(445)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.
عصر الثلاثاء 13 ذي القعدة 1440هـ.
تتمة شرح الحكمة (8): إذا فتح لك وجهةً من التعرف؛ فلا تسأل معها إن قل عملك، فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك؛ والأعمال أنت موردها إليه! وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟
الحكمة (9): تنوّعت أجناس الأعمال لتنوّع واردات الأحوال.
الحكمة (10): الأعمال صورٌ قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها.
الحكمة (11): ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نَبَت مما لم يُدفن لم يتم نتَاجه.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى المؤلف -رحمه الله ونفعنا بعلومه وعلومكم- إلى أن قال:
تتمة شرح الحكمة (8): إذا فتح لك وجهةً من التعرف؛ فلا تسأل معها إن قل عملك، فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك؛ والأعمال أنت موردها إليه! وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟
فهذا تصدق قوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء أشد بلاء والأمثل فالأمثل" فانظر كيف استلذوا ما تألم منه غيرهم، واستلانوا ما استوعره البطالين، ولم يروا أن ذلك بلاء بل رأوه منةً وعطاءً، يجب عليهم القيام بالشكر عليه، فهذا وجه التعرف فيما يأتي من المنغّصات والمؤلمات، على خلاف ما تطلبه النفس من السكون إلى الراحات والمُستلذات، فإذا أشهدهم ذلك وحققهم به فحريٌّ أن لا يبالي وإن قلت الأعمال البدنيات.
من بعد ما يفتح المولى تعرّفه *** فلا تبال إذا قللت في العمل
فما مِنَ اللّٰه تظهر فيه مِنّته *** وما من العبد منسوب إلى الخطل
فكل ما منه محفوظ بلا ريَبٍ *** وكل ما منك لا ينفك عن خلل
فلا فلاح ولا نجاح للعبد إلا في الخروج عن المرادات النفسانية، والشهوات الحيوانية، وذلك حاصلٌ فيما يتعرّف به إليك، ومرادها أن تعيش عيش المترفين، وتتوصل بصالح أعمالها إلى سعادة الآخرة، فقلَ أن تصفو تلك الأعمال مع ما ذُكر من الإتراف واسعادها بمُراداتها وحظوظها، فكان اختيار اللّٰه لعبده أن يخرجه عن مراده إلى مراد سيّده ومولاه، وفي ذلك منتهى الصلاح وغاية الفلاح.
قال -رضي الله عنه- كالمفرّغ إلى ما أشار إليه من التعرف وأن تلك التعرّفات آثار على الأسماء، فلذلك قال:
الحكمة (9): تنوعت أجناس الأعمال لتنوع واردات الأحوال.
فالأعمال فروع، والأحوال أصول تلك الفروع، والأسماء أصول فروع الأحوال، والصفات أصول للأسماء، والأسماء فروع. وآثار الأسماء تظهر على القلوب، وآثار الصفات تتجلى على الأسرار، والقلوب تظهر آثارها على الأعمال الظاهرة، والأسرار تظهر أنوارها على النفوس الطاهرة، فغاية الإفاضة القلبية الأعمال القالبية، ومنتهى التجليات السرية الأخلاق السنية، والحالات السنية، فكل فرع من الأعمال بحسب ما شاكله من الأحوال، والأحوال بحسب ما تقتضيه مظاهر الأسماء فمن ذلك تنوعت أجناس العبادة. فالعِبادات أنواع وهي للأحوال أتباع، كما أن الأحوال تحت حكم الأسماء. فكل اسم يقتضي ظهور عبادة؛ فالذكر باللسان، والصلاة بالأركان، و الزكاة في الأموال، والصيام بكف الشهوات واجتناب الآثام، والحج أيضاً بالأركان؛ فهي عبادة، واختلف تنوعها لما علمت من افتراق الأحوال بحسب اختلاف ظهور الأسماء. فالأَحوال آثارٌ للأسماء، وإن شئت قلت أنوارها، فكل اسمٍ يطلب مقتضى مظهر من العبادة الأحوال التي هي آثار الأسماء.
- فمن الأسماء ما يقتضي مظهر التعلّق والتولّه فله من الأعمال الذكر، ومن الأحوال الفكر.
- ومنها ما يقتضي مظهره من العبد الذلة والخضوع والخشوع والتمسكن والتملق، فله من الأعمال الصلاة، ومن الأحوال الهيبة والتعظيم.
- ومنها ما يقتضي ظهوره من العبد الصبر والكفّ والخروج عن الوصف والهيكل التجويفي إلى التعلق والتخلق بالاسم الصمداني، فله من العبادات الصوم ومن الأحوال الإستغناء.
- ومنها ما يقتضي ظهوره وإشراق نوره التوجه والإقبال والقصد والامتثال فله من العبادات الحج، ومن الأحوال الإستغراق والإقبال بكليّته إلى المعبود، والانطماس تحت مظاهر الشهود.
فهذا تنوع تجليات الأسماء و اختلاف أجناس الأحوال، وافتراق أنواع الأعمال.
وحال ما تلقى الأسماء على القلوب آثارها، وتتجلى عليها أنوارها تسمى أحوالًا، وحال بروزها بمقتضاها؛ أي ما تقتضيه من التعبد تسمى أعمالًا، وما يرِد على الأرواح من أنوار الصفات فتسمى مقامات من حيث العبد، وما يتأثر به من آثارها، فهي تقتضي قيام القلب بمقتضى وارداتها، كما قام القالب بمقتضى تجليات الأسماء.
فحَالات القلب أيضًا متنوعةٌ، ومقامات الأرواح متمايزةٌ، وإن اجتمعت من حيث الشهود، فحَالات القلب كالبسط وله أنواعٌ من جنسه، والقَبض وله أنواع من جنسه، ومقامات الأرواح كذلك متميزةٌ كالهَيبة والأُنس، وما تتلقّاه الأرواح عن الأسرار فليس هذا محله، وسيأتي إن شاء الله، و لي في ذلك:
تنوّع أعمال الورى فهم لها *** بحسب ما تثمر أحوال كذا أنواع
إن الفروع على الآصال دائرة *** بحكم ما تعطي الأسماء أتباع
فالأعمال لها من التزكية واللطف بحسب المحل القابل لما يرد عليه، والمحل له من الصفاء والوفاء بحسب ما يلقا عليه.
كما أنه لا تقاس أعمال الظاهر بأعمال الباطن إلا فاقت أعمال الباطن، فكل ما يكون في الإنسان من ظاهره وباطنه يقدّمه هو تقرّبًا إلى المولى يتضاءل أمام ما يجود المولى ويتكرّم به على هذا العبد، وعلى هذا الإنسان من التعرف الرباني الذي قد يكون في قالب امتحانٍ، أو اختبارٍ أو شدةٍ، أو بلاءٍ وما إلى ذلك.
ومن ذلك وجدوا أن في القبض طيًّا للمسافات لا يكون في البسط، وأنّ في أنواع الشدائد من التَعرّفات الإلهية ما لا يكون في الرخاء، وبذلك صاروا على الحال الذي أشار إليه سيدنا الشيخ أبو بكر بن سالم؛ أن الذي عرف مَن الذي يبتلي ويختبر ويقدّم ويؤخر، فيجعل ربه رخاءه وهو وشدته ويرتحل إليه؛ وحينئذٍ إذا علم أن الله المبتلي المقدر؛ لم يتململ من الشدة، ولم يشتق إلى الرخاء، وأيقن أن الذي يحوِّل ويبدِّل ويغيِّر ويقدِّر ويُدَّبر أحكم وأعلم وأعظم وأجلّ وأجمل سبحانه وتعالى، فيعيش في برد التسليم له والتفويض إليه والاعتماد عليه، فيكون في كل حال ما أشار إليه ﷺ بقوله: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن". إلا أن هذه المعاني التي أشار إليها ﷺ تتسع وترتفع معانيها في الخاصة منها كلامٌ طويلٌ، عريضٌ، وشأن فخيمٌ عظيم.
يقول: ومن هنا عرفت أنه قد يُبتلى المرء على قدر دينه، وأن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. يقول: "استلذوا ما تألم منه غيرهم ، واستلانوا ما استوعره البطالين ولم يروا أن ذلك بلاء بل رأوه منةً وعطاءً، يجب عليهم القيام بالشكر عليه" لله سبحانه وتعالى.
وكان بعض عارفي الأمة قد بات ست ليالٍ تمر عليه لا عشاء له في البيت، يقول: يا رب شبهتني بأنبيائك وبالمقربين عندك، بأي عمل نلت هذا منك؟ كيف نلت هذا المكان بأي جهدٍ مني؟! لك الحمد شابهتني بالأولياء الأكابر وما عندي عمل ولا عندي اجتهاد فَشبهتني بهم، أبيتُ في مثل هذه الحالة، رضي الله تعالى عنهم.
وهناك مراتب، وهناك مواهب، وهناك عجائب من التقدير، ولهذا لا يُطلق فيها التفضيل، قد يكون أفضل هذا، قد يكون أفضل هذا، والأمر كله راجع إلى أسرار تجليّ الجليل -سبحانه وتعالى- على عبده الذليل. ويتجلى لهذا بالبسط، ولهذا بالقبض، ولهذا بالفقر ولهذا بالغنى، ومن يصطفيه… ولهذا تجد صفوته الأعظم ﷺ كله فيه؛ إن أردت غنى، أردت فقر، أردت مرض، أردت صحة، أردت شدة، أردت رخاء، كله في حياته موجود صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله، فمرجعيتهم وأفضليتهم كلهم أهل الرخاء وأهل الشدة إلى قربهم منه، ومرتبتهم في مشابهته؛ أهل الغنى وأهل الفقر كذلك، فالغني الأقوى، هذا غني وهذا فقير، لا الغني الشاكر ولا الفقير الصابر، كلٌ منهما أفضل من الآخر، مَن كان مِن غنيٍّ شاكر أو فقيرٍ صابر أقرب نسبةً إلى سيد الأغنياء وسيد الفقراء فهو أفضل! قد يكون ذا وقد يكون ذا، الأقرب رتبةً من زين الوجود هو الأفضل عند الإله المعبود سبحانه وتعالى.
والناس بعضهم يصلح له الفقر، بعضهم يصلح له الغنى، وبعضهم يصلح له التقلّب بينها، والله تعالى يُسيِّر العباد كما يشاء، (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) [الرعد:26].
وهكذا قالوا: "فهذا وجه التعرف فيما يأتي من المنغصات و المؤلمات، على خلاف ما تطلبه النفس من السكون إلى الراحات والمستلذات". وسمعت قول قائلهم:
جزى الله المصائب كل خير *** أفادتنا علومًا نافعاتِ
ما وجدناها في كتابٍ، ولا تلقيناها عنه؛ ولكن حصلناها في تعرف الله لنا في الشدائد والمصائب، فأدركناها، والله يلطف بنا وبالمسلمين، وهو من الشؤون التي يجب على العبد أن يعلم فيها ضعفه وعجزه ويسأل الله لطفه، ثم يوطّن نفسه على الصبر وعلى استجلاء معنى التعرُّف الرباني في الرخاء والشدة. الله، لا إله إلا الله..
ويقول: فإذا فتح باب التعرّف فنِعمَ ما أورد عليك! وعبادتك إذًا بالشؤون الذوقية هذه والأحوال الروحانية يفوق كثيرًا من أعمال الجوارح. ولهذا تجد بعضهم أقل عمل في الظاهر، لكنه أكثر عمل في الباطن، أعمال القلب عنده أقوى، فدرجته أعلى من درجة ذاك، وهكذا.. وليس في ذلك إطلاقٌ من كل الوجوه، ولكن تذكيرٌ وتنبيه، وإيقافٌ على أسرار ما تخفيه الحضرة وتبديه.
وفي ذلك أيضًا ما صحّ من رجلين أخوين كانا هاجرا إلى النبي ﷺ ، وكان أحدهما مظهره في العبادة أكثر مجتهد واستشهد، ثم بعد سنة مات أخوه في غير معركة، فرآه بعض الصحابة -سيدنا أبو سعيد وغيره- رأى هذا متقدم على ذاك في الجنة، الأخير، فَعجبوا، ذاك كان أكثر اجتهادًا في العبادة واستشهد، وهذا ما استشهد وكان عبادته ظاهرها أقل من ذاك، وكيف تقدم قبله في الجنة! فتعجب الناس ودار الخبر حتى وصل النبي ﷺ، فقال لهم: "ممَ تعجبون؟ ألم يُصلِّي بعده كذا كذا جمعة؟" ذكر الجمعة، قالوا: نعم حق السنة. قال: "ألم يدرك معنا رمضان؟" قالوا: بلى، نعم. فذَّكرهم بأعماله، وبعد ذكرها، وصل لأخيه وسبق على أخيه بهذه الأعمال الصالحة.
فليست الأمور على ظواهرها ومظاهرها، وشؤون القلوب تفوق شؤون القوالب، وطُلب أن يتعرف إليك فتعرِفه، فهناك عوالي العبادات، ومعالي العبودية لرب الأرض والسماوات جلَّ جلاله.
قال: "فحريٌّ أن لا يبالي وإن قلت الأعمال البدنيات."؛ ما دام أعمال القلوب شغالة بقوة.
من بعد ما يفتح المولى تعرفه *** فلا تبال إذا قللت في العمل
فما مِنَ اللّٰه تظهر فيه مِنّته *** ………
خالص صافٍ كامل..
فما مِنَ اللّٰه تظهر فيه مِنّته *** وما من العبد منسوب إلى الخطل
وما من العبد مهما كان من اجتهاد منسوب إلى الخطل، فيه تقصير الإنسان وفيه ضعف الإنسان مهما اجتهد، لكن ما من الرحمن فيه كمال، كمال الله، لا إله إلا الله! فَذا يعبد الله بشيءٍ منه خالص يعطيه إياه، يتعرض إليه فيعبده به، وذا يعبد الله بشيء من كسبه، فرق كبير!.. وكلهم عابد، لكن هذا تظهر عبادته وذاك عبادته باطنة، فإذا نظرت وجدته أشد تواضعًا، أعظم انكسارًا، أحسن حُسن ظنٍ بالخلق، أكبر رحمة بالعباد، وتحصل ذاك الذي عمله الظاهر أقل؛ ولكنه فائق على هذا بالأوصاف والعبادة التي تعرّف بها الحق إليه فعبده بها.
وفي هذا التعّرف يقولون هو: عِلمٌ العمل به عين علمه؛ العلم نفسه عين العمل هو نفسه، يتجلى عليه بسر افتقار فيفتقر، هو نفس العلم به هو العمل به، ويعبد الله بذلك، ويكون منكسر..
قد تحققت بعجزي *** وخضوعي وانكساري
هذه العبادة، هذه عبادة كبار العُبَّاد.
قد تحققت بعجزي *** وخضوعي وانكساري
ليس كل واحدٍ يقدر على هذا، مهما استشعر عجزه وضعفه لكن يتحقق به؟.. إلا أن يتجلَّى الله عليه، أن يتعرف الله إليه، ولهذا يقول: "فلا فلاح ولا نجاح للعبد إلا في الخروج عن المرادات النفسانية، والشهوات الحيوانية، وذلك حاصل فيما يتعرف به إليك"، أما ما كان منك فلا يخلو من شوب من الشهوات والمرادات. لا إله إلا الله. "فقلَ أن تصفو تلك الأعمال مع ما ذكر من الإترافِ واسعادها بمُراداتها وحظوظها ، فكان اختيار اللّٰه لعبده أن يخرجه عن مراده إلى مراد سيده ومولاه".
"تنوعت أجناس الأعمال لتنوع واردات الأحوال."
فأسماء الحق جلَّ جلاله فروعًا، "وآثار الأسماء تظهر على القلوب"، أسماء الله تسمى فروعًا لأوصَافه، وهكذا كل الأسماء إلا اسم الجلالة، فهذا يدل على الذات في جميع الصفات، والأسماء كلها مندرجة فيه، "الله"، أما ما عدا ذلك فللّه أسماء وصفات، الأسماء فروعٌ للصِفات. وجميع المظاهر الحسية الجسمانية في الوجود ظل للأرواح، وجميع الأرواح ظلٍ للأسمَاء، والأسماء ظلٌ للصِفات، وهي أثر نور الذات.
يقول لك: "آثار الصفات تتجلى على الأسرار"، كما أن آثار الأسماء تظهر على القلوب، "والقلوب تظهر آثارها على الأعمال الظاهرة، والأسرار تظهر أنوارها على النفوس الطاهرة"، فما يفيضه القلب أعمال بدنية، "ومنتهى التجليات السرية أخلاق سَنية وحالات سُنّية" شريفة علوية، يتصل بهذا شأن العلم، فالعلم الأول: يقوم به العمل ويُراد منه العمل، ثُمَّ إنه يُثمر الإشراف على الأحوال، فالعلم بأن الزهادة في شؤون الفانيات والزائلات شريفٌ وكبيرٌ وعظيم، يورث عدم الإكباب على الدنيا ويورث الإجمال في الطلب، هذا علوم وأعمال، لكن تشرف به على الحال وهو حال الزهد في القلب، وهذا الحال نتيجة لمعرفة الصفات، والعلم العمل الأول نتيجة لمعرفة الأسماء. ثم إن هذا الحال الذي في باطن الإنسان يُشرف به على المقام، وهو أن يتحول من طروٍّ يطرأ عليه وواردٍ يرجع عليه إلى أمر مستقر راسخ يثبت فيه، والمقام بالنسبة لما فوقه يُورث أحوال ما فوقه والأحوال توصل للمقامات وهكذا بلا نهاية. لا إله إلا الله…
يقول: "والأحوال بحسب ما تقتضيه مظاهر الأسماء، فمن ذلك تنوعت أجناس العبادة؛ فالعبادات أنواع، وهي للأحوال أتباع، كما أن الأحوال تحت حكم الأسماء، فكل اسمٍ يقتضي ظهوره عبادة"، "فالذكر -ذكر الله- باللسان، والصلاة بالأركان، و الزكاة في الأموال، والصيام بكف الشهوات واجتناب الآثام، والحج أيضًا بالأركان فهي عبادة، واختلفت أنواعها لما علمت من افتراق الأحوال بحسب اختلاف وظهور الأسماء، فَالأحوال آثار للأَسماء"؛ -أنوارها- "فكل اسمٍ يطلب مقتضى -مظهر- الفكر من العبادات، تنوعت الأعمال بحسب تنوع الأحوال"
وَإِنْ رُمْتَ أن تحظى بقَلْبٍ بِنُورٍ *** نَقِيٍّ عَنِ الأَغْيَارِ فَاعْكِفْ عَلَى الذِّكْرِ
وَثَابِرْ عَلَيْهِ فِي الظَّلَامِ وَفِي الضِّيَاءِ *** وَفِي كُلِّ حَالٍ بِاللِّسَانِ وَبِالسِّرِّ
فَإنَّكَ إن لازمتَه ……..
يعني الذكر
فَإنَّكَ إن لازمتَه بِتَوجُهٍ *** بَدا لَكَ نورٌ لَيسَ كالشَّمسِ والبَدْرِ
وَلَكِنه نور من الله واردٌ *** أتى ذكره في سورة النور فاستقرِ
وصفِّ مِنَ الأَكْدَارِ سِرُّكَ *** إِنَّهُ إِذَا مَا صَفَا أَوْلَاكَ مَعْنَى مِنَ الْفِكْرِ
تَطُوفُ بِهِ غَيْبَ الْعَوَالِمِ كُلِّهَا *** وَتَسْرِي بِهِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إِذْ يَسْرِي
الله الله.
فَتنوّعت تجليات الأسماء واختلفت أجناس الأحوال فَتنوعت العبادات، ولذا يكون في كل حالٍ للعبد عبادة هي الأفضل في ذلك الحال، وهو الذي يمضي عليه الأنبياء وكُمّل ورثتهم يشتغلون في كل حال بما هو أفضل في ذلك الحال. لا إله إلا الله.
"وحال بروزها بمقتضاها أي ما تقضيه من التعبد تسمى أعمالا. وما يرد على الأرواح من أنوار الصفات فتسمى مقامات من حيث العبد وما يتأثر به من آثارها، فهي تقتضي قيام القلب بمقتضى وارداتها، فَحالات القلب متنوعة ومقامات الأرواح متمايزة". (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، [الرحمن:29]، "شؤونٌ يبديها ولا يبتديها"، وإذا بها دوائر في الظاهر والباطن تدور بتحريك واحد، تقدير واحد، تدبير واحد وإرادة واحد، عجيبة التداخل والتماسك والامتزاج في الباطن والمعنى فكأنها نفسٌ واحدة (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [لقمان:28] لأن المحرك واحد والمدبر واحد.
وهذه كلها آثار متراكمة، مترابطة، متواصلة مع بعضها البعض لكن الأصل واحد فيها، "كان الله ولم يكن شيء غيره"، وهو الآن على ما عليه كان، فأظهر الأكوان مظاهر لجلاله وجماله سبحانه وأسمائه وصفاته، الله يرزقنا الاستقامة.
الحكمة (10): الأعمال صورٌ قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها.
"فالأعمال تتفاوت بحسب العاملين، فصورة كل عمل مُشاكِلَة لحالة من صدر عنه ذلك العمل، (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) [الأنعام:139].
- فمن العاملين من أعوز وجود الأنوار، فعمله صورة بلا روح.
- ومن العاملين من يقتبس من المشكاة القلبية وهم الأبرار المستصبحين بمضيئات الأنوار.
وإخلاص كل عاملٍ بحسب مقامه: فحالة الأبرار تخليص الأعمال عن شوائب العلل، وإخلاص العمل من غير تشوف إلى جزاء آجل أو حظٍ عاجل ، فهؤلاء عاملين لله بصدق المعاملة، فهم مطالبون بتصفية الأعمال عما يفسدها ويبطلها، كالتخلص من الرياء وحب الثناء، والعُجب، والسمعة، والالتجاء إلى اللّٰه بحسن الإنابة في قبول ذلك.
وكل عمل بلا إخلاصٍ صورٌة بلا روح، فلا يصلح للعرض ولا تقبله سماء ولا تشهد به أرض، فهؤلاء مقامهم ووصف حالهم (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) [الفاتحة:5]. وأما إخلاص المقربين: فهو خلاصة الإخلاص وتحقيق الصدق، فإخلاصهم بعدم رؤيتهم نفوسهم في جميع الأعمال والأحوال، فهم قائمون بالله فانين عنهم، فوصف حالهم وتحقيق مقامهم (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة:5]، فلما استوى على قلوبهم مشهد الفردانية وسلطان الوحدانية فبالحَري أن لا يشهدوا لهم فعلًا ولا وصفًا، وعند شهود شمس الأَحدية ألا يشهدوا لهم ذاتًا ولا نعتًا ولا مقامًا، فكم من فرق بين العامل لله مع وجود نفسه وبين القائمين بالله مع غيبته عن نفسه:
- فالأول: مطالبٌ بالإخلاص، يعمل على خروج الخلق عن رؤيته فهو يترقى في مراقي الإخلاص.
- والثاني: طالبُ للخلاص عن شهود نفسه يتَّنَزه في رياض خلاصِه.
فبان لك تنوع أنواع الأعمال بتنوع أجناس الأحوال، إلى أبرارٍ يتقربون بأنواع القرب إلى الله، وإلى مقربين يتوصلون بتحقيق الفناء عن أَفعالهم وأوصافهم وذَواتهم بالله.
فانظر ماذا ترى في قومٍ فارِّين إلى الله عن الخلق، وفي قوم لائذين بالله، وعائذين به عن أن يشهدوا لأنفسهم مع الله وجودا، و لأفعالهم مع أفعاله شهود حسنات أو اقتراف سيئات، ولي في ذلك:
الأعمال أشكالُ والإخلاص حالاتُ *** والسابقون لهم في القرب آياتُ
فكل حالٍ له في العاملين به *** تخليص أعمالٍ أو تحقيق حالاتِ
شواهد ظهرت في العاملين كما *** ترى في العالم من أعلى دلالاتِ
إخلاص حالة أرباب اليقين لها *** في مشهد العلم تحقيق الهداياتِ
وأرواح أجساد أعمال العباد هنا *** كما لأحوال أصحاب المقاماتِ"
"الأعمال صور قائمة"، أنواع الأعمال؛ العبادات: طلب علم، صلاة، صوم، زكاة، حج، قراءة القرآن، صلة الرحم، كلها الأعمال الصالحة صور، "أرواحها وجود الإخلاص فيها" (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [الزمر:3]، (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة:5].
قال: "فالأعمال تتفاوت بحسب العاملين، فصورة كل عمل مُشاكِلَة لحالة من صدر عنه ذلك العمل (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) [الأنعام:139]"؛ وصفهم يعني: العمل على حسب وصفهم، جزاء العمل على حسب الأوصاف.
"فمن العاملين من أعوزه وجود الأنوار، فعمله صورة بلا روح، ومن العاملين من يقتبس من المشكاة القلبية وهم الأبرار المستصبحين بمُضيئات الأنوار"؛ لكن وراءهم بعد ذلك عاملين من المقربين، فإخلاصهم فوق هؤلاء.
ففرقٌ بين هؤلاء وهؤلاء.
يقول: "حالة الأبرار تخليص الأعمال عن شوائب العلل، وإخلاص العمل من غير تشَّوف إلى جزاء آجل أو حظٍ عاجل"، قال: "هؤلاء عاملين لله بصدق المعاملة، فهم مطالبون بتصفية الأعمال عما يفسده ويبطلها، كالتخلص من الرياء وحب الثناء، والعُجب، والسمعة"، "لأن كل عمل بلا إخلاص صورة بلا روح"، لكن هؤلاء العاملين وصف حالهم (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، هم الذين يتخلصون عن الرياء. ولكن المقربين فوق الأبرار، فهو "خلاصة الإخلاص وتحقيق الصدق، فإخلاصهم بعدم رؤيتهم نفوسهم في جميع الأعمال والأحوال"، عدم رؤية كسبهم، عدم رؤية عملهم، عدم رؤية شيءٍ منهم أصلاً، ليس منِّي، ليس منِّي ولا بي ولا لي، ليس إلا منه، به، وإليه، بسم الله، وبالله ومن الله، إلى الله وعلى الله، وفي الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا المقام هم (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة:5].
"فلما استوى على قلوبهم مشهد الفردانية، وسلطان الوحدانية لله؛ فلا يشهدون لأنفسهم فعلًا ولا وصفًا، وعند شهود شمس الأَحدية ألا يشهدوا لهم ذاتًا ولا نعتًا ولا مقامًا، فكم من فرق بين العامل لله مع وجود نفسه وبين القائمين بالله مع غيبته عن نفسه" وعن كل الكائنات.
فتَنوّعت الأعمال "بتنوع أجناس الأحوال، إلى أبرارٍ يتقربون بأنواع القرب إلى الله، وإلى مقربين يتوصلون بتحقيق الفناء عن أَفعالهم". فهؤلاء يتقربون بأنواع القُرب إلى الله -تبارك وتعالى- فينالون تصفية عما يلحق بهم وتحقيق عبادة، والآخرون المتقربون بتحقيق الفناء عن أفعالهم وأوصافهم يزدادون شهودًا ومطالعةً للجمال الأسنى، فهؤلاء يبدو لهم جمال الأعمال وأنواع العبادة؛ ولكن هؤلاء يظهر لهم نور الإِفضال وعظمة المعبود، فهؤلاء في أنوار العبادة وهؤلاء في أنوار المعبود، فرق… حسنات الأبرار سيئات المقربين. ولهذا قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ)؛ حق الأبرار مزاجه قليل من تسنيم؛ لكن المقربين (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) [المطففين:22-28]، يشربون تسنيم خالص، وهؤلاء في الشراب حقهم قليل من التسنيم يخلطونه (وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ) أين تسنيم؟ قال: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)؛ فهؤلاء عندهم مزاج قليل، وأولئك عندهم نفس التسنيم، فرق!... لا إله إلا الله، أولئك غابوا في المعبود وهؤلاء وقفوا في العبادة، لا إله إلا الله الحي القيوم.
"فانظر ماذا ترى في قومٍ فارين إلى الله عن الخلق، وفي قوم لائذين بالله، وعائذين به عن أن يشهدوا لأنفسهم مع الله وجودا، و لأفعالهم مع أفعاله شهود حسنات أو اقتراف سيئات"، ففرقٌ بين القوم. اللهم ألحِقنا بعبادك الصالحين، وأعِد علينا عوائد المقرّبين.
ولهذا جعل القرآن الفرق بين أصحاب اليمين والمقرّبين، والفرق بين الأبرار والمقرّبين، عندك في هذه السورة.
قال -رضي الله عنه-:
ثُمَّ لما كان في الخمول ما يحمد كل صاحب مقام علا مقامه، ويثبت فيه أقدامه، ويعينه على بُغيته، ويحصل به في أقصى مُنيته، قال في إثر ذلك:
الحكمة (11): ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نَبَت مما لم يُدفن لم يتم نتَاجه.
وقوله هنا: "ادفن" فيه إشارة عجيبة وترشيحة بديعة، بل نقول غِبْ عن شهودك بوجود معبودك، وتمثيله بالدفن يشير إلى أن الأوْلى بالمريد إيثار الخمول على الإشتهار؛ لكونه معينًا له على الإخلاص، ووسيلةً إلى الخلاص، وأزكى لأخلاقه وأعماله، وأصفى لأَحواله، والاشتهار غالبًا أبعد عن ذلك في حق المبتدئين، فما يقوم ويثبُت مع شهرة الحال إلا كُمّل العلماء والسادات الأبدال، الراسخين في المعارف المتمكّنين من الأحوال؛ فلهذا حثَّ المشايخ على الخمول؛ لما فيه من السلامة من القواطع عن نهج الوصول، مع ما يحصل من صفاء الوقت عن المُكدِّرات والمُحرقات لكَوامن الأخلاق المذمومة والأحوال الملومة، فلذلك حذروا كل مريدٍ وسالك، وعملوا كتب ورسائل نُصحًا وشفقةً على عباد الله، وحذوا في طريق الأكابر لما فيه من الراحة العاجلة والسلامة.
وحدّ الخمول هو ضِعة النفس في المنازل عندما يتكرع القلب في المناهل، فيتحرونه ويستديمون التخلق به، حتى يكون لهم التواضع خُلقًا وحالًا، فلا يجدون ألم ضعة النفس؛ بل يستمرؤنه ويستحلون ذوق الذلة، فتتغير حالاتهم لفقدها، ووجود العز والجاه، حتى رويت عندهم في ذلك أحوال ينكرها عليهم ظاهر العلم، وجوَّز لهم ذلك تداويًا لما آلم قلوبهم وكدَّر حالاتهم، وأمرض أحداق بصائرهم، حتى يتوجهون إليهم الخلق بالذم وعدم المنزلة عندهم، فيعودون حينئذ إلى أحوالهم بالذم والإيذاء بمحو صفات النفس المذمومة، بل بعدم رؤيتها بالكُلية تصفو لهم الأوقات، وتتجلى لهم أسرار الصفات، مثل ما رأيت فيما يروون عن السادات كأويس القرني وأبي تراب، ممن جعلوا الفلوات والمفازات والخرابات لهم مأوى، فعاد ترابها لهم حلوى، وصاروا للسالكين قادةً في محو الهوى وقبيح العادة، فيحنون إلى الخمول والخلوة، لما فاجأ قلوبهم من الجلوة، فعلت منهم الأحوال، وصَفَت منهم الأعمال، من شوائب الرياء ومهاوي الضلال، كالعُجب والفخر والإدلال، بعكس ما عليه أبناء الدنيا المغرورين الجهّال، المستدرجين الضُلّال، من طلب العلو والظهور من غير نية لهم في ذلك إلا مجرد هوى، ومحض دعوى، فترى نفوسهم اللئيمة تستروح إلى رفع الصيت بالمنصب والمال، ويخيل أنها من أهل المقام والحال، من العارفين والعلماء الأبطال، وهو راكب للمحال، مقتحم لُجة ضلال.
قال: تحقيق المراد من تعرّف الرحمن والوصول إليه مبنيٌّ على انكسار القلب والخشوع والخضوع، ويساعد على هذا عدم الشهرة، عدم الظهور، عدم دواعي الالتفات إلى الخلائق، فإنه لا يثبت عندها إلا الأقوياء الذين لا يبالون بالإقبال والإدبار للناس ويستوي عندهم ذلك، وشأنهم كما قال.
وعجب بعض الناس في الحسين ابن الشيخ أبي بكر بن سالم، تُرى ملامح النورانية والولاية عليه، ومع ذلك يرى عنده أموال كثيرة، وأراضي كثيرة، وخُدّام كثير، فقال: كيف يصفو لهذا حال مع الله؟ فقال له: يا فلان ترى ما عندنا، أعجبك من خيل ومن مال ومن مزارع من أولاد ومن خُدّام، قال: لو هلك في لحظة ما تكدّر لي خاطر! لو راح كله في لحظة ما تكدر لي خاطر ولا تحركت فيّ شعرة، قال: أستغفر الله يا حبيب هذا خاطر سوء… هؤلاء لا يضرهم وجود هذا وعدمه كله سواء، وجعل الله للأنبياء ولكبار الصَّحابة والصالحين شهرة لكثير منهم، ما تضرّهم، لأنه لا التفات لهم إليها ولا تعويل لهم عليها، وهكذا.
ومنهم من يتعمّدون الخمول ويتقّصدونه قصدًا كحال المبتدئين وحال بعض الأكابر.
وقالوا لعابد من العُبّاد في لبنان إن هذا الأمير جاء يزورك، قال: هاتوا أكل كثير هنا وبقل، قدموه، قال: السلام عليكم، قال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، جلس يأكل بنَهم وشغف أمامه، قال: هذا الذي قلتم لنا أنه عابد؟! رجع عنه وقال: الحمد لله الذي ردّك عني، اذهب في حالك و دعني في حالي… يصفو حاله في خلوته وعزلته، ولا يلتفت إلى أمراء ولا إلى غيرهم، فهم هكذا في الدرجات وفي المراتب.
يقول: "ادفن وجودك في أرض الخمول"، قال الشيخ علي: "غِبْ عن شهودك بوجود معبودك". "ادفن وجودك في أرض الخمول"،
مثّله "بالدفن يشير إلى أن الأوْلى بالمريد إيثار الخمول على الإشتهار؛ لكونه معينًا له على الإخلاص، ووسيلةً إلى الخلاص والترقية للأحوال، "والاشتهار غالبًا أبعد عن ذلك في حق المبتدئين، فما يقوم ويثبت مع شهرة الحال إلا كُمّل العلماء والسادات الأبدال"، ولهذا قال يكثر في أولاد الأمراء، وأولاد الأغنياء، وأولاد العلماء والأولياء أهل البطالة والغفلة والإضاعة؛ لأنهم يتأثرون بالظهور، وظهور آبائهم وظهور المنتمين إليهم، فما عادوا يجدّون ولا يجتهدون ولا يصدقونهم، فبذلك يطلعون لا لهم ولا عليهم إلا من رحم الله، من استقام، من اهتدى منهم، كما كان كثير من رجالنا في هذه السلسلة الولد نسخة من الأب واحد بعد الثاني، لا أحد منهم يذهب كذا ولا كذا، تربية مسترسلة متأدبة معه، سبحان الله!
لا ينطقون عن الفحشاء إن نطقوا *** ولا يمارون من مارى بإكثارِ
من تلقَ منهم تقل لاقيتُ سيدهم *** مثل النجوم التي يُسري بها الساري
يقول باللهجة الدارجة: فإن جيت سادة من ساد، أو رأيتهم في الميعاد، تقول من هو الأستاذ؟ توحل في أصحاب الله! كلهم خضوع، كلهم خشوع، كلهم إنابة، كلهم تواضع، وكلهم تذلل للرحمن جلَّ جلاله وتعالى في علاه. لا إله إلا الله… الله يحفظ علينا سر العبودية والأدب معه في كل قضية.
قال: "حذَّروا كل مريدٍ وسالك، وعملوا كتب ورسائل، نُصحًا وشفقةً على عباد الله، وحذوا في طريق الأكابر. وحدّ الخمول هو ضِعة النفس في المنازل عندما يتكرّع القلب في المناهل، فيتحرونه ويستديمون التخلق به، حتى يكون لهم التواضع خُلقًا وحالًا، فلا يجدون ألم ضعة النفس؛ بل يستمرؤنه". قالوا لسيدنا إبراهيم بن أدهم من العُبّاد، قالوا له: متى فرحت في حياتك؟ قال: مرتين، فرحت كثير، ما هي؟ قال: مرة جاء جندي وأراد أن أعطيه عنب من مزرعة كنت حارس عليها، رفضت، قال: لطمني، كل ساعة أعطاني لطمة… قال: فرحت! والثاني قال: بِتّ ليلة، كنت وصلت إلى قرية في وقت برد بأرض باردة، فما أحد يعرفني، جلست في المسجد، جاء القائم على المسجد قال: اخرج سنقفل المسجد. قلت له: أنا غريب لا أعرف أحد هنا، أبيت في المسجد. قال لي: لتسرق الحصير حق المسجد؟! قال قلت له: لا، قفّل عليّ الباب من الخارج وأنا أبقى وسط المسجد إلى أن تجيء آخر الليل ستجدني هنا، قال: أنت كثير الكلام! قال: أستلقيت حمل، مسك برجلي وسحبني إلى عند الباب، قال: فرحت!... قال: هذه الساعات التي فرحت فيها؟ كيف ذلك؟ قال: تذللت نفسي، هذا تمام. لا إله إلا الله..
لكن هذا لمّا خرّجه خارج المسجد قفّل الباب، قام يريد أن يتدفى بشيء، ما عنده حتى دفى كامل من البرد، قال: فشَاهدت صاحب تنور يخبز، قال: قلت أتقرب من عند هذا، يكون دفى، أذكر الله وأقرأ هناك وأصلي قريب منه لكي أتدفى. قال فجئت سلّمت عليه، قال: أشار عليّ اجلس وهو مشغول معه المحواش حق التنور، قال: عجيب.. قال: قلت في نفسي ذاكَ سحبنا وهذا ما رد السلام، لا عاد يجيء بالمحواش حقه يكربجنا ويضربنا، قال: إلا كمل عمله وجهّز الخبز وأقبل عليّ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، عجيب! قال: من الأول سلمت عليك، قال: نعم؛ لكن كنت أنا مستأجَر فالعمل هذا ليس لي؛ للناس، فكرهت أن أرد عليك السلام، تكلمنا أُقصِّر في العمل فيحاسبني الله!! قال: عرفت أنه من أولياء الله، هذا واحد ولي، صاحب سر..
قال: وأنت من البلد هذا؟ قال: لا لا ما أنا منها. قال: أخ لي في الله توفي في هذا البلد، خلّف أولاد فجئت أشتغل في هذا البلد لكي أكفل أولاده. قال: لكن الآن الحمد لله كبروا ويكتفون بأنفسهم بالعمل، وما عاد بقي لي أرَب في الدنيا إلا أني سألت الله أن يجمعني بإبراهيم بن أدهم، قال: بقي لي هذا أمل وحيد في الدنيا، سمعت عنه ولا أعرفه وأنا سألت الله لا يخرجني من الدنيا حتى يجمعني بإبراهيم بن أدهم! قال: أنت الذي تدعو الله بهذا؟ ها هو إبراهيم بن أدهم قد جاءك مسحوبًا على رِجله! قال الحكمة في السحب ذاك وكل ذلك دعوتك هذه بينك وبين الله ووصلنا إلى عندك، -لا إله إلا الله- أنا إبراهيم بن أدهم، قبّله واعتنقه وخاض معه في معاني القُربة والوصلة بالله تبارك وتعالى، واستوصاه وودّعه، وقال خلاص أنا غدًا أُرِد العمل لأصحابه، و أُودع أولاد أخي في الله قد استغنوا، وفي طريقي إلى الآخرة مع السلامة ما عادَ لي غرض في الدنيا، قال: ثاني يوم رد العمل لأصحابه، وودّع ابن أخيه ووصّاهم وسافر وتوفي بعد أيام. لا إله إلا الله.
قال: فرحت في هذه المرتين ذاك يوم لطمنا وذا يوم سحبنا. قال: أنا أردت أن أقيم الذلة لربي ما عرفت سواء، فإذا ما جاءوا هؤلاء وقعت تمام مضبوطة.
رجع إليه ذاك الذي كان يلطمه الجندي، لقي ناس في الطريق؟ قالوا له: ماذا كنت تعمل مع الرجل هذا؟ قال: أراد لنفسه ورع لماذا ما رضي أن يعطينا، قال هذا حق الناس وهو إنما فقط حارس ما له حق يأخذ، أردنا أن نأكل ما أعطانا نحن شيء، قال لطمته بدون فائدة ما أعياني، لطمته مرة بعد الثانية، كلما لطمته لطمة يقول: هذا رأس عصى الله يستحق اللطم ألطم؛ لكن حق الناس ما أعطيك! قال: أعياني ما قدرت، فرجعت وتركته. قالوا: تعرفه من هذا؟ قال: لا، قال إبراهيم بن أدهم. هو معروف اسمه بين الناس ولي مشهور ولكن لا يعرفه شخص. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال لئن يدعو الله علي، لئن يصيبني، رجع إليه يا سيدي ما عرفتك سامحنا.
قال: ما ترفع يدك فوق رأسي في كل مرة من فوق رأسي إلا وقد سامحتك، في كل مرة، قبل أن تلطم الثانية، سامحتك في الأولى، لما ترفع… مسامحتي تسبق رفع يدك، تلطم وقبل أن ترفع يدك أنا سامحتك. قال: كيف تفعل ذلك؟ قال: لأنني أحصّل أجر بسببك لما تلطمنا الله يعطينا أجر، فكرهت أحصّل بسببك أجر وأنت تحصّل وزر، فما هو حقي أنا سامحتك فيه، لكن بينك وبين الله اتق الله وانتبه أن تظلم أحد من خلق الله، أما حقي قد سامحتك فيه من قبل، من قبل أن تأتي. رضي الله تعالى عنهم.
قال:
للخمول ارتضوا *** يرونه أكبر وجيدة
فأظهر الله من أظهر منهم قسرًا.
ومنهم رجالٌ ظاهِرون بأمره *** ………………
وله الأمر. وكُمّلهم وليس فيهم عبد خمول ولا عبد شُهرة، عبد لله، والخمول والشهرة عنده سواء، إن جاء هذا وإن جاء هذا.. يستقيم حاله مع ربه فقط، والذي عاده يحتاج إلى تزكية وتربية لم يبلغ الكمال يجنح إلى الخمول ويتعمّده حتى يتم صفَاؤه.
بل جوَّز لهم البحث عن الخمول ولو ببعض أشياء أحيانًا مستغربة لأنهم مرضى يحتاجون إلى الدواء، والمريض يجوز أن يستعمل الدواء ولو كان ما كان من أجل الدواء فهم يعالجون أنفسهم، وهذا يُظهر أنه أكّال ويأكل أمام الرجل وهو ليس هكذا؛ ولكنه من أجل أن يداوي قلبه هو، وهكذا. لا إله إلا الله.
حتى "تصفو لهم الأوقات، وتتجلى لهم أسرار الصفات، مثل ما رأيت فيما يروون عن السادات كأويس القرني" رضي الله عنه. قال: حدثني بحديث، قال: نفسي الفداء لرسول الله، مما لقيت رسول الله ﷺ ولم أسمع منه، ولكني سمعت من أصحابه أحاديث، لا أفتح على نفسي هذا الباب، لا أحب أن أكون محدثًا ولا قاضيًا ولا مُفتيًا، ما عندي هذا؛ يقول لهرم بن حيّان.
سيدنا عمر يقول: هذا الموعد بيني وبينك حتى آتيك بزاد ونفقة، قال: يا أمير المؤمنين، معي كِسوة، يقول: ونفقة، يقول: عليّ هذان الثوبان متى تراني أبليهما؟ وعندي أربعة دراهم من رعي هذه الإبل متى تراني أنفقها؟ ما أحتاج كسوة ولا زاد، يا أمير المؤمنين، إنّ بين يديَّ ويديك عقبةً كادَ لا يجوزوها إلا المُخِفُّون. فضرب الأرض بالدُّرة سيدنا عمر قال: من يأخذ الخلافة بما فيها؟ وددت أن أخرج منها كفافًا لا لي ولا عليّ. قال: فلا موعد بيني وبينك أمير المؤمنين إلا الحوض خلاص، لا موعد بيني وبينك ألتقينا هنا وفي أمان الله، والوعد على حوض النبي ﷺ، لا إله إلا الله.
وكل ما عُِرف في بلد فَرَ وذهب إلى بلد ثاني، بعده إبراهيم بن أدهم. لكن هذا أويس القرني سيد التابعين نصّ عليه النبي ﷺ في الحديث الذي ذكره في صحيح الإمام مسلم، وأثنى عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- وذكر له مكانة عند الله جلَّ جلاله، لكن هذا هو المتواضع المتذلل.
يقولون له المجنون، يرمون بعض الصبيان في بعض الأماكن بالحجارة فإذا رموه الصبيان يقول: يا أولادي عليكم بحجارة صغيرة صغيرة، لا ترمون بالكبيرة حتى لا تكسروا رجلي أعجز عن القيام بعد ذلك في الصلاة، إذا بترمون ارموني بالصغار، ارموني بالحجارة الصغيرة، يأخذ الكِسَر من المزابل، الكِسَر يغسلها ينظفها يتصدّق ببعضها يأكل ببعضها. وقد يجيئه كلب يأخذ كِسَر، كلما نبح كلب يقول: اسمع يا كلب خذ مما يليك وأنا مما يليني، إن أنا جزت على الصراط أنا خير منك، وإن لم أجز على الصراط أنت خير مني. ما رضي يتكبر على كلب! بهذا ارتقوا، وبهذا اعتلوا وهم من سادة التابعين.
حتى لمّا جاءوا بعد حجته هذه التقى سيدنا عمر وسيدنا علي به، جاءوا بعض الحجاج إليه يطلبون منه الدعاء، قال: تطلبون مني الدعاء؟ أنتم جئتم من الحج تدعون لي.. قالوا: وادعُ الله لنا ولكم. قال: لقيتم عمر؟ قالوا: نعم. عرف أنه حدّثهم، هرب من البلاد خرج من البلاد.
لمّا ذهب الحُجاج من قَرَن من بلادهم هذه ما بين البيضاء ومأرب، لمّا ذهب الحجاج ولقوا سيدنا عمر سألهم عنه، عن أويس، وأثنى عليه وذكر النبي له فامتلأوا به، وما كانوا يلتفتون إليه، رجعوا من الحج وذهبوا إليه يسألون منه الدعاء، تعجب! ما هو عادة أهل البلد، وقال لهم: أنتم تأتون من مكة والمدينة وتطلبون مني الدعاء؟! فقالوا: لا عذر لك. قال: لقيتم عمر؟ قالوا: نعم. دعا لهم وشرد، فسافر من البلد وصار يتنقل من بلاد إلى بلاد، رضي الله تعالى عنه.
النبي قال: "يا عمر، يا علي، إذا أنتما لقيتماه فاسألاه أن يستغفر لكما يغفر الله لكما"، أويس القرني أخيَر تابع. بعض الليالي يقول: الليلة ليلة القيام، ويقوم قومه طول الليل للفجر. يقول: الليلة ليلة الركوع يصلي ويركع محله راكع، راكع، راكع إلى الفجر. الليلة ليلة السجود يقوم يصلي يسجد محله ساجد هكذا إلى طلوع الفجر يناجي ربه!... رضي الله عن أويس القرني.
"فعَلَت منهم الأحوال، وصفت منهم الأعمال، من شوائب الرياء ومهاوي الضلال". لا إله إلا الله. بعكس ما عليه أبناء الدنيا.
فالله يرزقنا الاستقامة، ويلحقنا بأهل الكرامة، ويجمعنا بالمُظَلل بالغمامة، و يجعلنا من رفقائه في دار المقامة، اللهم آمين. بالفضل والجود منك لا بشيء من بذلٍ ولا مجهود، ووفقنا لعمل ما هو أفضل وأجمل وأحب إليك، وارزقنا شهودك لا شهود أنفسنا ولا أعمالنا، إنك إن تكلنا إلى أنفسنا تكلنا إلى نقصٍ وضعفٍ وعورة، فتوَّلنا في جميع الأحوال.
كن لنا بما أنت أهله وأصلح لنا شأننا كله، يا واسع الإفضال، يا جزيل النوال، يا متفضل بالعطايا الجِزال، يا كبير، يا كريم، يا بَر، يا متعال، يا وهاب، لا إله إلا أنت، كن لنا حيثما كنا وأينما كنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحدٍ من خلقك طرفة عين، وهيئ لنا الوصول إليك، وأدخلنا من أوسع الأبواب إلى رحاب الفهم عنك، والمعرفة بك، وشرِّفنا منك بخطابٍ أسنى أجَّل، أعلى، أفضل، أكمل، أوسع، أرفع، يليق بجودك وكرمك، نحوز به أعلى منازل اختصاصك لمن اختصصتهم بواسع فضلك وجزيل مَنِّك وعظيم إحسانك وشريف امتنانك في كل ظاهر وباطن، ونسألك دفع البلايا والأوصاب عنا وعن أمة حبيبك محمد عالي الجناب وسلمنا به، وأصلح لنا الحاضر والمآب، وبلغنا فوق الأراب، يا رب الأرباب يا مسبب الأسباب، وأصلح شؤون أمته أجمعين واجعلنا في خيرهم وأنفعهم وأبركهم عليهم بسر الفاتحة إلى حضرة النَّبي محمد ﷺ.
15 ذو القِعدة 1440