيرتك"؛
- أما الأول الذي هو اليأس -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فقد جعله طمس في البصيرة.
- ولكن هذا إنما هو شك في وعد في حادث من الأحداث.
أما الآن ليس شك في أصل الوعد؛ أنت متيقن لكنه شك في تعيين وتحديد وقته؛ هذا قدح في البصيرة لا انطماس لها، ولكنه نقص فيها وإن كان أخف من الطمس -لا إله إلا الله-.
ولكن من حيث تَجويز عدم وقوعه من حيث العدل"، ومثل هذا التشكيك في عدم وقوع الموعود به "قد يخالج قلوب بعض المؤمنين"؛ لا شك في أصل الوعد ولكن لتجويز أن يكون مربوطاً في الخفاء بشرطٍ لا يتحقق؛ وهذا سر خوف المبشَّرين بالجنة من النار؛ هم مبشرون بالجنة وهم يخافون، فما أكسبَهم هذا الوعد الذي لا يشكّون فيه أمنًا من مكر الله؛ ما أمِنوا مكر الله؛ وهذا غاية الأدب؛ وبقوا مع عدم شكّهم في خبر نبيّهم محمد ﷺ يخافون أن يكون الأمر مشروطاً من قبل الله ورسوله بشأنٍ خفي عنهم، أنهم لم يتحقق فيهم؛ فيُجوّزون أن يكون ذلك مع هذا الربط أن يقعوا في العذاب في النار؛ فلهذا كانوا يبكون ويتضرعون واستمروا على سؤال الله الجنة والعياذ به من النار طول أعمارهم، رضي الله عنهم.
"من علامات مباشرة الإيمان للقلوب؛ وانكشاف أستار الغيوب بصريح الإيمان، وإشراق أنوار الإيقان؛ أن يكون الإنسان حَسَن الظن بالله، ويقطع بصدق وعد الله ثقةً منه بأنه يفعل معه الفعل الحسن"، "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء"، كما جرت به سنة اللّٰه بأنه يفي إذا وعد، ويلوي؛ أي يعفو إذا أوعد"؛ يسامح ويعفو سبحانه وتعالى.
فإذا لم يرَ وقوع الموعود به في الزمن الذي كان يتوقعه؛ علِمَ أن لله في الأمور علمًا استأثر به وحكمة لله تعالى اقتضت التأخير أو عدم الوقوع لتأخر شرطٍ قد قُدّر مقارنته له في سابق علم الله. وهنا عندما تكون الحكمة الإلهية مرتِّبة للشؤون.. ما تتغير من أجل مصلحة واحد أو دعوة واحد.. هذه حكمة إله تتعلق بشؤون عظمى في الكون.
وبعض الأدعية المتعلقة بأحداث معينة، إذا هناك حِكَم مطوية في ذلك الحدث فلابد أن ينفذ؛ فما أراده الله تعالى... يقول الحبيب عبد القادر رحمه الله تعالى: بغيت تبطّل حكمة الله من أجل حقك الدعوات التي دعيت بها!.. ادعُ الله بما تستطيع وتأدّب واعلم أن في طيّ إجاباته أسرار وأسرار وأسرار.. وإذا قُدِّر الأمر مبرم لحكم تليق بالإلهية والربوبية، بغيت الرب العرش يبدّل حكمته في الوجود لشيء منك صدر أو شيء منك… الأمر أكبر من ذلك! فلا تهمل الدعاء ولا تجهل الحكمة. لا إله إلا الله..
"فلا تتغير الحكمة الإلهية لأجل حظك وتحقيق مرادك، فمتى شككت في وعد الله وأردت غير مراد الله كان ذلك قادحًا في بصيرتك، مخمِدًا نور سريرتك."
"والبصيرة" ما البصيرة؟
البصيرة مثل البصر للعين، والجسد بصر، وللقلب بصيرة، والنور وسط هذه البصيرة سريرة، ويُعبَّر عنه: سر؛ فأنت:
- جسد وسط باطنك قلب
- باطن القلب روح
- باطن الروح سر
لا إله إلا الله… ومحل المشاهدة هو سر، سر الروح؛ سر الباطن في الروح؛
- ومحل المحبة هو الروح.
- ومحل المعرفة القلب.
اللهم نوِّر بصائرنا وصفِّ سرائرنا. لا إله إلا الله..
"والخمود خبوء إضائتها"، "وكمونها تحت أستار كثائف الشهوات"، وفي نُسخ: "كنائف الشهوات"، وكنائف جمع كنف، ولكن كثائف أحسن، ويصح هذا كنائف جمع كنف. "وظلم القلوب مع بقاء أصلها. فالشك في الطرف الأقرب إلى جانب اليقين من اليأس، كما أن الظن أقرب أيضًا من الشك"، لا إله إلا الله… حيث لم يأت على ما ظننت، سيما وقد وجدت مخائل إبان وقوعِه" من مثل وجود "اضطرار ووجود إعسار"، واعلم أن "اليسر مع العسر، والنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب". وقد يكون عسر يتأخر زمن اليسر، وقد يكون هناك صبر ثم يتأخر زمن النصر، وقد يكون…. لحكم عظيمة وبعدها لابد أن يجيء، اثبت على الصبر والنصر لابد منه، سلِّم للعُسر واليسر لابد منه. لا تجزع… سلِّم.. ولابد منه، وهكذا، وقد يطول الوقت وقد يقصر.
"فلا ينبغي لمن كان ذا بصيرة وصفو سريرة أن يشك في وعد الله، فالموعِد صادق، والوعد حق"،
فلا تشكن في الموعود إن له *** وقتًا متى حان جاء بالفتح والفَرَجِ
لا تخمدن لنور السر واعزله *** من همك أوشك المقرون بالحرج
كم ما تضيَّق أمر العسر كان له *** من الفَرَجِ مخرَجٌ والضيق منفرج
اللهم فرِّج همومنا والمسلمين، واكشف غمومنا والمسلمين، واصلح شؤوننا والمسلمين، وادفع البلاء عنا وعن جميع المؤمنين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
الحكمة (8): إذا فتح لك وجهةً من التعرّف فلا تبال معها وإن قلّ عملك؛ فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرّف إليك، ألم تعلم أن التعرّف هو مورِده عليك والأعمال أنت مهديها إليه؟ وأين ما أنت مهديه إليه مما هو مورِده عليك؟
هذه الحكمة أصلٌ لما بعدها، وهي تحتوي على معانيهما؛ وإنما أتى بهما زيادة إيضاح وتفصيل لما أجمله، وتحقيقًا لما فصله ، فلذلك عبّر بفتح، فالفتح أثر من آثار اسمه الفتاح، وهو لأعيان الوجود، ومنازلات الشهود مفتاح، فإذا اختص اللّٰه به عبده كان له من أخصّ العطايا، وأعظم المِنن وأشرف الهدايا، فلذلك كان آية محمد ﷺ من بين الأنبياء، وكان لخواصّ أمته من ذلك نصيب (وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [الصف:13]. والفتح هو واردٌ رباني ونَفَس رحماني، تفاجأ به القلوب من مصونات الغيوب، وهو يعطي الكشف العرفاني، والاختصاص الامتناني.
فإذا أتحف به عبد وكشف له عن مصونات الأسماء، وقام لها بما تستحقه من آداب العبودية، وتلقى ماتعطيه من ذخائر العطاء تحت أستار الابتلاء في كل ما واجهه منها عطية وافية، وحكمة شافية، ومرتبة قربية، فيكون معها العبد بحكم ما تعطيه لا بحكم طبعه وتمنّيه، فيكون بحكم ما أقيم فيه؛ أما شكر أو صبر، أو شهود منة أو توبة، فهي لم تأتِ إليك إلا بما أودع فيها من أسرار تعرّفه لو لم يكن الذنب في بعض الأحيان خير للمؤمن من العجب ما قدّر عليه. الحديث.
فإنه يريد أن يتعرف إليك في كل شئ حتى لا تجهله في شئ، ففرض العارف الفناء في الأفعال ونوافله الأسماء والصفات، وغاية مطلبه ومحتد همته الذات، كما أن فرائض العموم الصلوات والصيام والصدقات، ونوافلهم سائر طرق الخيرات، فإذا تقرّب الخلق بصيامٍ وصدقة وصلاة تقرّب العارفين بمحو صفاتهم؛ واستهلاك ذواتهم. فمن كانت حالته الفناء والإضمحلال فلا يبالي وإن قلَّت منه الأعمال؛ كيف يبالي بما فات وهو مطالِع لجمال الذات في جميع الذوات؟ وتجلي الصفات على دوام الأوقات، ووجدان المواصلات، والصلات الموهبيّات في الملائمات والمؤلمات؟ فإذا طالع حُسن التدبير وبديع التصوير وعجائب التقدير؛ علم أن تدبير اللّٰه واختياره له أتمُّ من تدبيره لنفسه، وتحقق إنما أورده اللّٰه عليه من صنوف البلاء متضمِّنٌ له على منن وألطاف وإسعاف بعطايا جزيل، وعلم يقينًا أن المنع عين العطاء.
وتعبير المصنف رحمه اللّٰه بالفتح من بديع حكمته وذكاء فطنته، وبالوجه وبالتعرّف، فإن الفتح يعطي الشهود، ومعرفة حقائق الوجود. فلقد أحسن وأتقن. وتعبيره أيضًا بفتح باستتار ضمير الفاعل ينبئ أيضًا أن ذلك من قِبل اللّٰه لا للعبد فيه علة، ولا يتوصل إليه بحيلة؛ بل ذلك من باب المِنَّة التي لا تترقب بوقت مخصوص أوعمل، بل لا سبيل إلى فتوح المعارف وإشراق وجوه اللطائف ومحو ظلمات الكثائف إلا بمساعدة عنايةٍ ربانية، وجذبةٍ اختصاصية، ونفحةٍ إلهية، وتعريضةٍ وقتية، ونفسٍ رحمانية ذرية غيبية، في الأيام الجمالية الأزلية.
والفتح يكون في كل مقامٍ بحسَبه؛ فيكون في أسرار الشرائع والأعمال، وفي دقائق طرائق الأحوال، وفي مطالع صفاء الأسرار، وفسيح تنزّه الأرواح في مسارح الجمال، ومنائح المعارف وروائح نفحات الوصال، وفي مطالعات محرقات الجلال. وقد تكون لأهل الوصال بالتلاشي والإضمحلال، عند ظهور سلطان الكمال، ووراء ذلك فتوح ومنوح لم تجري ولايفي بها التعبير والمقال، ولم تدخل تحت التكييف والمثال، ولم تخطر بعد على بال، مما لو بَدَت غبرة من رمال بحورها الطافحة وأسرارها اللائحة لذابت صم الجبال، ولم يقو على سماعها سمع ولم يحتمل أثقال مقالها حال، وفتوح وجهة التعرف لا يكون إلا عند مطالعة الجمال والجلال، والجمال في الجلال، والجلال في الجمال. فهو مورد ذلك عليك فافهم الإشارة في قوله: "مورده عليك"؛ أنه مما لا يلائم طبعك فهو مورِد ذلك إليك ومتطول، ومع كونه مورده عليك وهو متفضل ومتطوّلٌ به عليك، فاعرف قدره فذلك خارج عن وسعك، وقاصر عنه فهمك، حتى فتح وجه تعرفه إليك فيه.
ووجه التعرف هو أن يرزقك الفهم عنه فيما منَّ به عليك؛ من رفع درجات، وزيادة حسنات، وتكفير خطيئات، مما لا يحصى شكره من الفضائل والنعم والمنن، في بواطن البلايا والمحن.
وإليه الإشارة بقوله جلَّ ذكره: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان:20].
- الظاهرة: ما ظهر من نِعَم الطاعات والموافقات، والدلالات النبويات، والطرق العلميات، والأعمال البدنيات، وغير ذلك من سائر النعم الحسيّات.
- وباطنة: من المثوبات والقربات، والتعرّفات الربانيات، في بواطن المحن الدنيويات.
وما لك في ذلك من المصالح الدينيات والدنيويات مما يطول تعدادها وتكثر أعدادها وقد أومأت إلى بعض ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبويات، وشرحت أبعاض منها أفاضل السادات. وقد شوهدت بركاتها وبواهر آياتها عليهم، وأينعت ثمارها لديهم.
وأين ما أورده من ذلك إليك مع غيبتك فيه عن حولك وقوتك، وإدلالك بأعمالك وعلومك مما أنت مهديه إليه من أعمالك وطاعتك المشوبة بظلمة نفسك وإعجابك، وطلب حظك من الجزاء. وماذا تطلب من جزاء على عمل هو متفضل به عليك، ومقبل بهدايته إليك؟ وما عسى أن يخلص من مطالبه الإخلاص فيه من الرياء وآداب الاقتداء، وما علمت أنك في عملك وطاعتك أحوج إلى الاعتذار، مما اقترفته في حال تلبسّك من الأوزار، مما تستحق به دخول النار، لولا تفضل الكريم الغفار، فإذًا أنت فيه أحوج إلى الإستغفار.
وما هو مورده عليك سالم من ذلك بل فيه من مضادة هوى النفس مما لا يخفى على من تحقق بمجاهدة النفس، فمن ذلك ضعف قوتها وسد أبوابها، سيما ومن ذلك الحمى والفقر وغير ذلك من منغصاتها عن وخيم مرعاها، ومشؤمات هواها؛ وإلى ذلك أشار رسول اللّٰه ﷺ حيث قال: إنها أي الحمى طهور، أي عن الخطايا والأوزار، في حديث: "يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم"، وذلك خمسمائة عام، وغير ذلك مما لو بسطنا لأدى إلى الإكثار، وقصدنا في ذلك الإشارة والاختصار.
فإذا علمت ذلك ظهر لك وجه استلذاذهم للبلاء، ورؤيتهم لها أنها منح مثل ما يروى في ذلك عن الحكيم الترمذي، وما يحكى عن أبي العباس ابن العريف فيما حكاه عن السادة الأصفياء الذي اختصوا بطريق الإبتلاء الذي هو ثمر شجرة الاصطفاء، وتحقيق طريق الاجتباء؛ إذ ذكر فيها أبو الخير رضي اللّٰه عنه ونفعنا به ومن والاه من البدلاء الأصفياء الأخفياء؛ كمحمد الأسبخي، وما حكاه عن شيخ طرسوس حيث قال: أشرفنا على خزائن العطاء فلم نجد عند اللّٰه شيئًا أقرب ولا أشرف من البلاء، فسألناه إياه، ثم قال بإثر ذلك مستحقرًا مانزل به راويا عن من هو أعظم منه حال، وأعلى مقاما وأشد بلاء، كيف بك لو رأيت سيد الزهاد وقطب العباد، وإمام الأولياء والأوتاد، في غار بأرض طرسوس وجبالها، لحمه يتناثر، وجسده يسيل قيحا وصديدا، وقد أحاط به الذباب والقمل، فإذا كان الليل لم يقنع بذكر اللّٰه وشكره على ما أعطاه من الرحمة، وأسكن جسده من العافية حتى يشد نفسه بالحبل فيستقبل القبلة، فيصلي عامة ليله حتى يطلع الفجر. انتهى ما أردنا إيراده في هذه."
الله، لا إله إلا الله نسأله اللطف والعفو والعافية والتوفيق.
يقول: "إذا فتح لك وجهةً من التعرّف"، وهل يعرف الله إلا من تعرّف الله إليه؟ وهل مقدار معرفتهم بأفعاله أو أسماءه وصفاته أو ذاته الشريفة، إلا بمقدار ما يتعرّف إليهم؟ ولمّا خلق روح حبيبه محمد ﷺ قبل أن يخلق شيء تعرّف إلى روح الحبيب، فمن نازل شيء من الكائنات بعد ذلك تعرُّف من الحق كما حصل من تعرّفه إلى حبيبه، فهو أعرف الخلق بالحق ﷺ.
وبذلك قال لنا في أحاديثه الصحيحة: "أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له"؛ لأنه أعرف بالله، ﷺ. ومعارف الأنبياء ما تُحَدُّ، ولا يُحاط بها، حتى من قِبل الصديقين. ومعارف الصديقين تذهل عقول من سواهم من البشر، فالحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان. اللهم ارزقنا نصيبًا من معرفتك الخاصة ومحبتك الخالصة، آمين يا رب.
بتعرّف الحق إليك، الحق سبحانه وتعالى يبعث تعرّفه بأنواع من الأسباب، وكثيرًا ما يكون شدائد وابتلاءات تنزل على الناس فيحصل التعرُّف فيها، تتحول إلى نِعَم؛ نعيم خالص -لا إله إلا الله- يقول أتى بهذه الحكمة زيادة إيضاح، وتفصيل لما أجمله، وتحقيقًا لما فصّله؛ "عبّر بفتح، فالفتح أثر من آثار اسمه الفتاح"، يا فتاح يا عليم افتح علينا فتحًا مبينًا. ويأتي:
- فتح مقيّد
- وفتح مطلق
- وفتح مبين
فالفتح المقيد أنواع؛ الفتح على الناس في الشؤون الحسيات، والعلوم الأوليات، والمعارف الأوليات كذلك، بعضها أشرف من بعض، ولكن بعدها فتح مطلق؛ هذا كبير واسع، لكن فوقه: فتح مبين مع إطلاقه مبين في غاية الوضوح ويوضَّح للغير كذلك، قال الله لحبيبه ﷺ، (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)، فبِه بان فتح كل من فُتِحَ عليه، (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا). وذكر في ثمرات ذلك الفتح: (لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) [الفتح:1-2]. ونحن في بركات ذلك وآثاره.
يقول: "أثر من آثار اسمه الفتاح"؛ إذا فتح "اختص اللّٰه به عبده كان له من أخصّ العطايا، وأعظم المِنن"، -يا فتاح يا عليم افتح علينا- وكان هذا "آية محمد ﷺ من بين الأنبياء"، (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) وبعد ذلك أمره بتبشير من يتبعه ويقتدي به، بعدما دلّنا على المسلك بالمتاجرة الرفيعة، (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) [الصف:10-13]، فينال الفتح من اتبعه وجاهد وقدم روحه من أمته، بذل نفسه وماله لله.
قال سيدنا الشيخ أبو بكر:
باب ما يدخله واحد *** سوى باذل الروح
ومشمر ذبح نفسه *** مع كل مذبوح
وانطرح في حمى ليلى *** مع كل مطروح
بعدها عند هذا الفتح:
شاهد البيت والأركان والسر واللوح
والبصيرة تجلّت *** وانعزل كل مقبوح
وأصبح البحر يسعى له *** بلا آلة ولا لوح
غير بالسر الذي قد *** قال به نافخ الروح
(وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).
قال: إن الفتح "واردٌ رباني ونَفَس رحماني، تفاجأ به القلوب من مصونات الغيوب"، يثمر هذا الفتح "الكشف العرفاني"، في شؤون المعرفة الخاصة؛ صفات وأسماء وذات، يحصل من أثر الفتح انكشاف معرفة للأسماء والصفات والذات العلية، "والاختصاص الامتناني."؛ يعطيه هذا الفتح: اختصاصات من المنّ الواسع الرباني، "فإذا أتحف به عبد"؛ بفتحٍ من فتوحات الرحمن، "وكشف له عن مصونات الأسماء، وقام لها بما تستحقه من آداب العبودية"؛ عبوديته مع اسمٍ من أسماء الله، مع صفة من صفات الله، عبوديته معها، أدبه معها، شأنه معها، ذوقه معها، إدراكه معها، فهمه معها، عمله مع هذه الصفة مع هذا الاسم إذا قام بك -الله أكبر- هذه منازل قرب، هذه شؤون فضل وامتنان..
يقول: هذه إذا حصلت لك لا تبالي بما قصر من ظواهر الأعمال، إذا استمكنت فيك هذه الأحوال، لا إله إلا الله..
"وكشف له عن مصونات الأسماء"، الربانية لله، "وقام لها بما تستحقه من آداب العبودية، وتلقى ماتعطيه من ذخائر العطاء تحت أستار الابتلاء في كل ما واجهه منها عطيّة وافية، وحكمة شافية، ومرتبة قربية". انظر لمّا ابتلي سادتنا الشهداء في أحد، بشدة التي نازلتهم وانتهت إلى تقتيلهم والتمثيل بهم، فما كان نتائج التمثيل والتقتيل بهم؟ أن نالوا منازل عجيبة شريفة، لما عُرِض عليهم الطلب طلبوا أن يرجعوا فيها ثاني مرة لينالوا نفس هذا الابتلاء! قال لهم اطلبوا ما شئتم، قالوا ردّنا ثاني مرة إلى الدنيا، لا من أجل يعيشون فيها، ولا من أجل يبنون بيت، ولا يأخذوا زرع من زرعهم، أو يواصلوا تجارتهم… بل قالوا: لنقاتل مع نبيّك فنُقتل مرة ثانية فيك ومن أجلك! عجيب… صار نتيجة القتل شيء كبير عظيم.
انظر فهذا من عجيب المكنون في الابتلاء، وخص من خص منهم كسيدنا عبد الله والد سيدنا جابر رضي الله عنه، عبد الله بن عمرو الأنصاري قال النبي لولده جابر يبشّره: "إن الله كلم شهد أحد من وراء حجاب وكلّم أباك كفاحًا"، وكلّم أباك كفاحًا، قوة صدقه ورغبته، وهو شايب وعنده البنات في البيت وترك كل شيء؛ راغب في أن ينصر الله ورسوله، ويرجو الشهادة في سبيل الله، فأُعطي عطية سبحان الله!...
حتى منع ولده يخرج، قال له أنا لي من البنات سبع، معك أخوات اجلس عندهم، أما أنا سأخرج، ما أنا بمؤثرك، لا تقل أني خلاص شيبة، أنا سأخرج لا أنت، ما أنا بمؤثرك بنصيب من رسول الله ﷺ، رضي الله عنه. قالوا تردنا ثاني مرة يعني هذا القتل هذا والتمثيل وذي الشهادة عجيبة، بغينا ثاني مرة منها! لا إله إلا الله… قال له: سبق القضاء مني أنهم إليها لا يعودون، قالوا: فأبلغ عنّا من وراءنا أننا لقيناك فرضيت عنا ورضينا، أنزل الله سبحانه وتعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران:169-171]. رضي الله عنهم.
هكذا يقول: يكون معها العبد بحكم ما تعطيه لا بحكم طبعه وتمنّيه، فيكون بحكم ما أُقيم فيه؛ أما شكر أو صبر، أو شهود منة أو توبة، فهي لم تأتِ إليك إلا بما أودع فيها من أسرار تعرّفه"، حتى أورد ما جاء: أن الله يبتلي بعض المؤمنين ببعض الذنوب ليخلّصهم من داء العُجُب، لأنه داء خبيث شديد صعب، وإذا تمكّن للإنسان أحبط جميع عمله، فيوقعه في زلة. ولهذا لما سأل الشيخ الشعراني شيخه الخواص يقول له: متى يحفظ العبد من الذنوب ويسلم من شرها؟ قال: متى تمّ سجود قلبه؛ إلى أن يتمكّن سجود القلب ويتم سجود قلبه، خلاص ما جاء يبتلى بالذنوب والمعاصي، وما دام قلبه ما تحقق من السجود يبتلى بالذنوب لأنه عاده فيه ركزة، حتى تنتهي نهائيًا ويعرف أنه ما عنده شيء، ولا له شيء وأمره كله للقويّ الحي ويرجع له بالصدق؛ خلاص يسجد قلبه ما عاد يبتليه بالذنب، ما عاد يبتليه بالمعصية. الله، لا إله إلا الله..
يقول: "لو لم يكن الذنب في بعض الأحيان"، وليس في كل ذنب ولا كل وقت؛ "في بعض الأحيان خير للمؤمن من العجب ما قُدّر عليه"، قال هنا أورده أبو الشيخ عن كليب الجهني، كما جاء في كنز العمال وعند الديلمي قال الله عز وجل: لولا أن الذنب خير لعبدي المؤمن من العجب ما خلّيت بين عبدي المؤمن وبين الذنب. وعند البيهقي في الشعب: سُئل عبد الله بن المبارك: ما الذنب الذي لا يُغفر؟ قال: العُجُب؛ لأنه ما يتوب منه صاحبه؛ هو ما يرى معصية؛ فهو يحبط جميع الأعمال. -والعياذ بالله تبارك وتعالى- خلصنا الله من ذلك، خلصنا الله من ذلك.
وقد يُعطى بعضهم جائزة في مثل دورة وغيرها، يخلّصه الله من هذا الشر؛ ينزعه من قلبه؛ يرجع إنسان صاحب بيان، صاحب امتنان، صاحب تدان، صاحب اتصال بحقيقة القرآن؛ ما عاد عنده عجب أصلًا، منكسر القلب والرب عنده ومعه سبحانه وتعالى! الله يكرمنا وإياكم. أكرمنا بالخلاص يا حي يا قيوم، من هذه الآفات والبلايا ومن بلية العجب، اشفنا من داء العجب يا رب، وهو أدق من الرياء..
- والرياء أدق وأخفى من دبيب النمل
- والعجب أخفى منه
حتى تشهد المنة للواحد، وإن ما لك وجود أصلا إلا به؛ فما عاد يبقى عجب عندك، ومادام تشهد لك وجود معه فأنت معجب! حتى تعلم أن ماعندك شيء، وما لك من الأمر شيء، أنت آلة تحت الجلالة ذوقًا وكشفًا خلاص يسجد قلبك وتسلم من العجب. حجاب كبير من الحُجُب الظلمانية، ويحجَب به أكثر العبّاد، أكثر العباد.. عبّاد ويحجبون به، في عبادتهم يصيرون محجوبين بالعجب.
ولهذا قال سيدنا عمر قال لئن أدرك صلاة الفجر مع الجماعة خير من قيام ليلة! قال الثاني من العارفين: لئن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب لي من أن أبيت قائمًا وأصبح معجبًا! لا إله إلا الله… اللهم طهّرنا من داء العجب وخلّصنا منه خلاصًا تامًّا يا رب العالمين.
قال: "فرض العارف الفناء في الأفعال."؛ وأن يراها بتوفيق الله، (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ) [الأنفال:17]، شفت كيف زين الوجود مع الرحمن؟ ويقول له ما رميت إذا رميت وقت رميك أنت مغيب فينا، ما تشهد نفسك وجود معنا في الوقت الذي رميت (إِذْ رَمَيْتَ) وأيش الحقيقة؟ (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ) سبحانه عز وجل.
وأدّب الصحابة، قال لا تقولوا بقوتنا وقوة إيماننا ونصرنا لمحمّد ﷺ، (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) والسبعين واحد من قتلهم؟ قال: (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ). ودائرة النصر التي دار عليها النصر برمية الحبيب في وجوه القوم، قال: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ) ولقوة فنائه أثبت له رميه، ولم يثبت ذلك للصحابة، فما قال: فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم، ما قال هكذا، أما في حبيبه قال: (إِذْ رَمَيْتَ) لأنه رميك كان في غاية الخلاص التام الكامل لنا، (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ)، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وهذا شهوده في أدبه مع الله، حتى لمّا حمل الأشعريين ورجعوا إليه، قال: ما أنا الذي حملتكم، ولكن الله حملكم، وأنا بكفّر عن يميني، إني لا أحلف على شيء وأرى غيره خير منه إلا كفرت عن يميني إلى ما هو خير، لكن ما هو أنا الذي حملتكم، عجيب هذا! عجيب هذا وبيكفّر عن يمينه ﷺ. فانظر هذا الجمع العجيب والقوة والمكنة في المعرفة بالله!..
جاءوا وكان في وقت تعبه وشدة الأمر وما عاد وجد ما يحمل الناس عليه، وجاءوا الأشعريين قالوا: احملنا يا رسول الله، قال: ما أجد ما أحملكم عليه ، قال: والله لا أحملكم، والله لا أحملكم ما أجد الذي يحملكم. فذهبوا، وإذا بذود من الإبل وصلت إلى النبي ﷺ، قال ادعوا النفر الأشعريين قال خذوا هذا فرحوا، لكن لما مشوا من أدبهم وخضوعهم وسعة مشهدهم قالوا: النبي كان حلف أنه ما يحملنا قال والله لا أحملكم، استغفلنا رسول الله يمينه! نسي ونحن فرحنا بالركب!.. لا، لا، لا نفلح أبدا إن كنا هكذا معاملتنا مع النبي ما بيقع لنا خير!
رجعوا إليه، يا رسول الله كنت حلفت… قال النبي ﷺ: ما أنا بالذي حملتكم ولكن الله حملكم! ما كان في يدي شيء جاب هذا لكم وعطيتكم، وأنا والله لا أحلف على شيء فأرى غيره خير منه إلا أتيت الذي هو خير وكفّرت عن يميني ﷺ. قال ما أنا بالذي حملتكم ولكن الله حملكم، صلوات ربي وسلامه عليه.
قال لسادتنا الأنصار لمّا رآهم يصلون إلى هذا المستوى، قولوا وجدناك غريبًا فآويناك، وجدناك وحيد، وجدناك طريد فنصرناك، قالوا: لله المن، لله ورسوله، ما هو لنا الفضل؛ الفضل لك أنت؛ لله ولك؛ فدعا لهم بالدعاء، وكانت في أواخر ما ثبّت في أقدامهم في رسوخ تربيتهم وقوة زكاتهم عليهم ورضوان الله تبارك وتعالى. لا إله إلا الله..
فكمال الزهد في المتاع اللعاعة من الدنيا وكمال الشهود المنة للرب؛ فاطمئن بذلك وأكمل تزكيتهم، وقال لهم استمروا على هذا تلقون أثرة من بعدي فاصبروا حتى تردوا عليّ الحوض وأنا منتظركم ﷺ. اله يرينا إياهم على الحوض.
يقول فهؤلاء العجيبين آل الفتح إذا تقرب الخلق بالصيام والصدقة وكثرة الأعمال من ذلك؛ تقربوا "بمحو صفاتهم؛ واستهلاك ذواتهم"؛ فناؤهم في الله، "فمن كانت حالته الفناء والإضمحلال فلا يبالي وإن قلَّت منه الأعمال؛ كيف يبالي بما فات وهو مطالِع لجمال الذات في جميع الذوات؟"
وفي كل شيء له آيةٌ *** ………………
واشهد جمالاً أشرقت أنواره *** في كل شيء ظاهرًا لا خافي
"مطالِع لجمال الذات في جميع الذوات؟ وتجلي الصفات".
- (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ) [يونس:101].
- (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة:164]. كلها صفحات مطالعة.
من يشهد الآيات هذه كلها ويطالعها بقلبه، ما نقص عمله، ما نقص؛ العمل القليل منه يفوق الكثير من غيره. لا إله إلا الله..
قال: فلا يبالي وإن قلَّت منه الأعمال؛ كيف يبالي بما فات وهو مطالِع لجمال الذات في جميع الذوات؟ وتجلي الصفات على دوام الأوقات، ووجدان المواصلات، والصلات الموهبيّات" والموهوبيات جمع موهبة، "في الملائمات والمؤلمات؟" فيما يلائم وفيما يؤلم؛ كلها يحصل فيها مطالعة شريفة وذوق؛ لذة قرب من الرب سبحانه وتعالى، الله أكبر! "فإذا طالع حُسن التدبير وبديع التصوير وعجائب التقدير؛ علم أن تدبير اللّٰه واختياره له أتمُّ من تدبيره لنفسه، وتحقق إنما أورده اللّٰه عليه من صنوف البلاء متضمِّنٌ له على منن وألطاف وإسعاف بعطايا جزيل، وعلم يقينًا أن المنع عين العطاء."
فاستأنسي بالمنع وارعي حقه *** إن الرضا وصف المنيب الألمع
لا إله إلا الله..
قال: عبّر بالفتح "من بديع حكمته وذكاء فطنته، بالوجه وبالتعرّف، فإن الفتح يعطي الشهود، ومعرفة حقائق الوجود. فلقد أحسن وأتقن."، يا فتاح افتح علينا.
"فتح"؛ "باستتار ضمير الفاعل ينبئ أيضًا أن ذلك من قِبل اللّٰه لا للعبد فيه علة"، إذا فتح لك وجهته سبحانه؛ هو هو ضمير مستتر، فاعل ضمير مستتر تدبيره، هو فتح لك، "لا للعبد فيه علة، ولا يتوصل إليه بحيلة؛ بل ذلك من باب المِنَّة التي لا تترقب بوقت مخصوص أوعمل، بل لا سبيل إلى فتوح المعارف وإشراق وجوه اللطائف ومحو ظلمات الكثائف إلا بمساعدة عنايةٍ ربانية، وجذبةٍ اختصاصية، ونفحةٍ إلهية"، فلا أحد يقدر يعرف، ولا أحد يقدر يقرب، ولا حد يقدر يعي إلا بما تعرّف إليهم، ولو عمل ما عمل من دون نفحة إلهية وجذبة ربانية ما يصل قط، ولا ينال المعرفة الخاصة حتى ينفحه. انتظر.. قال سيدنا الإمام الحداد:
فإذا جاوزت مرتقيًا *** سدرة الأسرار والقَدرِ
فتوقف وانتظر عَلَمًا *** من علوم الأمر وادَّكِرِ
اللهم افتح علينا.
قال:
سِرٌّ تقدّس لا يُفشى لغير فتى *** أفنى المسمى وأفنى سائر الحجب
وساعدته من الرحمن بارقة *** سرى بها يطلب العليا من الرتب
شي مساعدة من فوق وإلا ماشي؟ مهما أفنى المسمى… إذا شي برقة من برقات جذبه وفتحه؛ وإلا ما حد يعرف ما حد يصل… قال الملائكة: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة:32]. فالله يكرمنا وإياكم في هذه الأيام والليالي.
بعدين يقول كيف؟ "والفتح يكون في كل مقامٍ بحسَبه" ما هو واحد؛ فتح فوق فتح؛ فوق فتح… الله الله!
فالاهتداء ثم الاقتداء والاجتباء حال فوق حال، وبعدين؟ فتح فوق فتح فوق فتح؛
- يكون فتح "في أسرار الشرائع والأعمال" هذا فتح عجيب
- لكن فوقه فتح "في دقائق طرائق الأحوال" وهذا عجب وأرفع وأدق وأوسع
- وبعد فوقه فتح "في مطالع صفاء الأسرار، وفسيح تنزّه الأرواح في مسارح الجمال" الرباني.
واشهد جمالاً أشرقت أنواره *** ………………….
"ومنائح المعارف وروائح نفحات الوصال".
أحيا ولكن حياتي عند ذكر الوصال *** متى متى في حِمى ليلى نحطّ الرِّحال
ننزل على أنس كامل في ثخين الظلال *** على هنا نشرب إلا عذب صافي زلال
سعف الرجال الذي هم في الحقيقة رجال *** ……………………….
الله الله!... الله يلحقنا بهم ويدخلنا في ركبهم.
قال: وقد تكون لأهل الوصال بالتلاشي والإضمحلال، عند ظهور سلطان الكمال"، أيش الكلام العظيم هذا!.. "ووراء ذلك فتوحًا ومنوحًا لم تجري ولا يفي بها التعبير والمقال، ولم تدخل تحت التكييف والمثال، ولم تخطر بعد على بال، مما لو بَدَت غبرة من رمال بحورها الطافحة وأسرارها اللائحة لذابت صمّ الجبال"، فإنها أسرار الوحي والإنزال.
- (لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ) [الحشر:21].
- (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ) [الأعراف:143]. لا إله إلا الله..
"ولم يقوَ على سماعها سمع، ولم يحتمل أثقال مقالها حال، وفتوح وجهة التعرّف لا يكون إلا عند مطالعة الجمال والجلال"،
- فكل ما تعلق بالإفضال والنوال فهو الجمال.
- كل ما تعلق بالكبرياء والبطش والانتقام فهو الجلال.
ويطالع الجمال والجلال "والجمال في الجلال، والجلال في الجمال"؛ لأن الكل كمال؛ فجلاله جميل وجماله جليل.
حضرة جميلة وإن كانت بوصف الجلال *** ……………………………
الجمال فيها، لا إله إلا الله…
فنوا عن الكون جملةً *** لما بدا طالع الجلال
وتبقى بقايا في نفس الإنسان ما تتطهّر إلا ببدوّ هيبة الجلال تضمحل؛ قبل إشراق شمس الجلال فيه شوائب مهما جاهد نفسه مهما بالغ في المجاهدة، تبقى فيه شوائب؛ حتى تشرق شمس الجلال.
فـنـوا عـن الكـون جـمـلةً *** لمَّـا بـدا طـالع الجـلال
وأحـيـاهـم بـعـد مـوتـهـم *** بالجمع في مشهد الجمال
حـتـى صـفـا إبريز تبرهم *** فــما يــسـاويـه قـط مـال
هـــذه عـــلومٌ مــحــقــقــة *** رجـالهـا نِعمَ من الرجال
يـقـينهم لا ارتياب فيه *** وهـَدْيـهـم ليـس بـه ضـلال
قـد اقـتـدوا ثـم جاهدوا *** وشاهدوا فانتفى المحال
لا إله إلا الله..
فــمــن لزم مــا أمـر بـه *** مـن العـمل واليقين نال
حـــلول جـــنــّـات أُنـــســه *** يــجـتـنـي ثـمـرة الوصـال
بعدين يقول لك: "فهو مورِد ذلك عليك؛ فافهم الإشارة في قوله: "مورده عليك" مما لا يلائم طبعك"، ولكن هو يريد ذلك عليك، "ومع كونه مورده عليك وهو متفضل ومتطوّلٌ به عليك، فاعرف قدره"، أين ما ترفعه أنت إليه من العمل وما يورده إليك هو من التعرّف؟ وأين ما ما يكون منك وما يكون منه! ما يكون منك في ضعفه وعجزه مهما كان من أعمال واجتهادات… لكن الذي منه يليق بعظمته وجلاله.. الله يكرمنا وإياكم بالتعرّف في لطف في هذه الليالي وفي هذه الأيام، في شهر حرام ومن أشهر الحج وكثير يتعرّف الحق إليهم.. حد عند الكعبة وحد في الصين، حد عند الكعبة وحد في أمريكا، حد عند الكعبة وحد في اليمن، حد عند الكعبة وحد في الشام… ويتجلى الله عليهم، وبعض الذين يتجلى عليهم في شرق الأرض وغربها ينالون من القُرب والمعرفة أكثر مما يحصله كثير ممّن هم حول الكعبة، هو ينظر إلى القلوب، هو ينظر إلى القلوب، وربما اشتاق روح الكعبة إلى متجلَّى عليهم! لا إله إلا الله… فهو متفضِّل ومتطول. "ووجه التعرف هو أن يرزقك الفهم عنه فيما منَّ به عليك؛ من رفع درجات، وزيادة حسنات، وتكفير خطيئات، مما لا يُحصى شكره من الفضائل والنعم والمنن، في بواطن البلايا والمحن."
- قال الظاهرة مثل الطاعة وذكر وعبادة ودلالات النبوة والعلم والصلاة والصوم والزكاة والقيام، وصحة وعافية وطعام وشراب وسكن وهذا كله نعم ظاهرة
- وباطنة؛ "من المثوبات والقربات، والتعرّفات الربانيات، في بواطن المحن الدنيويات."
"وما لك في ذلك من المصالح الدينيات والدنيويات مما يطول تعدادها"؛ نعم باطنة.. وأنت تترك ظاهر الإثم وباطنه، وهو يسكب عليك نعمه الظاهرة والباطنة، الله أكبر!..
"أومأت إلى بعض ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبويات، وشرح كثير من الأخيار بعض هذه الشؤون "وشوهدت بركاتها وبواهر آياتها". لا إله إلا الله..
"وأين ما أورده من ذلك إليك مع غيبتك فيه عن حولك وقوتك، وإدلالك بأعمالك وعلومك مما أنت مهديه إليه"؛ تقدّمه إليه "من أعمالك وطاعتك المشوبة بظلمة نفسك وإعجابك، وطلب حظك من الجزاء."، لكن ليعطيك هو شيء عظيم، ولهذا أعمال الذين ما يطلبون حظوظ ولا يطلبون جزاء ويعملون لله في الله في شهود الله عارفين المنة عليهم من الله.. يفوق أعمالهم أعمال الآخرين وأضعاف مضاعفة. لا إله إلا الله..
يقول: "ماذا تطلب من جزاء على عمل هو متفضِّل به عليك"، أنت ما فيك حس سواء بلا عقل! إذا واحد عزيز عليك، حتى تصل إليه أرسل لك السيارة والسائق، ركبت في السيارة، وقلت أنا الذي مشيت بالسيارة وركبت في السيارة وحركت السيارة وطلعت على السيارة ووصلت البيت بالسيارة! هو أرسلها لك أصلاً، ما هي حقك، أرسلها من عنده لك تركب عليها حتى تصل إليه؛ كل الأعمال الصالحة سيارات يرسلها لعندك حتى تجي لعنده من عنده هو يوفقك لها بعدين تتمنن بها عليه!
أرسل له التذاكر وجاء، قال أنا ركبت في الطائرة، وأنا جئت على الطائرة، وأنا قطعت المسافة بالطائرة، لو لم يرسل لك شيء ما وقعت شيء، الطائرة حقه هو أرسلها لك وركّبك فيها ويحبك.. وتتمنّن عليه!! والأعمال الصالحة هو أوصلها إليك ليوصلك بها إليه، فالمِنّة لمن؟ (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ) [الحجرات:17].
هو الذي نعم علينا بهذا كله، هل أحد منّا له قوة أن ينطق بكلمة من دونه؟ أن يتحرك حركة من دونه؟ حد منّا له قوة على ذلك؟ ما نقوى هو أعطانا هذا كله ليزيد إيماننا، ليحصل قربنا، لنصل إليه، اللهم لك الحمد. ولو أرادك للأخرى لهَيّأك لها ثم لم يبالي.
فيا ربِّ ثبّتنا على الحق والهدى *** ويا ربِّ اقبضنا على خير مِلِّة
آمين، آمين. لا إله إلا الله…
"وما عسى أن يخلص من مطالبه الإخلاص فيه من الرياء وآداب الاقتداء، وما علمت أنك في عملك وطاعتك أحوج إلى الاعتذار، مما اقترفته في حال تلبسّك من الأوزار، مما تستحق به دخول النار، لولا تفضُّل الكريم الغفار، فإذًا أنت فيه أحوج إلى الإستغفار" من تلك الأعمال، لا أن تقول أعطنا بها كذا، وأستحق بها كذا، أنت قدمت هدايا مخلولة معلولة، قام يصفّيها لك ويقبلها منك ويثيبك، خلاص الفضل له، لا عاد تذكر أعمالك أيش من أعمال قدّمتها؟ لو أخذك بها لكان وقع كلام ثاني! لا إله إلا هو… "وما هو مورده عليك سالم من ذلك" كله الله أكبر! "بل فيه من مضادة هوى النفس"؛ هذه أحوال شريفة يمد الله بها من يحب من عباده.
ولهذا يقول سيدنا الإمام الحداد، أول ما جاءته ونازلته حُمّى خمس سنين ما دروا بها أهل بيته، وبعدين عرفوا، ولما كان مع قرينه الحبيب أحمد بن هاشم الحبشي في شعب المهاجر أحمد بن عيسى، ويصيح الحبيب أحمد، قال له: ما لك؟ قال: عقرب لسعتني، قال له: أنت أحمد بن هاشم الحبشي متوجّه إلى الله ومقبل على الله وفي الوصول إلى الله تصيح من لسعة عقرب! من أرسله لك وجاء به إليك؟ حطّ يده وجد حمّى فيه، قال: خمس سنين أهلي ما يعرفون بها، يعني تعلم الصبر! وسطها أشياء…
فارتقى أحمد بن هاشم، ارتقى مراتب كبيرة عليهم رضوان الله تبارك وتعالى. بعدين ما عاد هي خمس سنين ولكن ثلاثين سنة والحمى فيه وزيادة ما تكاد تفارقه وتروح وتجيء، تروح وتجيء، لهذا قال ﷺ: "إني أوعك" بالحمى "كما يوعك الرجلان منكم" قال بعض الصحابة: ذلك أن لك أجرين يا رسول الله، قال: "أجل" ﷺ.
قالت السيدة عائشة: وارأساه، قال ﷺ: "بل أنا وارأساه" -لا إله إلا الله- ومادرت بمغزاه، قال له أنت ما تبالي بمرضي لو مت ستبيت مع إحدى نسائك الثانيات، ما عرفت بمغزى الحبيب ﷺ وهو يكلمها، قال بل أنا وارأساه؛ هذا كان في أواخر صفر، قريب وفاته عليه الصلاة والسلام، قريب المرض الذي امتد في أواخر صفر إلى وقت وفاته ﷺ.
ويستشهد بكلام بعض الأولياء، ومنهم أبو الخير عليه الرضوان، ويذكر بعدين عن العارف صاحب طرسوس، هذا وصل به البلاء أنه جالس "في غار بأرض طرسوس وجبالها، لحمه يتناثر، وجسده يسيل قيح وصديد، وقد أحاط به الذباب والقمل، فإذا كان الليل" ذكر وشكر، وعاده يشكر على ما أعطاه من العافية، ويشد نفسه بحبل ويستقبل القبلة وأكثر الليل يصلي -لا إله إلا الله- تعرّف إليهم فعرفوه، وذاقوا أشياء عجيبة..
الله يكرمنا باللطف والعافية والتوفيق ويُلحقنا بخير فريق إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين.
الله بهم يتفضل علينا، والله بهم يرفع البلاء عنا، والله بهم يتولاّنا في الحس والمعنى، والله بهم ييسر لنا الوصول إليه، والله بهم يحلِّنا برج الوصول، ويدني لنا غايات السول والمأمول، في كل ظاهر وباطن، يدفع عنا الجميع البلايا ويصلح الظاهر والخفايا، ويختم لنا بالحسنى وهو راضٍ عنا في خير ولطف وعافية، وإلى حضرة النبي ﷺ.
15 ذو القِعدة 1440