الحِكَم العطائية - 39 | متابعة شرح: ما قادَكَ شيءٌ مِثل الوَهْم

شرح الحِكَم العطائيَّة لباراس -39- (ما قادَكَ شيءٌ مِثْلُ الوَهْمِ)
للاستماع إلى الدرس

شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.

عصر الأربعاء 15 ذي الحجة 1441هـ.

الحكمة (61): "مَا قَادَكَ شَيْءٌ مِثْلُ الْوَهْمِ".

الحكمة (62):" أنت حرٌ عمّا أنت عنه آيسٌ، وعبدٌ لِمَا أنت له طامع".

نص الدرس مكتوب:

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم"  إلى أن قال:

الحكمة (61): "مَا قَادَكَ شَيْءٌ مِثْلُ الْوَهْمِ"

"القود: هو القهر من القائد، والانقهار من المُنْقَاد والحُكم من القائد، والاستسلام من المُنْقَاد، وما أقبح حالة من انقهر للوهم وانقاد للشكِّ المعدومين في أنفسهما!! فالطمع في الخلق طمعٌ في وهم لا حقيقة له؛ إذ من كان عدم في ذاته دون الله.. فكيف يطمع فيه؟!

 ولكن النفس من حيث مركزُها الجبلي خُلقت من الظلمة، فلم تعرف غيرَها، فلذلك ناسبت حالَها أفعالُها.

 وأما نفوس أهل العرفان.. لم تلتفت إلى ثانٍ؛ لثبوت أن كلَّ موجود دون الله فان - أي: معدومُ الأصل- فلم يطمح نظرهم ولم تُحوَّل هممهم إلى غِيَرٍ؛ لفناء الأغيار، وانطماس الآثار، تحت أحدية الواحد القهار، فقنعوا به عوضًا عمَّا سواه، فأورثهم الرضا عنه، وعوَّضهم لذة المشاهدة وطيب المؤانسة.

فعرفوا ما جهل الأغبياء، ونظروا ما عمي عنه الأشقياء، فحَيَوا حياةً طيبة؛ لفراغ بواطنهم عن التعلُّق بالأوهام، وسلامتهم عن ورود الظلم ومقارفة الآثام، ونعتهم الأحرار عن استرقاق الأغيار، وخلصوا عن نار الطمع والإذلال، إلى جنة الورع والاتصال، واستظلوا تحت شجرة الحكمة، فأينعت عن ثمار العلوم اللدنية، "إذا رأيتم زهد الرجل.. فادنوا منه؛ فإن الحكمة تلقى عليه، والمواهب تدنو إليه".

ولي في ذلك:

  الوهم أكذب ما يلقى إليك فكن *** على يقين فإن الوهم معدوم

من نازله صرف أنوار اليقين يكن *** بربه لا بحبل الوهم مخطوم"

 

الله أكبر، والحمد لله رب العالمين، الحمد لله مكرمنا بنور العلم، ومخرج من يشاء بضياء الفهم عن ظلمات الوهم ومن ظلمات الوهم.

لا إله إلا الله، لا إله إلا الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وأكرم كل من أقبل عليه -سبحانه وتعالى- وقصَده وأمّ، أرسل إلينا عبده المصطفى وحبيبه الأعظم سيدنا محمدًا ﷺ، خاتمًا للنبيين وسيدًا للمرسلين ورحمةً للعالمين. 

اللهم أدم صلواتك على النبي الأمين سيدنا المجتبى أحمد، وعلى آله وأصحابه ومن والاهم فيك واتبع منهجهم الأرشد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل المقام الأعلى الأمجد، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم، والملائكة المقربين وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، يا واحد يا أحد و يا فرد يا صمد.

أما بعد، 

فيبيّن لنا الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في هذه الحكمة أن الطمع في غير الله، والركون إلى ما سوى الله، واللِّياذ بغير الله تبارك وتعالى، مبني على وهمٍ لا حقيقة له ولا أصل، فليس لأصحابه ذرة من الفضل، وما الفضل إلا لمن خرج عن الوهم إلى العلم والحقيقة، والفهم لأنوار السير إلى الحق والطريقة، لهم العز والشرف بتحققهم بحقائق الإيمان، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8].

والمقيَّدون بالأوهام المنقادون لها، أولئك قومٌ عطَّلوا خصائص مزاياهم، وأبطلوا فوائد أعظم عطاياهم، أعطاهم الله العقل وهيأهم للفهم فعطَّلوا ذلك بتصديق الوهم، ومضت حياتهم على ذلك، حتى انقضت الفرصة التي فيها يمكن أن يرتقوا، وفيها يمكن أن يرتفعوا، ويمكن فيها أن يدركوا الحقيقة؛ وهي فرصة الحياة من حين التمييز إلى الوفاة -فرصة الحياة الدنيا- هذه التي يمكن للإنسان فيها أن يرتقي وأن يدرك الحقيقة وأن يعلم وأن يتخلَّص وأن يُخلص وأن يتحرر وأن يتصفى وأن يرتفع، فقط هذه الفرصة، غيرها ما شيء فرصة للارتقاء ولا للتزكية ولا لإدراك الحقيقة.

فإن الحقائق تنكشف للجميع في الدار الآخرة، ولكن ما تفيد من كان في الدنيا عاصيًا وكافرًا انكشاف الحقيقة له في الدار الآخرة فيما يتعلق بشأن وضعه وواقعه وعمله ونتائج ذلك، تنكشف له الحقيقة في ذلك. وعموم الحقيقة أنه لا ملك إلا الله، ولا خالق إلا الله، وأن الأمر كله بيد الله؛ هذه حقيقة تنكشف للكل! ولكن الذين عملوا على منهج الوصول إلى الفهم والخروج من الوهم في الدنيا تنكشف لهم حقائق وراء ذلك كبرى، بها حقائق نعيمهم وعظائم تكريمهم، بما يكشف الله لهم من حقائق جماله وكماله وجلاله سبحانه وتعالى.

ويحجُبُ عنه أولئك الذين انكشفت لهم الحقيقة أنه رب الخليقة، ولكنهم أساءوا فيما بينهم وبينه إلى أنفسهم وظلموا أنفسهم، فإنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، فلا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. أجارنا الله من ذلك ومن كل خزي.

يقول: 

  • مبنى الطمع الوهم. 
  • وغايته الذل والعبودية لمن لم يستحقها؛ أن تذل وتُستعبد لغير الله هذه نهاية الطمع. 

إن طمعت في الجاه أو طمعت في المال، فالنتيجة والغاية أن تذل لغير الله وتُستعبد لغير الله، فما أخزاك إذًا وما أشنع ما توصّلت إليه من غاية هذا الطمع.

فإذا تحررت عن هذه الأطماع، وطمعت في جود الذي خلق السماوات الوساع، وقمت على قدم الاتباع، فإن الغاية من ذلك أن تخلد في دار ضيافة ملك الممالك، وأن تنجو من الآفات والمهالك، وأن تلاقي سادة أهل حضرة الرحمن من النبيين والصديقين وترافقهم مع الشهداء والصالحين، (وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) [النساء:69]. فانظر الغاية من الغاية، وانظر النهاية من النهاية، وانظر العاقبة من العاقبة، فما أعظم ما بين الفريقين! (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:20].

يقول: "مَا قَادَكَ شَيْءٌ مِثْلُ الْوَهْمِ"؛ يعني: للوهم شأن غريب في قيادة الناس، مع ما يدّعون من العقول وما يدّعون من العلوم والثقافة والاطلاع والفهوم وما إلى ذلك، فهم منقادون انقياد كُلّي لوهمٍ. "مَا قادَكَ شَيْءٌ مِثْلُ الْوَهْمِ"، يوقعك في ظلم نفسك، وفي ظلمات بعضها فوق بعض. 

"القود: هو القهر من القائد" يقهرك وهمك، "والانقهار من المنقاد، والحكم من القائد، والاستسلام من المنقاد"، فتصير مستسلمًا والحُكم للوهم، وتصير منقهرًا والقهر للوهم، يقهرك وهمك والعياذ بالله تعالى. ما لم يخلصك الله بسر لا إله إلا الله، فإنها مفتاح الخلاص من الوهم، وسبب إشراق نور الفهم. لا إله إلا الله، فهم الحقيقة كله في لا إله إلا الله. حققنا الله بحقائقها وجعلنا من خواص أهلها السالكين في طرائقها.

يقول: "وما أقبح حالة من انقهر للوهم وانقاد للشكِّ، المعدومين في أنفسهما" الذين هما عدم محضٌ! "فالطمع في الخلق طمعٌ في وهم لا حقيقة له"؛ لأن الخلق عدم في ذواتهم دون الله وإيجاده لهم وخلقه إياهم وتصويره وتقديره وإعطائه إياهم سمعًا، وإعطائه إياهم بصرًا، وإعطائه إياهم شمًّا وذوقًا، وإعطائه إياهم لمسًا، وإعطائه إياهم أصابع، وإعطائه إياهم شعرًا ولحمًا وبشرًا، أعطاهُم هذا كله وهم من دون الله، ليسوا بشيء ولا شيء. فهو إذًا منقادٌ لمعدوم، ما أشد ظلمات هذا الوهم! لا إله إلا الله… فكيف يُطمع في شيء معدوم؟! "والنفس من حيث مركزُها الجِبِلِّي خُلقت من الظلمة بكثافتها فلم تعرف غيرها، فلذلك ناسبت حالها أفعالها"؛ فانقادت للأوهام، ودامت في الظلام، ولم تزل مع شرار الأنام من المفسدين والطغاة.

"أما نفوس أهل العرفان فأدركت الحقيقة في الأكوان ومكوّن الأكوان، فلم تلتفت إلى ثانٍ لثبوت أن كل موجود دون الله فانٍ." (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ) [الرحمن:26-27]، ويبقى وجه ربك، ويبقى وجه ربك، ويبقى وجه ربك، اتصالك بوجه ربك، لن يبقى لك من الخير والفضل شيء إلا ما اتصل بوجه ربك وقُصِد به وجه ربك، لأن ما يبقى إلا وجه ربك؛ علمك وعملك وصلاتك قراءتك، خدمتك للمجتمع ونفعك للناس، جهادك في سبيل الله… إن قصدت به وجه ربك.. يبقى لك ولا ماشي يبقى (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ) [القصص:88]، (وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) جل جلاله وتعالى في علاه. 

وما عدا ذلك فمضمحل؛ فلا يبقى له خير، وإنما الباقي جل جلاله وتعالى في علاه، يعاقب الذين تعمَّدوا الإعراض عنه ورفضوا الإقبال إليه بعد دعوته إياهم على أيدي أنبيائه ورسله بإدامة الحجاب عليهم وإدامة العذاب، فبئس ما داموا فيه. 

إذًا؛ فلا يبقى إلا وجه ربك. 

  • فما قصدت به وجه ربك مما يرضاه فقبله فهو كل ما يُذكر من أنواع النعيم الجسدي والقلبي والروحي والحسي والمعنوي، كله من هناك، والجنة وما فيها كلها من هناك. 
  • وكل ما خالفت فيه أمر ربك، وعاندت هذا الوجه الذي ما حقه أن يُعاند، وعصيته؛ فمصدر العذاب والعقاب وكل الآلام والبلايا والآفات في الدنيا والآخرة هذا مصدرها، ومنها النار وما فيها كلها من هنا؛ لأنك أسأت الأدب مع وجه ربك -جل جلاله وتعالى في علاه- وخالفته وعصيته، وبذلك تدوم في عذابه وحجابه والبُعد عنه وعقابه سبحانه وتعالى، ولا طاقة لك بذلك لأنه لا باقي إلا وجهه. 

أما الذين قصدتهم غيره بتلك الذنوب وبتلك المعاصي وبتلك المساعي التي لك في الحياة وحركة حياتك، مثلك فانين هالكين لا ينفعونك ولا ترجع إليهم ولا ينقذونك من شيء، فالذي قصدت وجوههم هالكين أصلاً! (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ) [القصص:88] فدُمت في الهلاك. وهذا الوجه الذي خالفته والذي عصيته، دام غضبه عليك والعياذ بالله وسخطه عليك، ومن ذا لك دونه! فلا يبقى إلا وجه ربك ذي الجلال والإكرام جل جلاله وتعالى في علاه. الله أكبر ولا إله إلا الله محمد رسول الله.

تعلم بذلك أننا معشر الأمة من حين بُعث نبينا، لا يسكن في جنة الله منا إلا من والى هذا النبي ومن أحب هذا النبي ومن اتبع هذا النبي، ولا يدخل النار إلا من عصى هذا النبي، وخالف هذا النبي وخرج عن أمر هذا  النبي ﷺ، وعاند هذا النبي وحارب هذا النبي. فصار الجنة والنار مخلوقتان من خلق الله تبارك وتعالى، جعلهما آثار لطاعته ومعصيته، ومركز طاعته ومعصيته في طاعة الرسول ومعصية الرسول؛ (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ) [النساء:80]، (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح:10]. الحق الباقي؛ اصطفاؤه باقي واجتباؤه باقي، يلهيك عنه أن تصطفيك هيئة أو جماعة أو وزارة أو دولة، يفنون ويفنى اصطفاؤهم، لكن الله اصطفى محمدًا فاصطفاؤه باقٍ سرمدي، لأن هذا الوجه اصطفى هذه الذات. فبذلك تقول هذه الذات في أصعب الحالات على الإطلاق التي تمر بالخلق: "أنا لها"، لأن اصطفاء الله باقٍ واجتباء الله باقٍ، فلم يزل مصطفىً ومقدمًا على من سواه، ولم يزل المصطفيْن  الأخيار في معاني اصطفاء الله لهم على مراتبهم.

كذلك شأن من أعرض عن الله وبعُد عن الله، فحكم الله للأرواح أن تبقى لسر الإرادة الأزلية في عظمة هذا الوجه، وأن قاصده من المكلفين الذين أوتوا رتبة يمكن بها أن يفهموا الحقائق؛ آليةً، وآلة للوعي والفهم لم يؤتها غيرهم من بقية الكائنات، على أن جميع الكائنات غيرهم لا تعصي الله أبدًا ولا تخرج عن أمره؛ من نباتات وحيوانات وجمادات، لكن الإنس والجن فقط هم الذين يعصون ويخالفون، هؤلاء الذين آتاهم هذا المنح والعطاء بالتأهل للمعرفة وحقائق الفهم، هؤلاء إذا عاندوا واستكبروا وأصروا وراحوا، فبسرِّ عظمته أبقى للمعاندين العذاب وأبقى للمحسنين الثواب جل جلاله، لأنهم وبالمستوى الذي آتاهم من مؤهلات ووسائل الإدراك، هؤلاء أطاعوا الباقي وهؤلاء خالفوا الباقي، وهؤلاء عظموا الباقي وهؤلاء احتقروا الباقي، وهؤلاء خضعوا للباقي وهؤلاء عاندوا الباقي. فبقي ثواب هؤلاء وأرواحهم، وبقي عقاب هؤلاء وأرواحهم، من سر إبقاء الباقي جل جلاله وتعالى في علاه.

ثم نعَّمَ هؤلاء بأنواع من النعيم باقية لهم بإبقاءه جل جلاله، كإبقاءه لأرواحهم وإبقاءه لثوابهم وإبقاءه لمظاهر هذا الثواب من القصور والحور والجنات والأشجار والأنهار والمطاعم والمشارب والروائح وما إلى ذلك. ثم أعطاهم شيئًا آخر كرمًا منه، وقال: أعطيت لكم ما أبقيته بإبقائي، وسأتكرم عليكم وأتفضل بتجلٍّ أعطيكم ما هو باقٍ ببقائي؛ رضواني.. هذا الرضوان وصفٌ له، ما هو باقٍ بإبقاءه؛ ببقاء نفسه ببقاء ذاته هو جل جلاله! الله.. ولذا قال: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ) [التوبة:72]، وقال: أنتم يا من عرضتُ لكم الإسعاد والإمداد والفوز الأكبر فكذبتم رسلي وعصيتموهم وخالفتم أمري، سأُبقي لكم أنواعًا من العذاب باقية بإبقائي، نار تحرق وحيّات وعقارب وجحيم وزقوم وحميم تُسقونه وسياط تضربون بها… باقية بإبقائي، ولكن أشد من ذلك سأعطيكم غضبًا من عندي وسخطًا -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وذلك أشد ما كان (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون:108]. اللهم أجرنا من غضبك وسخطك، وارضَ عنا رضوانك الأكبر يا رحمن.

هذه الحقائق، كل كلام غير هذا من كل إنسي من كل جني في زماننا، أو مضى من أيام عهد آدم ومن أيام خلق إبليس وذريته، أو يأتي بعدنا خالف هذا.. باطل والله، ضلال والله، لا حقيقة له. هذه الحقيقة.. وإليها مرجع جميع الخليقة، عرفنا ذلك لا بعقولنا المجردة ولا بأفهامنا المكتسبة منا، ولكن بتعليم وتفهيم خالق الخليقة جل جلاله، فهي الحقيقة، فهي الحقيقة. الحقيقة: لا إله إلا الله، هذه الحقيقة من بين جميع الحقائق، هذه الحقيقة وعليها يترتب شؤون الحقائق. فإذا جئت لأسرار الاتصاف بها، وجدت الملائكة في الدرجات العُلى، والأنبياء والمرسلين فوقهم، ثم وجدت ذات محمد، فهي حقيقة الحق من بين الحقائق، الحقيقة المحمدية؛ حقيقة الحق من بين الحقائق. الأنبياء حقائق، والملائكة حقائق، ونعيم الله حق وعذابه حق، والجنة حق والنار حق، لكن حقيقة الحق من بين الحقائق إذا سلسلتها وجدت المنبع والمركز والأصل: الحقيقة المحمدية.

اخرج من الوهم، خذ لك من هذا الوعي والفهم، ف "مَا قَادَكَ شَيْءٌ مِثْلُ الْوَهْمِ"، يبعدك ويشقيك ويرديك ويُهلكك وأنت ماشي وراءه مستعبَد له. خلِّص نفسك من الأوهام، فإن أهلها يقولون: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك:10-11]، والعياذ بالله.

يقول: "النفس من حيث مركزُها الجبلي خُلقت من الظلمة"؛ ما تعرف إلا نفسها، "أما نفوس أهل العرفان.. لم تلتفت إلى ثانٍ؛ لثبوت أن كلَّ موجود دون الله فان -أي: معدومُ الأصل- فلم يطمح نظرهم ولم تحول هممهم إلى غِيَرٍ" ولاغير ولا أغيار "لفناء الأغيار وانطماس الآثار" في شهودهم الحقيّ المكسو بالأنوار "تحت أحديّة الواحد القهار" (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر:16]، فأيقنوا بذلك، فلم يكن شهودهم ويقينهم وذوقهم لا في القيامة فقط، هذا يعم الناس كلهم، الناس كلهم في القيامة يذوقون هذا، يذوقون هذا ويشهدون، حتى الكفار، حتى الملحدين يذوقون.. كلهم يذوقون (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [البقرة:165]، وأن القدرة لله جميعًا، وأن العلم لله جميعًا، وأن السمع لله جميعًا وأن البصر.. يعلمون هذا، كلٌّ يذوقه بعد ذلك.

لكن هؤلاء بعد ماذا؟ بعد ما خالفوا وعاندوا وتكبروا! فهؤلاء كلما ذاقوا هذا ازدادوا حسرة وازدادوا ألم، لأنهم ضيّعوا، لأنهم عُرض عليهم أولاً أن يتذوقوه فأدبروا، ويرون أنفسهم أيش الذي فاتهم، وكيف الآن صاروا، ما عاد يثمر لهم هذا الإنكشاف لهذه الحقيقة إلا زيادة ألم وحسرة وندامة، وهو الذي يقول: شوف أيش فاتك! شوف شوف شوف ويرى عظمة مما فاته، هل يلتذ بذلك؟ ما يلتذ بذلك. (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا)؛ عرفنا.. انكشفت الحقيقة، ذقنا الآن أنت الملك وحدك، كنا نغالط أنفسنا، كنا نكذب على أنفسنا وعلى من سمع كلامنا أيام كنا في الدنيا، الآن انكشفت، (أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا)، فارجِعنا، أعطنا فرصة أخرى نرجع إلى الدنيا نقيم العبودية لك والوحدانية وتوحيدك ونقوم بأمرك ونتبع رسلك، ونخلي الكذابين هؤلاء الذين كذبوا علينا والذين كذبنا عليهم، نرجع نصدق معهم، (أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ)، لقد انتهت الفرصة! (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة:12-13]. فالمشكلة هو الجنّة والناس فقط، فيهم المعاندون وفيهم الخارجون عن أمر الله والمنقادون للوهم.

لا إله إلا الله.

يقول: وهؤلاء "تحت أحدية الواحد القهار" ذاقو وهم في الدنيا (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) اليوم ذاقوها! أما في القيامة حتى المشرك بيذوقها حتى الملحد بيذوقها، يذوق (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر:16]، لكن أنت ذقها الآن، بخصوصية إيمانك بمزية ما آتاك الله من دين الحق والهدى، ذقها.. (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، مالكنا، مالك أرضنا، مالك ديارنا، مالك مزارعنا، ومالك مصانعنا، ومالك المسلمين والكفار، ومالك الأخيار والأشرار، ومالك خواطرهم، ومالك ضمائرهم، ومالك مرجعهم كما خلقهم من العدم جل جلاله، ومالك السماوات ومالك الأرض.. لمن الملك؟ (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ). بحكم إيمانك أنت تذوقها في الدنيا، جبال ستنسف في عقيدتك هي من الآن منسوفة في مشهدك، ما دام تقبل النسف فهي منسوفة. ما قال الله إنك ستموت وإنهم سيموتون؟ قال: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [الزمر:30]، من سيموت فهو قابل للموت فهو ميت.. (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)، كل قابل للموت فهو ميت، ومن سوى الله قابل للموت، والحي الذي لا يموت واحد؛ وهو الله.

يقول: "فقنعوا به تعالى عوضًا عما سواه، فأورثهم الرضا عنه وعوضهم لذة المشاهدة وطيب المؤانسة"، ثم أكرمهم وأتحفهم وأنعم عليهم وجاد ووهب أن يرضى هو عنهم. (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُۚ) [التوبة:72]. ورضوان من الله أكبر. "فعرفوا ما جهل الأغبياء ونظروا ما عميَ عنه الأشقياء فحيوا حياة طيبة"، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ)، فيا من يطلب طيب الحياة تعال شوف خالق الحياة قال لك هذا الطريق إليها والوصول إليها عبر هذا: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ)، قَوّم إيمانك واعمل الصالح وأبشر بالحياة الطيبة، (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97].

قال: "فعرفوا ما جهل الأغبياء فحيوا حياة طيبة، لفراغ بواطنهم عن التعلق بالأوهام، وسلامتهم عن ورود الظلم ومقارفة الآثام، ونعتهم الأحرار"، أو نعتهم "عن استرقاق الأغيار"، فهذا نعتهم أنهم تحرروا عن استرقاق الأغيار، "وخلصوا عن نار الطمع والإذلال"، فلا يذلّون لغير الله "إلى جنة الورع والاتصال، واستظلّوا تحت شجرة الحكمة، فأينعت عن ثمار العلوم اللدنية".

إذا رأيتم زهد الرجل" وصمته أو حسن سمته "فادنوا منه، فإن الحكمة تلقى عليه والمواهب تدنى إليه". ما شاء الله.

 الوهم أكذب ما يُلقى إليك فكن *** على يقين فإن الوهم معدوم 

من نازله صرف أنوار اليقين يَكُن ***  بربه لا بحبل الوهم مخطوم

 (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ) [البقرة:140].

وبهذا تقرأ أيضًا كلامًا للإمام الحداد في هذا المعنى يحذر من الشك ومن الوهم كله، يقول في قصيدة مطلعها:

  يقول:

الشك والوهم رأس الشر والحذرِ *** والجد والصبر باب الفوز والظفرِ

  • فاخرج من الشك باليقين  
  • واخرج من الوهم بالفهم والعلم.

والعزم والحزم لا ينجي من القدرِ *** سلّم هُديت لماضي الحُكمِ واصطبرِ                                                                                

تخرج من الوهم بالتسليم لأمر العلي العظيم القدير الحكيم جل جلاله.

 سلّم هُديت لماضي الأمر واصطبر 

واسأل من الله كشف البؤس والضرر

 فإنه الذي بيده الأمر، وهو الذي يخلصك من أنواع البؤس وأنواع الضرر وأنواع الآفات ظاهرها وباطنها، وليس غيره بمخلِّص ولا بمنقذ، جل جلاله وتعالى في علاه. يقول عليه رحمة الله ورضوانه: 

حسّن ظنونك بالمولى ترى البشرى

 فشؤون العلاقة: 

  • الشك والوهم رأس الشر ورأس ما يُحذر منه، ورأس أنواع الضرر. الشك والوهم. 

………………… *** والجد والصبر باب الفوز والظفرِ

  • فقم بالجِد والصبر، واعلم أنك مهما أُمرت به من عزم وحزم، فلن تؤخر ولن تقدم ما رتبه الحق جل جلاله. فلا تقدم ما أخر، ولا تؤخر ما قدم، ولن يكون إلا ما أراد جل جلاله. 

سلِّم هُديت  لماضي الحكم واصطبر 

حسّن ظنونك بالمولى ترى البُشرى ***  فالرب عند ظنون العبد فلتُدرى

هذه حقيقة فلتُدرى هذه الحقيقة وتكون على بال.

جاء الحديث بذا فاصغِ الى الذكرى *** والبس من الصبر سربالاً لدى الضجرِ   

 واسأل من الله كشف البؤس والضررِ

 

وصاحب الخروج من الوهم لا يجزع ولا ييأس ولا يقلق ولا… مثل غيره، يضطرب 

لا تجزعن ولا تيأس من الفرجِ *** وقل إذا لَحَّ خطب الضر والحرجِ

اشتدِّ أزمة إن تشتدِّ تنفرجي *** فالعسر باليسر متبوع على الأثرِ

روّح فؤادك من همٍّ ومن حزنِ *** فإنه تعب للروح والبدنِ

وارجع إلى الله في السراء والمحنِ *** رجوع مفتقرٍ مضطرٍ منكسرِ

واسأل من الله كشف البؤس والضررِ

بعده يقول: 

قل حسبي الله ذو العرش الذي يعلم *** بالسر والجهر واستسلم له تسلم

 ولا تقل لو كذا كان كذا تندم *** وارضَ بمُر القضاء تنجُ من الخطر

يا كريم أكرمنا ياكريم. 

 قل يا سميع الدعا يا عالم الأسرار *** يا كاشف الضر يا غفار يا قهار

 يا جابر الكسر يا جبار يا ستار *** إليك فوضت أمري وانتهى نظري 

نسأل من الله كشف البؤس والضرر 

يا عدتي يا رجائي في المهمات *** ومفزعي وملاذي في المُلِّمات 

ضاقت بما حلّ حالاتي وأوقاتي *** فاكشفه في عجل يا بارئ الصور

إليك وجهت وجهي وانتهى سيري *** ولا مُرجَّى لكشف البؤس والضيرِ 

سواك………..

هذا خرج من الوهم..

سواك يا رب يا فتاح بالخير *** سبحانك الله يا ركني ويا وزري

 واسأل من الله كشف البؤس والضرر

يا ذا الجلال وذا الإكرام والإعظام *** يا مالك الملك يا ذا الطول والإنعام

يارب يا رب ثبتنا على الإسلام *** والحق والصدق واحفظنا من الغِيَرِ

  إنّا سألناك بالهادي النبي الطاهر *** محمد المصطفى الصابر الشاكر

 خير البرية من بادٍ ومن حاضر *** أن تكشف الضر واجمعني على وطري

 نسأل من الله كشف البؤس والضرر

 

 

"وانقياد المنقاد إما على سبيل الرغبة في المنقاد له، أو على سبيل الرهبة، وكلا الأمرين يقتضي العبودية من المنقاد للمُنقاد له؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:

الحكمة (62):" أنت حرٌ عمّا أنت عنه آيسٌ، وعبدٌ لِمَا أنت له طامع".

​ذكر الحرية أولًا لأنها الأصل؛ إذ الأصل: أنك حر من الأغيار، ومنطلِق من وثاق الآثار، فإذا عدت إلى أصلك.. علمت أن الأشياء طالبة لك، ومتوجّهة بالإقبال عليك، وذلك قبل طروء الجهل الجبلي؛ لكونك متصفًا بالعلم ومتحليًا بالشهود، فأنت في ذلك المشهد آيسٌ عما سوى الواحد الحق؛ لأن الوهم الظلماني لم يظهر بعد، فلم تتوجه ناصية العبودية لغيره.

​فإذا عاد السالك إلى ذلك، وتحقق بما هنالك.. وُصِف بالحرية عن الغيرية، وعبوديته للأغيار متوهمة لا حقيقة كهي؛ إذ لم تكن العبودية لغيره في أي معبود، ولم يشهد سواه في كل مشهود، وإنما سبب العتب في ذلك توهم الغيرية بكثيف حجاب البشرية، عافانا الله والمسلمين من التوجه إلى غيره والعبادة لسواه.

​فالموحّدون عن الأغيار آيسون، وبالله مستأنسون، وعليه متوكلون، قد سقط عن قلوبهم الطمع، وأصحبها صفو الورع؛ وذلك لما كشف عن قلوبهم ظلمة الأوهام والشكوك، بصدق المجاهدة في فيافي السلوك، فرأوا عجز من سواه عن إيصال ما يُرجى، ودفع ما يُخشى، وتعلقت مطامعهم فيمن بيده ملكوت كل شيء، وإليه ترجع مصادر الأمور، وبه تطمئن وجلات القلوب، وعنده خزائن الخيرات، ومفاتيح المسرات، ودفع المضرات؛ دنيا وأخرى، فأيسوا عن الأغيار، وتحرروا عن رق الآثار، وكانوا له عبيدًا، فوجدوه واجدًا مجيدًا، لطيفًا حليمًا، غافرًا متفضلًا كريمًا... إلى غير ذلك من صفات جماله، وفضائل نعوته ومننه، وسوابغ نعمه وغوامر رحماته.

ومن آيس عن الله، وتعلق طمعه بالأغيار، وسأل مآربه، وعلق رغائبه، وأنزل حوائجه بالخيالات المتوهمة، والآراء المتخيلة، واستولى عليه رؤية الأعراض الكونية، والظلمات الهوائية.. (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت:41].  ولي في ذلك:

إن الطمع يملك الحر الكريم إذا *** رام التوصّل منه انحاز وامتنعا

ومن يكن آيسًا يأتي إليه كذا *** كل الذي كان في الأوهام ممتنعا

​فلما نظر العارفون إلى الأغيار بنور اليقين تحقُّق زوال نعيمها، وذهاب طراوتها، واستمرار حلاوتها، وواجههم الله بعظيم فضله، وتجلى لهم بجميل نعته.. لم تَسْترِقَّهمْ الأكوان، ولم تحكم عليهم الشهوات، بل تحرروا عنها، وأعرضوا عنها، وركبوا الفلوات، وأنسوا بذكره، وجعلوه عوضًا عن كل محبوب، ونسوا في دونه كل مطلوب.

​إذا سترتهم الغياهب.. افترشوا له الأقدام، وتملقوا له تملق مؤانسةً وإكرام، وإجلال وإعظام، فأفاض على قلوبهم مواهب الإنعام، وخاطبهم من أسرارهم خطاب حبيب لحبيبه، ودنو قريب إلى قريبه، فعادوا الأكوان لذلك، وخرجوا عن كل ما يعوقهم عن خدمته، ويعثر عن نيل محبته.

​وأخبارهم مأثورة، وحكاياتهم في ذلك مشهورة، وأعلامهم منشورة، فأقبلوا إليه بطريق المحبة والمنة، لا من طريق الاضطرار والمحنة، والله سبحانه يريد توجه عباده الذين سبقت لهم منه الرحمة، وأفيضت عليهم المنة، فلا بد وأن يوصلهم إليه: إما بطريق الاختيار، وإما بطريق الاضطرار؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:

الحكمة (63): "​من لم يُقبِل على الله بملاطفات الإحسان، قِيد إليه بسلاسل الامتحان". 

 

الله أكبر، يقول: انقياد المنقاد لهذا الوهم إما لرغبة أو رهبة: 

  • رغبة في شيء يظن أنه بيد ذلك الذي ينقاد له. 
  • أو رهبة من شيء يظن أنه بيده أن يجنبه إياه. 

وكلا الأمرين يقتضي العبودية؛ أن تكون عبدًا لهذا الذي تنقاد له. لذلك قال المؤلف: " أنت حرٌ عمّا أنت عنه آيسٌ، وعبدٌ لِمَا أنت له طامعٌ"

  •  فإذا أردت التحرر من الخلائق، فتحرر من الطمع فيهم.
  • وإذا أردت العبودية للحق، فاطمع فيه، وفيما عنده، وفي رضاه وفي قربه، وفي معرفته وفي محبته اطمع.. فأنت "عبدٌ لِمَا أنت له طامع" و " أنت حرٌ عمّا أنت عنه آيسٌ".

ولهذا قالوا: اليأس عزٌ؛ اليأس من غير الله عز. وأنت حر عما يئست منه،  أما الذي تطمع فيه ما أنت حر؛ مستعبد له. 

قال: "ذكر الحرية أولاً لأنها الأصل؛ إذ الأصل: أنك حر من الأغيار" وخلقك الله سبحانه وتعالى روح من أمره عظيمة منسوبة إليه: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29]، أنت هكذا، ومنطلق من وثاق الآثار، لكنك اختُبرت بوضع الروح في الجسد فلعبت بها، فإذا عُدت إلى أصلك علمت أن الأشياء طالبة لك ومتوجّهة بالإقبال عليك. "وذلك قبل طروء الجهل الجِبِلِّي لكونك متصفًا بالعلم ومتحليًا بالشهود، فأنت في ذاك المشهد آيس عما سوى الواحد الحق، لأن الوهم الظلماني لم يظهر بعد، فلم تتوجّه ناصية العبودية لغيره.". 

وذكروا عن بعض الأخيار، كانوا هناك في نواحي تعز، في وقت شيء من بث فتن قبل شيء و40 سنة، فكان جماعة ممن اتجهوا نحو الإلحاد وغيرهم و يتحاربون مع جماعة آخرين، فلقي هذا الصالح واحد من حاملي السلاح، قال له: خذ السلاح -ناوله- قال له هيا اضرب إن كان الأمر بيدك أنت فإنا بانفسح -نترك- حقنا ذي الطاعة والعبادة، هيا اضرب، فذاك انتفض ما قدر.. لا قدر يحمل بندق ولا قدر يضرب وقف واقف، قال له: اضرب انت بغيت تقتل مثلنا متعبدين تسمي نحن مخرفين وكذا هيا اقتل، إذا قد الأمر إلا بيدك أنت بانفسح في ديننا ذا وعبادتنا هيا خذ، فارتعد وارتجف وما قدر يصلح شيء؛ لأن هذاك كان يائس عما سوى الله، وكان واثق بالله تبارك وتعالى فأُيِّد بتأييد  من الله تبارك وتعالى، فكان في حالٍ اقتضى أن يتحدى به ذلك بقوته وماديته وسلاحه فلم يستطع يعمل شيء.

يقول: الأصل: الحرية في الإنسان، "​فإذا عاد السالك إلى ذلك، وتحقق بما هنالك.. وُصِف بالحرية عن الغيرية، وعبوديته للأغيار متوهَّمة لا حقيقة، كهيَ" هي نفسها وهم؛ الأغيار وهم، والعبودية لها وهم، كذا كله يعيش في الوهم، "إذ لم تكن العبودية لغيره في أي معبود، ولم يشهد سواه في كل مشهود. وإنما سبب العتب في ذلك توهّم الغيرية بكثيف حجاب البشرية. عافانا الله والمسلمين من التوجه إلى غيره والعبادة لسواه."

 لا إله إلا الله وحده صدق وعده، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره المشركون، لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله. الله يخلص المسلمين من هذه الأوهام المتراكمة على قلوبهم.

"​فالموحّدون عن الأغيار آيسون" عن الأغيار كلها، عن غير الله كائنًا ما كان، "وبالله مستأنسون وعليه متوكلون، قد سقط عن قلوبهم الطمع، وأصحب قلوبهم صفو الورع"، وصاحب قلوبهم صفو الورع بدل الطمع. "وذلك لما كشف عن قلوبهم من ظلمة الأوهام والشكوك بصدق المجاهدة في فيافي السلوك"؛ امتثال أمر، واجتناب نهي، وحضور مع الرب، وتدبر للقرآن، واتباع للنبي محمد. رأوا عجز من سواه تعالى عن إيصال ما يُرجى ودفع ما يُخشى.

  • "لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت". 
  • (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ)[فاطر:2].

"وتعلقت مطامعهم بمن بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجع مصادر الأمور، به تطمئن وجلات القلوب، وعنده خزائن الخيرات ومفاتيح المسرات،-الله- ودفع المضرات دنيا وأخرى. فأيسوا عن الأغيار، وتحرروا عن رق الآثار" وكانوا عبيداً لواحد، "كانوا له عبيدًا، فوجدوه واجدًا مجيدًا، لطيفًا حليمًا غافرًا متفضلاً كريمًا"، محسنًا منعمًا مسامحًا عفوًا صفوحًا متنزلًا بما لا يُكيّف ولا يوصَف، وجدوا الله توابًا رحيمًا، وجدوا الله غفورًا رحيمًا، وجدوا الله منانًا كريمًا، وجدوا الله معطاءً سخيًا، وجدوا الله سبحانه وتعالى رحيمًا حفيًا، وجدوا الله سبحانه وتعالى مانحًا فاتحًا، وجدوا الله كريما، وجدوا الله عظيما فكرموا وعظموا. الله أكبر!

قال: "ومن آيس عن الله وتعلق طمعه بالأغيار" بالعكس هذا.. الأولون أدركوا "صفات جماله وفضائل نعوته ومِننه وسوابغ نعمه وغوامر رحماته." وهؤلاء "من آيس عن الله وتعلق طمعه بالأغيار، سأل مآربه وحاجاته، وعلّق رغائبه، وأنزل حوائجه بالخيالات المتوهمة والآراء المتخيلة، استولى عليه رؤية الأعراض الكونية والظلمات الهوائية"، (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت:41].

إن الطمع يملك الحر الكريم *** إذا رام التوصل منه انحاز وامتنعا

 ومن يكون آيساً يأتي إليه كذا *** كل الذي كان في الأوهام ممتنعا

 

"نظر العارفون إلى الأغيار بنور اليقين، وتحققوا زوال نعيمها وذهاب طراوتها" لا إله إلا الله.. "واستمرار حلاوتها"؛ يعني أن يجدوا مر حلاوتها تصير مرة، "وواجههم الله بعظيم فضله وتجلى لهم بجميل نعته، لم تسترقهم الأكوان ولم تحكم عليهم الشهوات، بل تحرروا عنها." ونِعمَ الأحرار هؤلاء! ونِعمَ الحرية حريتهم.

 تمسّك إن ظفرت بذيل حرٍّ *** فإن الحر في الدنيا قليل

 فإن الحر في الدنيا قليل! لا إله إلا الله... 

"لم تسترقهم الأكوان بل تحرروا عنها وأعرضوا عنها وركبوا الفلوات، وأنسوا بذكره تعالى، وجعلوه عِوضًا عن كل محبوب، ونسوا في دونه كل مطلوب."

وقالت رابعة العدوية:

فليتك تحلو والحياة مريرةٌ *** وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامرٌ *** وبيني وبين العالمين خراب

إذا صحَّ منك الود يا غاية المنى *** فكل الذي فوق التراب تراب

 

"إذا سترتهم الغياهب"؛ ظلمات الليل "افترشوا له الأقدام، وتملّقوا له تملق مؤانسة وإكرام وإجلال وإعظام، فأفاض على قلوبهم مواهب الإنعام".

 نُصِبت لأهل المناجاة في حندس الليل أعلام *** واستعذبوا السُهد وامسوا قيامًا إذ نام من نام

 واستقبلتهم لطائف بهجات فضلٍ وإكرام *** من لذةَ لا تُكيف ولا تصوّر بالأفهام

 قد ذاقها من عناها، وهام فيها الذي هام *** مستوحَش الخلق وأضحى في الفيافي والآكام 

لا إله إلا الله. 

"فأفاض على قلوبهم مواهب الإنعام، وخاطبهم من أسرارهم بخطاب حبيب لحبيبه ودنوّ قريبٍ إلى قريبه، فعادَوا الأكوان لذلك وخرجوا عن كل ما يعوقهم عن خدمته ويعسر عن نيل محبته، أخبارهم مأثورة وحكاياتهم مشهورة." الله أكبر! الله الله الله… 

محبتهم ديني وفرضي وسُنَّتي *** وعروَتي الوثقى وأفضل ما عندي

وبالله التوفيق.

قال:

من أنا من أنا من أنا لولاكم *** كيف ما احبكم كيف ما أهواكم

الله يكرمنا بالقرب، ويسقينا من أحلى شُرب، ويكشف عنا كل كرب، ويدفع عنا كل خطب، ويعامل بالفضل وبما هو له أهل، في خير ولطف وجود وعطف وصلاح وفلاح ونجاح وأرباح.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

21 ذو الحِجّة 1441

تاريخ النشر الميلادي

11 أغسطس 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام