(445)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.
عصر الخميس 15 ذي القعدة 1440هـ.
الحكمة (12): ما نفع القلب شيءٌ مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبسندكم المتصل إلى الشيخ علي بن عبد الله باراس إلى أن قال رضي الله عنه وأدام النفع به وبكم في الدارين آمين:
الحكمة (12): ما نفع القلب شيءٌ مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة.
"فاعلم أنه لا أعون على الخمول من العزلة، فهي دواء مرض الخِلطة المضرة، وهي خلطة من لم يتقيّد بالأدب وهم الأحداث المثبطين عزمات المريدين، الذين لم تحتنكهم الرياضة، والعوام الغافلون المتهورون في العادات، المعرضون عن العبادات، المنتهكون أعراض الخلق بالغيبة والشتم والتحقير والتخبيط في الأقوال والأفعال، فلا أضرَّ على القلب من مخالطتهم، ولا أقبح على المريد من مجالستهم، وغاية نصحهم وفرط حبهم أن يحرّضوا من جالسهم على جمع الدنيا والحرص على الرئاسة والصلف وحب الثناء فمخالطتهم أعظم ضررًا على القلوب.
وأمّا من كان مساعدًا وعونًا لك على ما أنت طالبه، فَداءُ القلب مصارمته ومقاطعته، ودواؤه مجالسته ومصاحبته، فإن لمرايا الصادقين استنشاق بعضها من بعض، فلذلك إذا عدم الشيخ المربي قام الإخوان مقامه كما يقوم التراب في استباحة الصلاة مقام الماء، ونفاعة القلب سلامته عن أمراض الإعراض والانهماك في مهلكات الشهوات، والوقوع في ورطات الهفوات، ودواعي الأغراض البشريات.
والقلب هو لطيفة نورانية، فمتى أوردتَ عليها هذه الكثائف الظلمانية أضررت به لا محالة، وضرره طمس نوره، وإخفاء مشرقات بدوره تحت سُحب سجف ظلمات أسباب الدنيا، وأراجيف الخلق، وأباطيل تزوير الشيطان بترويجات الغرور، وسفساف مذموم الهوى الطبيعي النفسي، ظلماتٌ بعضها فوق بعض.
فهذه أمهات الحجب الكونية الظلمانية، وبالعزلة ينقطع معظمها، لكن بشرط كون المعتزل يعلم ما يلزمه فيها، فمن ذلك علم العين، والقيام بكل ماطلب الشرع منك القيام به، واستصحاب الفكرة الصافية في بديع الصنع، فمعظم الدواء في الحِمية؛ فعند القيام بحقها يرجى له الشفاء من أمراضه، والإقبال بعد إعراضه.
والعزلة من أحد أركان طريق أهل الله، بل هي الركن الأعظم إذا صحبها الصدق، فلذلك لم تزل دأب الصادقين وديدن أولي العزمات من الأولياء والصالحين، وأفضلهم وأكملهم محمد سيد المرسلين، كان يتخلى في حراء الليالي ذوات العدد حتى قالت قريش: إن محمداً يخلو بربه في حراء حتى فاجأه الوحي وهو فيه.
والعزلة عزلتان:
- عزلة بالأبدان.
- وعزلة بالجنان.
فأما عزلة الأبدان: فهي للعباد السالكين والزهاد والمريدين، ولها شروطٌ ظاهرة وهو ما قدّمنا، وأركانٌ باطنة وهي تحقيق الإرادة بالصدق وصريح الإيمان.
واعلم أن لله على الإنسان حقوق وللنفس والخلق كما ورد الخبر، ومن الحقوق ما يمكن أن تُقضى بدون مباشرة الإنسان، وبعضها لا يُقضى إلا بالمباشرة؛ ولم تسقط عنه هذه الحقوق بوجهٍ مادام بين أظهر الخلق، إلا أن يغلبه حال ويحكم عليه، فلم يبقَ له تصرّف من تصرفات نفسه لغيبته عن حِسِّه وفنائه عن أنسه، أو يكون صاحياً لكن جعل لديه منازلةً خفية عرّفها الله إياها بتعريف إلهي لا يدخله ريب في أنه أمر الله الخاص، فذلك بحكم حالته، وموكولٌ إلى صدقه في مقالته.
فإن كان صادقًا فهو قائم لله بأتم طاعة، فلا يُدانى، فذلك مما اختص به أنبياءه وخواص خلاصة أصفيائه، وإن كان على غير ذلك فليتق الله في دعواه، ولينزع عن متابعة هواه إلى متابعة رسول الله ﷺ فيما ندبه إليه ودعاه، وإن تغيرت حالته بمخالطة الناس في ذلك؛ فطريقه أن يخرج من بين أظهرهم إلى محل يسقط عنه ذلك، و من ذلك -والله أعلم- ما حمل العبّاد والزهاد والصالحين على الخروج إلى الفلوات، وسكون الجبال وبطون الأودية، والفرار عن الأوطان، ومهاجرة الأقران.
لكن ذلك يحتاج معه إلى قوة يقين، وحقيقة توكلٍ وتمكين، وحُسنُ تولٍ من الله، وإلا فالبادية ميدان فرسان الشياطين، فإن لم تكن معه قوةٌ تعينه على ذلك، وتدفع عنه شر ما هنالك، وإلا خيف عليه أن تستوليه بطغيانها، وتخوفه بتلوين سحرتها وتغول غيلاتها، فالأولى بضعيف اليقين السكون في الديار لصحبة الأخيار وتجنب الأشرار، وتحري الاستغفار بالأسحار، ودوام الأذكار آناء الليل والنهار، فيلحقه الله بالصالحين، وينيله مراتب الصادقين من البدلاء الأبرار، وتتدراكه العناية بحسن الرعاية، وتتولاه بالاختصاص والولاية، فيلحق -إن شاء الله- بمن تفرّد وزيادة فوائد.
فمنها: رؤية التقصير واعتماده على فضل الله دون تدبيره واختياره.
ومن علامة دلالاته الباطنة: أن يكون متعلقاً بالله، ومتحققًا بأوصافه، ومتخلقًا بأسمائه، فلا يرى نفسه في ذلك فضلاً عن أن يرى لها، ولا ينظر إلى الخلق بالمقت والازدراء، ولكن يشكر الله على ما أولاه من نعمه، وعافاه مما يشغله عنه من دواعي هواه، ويكون على الخلق مشفقًا، ولهم راحمًا، وعليهم متحنناً لطيفاً عطوفاً، ويكون ذا فكرة صافية وبصيرةٍ وافية، دائم الذكر لله، متوالي الشكر على نعم الله، دقيق النظر في مواقع الخطر، غاضّ البصر عن الدنيا وما فيها ومن فيها، كثير السهر والجوع؛ ففي السهر تنوير البصيرة، وفي الجوع صفو السريرة، وبذلك بعد توفيق الله ومعونته صارت الأبدال أبدالاً، فهذا بعض شروط عزلة العباد والزهاد السالكين والمريدين الصادقين.
وأما عزلة الأكابر العارفين وأفاضل الصديقين:
فعزلتهم بالجنان دون الأبدان، مباينين الخلق بالقلوب والقوى القائمة بالأركان دون التغيب بالأبدان، فمن كان مقامه الإحسان ولم يشهد معه ثان، فعن من يعتزل؟ ولمن يبتذل؟ فهو مع الله مستغرقًا بالجنان؛ سامعًا عنه ناظرًا إليه بالعيان، في كل حين وأوان، في الفِطَر والأعيان متجليًا، وعليها متوليًا، مشتغلاً بذكره باللسان، وطاعته بالأركان، كيف ما تقلّبت به الحالات فهو جليسه، ومن بين جلسائه أنيسه، كما قالت رابعة -رضي الله عنها- في بعض ما يروى عنها من الأقوال، في طفحات الأحوال:
ولقد جعلتك في الفؤاد محدِّثي *** وأبحت جسمي مؤنسًا لجليسي
فمن كان كذلك فخلطته عزلة وعزلته خلطة، ومعنى ذلك أنه إذا خالط الخَلق مباينهم بقلبه، منعزلٌ عنهم بوجوده لربه، وإذا اعتزلهم كان مصاحبهم بربّه لشهوده الكثرة الخلقية في الوحدة الحقية، اضمحلالاً واندراجًا، والوحدة في الكثرة الخلقية إحاطةً وعلمًا وشهودًا وحفظاً وقيامًا وكلاءةً وتصرفًا واحتكامًا. واعلم أنه وإن كان كذلك فينبغي له وإن بلغ من القرب مبلغًا، فلا غنى له عن ساعة ووقتٍ يخلو فيه لتعود بركة خلوته على متفرق جلوته، فيكون في الخلوة ملحوظًا، وفي الجلوة محفوظًا.
ومن ذلك ما روي عنه ﷺ أنه قال: "لي وقتٌ لا يسعني فيه غير ربي". وفي ذلك أقول:
بعزلة المرء يسلم من معاطبها *** وتبرئ القلب من الأمراض والعلل
بصافي الفكر يدرك من مآربه *** ويبلغ السؤل والمطلوب والأمل
الحمد لله الذي يتجلى على من أقبل عليه -سبحانه وتعالى- بكليّته، وبعجائب من مِنَنه وإحسانه ونعمته، وعلى من أعرض عنه بالإعراض، وتوالي الأمراض، التي بها يهوي في هاوية البعد عن الجبار حتى يحل في النار.
لا إله إلا الله القوي القادر، العزيز القاهر، الكريم الفاطر، المنّان الغافر، الأول الآخر، والباطن الظاهر، بيده ملكوت كل شيء، برأ محمدًا واصطفاه، وصفّى قلبه عن من سواه، وجعله سبب المدد والفيض لكل من والاه.
اللهم أدم صلواتك على عبدك المنيب الأواه، سيد أهل أرضك وأهل سماواتك محمد بن عبد الله رحمتك المهداة، ونعمتك المسداة، وعلى آله الطاهرين الهداة، وأصحابه الخاشعين الرعاة، وعلى من تبعهم بإحسان واقتدى بهداه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك رافعي القدر واسعي الجاه، وعلى آلهم وأصحابهم وملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعد،
فقد رتّب الله -تبارك وتعالى- في هذه الحياة كسب خصوصيات المعرفة به، والقرب منه، ونيل رضوانه -سبحانه وتعالى- بتخلٍّ عن الشوائب، وانصرافٍ عن الكائنات، وإقبالٍ صادقٍ عليه، لا يستقيم ذلك لأكثر الناس إلا بخلوةٍ وعزلةٍ عن بني جنسهم من الناس، وغضِّ بصرٍ عن الكائنات كلها، فيقتطف من سبقت له سابقة السعادة بواسطة صدق الإقبال والخلوة والاعتزال في بعض الأوقات من حقائق المعرفة ونيل الرضا والقرب من الحق -جل جلاله- والمحبة ما لا يمكن حصوله بغير ذلك، وبما به ينال الخصوصية، ويلحق بأهل المزية.
و "ما نفع القلب شيءٌ مثل عزلة" عن الكائنات "يدخل بها ميدان فكرة" في مطالعة جمال الأسماء والصفات. يصفو في عزلته بعزل جميع دميم صفاته، وإفناء أفعاله في الشريعة، وإفناء صفاته في الطريقة، وإفناء ذاته في الحقيقة، حتى يكون على طريقة (وَمَا رَمَيْتَ) وشريعة (إِذْ رَمَيْتَ) وحقيقة (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ). فتفنى وتضمحل أفعاله في الشرع المصون، تفنى وتضمحل صفاته في صفات الأمين المأمون، وتفنى وتضمحل ذاته بشهود واجب الوجود جلّ جلاله وتعالى في علاه.
قال الإمام الحسن بن صالح البحر في قول المصلي: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) قال: 'فنائي عن الوجود بشهوده، وفنائي عن شهوده ببقاء وجوده؛ (مَمَاتِي).. (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:162].
"ما نفع القلب شيءٌ مثل عزلة"؛ اعتزال لكل توجّه لغير الله، لكل التفات إلى ما سوى الله، "يدخل بها ميدان فكرة"، تنظر فيها البصيرة، وتشاهد فيها السريرة، جمالاً أشرقت أنواره في كل شيء، وجلالاً حلت عظمته فوق كل شيء، وكمالاً تفانى فيه كل شيء.
يقول: "فاعلم أنه لا أعون على الخمول"؛ أي: انتزاع فتيل الالتفات إلى الخلق بطلب الشهرة عندهم، لا أعون على ذلك من العزلة، الاعتزال عنهم حتى ينقلع من القلب رغبة الالتفات إلى الخلق بصدق رغبة الوجهة إلى الحق.
قال: "فهي" -هذه العزلة- يعني: كنس وصرف…
وصرف هم السِّرِّ *** عن خدمة الأجسام
مع اعتناق البرِّ *** والترك للآثام
يا ربنا يسِّر له *** الذي قد رام
فباقتلاع جذور الصفات الذميمة من القلب تبقى الصفات المحمودة، وهي المستقاة الموروثة من ذات النبوة ومن صاحب الرسالة ﷺ، فما من خُلُقٍ في البرية محمود إلا وهو متلقى عن زين الوجود.
"دواء مرض الخِلطة المضرة" ما الخلطة المضرة؟ "خلطة من لم يتقيد بالأدب" هذه الخلطة المضرة، من لم يتأدب مع الرب مخالطتك إياه ضرر عليك، هل تفقه أو لا!
من لم يقم بحق الأدب مع الرب، فمخالطتك إياه ضررٌ عليك، ضررٌ عليك تضر بها قلبك، تضر بها دينك، تضر بها حالك، أن تخالط من لم يتأدب مع الرب. من أمثال "الناشئة والأحداث المثبطون عزمات المريدين الذين لم تحتنكهم من الرياضة، ومثل عوام الغافلين المتهورين في العادات، المعرضين عن العبادات، المنتهكين أعراض الخلق بالغيبة والشتم والتحقير والتخبيط في الأقوال والأفعال"! خمس دقائق تجلس معهم يغتابون أربعة خمسة مباشرة، يهتكون أعراض خلق الله، ما تجالسهم إلا ويحثونك -إن أحبوك- بيحثونك على المال، والفخر، والرئاسة، هذا إن أحبوك، وإلا تجدهم يتناهشون هم وإياك عليها، لا بغوا لك مال، ولا بغوا لك رئاسة، ويتنهاشون هم وإياك.
فإنْ تجتنبْها عشتَ سلماً لأهلها *** وإنْ تجتذبْها جاذبَتْكَ كلابُها
هذا حال الناس.. فلا تختر مصاحبتك هذا الصنف من عباد الله تعالى، لا تضر نفسك. قالوا لك: إذا عاد عندك بلاد فيها أكثرهم أخيار، ولا يسهل لك مجالسات الأشرار، بنجيب لك جهاز لعندك، وخذ لك أشرار الأرض وأشرار أشرار الأرض خذهم! مجالسهم تضرك؛ تظلمك؛ تبعدك؛ تحجبك؛ تقطعك؛ ترديك؛ تهوي بك؛ تنزع نور الإيمان منك.
"خلطة من لم يتقيد بالأدب" هذا مرض، وهذا خبيث، والنبي ضرب الجليس السوء مثله بنافخ الكير، يقول: أنا ما بشم، كيف ما بتشم؟ أين تذهب بشمّك؟! الروائح الكريهة لا بد تشمها ، قال: أيش عليّ من كيره، ما بشم كيره، ما تشم كيره؟! الروائح حق الكير تدخل أنفك على رغم أنفك! قال: ولا بخلي الشرارة تلحقنا، لما ننتظر أن الشرارة تستاذنك قل هكذا؟ هي إذا طارت الشرارة ما عادت تستأذنك، تقع فيك أم لا! لا إله إلا الله… ما هي إلا جاءتك من هنا أو من هنا، وإن عادها وقعت في عينك أعمتك!
لا إله إلا الله! فلهذا يقول: ابتعد عن مجالسة هؤلاء، جالس أصحاب الأدب مع الله، جالس من تدلك على الله مقالته، وينهضك حاله، وتزينك في القيامة صحبته.
يقول: "فلا أضرَّ على القلب من مخالطتهم، ولا أقبح على المريد من مجالستهم، وغاية نصحهم وفرط حبهم" ماذا يصلحون لك؟ يحرضونك إذا جالستهم على "جمع الدنيا والحرص على الرئاسة والصلف وحب الثناء"، هذا إذا هم أحبّوك وأخلصوا معك، جاءوا للحقير ذا حقهم الذي انقطعوا به ويقطعونك به؛ فهذا هو المحبة حقهم، فيظن أنه ينفعك.. كما يقال: بيقبّلها عوَر عينها، خلّاها على عين واحدة، لا حول ولا قوة إلا بالله!
وهكذا أكثر الناس يصلحون هكذا، والثانية عادهم أيضًا يعمونها عليك، ما عادك على عين واحدة، ما عادك أعور بل صرت أعمى؛ بمجالستهم يعمونك، يا لطيف! قال: "فمخالطتهم أعظم ضررًا على القلوب".
"وأمّا من كان مساعدًا وعونًا لك على ما أنت طالبه" من القرب من الله، والتنزه عن رذائل القلب، "فَداءُ القلب مصارمته ومقاطعته" هذا بالعكس؛ إن صارمته وأعرضت عنه وقطعته.. المرض عندك، "ودواؤه" ودواء القلب "مجالسته ومصاحبته".
واصحب ذوي المعروف والعلم والهدى *** وجانب ولا تصحب هُديت من افْتُتِنْ
واصحب الصالحين ما دمتَ حياً *** إنهم للمحب خير رفاقِ
وإذا كنت عاشقاً علوياً *** فتحلى بحجة العشاق
بالتماس الرضا وترك المعاصي *** وببسط اليدين بالإنفاقِ
لا إله إلا الله…
واصحب الصالحين ما دمت حياً *** إنهم للمحب خير رفاقِ
فإن لمرايا قلوب الصادقين استشفاء بعضها من بعض، ولهذا إذا عُدِمَ الشيخ المربي فالإخوان يقومون مقامه، لأن مرائيهم ينتشر النور من بعضها إلى بعض، وينبه بعضهم بعضاً، ينصح بعضهم بعضاً، يشجع بعضهم بعضاً على الخير، يثبّت بعضهم بعضاً عن الغفلة وينشله من الإعراض، فيحصل لهم بذلك خيرٌ كثيرٌ.
"نفاعة القلب سلامته من أمراض الإعراض عن الله والانهماك في مهلكات الشهوات والوقوع في ورطات الهفوات ودواعي الأغراض البشريات" هذا القلب المنتفع. "القلب لطيفة نورانية إذا أوردتَ عليها الكثائف" هذه "الظلمانية أضرّت بها" لا إله إلا الله.. "فيختفي مشرقات بدور القلوب بسحب ظلمات أسباب الدنيا وأراجيف الخلق، وأباطيل تزوير الشيطان، وتزويرات الغرور، وسفساف مذموم الهوى، ظلمات بعضها فوق بعض".
الله يخلصنا منها ويبعدها عنَّا وعن أهلنا وعن أولادنا وأصحابنا وطلابنا، القنوات تنشر هذه الظلمات، وأكثر البرامج تنشر هذه الظلمات، والأسواق تنشر هذه الظلمات، وأماكن النت تنشر هذه الظلمات، وكثير من المقاهي تنشر هذه الظلمات، والمصيبة صارت بعض مساجد المسلمين تنشر هذه الظلمات، لا حول ولا قوة إلا بالله! حيث التداوي والعلاج وقع الداء وسطه.. تدخل المسجد تحصل سب وشتم وغيبة وذنب وتكفير وتبديع وتضليل وإغراء للصدور على بعض وسط المسجد! وتعظيم للدنيا والانتخابات والرئاسة، خطبة كاملة عليها.. احذروا ولا تنتخبوا إلا فلان وسط المسجد خلنا نسجد للرحمن، أنتم وفلان وفلان، بغيت أسجد لواحد وأرفس واحد، لا بغيت أرفسهم ولا أسجد لهم، خلهم في حالهم، خلنا مع ربي بسجد بصلي… دخّلوا الظلمات للمساجد -والعياذ بالله تعالى-! ويذكر في السيرة أنه رأى خنازير يعلو منبره الشريف، حزن للأمة، حزن على الأمة لما رأى ذلك، والله يصلح أحوال المسلمين.
قال: "هذه أمهات الحجب الكونية الظلمانية بالعزلة كلها تنقطع" أو أكثرها؛ لكن شرط "كون المعتزل يعلم ما يلزمه في العزلة"؛ يعلم ما فرض الله عليه من علم الشريعة لابد؛ ما يتأتى جاهل يعبد الله -تبارك وتعالى- على جهله! لكن إذا بيعتزل يتعلم فرض الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج، وما يلزمه فيه قوله وفعله، وما يتعلق به، "والقيام بكل ما طلب الشرع منك القيام به".
"واستصحاب الفكرة الصافية في بديع الصنع"؛ المحافظة على خواطرك وعلى ضميرك، "فمعظم الدواء في الحِمية"، "الحِمْية رأس الدواء" يقول ﷺ؛ يعني: البعد عن المضرات، هذا هو الاحتماء عمّا يضر، هذا رأس الدواء، أمّا تصلّح الدواء وتصلّح المُضِر معًا.. ما عاد ينفع الدواء بعدين. كما قال بعض مرضى السكري يصلح الأنسولين حقه، بعدين يأكل كل شيء، بعد قليل ما عاد ينفع الأنسولين، وإذا به زاد عليه السكري وطاح مسكين أو مات. "الحمية رأس الدواء".
يقول: "والعزلة من أحد أركان طريق أهل الله تعالى" وخصوصاً للمبتدئين "بل هي الركن الأعظم إذا صحبها الصدق"، ولذا قال إن زين الوجود ﷺ لمّا قارب الأربعين حُببت إليه الخلوة، فكان يخلو في غار حراء يعبد الله، اختار ذاك المكان يشرف منه على الكعبة المشرفة، فينظر إليها، وعَبَد الله في محل بعيد الوصول للمكان بغى تعب حتى تصل إليه، وكان يتعبد الله "الليالي ذوات العدد" وقالوا -أي قريش- : إن محمداً عشق ربه، محمد عشق ربه! قال قاعد هو و ربه هناك، يختلي مع الله -تبارك وتعالى- وقل لهم من عرف ربه مثل محمد؟ ومن أحب ربه مثل محمد ﷺ!..
قال: "والعزلة عزلتان:
فأما عزلة الأبدان: فهي للعباد السالكين والزهاد والمريدين، ولها:
أما عزلة على غير وجهة صادقة بتنفع صاحبها بماذا!
قال تتربى فيه بعض الرذائل حقه، وهو وسط العزلة تتربى فيه بعض الرذائل، ما له وجهة صادقة، ما هو مقصود هذا، وقد يرى نفسه أنه أحسن من غيره من الناس الذين اعتزلهم، فيتربّى عنده العجب والكبر، ويبعد أكثر وهو وسط العزلة يظن نفسه قَرَب وهو أبعد.. وكل يوم يزيد كبره وعُجُبه مسكين!!
فإذا كان بغى يعتزل يعتزل على تحقيق إرادة بالصدق وصريح إيمان، وأدب مع الرحمن. لله عليك حقوق، ولنفسك حقوق، وللخلق حقوق، فأعطِ كل ذي حقٍّ حقه كما قال ﷺ.
"من الحقوق ما يمكن أن تُقضى بدون مباشرة الإنسان، وبعضها لا يُقضى إلا بالمباشرة"، وهذا ما تسقط عنه مثل حق والدين يحتاجون اليه لخدمتهم أو نفقتهم وما إلى ذلك؛ ما يسقط هذا الحق عنه، يقول أنا بعتزل! أيش من عزلة؟!.. أعطِ والدك النفقة اعطِ أمك النفقة، احتاجوا إلى خدمة فوق النفقة اخدمهم،
و "مادام بين أظهر الخلق" أيضًا حقوق صلة الأرحام، حقوق مواساة الجيران، هذه ما تسقط عنه، تسقط عنه لما يخرج من بين البلاد ويروح محل بعيد ما عليه حق جار، ما عنده أحد من الأرحام يقدر يصل إليه، ما عليه جمعة؛ بعيد.. تسقط عنه، ولا تسقط إلا على من غلبه حال حَكَم عليه، ما عاد بقي له تصرف على نفسه، فهذا مأخوذ معذور، أو متمكن من أهل الصحو، أهل الاستقامة الذين لا يشكُّون في مراد الله تعالى منهم، كما عملت أم موسى، حطته في التابوت، ورمته في البحر، ايش هذا!.. لأنها تعلم أن الذي جاءها حق، هي صاحية في حالة صحو، (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) [القصص:7]. (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ) [طه:39]. لا إله إلا الله…
فهذا خلاص يتصرف، ما يجيء أحد يقول لها عرّضتِ طفل للهلاك لماذا يا يوحانذ! حرام عليكِ… أبله أنت؟! تلقت هذا عن ربها بوحي صحيح (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) وكان سبب نجاته سبحان الله (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)[القصص:7] وبعدين قال لها: اسمعي ذا الحين أرضعيه، وتهنّي بتربيته، وخذي أجرة على رضاعته! لو كان الذي حفظناه وهو عندك من دون ما يمسكه فرعون ما حد بيعطيكِ أجرة وبتخافين كل وقت عليه انهم يجون يقتلونه، لكن ذا الحين بيحرسونه لك وبيعطونك أجرة.. سبحان الله! قدرة وآيات عظيمة، حطيه في البحر ذا وبعدين بنصلح كذا.. وصلح… لا إله إلا الله، وتربى في قصر فرعون وأمه تتأنس به، وتربيه، وترضعه، ويعطونها الأجرة عادها، وآمن ما تخاف أنهم يقتلوه! لا إله إلا الله!! (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).
يقول: "فإن كان صادقًا فهو قائم لله بأتم طاعة، فلا يُدانى" في مسلكه ذلك، وهذا نادر لأخصّ الخواص، "فليتق الله في دعواه" وإلا فالنار النار.
قال: "ومن ذلك ماحمل العباد والزهاد والصالحين على الخروج في الفلوات" رضي الله تعالى عنهم، "وتوزّعوا في الأماكن هرباً بدينهم، فصاروا على هذه الأصناف"، العارفون بالله -تبارك وتعالى- على هذه الأصناف، من هم؟ يقول:
فلله أقوامٌ نأى البعضُ منهم *** عن البعضِ إيثارًا لمقصودِ خلوةِ
في أيش هذه الخلوة؟ قال:
أُنسًا بمولاهم وشغلاً بذكره *** ……………………….
ما هو بطالة..
……………….. *** وخدمته في كل حينٍ وحالةِ
وحرصاً على هذا الخمول لأنه *** أمانٌ لأهل الله من شرِّ شُهرةِ
وحب انقطاعٍ واعتزالٍ فإنَّ فيهما *** طِيْبَ عَيْشٍ في زمان البَلِيَّةِ
فمنهم؛ هؤلاء القوم..
فمنهم مقيمٌ في الأنام وإنه *** لمستورُ عنهم تحت أستار غَيْرةِ
ما يعرفونه هو بينهم وهو معتزل بقلبه!
يراه الورى إلا القليل كغيره *** من الغافلين التاركين استقامةِ
يظنونه كماهم في دنياه وفي رغباته وفي مراداته.
ومنهم رجالٌ يؤثرون سياحةً *** …………………..
هؤلاء الذين ذكرهم الشيخ
ومنهم رجالٌ يؤثرون سياحةً *** وسكنَى مغاراتِ الجبال وقفرةِ
يسيحون من شِعْبٍ، إلى بطن واديٍ *** وكل خرابٍ، والفيافي الخليةِ
ومنهم رجالٌ ظاهرون بأمره *** لإرشادِ هذا الخلقِ نهجَ الطريقةِ
لهم همَّةٌ في دعوة الخلق جملةً *** إلى الله عن نصحٍ ولطفٍ ورحمة
فهم حجّةٌ للمؤمنين بربهم *** وفيهم لمرتاد الهدى خير قدوة
وحتفٌ على أهل الضلال وحُجةٌ *** تقوم على أهل الشقاق وشِقوة
وكلٌّ على نهج السبيل السويّ لم *** يخالِف أمراً آخذاً بالشريعة
رضي الله عنهم أجمعين.
وإن الذي لا يتبع الشرعَ مطلقًا *** على كل حالٍ عبدُ نفسٍ وشهوةِ
صريعُ هوىً يُبكَى عليه لأنه *** هو الميتُ، ليسَ الميتُ ميتَ الطبيعةِ
وما في طريق القوم بدءاً ولا انتها *** مخالفةٌ للشرع فاسمع وأنصِتِ
وخلِّ مقالات الذين تخبّطوا *** ولا تكُ إلا مع كتابٍ وسُنةِ
فثَمَّ الهدى والنور والأمن من ردى *** ومن فتنةٍ تُخشى وزيْغٍ وبدعةِ
ومتبعو حُكم الكتاب وسُنةٍ *** هم المفلحون الفائزون بجَنةِ
عليهم من الرحمن رضوانُه الذي *** هو النعمة العظمى وأَكْبِرْ مِنةِ
لا إله إلا الله، لا إله إلا الله…
ألا ما لقلبي كلما ذُكِر الحمى *** وأهل الحِمى من خير عربٍ وجيرةِ
يهيجُ به وجدٌ وشوقٌ و لوعةٌ *** شجونٍ لها تجري على الخدين دمعتي
وما لفؤادِي قد توطّنه الأسى *** أحسُّ به من حرِّهِ لفحَ جمرةِ
تعوّد تذكار الخيام وأهلها *** إلى أن غدا من شوقه كالمفتتِ
ولله روحٌ خالط الحُبُّ كلَّها *** ومازجَها حتى صبَتْ للصَّبابةِ
وخامرَها خمرُ الغَرامِ فأصبحتْ *** وأمستْ على حب الحبيبِ مقيمةِ
يظنُّ بها من ليس يدري بشأنِها *** بأن بها سُكْرُ الخمورِ الأثيمةِ
لها أبداً شوقٌ إلى خير معهدٍ *** به خيرُ عهدٍ في العصور القديمةِ
يذكِّرُهَا العهدَ القديمَ سماعُها *** لترجيعَ تالٍ للمثاني الكريمةِ
ورنةُ أذكارٍ، وصوتُ مُسَبِّحٍ *** ونغمةُ حادٍ للمطايا المُجِدَّةِ
وتغريدُ وُرْقٍ فوقَ أغصان دوحةٍ *** وتلحينُ شادٍ بالأغاني الرَّقيقةِ
وكلُّ نسيمٍ هبَّ أو بارقٌ شرى *** وأشيا أرى في سترها حفظَ حرمةِ
حِذار غبيٍّ أو حسودٍ مولّعٍ *** بإنكار أسرار العلوم الدقيقةِ
فقد ستروا أهلُ الطريق وأخملوا *** أمورًا من التحقيق حتى تغطّتِ
لئلا يراها المنكِرون فيخسروا *** بإنكارها لا عن دليلٍ وحجةِ
كما أنكروا قومٌ على بعض من مضى *** من العارفين أهل الهدى والبصيرةِ
لا إله إلا الله… اللهمَّ ارزقنا الاستقامة.
يقول: "ومن ذلك -والله أعلم- ما حمل العباد والزهاد والصالحين على الخروج إلى الفلوات، وسكون الجبال وبطون الأودية، والفرار عن الأوطان، ومهاجرة الأقران."
"لكن ذلك يحتاج معه إلى قوة يقين، وحقيقة توكل وتمكين، وحسن تولٍ من الله، وإلا فالبادية ميدان فرسان الشياطين"؛ محل غفلة وإهمال، "فإن لم تكن معه قوة تعينه على ذلك، وتدفع عنه شر ما هنالك، وإلا خيف عليه أن تستوليه بطغيانها، وتخوفه بتلوين سحرتها وتغوّل غيلاتها، فالأولى بضعيف اليقين السكون في الديار لصحبة الأخيار" ويأخذ منهم الأنوار، "وتحري الاستغفار بالأسحار"، ويحضر مجالس للأذكار "فيلحقه الله بالصالحين، وينيله مراتب الصادقين من البدلاء الأبرار، وتتدراكه العناية بحسن الرعاية"، يا رب أكرمنا.
ومن آداب هذا المعتزل المختلي:
هذه آدابه في العزلة.
يغض البصر عن الدنيا وما فيها ومن فيها، ويكثر السهر والجوع؛ بالسهر تتنور البصيرة، وبالجوع تصفو السريرة. وهكذا، "شروط عزلة العباد والزهاد"
"وأما عزلة الأكابر العارفين وأفاضل الصديقين:
فعزلتهم بالجنان دون الأبدان"؛ قاعدين بين الخلق ولا هم بين الخلق، "مباينين الخلق بالقلوب والقوى القائمة بالأركان دون التغيّب بالأبدان، فمن كان مقامه الإحسان ولم يشهد معه ثان، فعن من يعتزل؟"؛ كأنه يراه وما يرى معه غيره.. "فعن من يعتزل؟ ولمن يبتذل؟ فهو مع الله مستغرقًا بالجنان؛ سامعًا عنه ناظرًا إليه بالعيان"، "أسمِعْنا منك، وبصِرْنا بك، وأقِمْنا بشهودك وعرِّفْنا الطريق إليك.."، فهو جليس ربه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا جليس من ذكرني"، وقال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ )[البقرة:152].
فهذا "خلطته عزلة وعزلته خلطة"، إذا خالط الخلق باينهم بقلبه، معتزل عنهم بوجوده لربه، ووقت اعتزالهم "مصاحبهم -مصاحب الخلق- بربّه لشهوده الكثرة الخلقية في الوحدة الحقية، اضمحلالاً واندراجًا"، وشهوده الوحدة الحقيّة في الكثرة الخلقية "إحاطةً وعلمًا وشهودًا وحفظاً"، فبذلك لا يحجبه الحق عن الخَلق، ولا الخلق عن الحق. ومع ذلك كله قال: ما يستغني "عن ساعة ووقت يخلو فيه" مع الله، حتى هذا حتى هذا المُمَكَّن لابد له من سويعات، (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا )[المزمل:1-2]، وأكثره كان في خلوته -عليه الصلاة و السلام- يقوم، وقد يقوم في المسجد أحياناً ويكون في الغالب في بيته في خلوته، يكون حتى غالب ساعاته في القيام، وأم المؤمنين نائمة عنده، صلوات ربي و سلامه عليه.
فهذا شأنه عجيب بين الخلق ولا هو عندهم بقلبه، ولكنه احتاج إلى صبر كثير، حتى قال الحبيب علي: ما رثوة إلا لمن هو في بلاده غريب!.. وكان يقول: إذا بغيت تآذي أحد حطُّه بين غير أبناء جنسه، مع غير أهل وجهته حطه بينهم خلاص تبلغ الغاية في أذاه؛ تؤذيه. لا إله إلا الله…
ولكن، لابد لهم من الصبر، وتحصل لبعضهم معونات كبيرة من الله -تبارك وتعالى- فيخِف عليهم، ويهوّن الأمر الشديد.
ويقول الإمام الحداد: ترى مناسبة بيني وبين أهل الزمان في شيء؟ في النظر وطريقة الفكر وفي الوجهة وفي العلم؟ كلهم ولهذا قالوا: أنه من أهل الزمان المتقدم. لا إله إلا الله…
يذكر بعض هذا:
أقاسي شجوناً لو يقاسون بعضها *** لضاق عليهم بالكروب وجودُ
يقولون ما شاؤوا فحسبي وحسبهم *** إلهٌ عظيمٌ عالِمٌ و شهيدُ
ألم ترَ أنَّ الضُّرَّ يا سعدُ مسَّني *** وقد كدتُ من فرطِ الضناء أبيد
فإن كنت مني والرفيق مساعدٌ *** يعين وفي مسِّ الخطوب يفيدُ
فبادِرْ وسِرْ عني، وخُذْ لي رسالةً *** إلى من ثوى في القلب وهو بعيدُ
تبلغها في عٰبرةٍ ومدامعٍ *** وعندك وُدٌّ صادقٌ وأكيدُ
وقل لحبيب القلب ذاك الذي أنا *** بحبي له بين الأنام سعيدُ
عُبَيدُك يا مولاي أدرِكْه إنه *** وحيدٌ فريدٌ والزمان شديدُ
وقد ذهبتْ أيامُه وتنكّرتْ *** عليه أمورٌ واضطربنَ عهودُ
ولم يبقَ إلا ما يُرَجِّيْهِ منكمُ *** فمنّوا وجودوا يا كرام وعُودوا
وقال:
وأنِّي مقيمٌ في مواطن غربةٍ *** على كثرة الأُلَّاف في جانبٍ وحدي
قريبٌ بعيدٌ كائنٌ غيرُ كائنٍ *** وحيدٌ فريدٌ في طريقي وفي قصدي
لا إله إلا الله…
وما أستلذُّ العيشَ في البعد عنهم *** ولو كان مُلكُ الأرضِ في قبضة اليدِ
وإني لأرجو قربَهُم ووصالهم *** وإن طالتِ الأيامُ ما لم أَرِدْ لحدي
فيا سعدُ سِرْ بي نحوهم وابلغَنَّهُمُ *** بأنّي على حِفظِ المودةِ والعهدِ
ونبئهم عن لوعتي وصبابتي *** وكتمي لأسرارِ الهوى غايةَ الجُهدِ
وأني مقيمٌ في مواطنِ غربةٍ *** على كثرة الأُلَّاف في جانبٍ وحدي
قريبٌ بعيدٌ كائنٌ غير كائنٍ *** وحيدٌ فريدٌ في طريقي وفي قصدي
أمورٌ وأحوالٌ تعِنُّ ولم أجد *** عليها معينًا وهي تقعدُ بالفردِ
فكنْ لي شفيعًا عندهم فلعلّهم *** يمنّوا بجمع الشمل فضلًا على العبد
فيا ليت شعري هل أزورُ خيامَهم *** سُحَيرًا على حال المسرة والودِّ
وهل تجمع ُالأيامُ بيني وبينهم *** وهل بعد هذا البعدِ يا سعدُ ما يُجدي
أرجّي ولي ظنٌّ جميلٌ بخالقي *** تعالى عظيمِ الشأن مستوجب الحمدِ
إله البرايا كلها ومليكها *** تنزهَ عن شبهٍ ومثلٍ وعن ندِّ
لا إله إلا هو، ارزقنا حقيقة المحبة، وألحِقنا بالأحبة، في عافية يا رب.
قال:
بعزلة المرء يسلم من معاطبها *** وتبرئ القلب من الأمراض والعلل
بصافي الفكر يدرك من مآربه *** ويبلغ السؤل والمطلوب والأمل
الله يكرمنا.
ينادون خلق الله!.. اتركوا ما يضرّكم ولا يسمعون الكلام، اتركوا ما يضركم، اتركوا ما يُرديكم، اتركوا ما يُظلمكم والناس ما هم راضين يسمعون، ويهدي الله لنوره من يشاء، اللهم اهدنا فيمن هديت.
الله يثبتنا في ديوانهم، ويثبّتنا على دربهم، ويسقينا من شربهم، ويدفع السوء عنا وعن الأمة، ويصلح شؤوننا والمسلمين أجمعين، ويرقّينا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين مع كمال التمكين في عافية وزيادة وكمال سعادة في الغيب والشهادة وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.
17 ذو القِعدة 1440