(445)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.
عصر الأربعاء 14 ذي القعدة 1440هـ.
متابعة شرح الحكمة (11): ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نَبَت مما لم يُدفن لم يتم نتَاجه.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. رضي الله عنكم، من كتاب شرح الحكم العطائية للشّيخ عليّ بن عبد الله بن أحمد باراس، إلى أن قال:
متابعة شرح الحكمة (11): ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نَبَت مما لم يُدفن لم يتم نتَاجه.
فانصح نفسك أيّها المسكين، ولا تذبحها بغير سكّين، ففي الخمول تحت أذيال الذِّلة غاية المأمول، وفي دفن وجودك في تراب ذِلة العبوديّة، وسكونك تحت سلطان السّكينة، وانطراحك في تراب فناك، وترك دعواك، فعند ذلك تتفتّك الحبة القلبية المعبَّر عنها باللّطيفة الرّبانية في الأرض القالبية، فهي البذرة الأزليّة في الفطرة الإنسانيّة، فينفتح فيها بابان:
- باب يعلو ويسمو ويتسع وينمو.
- وباب ينزل إلى أرض العبوديّة في العوالم الشهاديّة.
وتجري في ذلك الباب أبواب نازلةٌ تدور على الطّرق السنيّة، وإخراج الأخلاق النّفسانيّة، والدّواعي الهوائيّة، كما تدور العروق في الأرض، فلا يزال الباب العالي يستقوي نموه وارتقاءه، وتتفتّق الأزهار، وتشرق منه الأنوار، وتينع ألوان الثّمار، وتكثر منه الشّعب العرفانيّة، والأوراق والأزهار الإيمانيّة، وتتعالى وتتّسع فيها، والملكوت الحقاني أغصانه، وتظهر بالفسيح الرباني أعيانه، وتتلون في حقائق الأسماء أفنانه، ولا تزال هذه الأبواب الملكية تتسع في طرق العبودية، وتمتد إلى أصلها وتربتها فتنمو تلك الصاعدة بحسب تمكُّن هذه ورسوخها، وتربو هذه النازلة بحسب صعود تلك وسموها.
وكل نبتٍ لم يدفن كذلك لم يتم نَتاجه؛ لأنها لم ينفتح له البابان فتبقى في رتق الجهل والعدم، وإن انفطرت أبوابها فلا تجد نزولا إلى أرض السُّنة؛ لأنها لم تدفن فيها، ولا ترقى إلى سماء الحقيقة، لعدم نموها وقعود سيرها، فلم تصعد في سماء الحقائق أغصانه، ولم تنفتح له في أرض الشريعة أعيان.
فانظر ما أبعدها من إشارة، وأوضحها من عبارة، وما أسناها من بشارة؛ لمن ستر وجوده بوجوده، وغاب عن شهوده بوجود معبوده، وما أدري ذلك مرادٌ للمؤلف أم لا؟
وأما فضل الخمول قبل أوان التحقق بالأصول، والتحلي بملابس الوصول، فله فضائل ودلائل من الكتاب والسنة، قال الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ) [القصص:83]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على فضيلة الخمول، والتقلّل من الدنيا، والذبول عن رونق الشهرة قبل تحقق المأمول، ولم يتحقق ذلك إلا بمفارقة الدنيا، والعبور على الصراط، وكل أمر مهول.
وأما الدلائل من الحديث المنقول عن الرسول ﷺ؛ فأكثر من أن تحصر، فمن ذلك: "حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسولُ اللهِ ﷺ الذي نوّه فيه بأوَيس القرنيّ -رضي الله عنه- وأشاد ذكره، ونبّه فيه على عظيم أمره، رضي الله عنه أنّه قال: بينما نحن عند رسولُ اللهِ ﷺ في حلقةٍ من أصحابِه، إذ قال: ليصلِّينَّ معكم غدًا رجلٌ من أهلِ الجنَّةِ. قال أبو هريرةَ -رضي الله عنه-: فطمِعتُ أن أكونَ أنا هو ذلك الرَّجلَ، فغدوْتُ فصلَّيتُ خلف النَّبيِّ ﷺ، فأقمتُ في المسجدِ حتّى انصرف النّاسُ وبقيتُ أنا وهو، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجلٌ أسودُ متَّزرٌ بخرقةٍ، مرْتدٍ برُقعةٍ، فجاء حتّى وضع يدَه في يدِ رسولِ اللهِ ﷺ ثمَّ قال: يا نبيَّ اللهِ! ادْعُ اللهَ لي بالشهادة. فدعا النَّبيُّ ﷺ له بالشَّهادةِ، وإنّا لنجدُ منه ريحَ المسكِ الأذفرِ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! أهو هو؟ قال: نعم. إنَّه لمملوكٌ لبني فلانٍ، قلتُ: أفلا تشتريه فتعتقَه يا نبيَّ اللهِ؟ قال: وأنّى لي ذلك إن كان اللهُ تعالى يريدُ أن يجعلَه من ملوكِ الجنَّةِ، يا أبا هريرةَ! إنَّ لأهلِ الجنَّةِ ملوكًا وسادةً، وإنَّ هذا الأسودَ أصبح من ملوكِ الجنَّةِ وسادتِهم، يا أبا هريرةَ! إنَّ اللهَ تعالى يحبُّ من خلقِه الأصفياءَ الأخفياءَ الأبرياءَ الشَّعثةَ رؤوسُهم، المُغْبرَّةَ وجوهُهم، الخمِصةَ بطونُهم إلّا من كسبِ الحلالِ، الَّذين إذا استأذنوا على الأمراءِ لم يُؤذنْ لهم، وإن خطبوا المتنعِّماتِ لم يُنكَحوا، وإن غابوا لم يُفتقدوا، وإن حضروا لم يُدعَوْا، وإن طلعوا لم يُفرحْ بطلعتِهم، وإن مرِضوا لم يُعادوا، وإن ماتوا لم يُشهدوا. قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف لنا برجلٍ منهم؟ قال: أُويسٌ القَرنيُّ. الحديث بطوله.
قال فيه: و إنه لرجل أشعث ذو صهوبة بعيد ما بين المنكبين، أو كما قال. وحديث: "رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس مدفوعٌ بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه" الحديث. وحديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: يقول الله عز وجل: "إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة، أحسَنَ عبادة ربه وأطاعه في السِّر، وكان غامضًا في الناس لا يُشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافًا فصَبَر على ذلك"، ثم نفض بيدِه فقال: "عُجِّلَت مَنِيَّتُه، قَلَّت بواكيه، قلَّ تُراثُه". الحديث.
قلت: والله أعلم، إن هذه حالة الملامتية من الأولياء، وبذلك الاسم عند طائفةٍ عُرفوا، وبذلك الرسم بين الأولياء وُسموا.
الله، لا إله إلا الله. "ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نَبَت مما لم يُدفن لم يتم نتَاجه."
"فانصح نفسك أيّها المسكين، ولا تذبحها بغير سكّين"؛ بطلب الشهرة والظهور والرفعة بين الناس. واعلم أن للناس ربًّا، اطلب لديه المنزلة تعلو وتُرفَع وتُجّل، "وفي دفن وجودك في تراب ذِلة العبوديّة" -لله تعالى- "وسكونك تحت سلطان السّكينة، وانطراحك في تراب فناك، وترك دعواك، فعند ذلك تتفتّك الحبة القلبية المعبَّر عنها باللّطيفة الرّبانية" الإلهية التي أشار إليها بقول تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) [ص:72]. "في الأرض القالبية"؛ في أرض الجسد؛ "هي البذرة الأزليّة في الفطرة الإنسانيّة، فينفتح فيها بابان:
"وتجري في ذلك الباب أبواب نازلةٌ تدور على الطّرق السَّنيّة، وإخراج الأخلاق النّفسانيّة، والدّواعي الهوائيّة، كما تدور العروق في الأرض". يقول: "فلا يزال الباب العالي يستقوي نموه وارتقائه، وتتفتّق الأزهار، وتشرق منه الأنوار، وتينع ألوان الثّمار".. ماذا يحصل؟ تكثر الشعب العرفانية في شؤون الملكوت، والباب الثاني منفتح في أرض العبودية في شؤون المُلك، وشؤون الملكوت أمر الغيب؛ الأمر المقابل للشهادة المقابل للملك يقال له: عالم الملكوت؛ وهناك مِنح ومواهب ومطالعات ومشاهد ومشاهدات وتجليّات ربانيات لأرباب تلك المراتب، فما أجزل ما وهبهم الواهب من مواهب.
"ولا تزال هذه الأبواب الملكية تتسع في طرق العبودية" الباب الثاني النازل "وتمتد إلى أصلها وتربتها" فتتحقق العبودية للإنسان حتى تتلاشى في عظمة الربوبية. لكن إذا لم يُدفن كذلك فلا يحصل هذا النبت؛ "لأنها لم ينفتح له البابان فتبقى في رتق الجهل"؛ مثل ما وضع من البذر على ظهر الأرض ولم يدفن فتطلع شجرة صغيرة وتسقط وتنتهي ما تستقيم، ولا تأتي الثمرة منها، ولكن الذي حفر لها ونزلت وتغطت تمامًا بتربة تطلع قوية وتقوى وتكمل وتثمر الثمار؛ فمن لم يدفن نفسه في أرض الخمول لم تثمر له ثمرة الوصول ولا المعرفة بالوَصول. لا إله إلا الله…
"فتبقى في رتق الجهل والعَدَم، وإن انفطرت أبوابها فلا تجد نزولاً إلى أرض السُّنة؛ لأنها لم تدفن فيها، ولا ترقى إلى سماء الحقيقة"، فهذه إشارة وعبارة شريفة. ويقول الشيخ فهم هذا من هذا المعنى وقال لا يدري أذلك مراد المؤلف رحمه الله تعالى أم لا! إلا أنه من المعنى الذي فهمه مما تحتمله هذه العبارة.
يقول: "وأما فضل الخمول قبل أوان التحقق بالأصول، والتحلي بملابس الوصول، فله فضائل ودلائل من الكتاب والسُّنة، قال الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ )[القصص:83]". وفي دقة المراقبة للنفس في أدبها مع الله، سمع الآية مرة الشيخ عبد الله بن محمد باعبّاد، كان على شظفة حصير من خوص النخل جالس عليه فسمع الآية، (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ …) أخرج الحصير من تحت يده وجلس على الأرض وقال أخشى أن يكون من العلو في الأرض! (لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، اللهم اجعلنا من المتقين.
والذين لا يريدون علوًّا في الأرض؛ لصدقهم في طلب العلو عند رب الأرض والسماء من يريد رب الأرض والسماء أيش يدوّر بالأرض أيش يصلح بالأرض والعلو فيها! وما يطلب العلو فيها إلا كل طاغي، ولأجل طلب العلو والفساد فالنتائج حاصلة في واقع الناس هذا اليوم؛ لطلب العلو والفساد.. والأخيار لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين.
وغيرها من الآيات التي تدل على فضيلة الخمول والتقلل من شؤون الشهرة والمظاهر في الدنيا. وفي الأحاديث ذكر حديث سيدنا أويس بن عامر القرني، وذكر بما جاء في رواية عند أبي نعيم وابن عساكر ورواية الحاكم المستدرك وأصل الحديث في صحيح مسلم على غير هذه الألفاظ التي ذكرها، فيه ذكر سيدنا أويس وإشادة النبي ﷺ بسيدنا أويس القرني رضي الله تعالى عنه.
ثم ذكر لنا حديث الترمذي وابن ماجه عن سيدنا أبي أمامة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي روى عن الله تعالى أن يقول: "إنَّ أَغبَطَ أوليائي عندي، لمؤمنٌ خفيفُ الحاذِ"؛ يعني: ماله متعلقات من الأموال والأولاد ولا كثير… "ذو حظٍّ من الصلاةٍ، أحسنَ عبادةَ ربِّه، وأطاعه في السِّرِّ، وكان غامضًا في الناسِ، لا يُشارُ إليه بالأصابعِ، وكان رزقُه كفافًا، فصبَر على ذلك" ثم نفض بيدِه فقال: "عُجِّلَت مَنِيَّتُه، قَلَّت بواكيه، قلَّ تُراثُه"؛ أي: ماله. لا إله إلا الله…
قال الشيخ: "إن هذه حالة الملامتية من" جملة "الأولياء"؛ وذلك أن شؤون الأولياء مختلفة في اختياراتهم وميلهم وما يبرزهم الله به، ومنهم الملامتية والقلندرية.
وهؤلاء أهل صدق مع استقامة، وعمل بالشريعة، وأما من يدّعي الملامتية أو القلندرية، ويخالف السنة فضلاً عن أن يخالف واجبات الشرع؛ فهو كذاب مدعي ليس ملامتي، ولا قلندري؛ ولكنه ملوم ومبهَذل ضحك عليه الشيطان، وإنما هؤلاء صدقوا مع الله، والتزموا بشرع الله تبارك وتعالى، وهؤلاء حرصوا على الخفاء وأولئك لم يبالوا بظهور ولا بخفاء.
قال -رضي الله عنه-:
"فمن جملة ما يعرفون به أن عباداتهم فيما بينهم وبين الله، لم يطلع عليه. يحبون لو ظهر عنهم ما يسقطهم عند الناس ولا يحبون الشهرة بالطاعات والورع، فتراهم لا يسألون عن ورعهم لما عندهم من الشاهد القلبي، فكل ما حاك عندهم تركوه، ولم يحتاجوا إلى من يخبرهم جواز أخذه أم لا، وذلك لما أُشربت قلوبهم من صرف الصدق، فهم النيابون بإصلاح القوم الذين تكشف بهم عن الخلق أزمات الأمور، لا يُظهرون خيرًا ولا يبطنون شرًّا، هم بين الناس وقلوبهم معاكفة بين الرفيق الأعلى، صلاتهم في الأماكن المعطّلة على الخَلق، وفي أماكن غيبية تحت أكناف الغيْرة وأستار الغيب، لهم التصرف النافذ في الوجود بالرُّوح والقلب والجسد، قد نزع عنهم الغل والحسد، محلهم الصحيف الأيمن من العرش رضي الله عنهم ونفعنا بهم.
ولو شرحنا بعض حالاتهم لخرجنا عن مقصود الكتاب. وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: " يسيرُ منَ الرياءِ شركٌ وإن من عادى أولياءَ اللَّهِ فقد بارزَ اللَّهَ بالمحاربةِ وإنَّ اللَّهَ تعالى ليحبُّ الأبرارَ الأتقياءَ الأخفياءَ الذينَ إن غابوا لم يُفتَقَدوا وإن حضروا لم يُعرفوا قلوبُهُم مصابيحُ أهل الهدى يخرجونَ من كلِّ غبراءَ مُظلمةٍ" الحديث. فيكفيك هذا القدر في مدح الخمول وإيثاره، وطلبه بالتستر بأثواب الذلة والمسكنة، هذا وما كاد أن يخرج عن الحصر من حكايات الصالحين في شأن ذلك.
واعلم أن الخمول وما ورد فيه من الفضائل، وما ورد في أفضليته على الشهرة لا على الإطلاق؛ إلا إذا اقترن بالخمول فضيلةٌ خلا عنها في شهرة، وكذلك ذمُّ الشهرة إلا إذا اقترن بها مذموم، ولكن الخمول أقرب إلى جانب السلامة، هذا في السالكين المبتدئين.
وأما أهل التمكين والسادات الواصلون، فلا عليهم إن أقامهم الله في مقام الشهرة أو الخمول، فليس لهم في شيء طلب وتعمد، لأنهم متحققون بالعبودية مأخوذون عن أنفسهم تحت أحكام الربوبية، فلا يعطيهم مقامهم أن يَتّجِروا مع الله على مقتضى إرادتهم واختيارهم، بل يكونون في قبضة مملكته، يجرون حيث أجراهم ويقومون حيث أقامهم، غابوا عن الخلق بل عن أنفسهم، فلا يروا من يختفون عنه غير الله، وهؤلاء هم الصوفية حقًّا، فلا يحبون دونه محبوبًا ولا يطلبون غير مراده مطلوبًا، فعبد الله يكون مع الله حيثما تقلّبت به الحالات، واختلفت به الشؤون، فمن أحبَّ مع الله حالًا دون ما أقامه الله فيه، فقد تحكّم على الله، ونقض عقد العبودية على مذهبهم، فهم المقرّبون الذين حسنات قومٍ سيئاتٌ عندهم، فعبد الله لا يبالي أظهره الله أو أخفاه، فلا أظهر ولا أشهر من مناصب الأنبياء والخلفاء، ولكن هنا غَور بعيد المَهوى، زلت فيه أقدام كثير من المدعيين لظنهم أنهم قائمون بالله لا بأنفسهم، ولو تغيرت عليهم حالة من حالاتهم أو عادة من عادتهم افتضحوا بدعواهم القيام بالله، فلو كانوا بالله لم تغيرهم الحادثات، ولم تنقض عزائمهم العادات فليحذر الإنسان من ذلك، ولينصح نفسه ويعرف منزلته، ولا يدَّعي ما ليس له، فيظن أنه اتصف بصفات الأكابر من الخلفاء والسادات الأولياء، أو أنه ترقى في مقامهم، وهيهات أين أنت من ظهورهم واشتهارهم، فإنهم قائمون في الأمور بالله، يعدّون نفوسهم من جملة غمار خلق الله، لا يتميزون عنهم بشهوة دنياوية، بل يضيّقون على أنفسهم ويوسّعون على عباد الله، ومن تتبَّع أخلاق رسول الله ﷺ وأحواله وأخلاق الخلفاء الراشدين من بعده؛ علم ما أشرنا إليه وتحقق ما أومأنا إليه، ومن ذلك ما رُويَ أنه ﷺ كان يطوي الأيام المتتابعة حتى قالت له بعض نسائه قبل أن يتوفاه الله بأيام: لو دعوت الله أن يوسّع عليك؟ فقال : ما أحب إلا أن يلحقني بإخواني من أولي العزم، أو نحو ذلك.
وما رُوي عن عمران بن الحصين لما زار رسول الله ﷺ ابنته فاطمة وكان معه عمران، فاستأذن عليها، فلما دخل هو وعمران، فقالت: ما أجد ما أواري به جسدي فلفَّت على جسدها بعباءة ووارت رأسها بملاءة خَلْقة.
فانظر هذا التواضع مع شامخ عالي منصبه وشهرة مقامه، فهذا حالهم في عالي شهرتهم، ورفعة منصبهم، ومع ذلك فهم في غاية التواضع والذلة لله، وغموض العين عن الدنيا وزهرتها، ولي في ذلك:
ادفن وجودك وغِب في أرض مسكنةٍ *** منَكِّس الرأس باكِ العين ذا حَزَن
وفارق الأهل والجيران منتزحًا *** عن التأنس بالمألوف والوطنِ
لا تلوي عن جيرة الوادي فإن به *** ثُورَ المعارف يخطبها ذَوو الفطن
فحيث عرفت شرف الخمول وإيثاره، وضرورة طلب الاشتهار وآفاته…
يقول: "من جملة ما يعرفون به" هؤلاء الملامتية "أن عباداتهم" وشؤون صلاحهم وخيراتهم كلها، تكون "فيما بينهم وبين الله" لا يُطَّلع عليهم فيها، ويحبُّون أن يظهر عنهم "ما يسقطهم عند الناس" وما يصرف الناس عن الاعتقاد الحسن فيهم، "ولا يحبون الشهرة بالطاعات والورع"، ومع ذلك فالشواهد قائمة على ورعهم وطاعتهم وصدقهم، ويقول قائلهم: لو امتدت يدي إلى طعام فيه شبهة يتحرك عرق في يدي! يعني ما يتناوله. ولمّا سمعه بعض من جاوزه في الرتبة، قال: إن كان يتحرك فيه عرق، يتحرك فيّ سبعون عرق! وهكذا…
قد اشترى بعضهم شاةً للحبيب صالح بن عبد الله الحداد -عليه رحمة الله تعالى- خرج من قيدون إلى نصاب من أجل بعض الضيوف عنده، فلما وصل بها تحت البيت وكانت تظهر صوتها، وبمجرد ما سمع الصوت، صاح قال: رد هذه الشاة وما لنا بها حاجة! قال: كيف؟ أخذتها من بدوي اشتريتها ولا بيرضى يرّجعها ، قال: رضي يرجع لك فلوسك أوما رضي رجعها له؛ عرف الشبهة والحرمة من سماع صوت الحيوان، فرجع إلى عند البدوي، قال: أنا قد بعت، قال: عيب عليك، قال: أبدًا… قال: اسمع، قل لي بالصدق من أين جبتها؟! قال: تحاربنا نحن وقبيلة فلانية وأخذنا من حقهم هذا! قال: قل هكذا!.. والحين خذها إن بتجيب الفلوس أو ما بتجيبها خذها خلاص ما لنا بها حاجة، ردها له، رجع استحى على نفسه. ولكن هناك الحبيب صالح ما شافها عاده، سمع صوتها فقط، صاح قال: ردّها يا هذا ما لنا بها حاجة! فعجيب ما يحرسهم الله بهم وما يدلهم عليه ويحترسون من بعيد. لا إله إلا الله…
ويقول عن هؤلاء القوم: "كل ما حاك عندهم تركوه"؛ أُشربت قلوبهم صِرف الصدق فتكشف بهم عن الحق أزمات الأمور. قال: "هم بين الناس وقلوبهم معاكفة بين الرفيق الأعلى"، "محلهم الصحيف الأيمن من العرش"؛ حيث خواص الملائكة، ملائكة الصفيح؛ خواص ملائكة الله تبارك وتعالى، فأرواح وقلوب العارفين تقدِّس الله وتنزهه مع ملائكة الصفيح. يشير إليهم سيدنا الإمام الحداد في قصيدته:
أحبتنا بنجدٍ والصفيح *** مراهم كل ذي قلبٍ جريح
عسى عطفًا على دنِفٍ كئيبٍ *** حزين القلب منكسرٍ طريحِ
وهل من رحمةٍ منكم لصَبٍّ *** صبا قِدْمًا إلى الأوج الفسيح
له رُوحٌ تحِنُّ لخير عهدٍ *** بمعهدها الأنيس من السفوح
بنَعْمان الأراك ….. *** ……………………….
بنعمان الأراك: حيث أخذ الله العهود المواثيق وأخرجنا من ظهر آدم وقال ألست بربكم؟ وقلنا: بلى..
بنَعْمان الأراك وأيُّ أخذٍ *** فقل لي عنه بالنطق الفصيح
ومِل بي يمنةً عن طُور نَفْسٍ *** إلى طُورِ السرائر والمنوح
لعلي أن أنادَى من قريبٍ *** فما المعطي -تقدَّس- بالشحيح
ولكنا حُجبنا بالأماني *** وبالكون الكثيف وبالنزوح
فهيَّا بالقلوب إلى حِماها *** ومغناها وموطنِ كل روح
فإن الروح من ملكوتِ غَيْبٍ *** تنزُّلُها لمتجرها الربيح
وإن الجسم من طين وماء*** يميل إلى الحظوظ بكل ريح
فوجِّه حيث شئت فأنت ممّا *** له وُجِّهتَ فاختر للمليح
وجانب كل سفسافٍ ونُكْرٍ*** من الأخلاق والعمل القبيح
وسافر في السبيل إلى المعالي *** بجِدٍّ واستمع قول النصيح
ولا تؤثر على الرحمن شيئا *** تعالى قابل التوب النصوح
إلهٌ واحدٌ مَلِكٌ عظيمٌ *** تسبحه ملائكة الصفيح
وقال في قصيدة أخرى فيما يشاهد الروح والقلب:
فشاهد الأملاك حول صفيحها ***مستقبلين لنحو عرش الفاطر
جلَّ جلاله وتعالى في علاه. اللهم اعطنا نصيبًا من عطاياك للصالحين، وأهل الإيمان واليقين والمراتب العلى يا أكرم الأكرمين.
محبوبةٍ محجوبةٍ إلا على *** ذي عِفةٍ وتقىً كتومٍ صابر
ما يشوفونها الناس…
يرضى من الدنيا الغَرور ببُلغةٍ *** لا يتسع فيها اتساع الباطر
تلك الغزال العامرية كم سَبَت *** ورَمَت بأسهم لَحْظِ طَرفٍ فاتِر
لمتيّمٍ حِلفِ الصبابة والجوى *** يرعى النجوم بجُنح ليلٍ داجِر
أفدي سويكنة النقا ومحجَّرٍ *** ببقيةٍ من رَسم جسمٍ داثر
من لي وهل لي أن أراها زائرًا *** سَحَرًا وقد نام الرقيب العاثر
هي بهجتي هي وجهتي هي قبلتي *** في حين أسجد للإله الغافر
لي ولغيري من أئمة مذهبي *** ………………………
متغزِّلًا بالكعبة المشرفة…
لي ولغيري من أئمة مذهبي *** ممَّن تصوف في الزمان الغابر
ولغيرنا من أهل قبلتنا التي *** صلى إليها كل عبدٍ ذاكِر
متمسِّكٍ متنسِّكٍ متبتِّلٍ *** لله في إعلانه وسرائرِ
والآن فلنرقَ إلى أن ننتهي*** في العِلْم والرُّوح اللطيف الطائر
فنشاهد الأملاك حول صفيحها *** مستقبلين لنحو عرش الفاطر
سبحان من عَنَت الوجوه لوجهه *** في تذلِّلٍ وتخشُّعٍ وتصاغر
الواحد الملك الجليل تقدّسَت *** أوصافه عن قول كل مدابِر
من مشركٍ أو شاككٍ متردِّدٍ *** في الله واليوم المعاد الآخر
آمنت بالله العظيم وكتبه *** ورسوله الهادي الأمين الطاهر
آمنا بالله العظيم..
ختم النبيين الكرام جميعهم *** صلى عليه الله عدَّ الماطر
والآل والصحب الكرام وتابِعٍ *** من كل أوَّاهٍ منيبٍ شاكر
والآن فلنرقَ إلى أن ننتهي*** في العلم والرُّوح اللطيف الطائر
فنشاهد الأملاك حول صفيحها *** مستقبلين لنحو عرش الفاطر
………………. *** تسبحه ملائكة الصفيح
لا إله إلا الله…
قال: محلهم الصحيف الأيمن من العرش رضي الله عنهم ونفعنا بهم. ولو شرحنا بعض حالاتهم لخرجنا عن مقصود الكتاب"، وتخطّينا الآداب، وأبرزنا ما حقه الستر تحت النقاب.
وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: " يسيرُ منَ الرياءِ شركٌ"، وفي رواية: "أيسر الرياء الشرك". و "من عادى أولياءَ اللَّهِ فقد بارزَ اللَّهَ بالمحاربةِ وإنَّ اللَّهَ تعالى ليحبُّ الأبرارَ الأتقياءَ الأخفياءَ الذينَ إن غابوا لم يُفتَقَدوا وإن حضروا لم يُعرفوا، قلوبُهُم مصابيحُ أهل الهدى يخرجونَ من كلِّ غبراءَ مُظلمةٍ" إلى آخر الحديث في رواية الإمام ابن ماجه. لا إله إلا الله
قال: "هذا وما كاد أن يخرج عن الحصر من حكايات الصالحين في شأن ذلك" يكفيك. واعلم أن ما ورد في فضل الخمول ومكانته:
وكذلك الشهرة:
وهكذا قال: "أهل التمكين والسادات الواصلون، فلا عليهم إن أقامهم الله في مقام الشهرة أو الخمول"، هم على وصف الكمال في العبودية وشهود الربوبية تمامًا؛ هذا وهذا، هنا وهنا.. لا إله إلا الله!
فليس لهم في شيء طلب وتعمّد" تحققًا بالعبودية لله تعالى. لا إله إلا الله.. فمقامهم ما يسمح لهم أن يتّجروا مع الله "على مقتضى إرادتهم"، "بل يكونون في قبضة مملكته، يجرون حيث أجراهم"، "غابوا عن الخلق بل عن أنفسهم"، فلم يروا شيء يختفون عنه، ايش يختفون عنه؟ ايش؟ وعمّن أصلاً؟ ما للكائنات وما فيها منزلة عندهم ولا وجود في ذاتها فيختفون عمَّن؟ وربهم هو محيط بهم من كل جانب.. يختفون عن من؟.. ماشي معهم حتى يختفون عنه؛ لأنه سقط في شهودهم غير الله تبارك وتعالى، فيختفون مِن مَن؟.. مِن شيء ما هو موجود، ما له وجود في شهودهم أصلا! هؤلاء أهل تمكين، قال: "هؤلاء هم الصوفية حقًّا" هؤلاء الذين تحققوا.. ليس كل من عبد واتقى قال: صوفي! عاد مرتبة الصوفية ألّا فوق.. لا إله إلا الله..
يقول: "عبد الله يكون مع الله حيثما تقلّبت به الحالات، واختلفت به الشؤون"، (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [البقرة:115] و (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ) [البقرة:148]. ويقول: "من أحبَّ مع الله حالًا دون ما أقامه الله فيه، فقد تحكّم على الله"، ونقصت عبوديته وأدبه!.. فهؤلاء مقربون ما يتحكمون على الله تبارك وتعالى.
"فعبد الله لا يبالي أظهره الله أو أخفاه، فلا أظهر ولا أشهر من مناصب الأنبياء والخلفاء" رضي الله عنهم ولكن بالله قاموا لا بدعواهم، وغيرهم قد يدّعي ويقول: ما لي تحكُّم على الله، وبعدين إذا واحد ما التفت إليه أو ما سمع كلامه تقوم قيامته! نقول له: يا كذاب! أين أنت من قيامك بالله تبارك وتعالى؟!.. لا إله إلا الله..
"فليحذر الإنسان من ذلك، ولينصح نفسه"، "ولا يدَّعي ما ليس له"، لا إله إلا الله.. ولما ذكروا الموت مرة عن سيدنا الحداد وقال واحد من الحاضرين: حبيبٌ جاء على فاقة، قال له: ما هو أنت الذي تقول هذا الكلام؛ لا أنا ولا أنت من أهل هذا المقام! هذه قَولة يقولها الذائقون أرباب القرب من الله، المتمكّنون معه، وأما أنت لو قصَر عليك عشاءك تتأثر، لست من أهل هذا المقال ولا أنت من أهله؛ صلّح نفسك.. وزجره الإمام الحداد يقول له: تدعي ما ليس لك.
وكتب إليه مرة بعضهم: "من الفقير إلى الله.."، كتب إليه قال له: متى تحققت بالفقر حتى تصِف نفسك بذلك؟! أما تدري أن نهاية الفقيه بداية الفقير! نهاية الفقيه بداية الفقير إلى الله تبارك وتعالى؛ فلا تصف نفسك بهذا حتى تتحقق!... لا إله إلا الله… الله يعفو عنا ويسامحنا فيما جنينا ولا يحرمنا خير ما عنده لِشَرِّ ما عندنا.
"قائمون في الأمور بالله، يعدّون نفوسهم من جملة غمار خلق الله" تبارك وتعالى. "بل يضيّقون على أنفسهم ويوسّعون على عباد الله".
"ومن تتبَّع أخلاق رسول الله ﷺ وأحواله وأخلاق الخلفاء الراشدين من بعده؛ علم ما أشرنا إليه"، كان يطوي الأيام المتتابعة ﷺ، والأموال تأتيه كثيرة ويُنفقها في سبيل الله. وهنا أورد رواية النسائي؛ لما ألمّت به الحمى قالت له فاطمة عمة أبي عبيدة: لو دعوت الله يكشف عنك يا رسول الله! حمى شديدة فيك لو دعوت الله، قال: "إن من أشد الناس بلاء الأنبياء" ﷺ.
وهكذا أشار إلى ما اختار الحق ورسوله لفاطمة من الفقر وعدم وجود أشياء في كثير من الليالي والأيام -رضي الله تعالى عنها- لمكانتها عند الله، و "هم في غاية التواضع والذلة لله، وغموض العين عن الدنيا وزهرتها". الله يلحقنا بهم، ويسير بنا في سبيلهم، ويصلح الشأن كله، ويعاملنا بالفضل وما هو له أهل، ويجعل ما وسَّع علينا ويسَّر لنا زادًا للارتقاء ولا سبب للانقطاع ولا للحرمان، ويزيدنا من فضله ما هو أهله مع صلاح الشأن كله إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين.
يتولانا بما تولى به عباده الكرام، ويجعلنا على منهج الهدى مع من استقام، ويحفظنا من الآفات والآثام، ويحفظنا من جميع الظلمات والظلام، وينظِمنا في سلك خير الأنام، ويسقينا -سبحانه وتعالى- كؤوس المحبة، ويثبِتنا في عباده الأحبة، ويرفع لنا عنده الرتبة، ويقينا ويكشف عنا وعن الأمة كل كربة، ويحول الأحوال لأحسنها، ويرفعنا مراتب القرب منه والدنوّ إليه والفهم عنه، ويختم لنا بأكمل حسنى وهو راضٍ عنا في خير ولطف وعافية، وإلى حضرة النبي ﷺ.
15 ذو القِعدة 1440