(475)
(368)
(635)
شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم 1441هـ.
الحِكمة (52): "إنما أورد عليك الوارد لتكون عليه به واردًا"
الحكمة (53): "أورد عليك الوارد ليستنقذك من رق الأغيار، ويحررك من رق الآثار".
الحكمة (54): "أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك".
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربّ العالمين، وﷺعلى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبسندكم الصحيح المتصل للشيخ العلامة أبي محمد علي بن عبد الله بن أحمد باراس من شرح "الحكم العطائية" إلى أن قال:
"فلما كانت الواردات تبعث على النهوض، وتعين على أداء النوافل والفروض، كان إيرادها عليك من الله لتكون عليه بها واردًا، لا لتكون عنه شاردًا، لذا قال المؤلف رضي الله عنه:
الحِكمة (52): "إنما أورد عليك الوارد لتكون عليه به واردًا"
"إنما" كلمة حصر؛ يريد: "إنما أورد عليك الوارد" سواءً كان ذلك الوارد من قبيل الملائمات وضروب المسرات كالنعم وصنوف الطاعات، لتكون عليه واردًا من طريق الشكر وشهود المنَّة.
أو من المؤلمات والمنغصات وسائر وجوه التعرفات، لتكون عليه وارداً من طريق الصبر.
أو أورد عليك واردًا من طريق الأحوال، كالرجاء والخوف والقبض والبسط والهيبة والأنس لتكون عليه واردًا، فالرجاء بزيادة الأعمال وحسن الأخلاق وصفو الأحوال، والخوف لترد عليه من طريق الفرار من المخالفات والحذر من الوقوع في الهفوات، أو أورد البسط لترد عليه من باب الأدب والانكماش، أو أورد عليك وارد القبض لترد عليه من باب الالتجاء وصدق الافتقار ووجود الاضطرار، أو أورد عليك وارد الأنس لتكون واردًا عليه من طريق الفناء تحت مشرقات الجمال، فارغ السر عن سائر الأشغال، أو أورد عليك وارد الهيبة لتتلاشى وتضمحل عند ظهور سلطان الجلال، فانيًا عن سائر المقامات والأحوال، فقيرًا عن الأعمال.
وغير ذلك من ضروب الواردات، لترد عليه بها لا لتقف معها دونه، فالوقوف معها إما غرور وإما دعوى وزور، عافانا الله من الفتن في الدين.
ومراد المؤلف -رحمه الله- بالوارد: الوارد العرفاني والفيض اللدني الامتناني، وما أورده عليك إلا ليصح لك دخول حضرته، وتتمشى لك أفعال خدمته، ولم يورده عليك لتنصب نفسك وتظهر به على الخلق، ليستقيم الجاه وتنال به الحشمة والتقدمة، فهذه كلها وما نحوها من محبطات الأعمال، شاردة بك عن بابه، وجانحة بك عن جنابه، فكل واردٍ لا يدخل بصاحبه على الإله، فإن المكر يصحبه.
فَرِدْ عليه بما اخُتصيت بجانبه *** فذاك لُبٌّ بها كيما يُقَرِّبَهُ
اللهم صل على سيدنا محمد وآله.
يقول الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- "فلما كانت الواردات"، والوارد: كل ما يرد عليك من مختلف الشؤون والأحوال والخواطر… كله يدخل في الواردات، الأحوال، الخواطر، الأوصاف، هذه واردات.
"فلما كانت الواردات" من مهمتها وفائدتها "تبعث على النهوض، وتعين على أداء النوافل والفروض، كان إيرادها عليك من الله لتكون عليه بها واردًا، لا لتكون عنه شاردًا"، فكل من افتتن بشيءٍ من الواردات فقد جهل الحكمة في هذا الوارد، وتعامل معه تعاملاً لا يليق بالعبد العابد.
فمختلف الواردات ثم خص منها مراد الشيخ في آخر الكلام، لكن تكلم عن مختلف الواردات أن مهمتها أن تقربك، أن مهمتها أن تطهرك، أن مهمتها أن تنورك، أن مهمتها أن ترفعك، كل وارد يرد عليك إذا أنت مؤمن به فالأمر كما قال سيدنا المصطفىﷺ: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له"، بكلها يزداد قربًا، يزداد محبة، يزداد رفعة، -سبحان الله- بأي حال يناله فهو في ترقٍ دائم.
الله يقول: "إنما أورد عليك الوارد لتكون عليه به واردًا"؛ لِتَردَ منزلاً في القرب جديدًا، ولِتَردَ مكانة في المعرفة بعيدة، ولِتَردَ زيادة من النور ما كان فيك وما قد وردت عليهم.
وهكذا يقول: ""إنما" كلمة حصر"، ""إنما أورد عليك الوارد" سواءً كان ذلك الوارد من قبيل الملائمات وضروب المسرات كالنعم وصنوف الطاعات، لتكون عليه واردًا من طريق الشكر"، ما دامت من الملائمات المرغوبات عندك، لتقوم بشكره وتزداد شكرًا له، فتدخل عليه من باب الشكر إلى نصيبٍ من المعرفة التي لا نهاية ولا غاية لها.
يقول: أو من المؤلمات والمنغصات" يجيب لك شيء أيضًا.. حتى تقترب، حتى تتنبه، محتى تتوجّه، حتى تصفِّي، حتى تقوّم الحساب حقك، تقوّم السير، يجيب لك شيء تكرهه ينبّهك من هنا ومن هنا لتقوم من نومك، تقوم من غفلتك، تراجع حسابك، ترتب أمورك، تقوّم مسلكك؛ هذه فائدتها، فترد عليه من باب الصبر.
أو وارد من الأحوال؛
(فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) من أيش؟ من أنفسكم ومخالفاتكم وأهوائكم ومعاصيكم، (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)[الذاريات:50]. الله أكبر! فتفروا إليه بمعانقة الطاعة ومجانبة المعصية، هما بهذين الجناحين تعرف الفرار إلى الملك القهار بمعانٍ دقيقة غزار، خفية كبار، يكون فرارك بعد السير إلى طير، تطير لكن لابد أولاً من الجناحين الأولين، وهي:
هذا الأصل تبدأ المشية بها، وبعدين: (أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)[فاطر:1]، تزيدك حتى تتحول من سائر إلى طائر.
يقول السيد محمد أمين كتبِي -عليه رحمة الله- وهو يصف بعض شأن المحبة والمعرفة المرتبطة بالمحبة:
تلك الطريق قطعتها في ليلةٍ *** وسواي يقطع بعضها في أشهر
وقال سيدي أحمد بن علوان أو سيدي عبد الهادي السودي يقول للسائرين:
إني سبقت مطاياكم بأطياري
المطايا حقكم التي تمشون بها، أنا سبقتها بالطير؛ طرت.. وأنتم في السير!
وهكذا قال بعض أرباب المعرفة هذه، لما كتب لأخيه في الله يقول له: إن الذي ينام في الليل يصبح خلف القافلة! تسبقه القافلة، فكتب إليه: الرجل عندهم من ينام ثم يصبح قبل القافلة! وكتب إليه: هذا مقام لم نبلغه هنيئًا لك وأنت بحالك إذا قدك في هذا المستوى من الفرار إلى الرحمن نحن ما وصلنا هذا. لا إله إلا الله...
"أوردها عليك لتكون عليه واردًا"، كذلك القبض والبسط يقول: هذه المقامات والأحوال من أجل يزداد قربك، تزداد معرفتك، ويزداد حبك تزداد محبتك للرب.
وأحياهم بعد موتهم *** بالجمع في مشهد الجمال
هذا هو، الله أكبر!
حتى صفا إبريز تِبرهم *** ………………..
ويكون عبد خالص بعدين: "فارغ السر عن سائر الأشغال، أو أورد عليك وارد الهيبة لتتلاشى وتضمحل عند ظهور سلطان الجلال، فانيًا عن سائر المقامات والأحوال، فقيرًا عن الأعمال." وغير ذلك، ما عندك شيء.
قال سيدنا الإمام الحداد: جاءني خاطر أن آمر بكتابة قصة يا ربي علم الحال وجعلوها في كفني، ثم ذكرت أن طريقنا الافتقار المحض، أن نلقى الله بلا شيء، ماعندنا شيء؛ لا شعر ولا نثر ولا نظم ولا كلام ولا مؤلف ولا عمل، ما عندنا شيء، إن كان شيء فهو حقه ومنه وإليه، ما عندنا إلا الافتقار المحض، الله أكبر!
هكذا يقول: فكل هذه الواردات أوردها لترد عليه بها لا لتقف معها دونه، فالوقوف معها إما غرور وإما دعوى وزور، عافانا الله" من ذلك.
لكن يقول: أراد الشيخ بقوله: "إنما أورد عليك الوارد لتكون عليه به واردًا" أمر خاص؛ واردات العرفان؛ وذلك أن بحر المعرفة أغزر البحور، لا طرف له ولا غاية له، ولا يبلغ عمقه قط قط قط قط! من قِبل الملائكة والنبيين فضلاً عمن سواهم من جميع العارفين بالله. كلهم يسيرون وإلى أن يقول سيدهم وإمامهم وأعرفهم: "سبحانك لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ"، فما يزدادون بذلك إلا قوة في تحيّرهم المعرفي واعترافهم التام بأنه لا يَعْرفه غيره؛ بعجزهم، واعترافهم بعجزهم عن أن يحاط بشيء من صفاته -جل جلاله- ومن أسمائه فضلاً عن ذاته، وهو بكل شيء محيط.
ولهذا قال: "ومراد المؤلف -رحمه الله- بالوارد: الوارد العرفاني والفيض اللدني الامتناني" وهذه الواردات العليا التي لا ترد إلا على الأصفياء الذين قطعوا تلك المسافات المذكورة "وما أورده عليك إلا ليصح لك دخول حضرته"، وذلك أن حضرة المعرفة به دوائر فوق دوائر لا نهاية لها، وكل دائرة لا غاية لها، يا الله، هذا الله.
أنت متحير في صنعته وفعله وخلقه… لو أمعنت الفكر في دورتك الدموية؟ أو أمعنت الفكر في جهازك التنفسي وكيف هذا وكم مرات في اليوم والليلة وكم له سنين! -لا إله إلا الله-، ما بَدَا صلَّحْوا له صيانة شركة أو شيء… -لا إله إلا الله-، وغير ذلك، وعجائب في الوجود وذرات وفيروسات وغيرها من الحيوانات يضيع عقلك ما عاد تقدر تستوعبها ولا تحيط بها، هذا فعله وخلقه كيف هو؟ كيف هو؟!...
صاح سيدنا الصديق أبو بكر: "لا يعرف الله إلا الله!"
لا يعرف الله إلا الله فاتئدوا *** فالدين دينان إيمانٌ وإشراك
فهكذا، إذا فتح لك باب المعرفة لا تزال ترِد معرفة إلى معرفة إلى معرفة إلى معرفة إلى معرفة وتزداد، كلما ازددت معرفةً ازددت يقينًا بعجزك وعجز جميع الخلق عن معرفته -جل جلاله-، والإحاطة به -سبحانه وتعالى-. وبذلك قال الشيخ ابن الفارض:
زِدْني بفَرْطِ الحُبِّ فيكَ تَحَيُّراً *** وارْحَمْ حَشًى بِلَظَى هَوَاكَ تَسَعَّرَا
الله الله الله
وإذا سألتُكَ أن أراكَ حقيقةً *** فاسمحْ، ولا تجعلْ جوابي: لن تَرَى
لا إله إلا الله.
قال سيدنا عبد الهادي السودي:
لغير جمالكم نظري حرامُ *** …………………..
حرام عليّ ما أشوف إلا جمالكم
وإذا نطقتُ ففي حديث جمالكم *** وإذا سكتُّ ففيكم أتفكرُ
الله أكبر!
يقول: ليصح لك دخول حضرته، وتتمشى لك أفعال خدمته، ولم يورده" الوارد "عليك لتنصب نفسك وتظهر به على الخلق ليستقيم الجاه وتنال به الحشمة والتقدمة"، فإن أرباب المعارف أعرف بسر الانكسار، وأبعد عن منازعة الجبار، ويزدادون معرفة ويزدادون خضوع وانكسار ومعرفة بحقيقة العبودية، ويقول: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ) [الزخرف:59].
قال سيدهم: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء"؛ أعترف وأقر "لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". هذا منطق إمامهم وسيدهم وأعرفهم على الإطلاق ﷺ. لا إله إلا الله..
وهكذا يجب أن يكون العارف، ولهذا أبى الله أن يجعل جزاءهم محصورًا في فهم أحد من العالمين من أهل السماء والأرض كل نفس، قال: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم) [السجدة:17]؛ لأنهم انبسطوا في جناب معرفته العلية وهاموا وغاصوا وخضعوا وذلّوا، فأعطاهم ما لا تعلم نفس.. أي نفس! (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ)، خبأ شيء.. الملائكة سواءً الساكنين منهم في الجنة، أو البانين فيها وغيرهم ما يحيطون بما خبأ الله لأهل الجنة، ما يحيطون به.. (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ) هل تسمع؟ هو نفسه الواحد من هؤلاء الذين أحبهم الله، حتى بعد ما يدخل الجنة، يصادفه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر! اصبر بعدين أيضًا ما لا عين رأته، رأت عينك؟ سمعت؟ خذ لك الآن ما لم ترَ عينك أمس ولا سمعت أذنك ولا خطر على بالك أمس! ثالث يوم خذ ثاني، يأتي بلا انقطاع! لا إله إلا الله… هو نفسه ما تعلم نفسه بما سيأتي من حَضرَةِ الفيض وهو قده في الفيض، وكل ساعة يتلقى ما لم تعلم نفسه هو فضلا عن غيره.
وهكذا يواليهم: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، انظر قوله: "أعددت"، من ذا الذي يُعِدّ؟ لا إله إلا هو! حتى هم الملائكة ما هم داريين أيش الذي يتجلى به عليهم، يتفضل به عليهم في مستقبل الأحوال.
في مقدار كل جمعة يأتون للنظر إلى وجهه الكريم، لا والله ما جمعة مثل الجمعة التي قبلها قط، بقدر ما لم يروا في الجمعة الماضية يروا، يرون ما لم يروا في الجمعة الماضية، ويسمعوا ما لم يسمعوا في الجمعة الماضية، ويخطر على بالهم ما لم يخطر على بالهم في الجمعة الماضية، وهكذا والثانية والثالثة والرابعة وإلى الأبد نعيم لا يُعد ولا يُحَد! الله لا يُحرمنا إياه، مساكين من يحرمون نفسهم هذا النعيم كله مقابل شيء من شهوات الدنيا ومظاهرها أو سلطتها أو رئاستها! ما داروا حرموا نفسهم أيش! ما داروا اشتروا ماذا بماذا! (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ)[التوبة:38]. (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ) [النساء:77].
يقول: "فكل وارد لا يدخل بصاحبه على الإله فإن المكر يصحبه".
فَرِدْ عليه بما اخُتصُصت جانبه *** فذاك لمَّ به كيما يُقَرِّبَهُ
وللإمام الغزالي كتاب اسمه كيمياء السعادة.
رضي الله عنكم إلى أن قال:
"وإنما أورد عليك من أحسن عطاياه وافضل مواهبه وهداياه إلا ليستخلصك ويستفديك من رِقِّ الأغيار وظلمات الآثار، فلا تعود إليها بعد أن أخرجك عنها، تكون مُستحقًا لأصناف العقوبات وأنواع النكال، لأنك رجعت إليها بعد أن استخلصك منها، واستخرتها عليه بعد أن استخارك، ولا يخفى ما في ذلك من قلة الأدب معه.
لذلك قال المؤلف -رضي الله عنه-:
الحكمة (53): "أورد عليك الوارد ليستنقذك من رق الأغيار، ويحررك من رق الآثار".
أورد عليك مواهب قدسية، ليخرجك من مضايق حسية، أورد عليك عطائه، ليشهدك كرمه ووفائه، أورد عليك الواردات ليستلمك من رق العادات، فالأغيار استأسرتك عن سعة التوحيد وروح التفريد وسجنتك في مضيق التعديد، وقهرتك الآثار عن شهود الأنوار، فاسترقتك واستعبدتك بما فيك من الطمع فيها والركون إليها والإقبال عليها، فتداركك بلطيف فضله وعميم كرمه، فأورد عليك من أنواره وأنزل عليك أسراره، واستخلصك لخدمته ومَنَّ عليك بمحبته، فجذبك من بين أعدائك وأولاك فضله وامتنانه، وعرّفك قُبح الدنيا وفناء الأشياء، فافتداك وجعلك له عبدًا خالصًا بعد أن كنت بين تشاكس الدواعي الهوائية ومطالبات الشهوات الحيوانية والظلمات الأرضية والحظوظ العرضية، وأشهدك الحضرة الربوبية، وبوَّأَكَ المنازل القدسية، فأصبحت ذا مُلْكٍ كبير وعز خطير، فله الحمد أهل الثناء والمجد، ولي في ذلك:
قد كنت تحت حجاب الغير مقهورا *** وتحت رق من الآثار مأسورا
فاستسلمك بلطيف الفضل مأثورا *** وحررك فظهرت منك التباشيرا"
يقول: فائدة الأيام تمر بنا والفرص معنا وغيرها.. نزداد قربة، ونزداد حبًا، نزداد معرفة، ونزداد رضا، هذه فائدته، والله هي خير الفوائد وأعلى الفوائد وأحسنها.
يقول: فلا تجعل شيئًا من الواردات تلوي عليك وتنقطع بها عن طريق زيادة، فإن المقصود أن تزداد؛
هذه فوائد المجالس، وفوائد التذاكر، وفوائد العلم، وفوائد الصلوات، وفوائد مجالس الخير، وفوائد الأعمال الصالحة.
"أورد عليك من أحسن"؛ -من أخصّ- "عطاياه وافضل مواهبه وهداياه إلا ليستخلصك" ويصفّيك ويستنقذك "ويستفديك"؛
فيستنقذك ويستفديك منها، أن يجعلها فداء لك، ويخلصك منها ومن شرها وظلمات الآثار إذن، فعند ذلك لا تعد إلى الاغترار بالآثار والمظاهر، (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة:150]، بعدين تعلم وتعلم وتعلم أنه قال لك الأكرم: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ)[البقرة:115]، فاقصده هو ولا تقصد غيره، لا ترجع إلى هذه الآثار لأنك إذا رجعت إليها بعد ما خلّصك منها واخترتها عليه، "لا يخفى ما في ذلك من قلة الأدب معه."... أيش هذا! يهيئك له ويخلصك من هذه الآثار وأنت ترجع إليها بعد ما خلصك منها؟ قليل أدب!
قال: "أورد عليك مواهب قدسية ليخرجك من مضايق حسية. أورد عليك عطايئه ليشهدك كرمه ووفاءه، أورد عليك الواردات ليستلمك من رق العادات"، من رق الغفلات، من رق الوقوف والانقطاع عن السير، لتواصِل فتواصَل. "فالأغيار استأسرتك عن سعة التوحيد وروح التفريد وسجنتك في مضيق التعديد"، وأخذت تشهد الغير فلم يطِب لك السير، ولم تحسن السير، وقهرتك الآثار عن شهود الأنوار، فاسترقتك واستعبدتك بما فيك من الطمع فيها والركون إليها والإقبال عليها، فتداركك بلطيف فضله وعميم كرمه، فأورد عليك من أنواره وأنزل عليك أسراره، واستخلصك لخدمته ومَنَّ عليك بمحبته، فجذبك من بين أعدائك وأولاك فضله وامتنانه، وعرّفك قُبح الدنيا وفناء الأشياء، فافتداك وجعلك له عبدًا"، (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [الصافات:107]. يفتديك ويخرجك ويخلصك من الآثار بذبح نفسك.
فافتداك وجعلك له عبدًا خالصًا بعد أن كنت بين تشاكس الدواعي الهوائية، (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر:29]. يقول: "وأشهدك الحضرة الربوبية، وبوَّأَكَ المنازل القدسية، فأصبحت ذا مُلْكٍ كبير وعز خطير"،
هذا هو المُلك لا مِرَا *** بلا انعزال ولا اختلال
هذا هو المُلك! قال بعضهم أهل هذا الملك: ملكت أعضائي السبعة ما صرفتها إلا في طاعة!.. مُلْك عظيم. فجزاءهم:(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا)[الانسان:20]؛ لأنهم فَدوا الملك الكبير بالملك الصغير؛ فزهِدوا في الملك الصغير فأعطاهم المُلك الكبير، ومن غرّه الملك الصغير يقعد محلّه، حصلته أو ما حصلته، قده هو مرادك! اقعد محلّك ماشي لك في الملك الكبير بعدين!.. إن حصّلت ملك صغير أو ما حصلت طالما هو مرادك ومقصودك اقعد عنده الملك الكبير خلاص.. لكن افتِده، ادعل هذا فداءً للملك الكبير، وازهد في الملك الصغير ليعطيك الملك الكبير.
قد كنت تحت حجاب الغير مقهورا *** وتحت رق من الآثار مأسورا
فاستسلمك بلطيف الفضل مأثورا *** …………………………
آثرك على من سواك له الحمد.
فاستسلمك بلطيف الفضل مأثورا *** وحرّرك فظهرت منك التباشير
رضي الله عنكم، إلى أن قال:
"فلما كان قهرك واستئسارك هو وقوفك مع رؤية وجودك دون وجود موجِدك، فكان ما أورده عليك هو ظهور شهوده عند غيبة وجودك، ولا يغيب عنك وجودك إلا بوارد موهبي وفيض امتناني وكشفٍ عياني.
قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (54): "أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك".
عبارته لوجودك دون موجِودك بالسجن، ولشهودك لموجِودك دون رؤية وجودك بالفضاء، إشارةً منه إلى ضيق البشرية والعوالم الخَلقية والحظوظ النفسية، وإلى سعة العوالم الحقّية والأطوار الأمرية والتنزهات الروحية.
ولقد أحسن في ذلك فلا أضيق من الظلمة ولا أوسع من النور، فالحق نور والأغيار ظلمة، فأنيتك وظهور خلقيتك سجنٌ ضْنكٌ، وظلمة حَلك، فإذا أراد الله أن يَمُنَّ على عبدٍ من عباده أورد علية واردات الشهود المفنية لسائر الوجود؛ فاختطفته من يد الشهوات، وأنقذتهُ من مهالك الهفوات واستسلمتهُ من ظلمات الجهل ومعاطف الغفلات، فتتسلط الأنوار القلبية والقوى الحقية، على الدواعي الهوائية والحواجب النفسية فتستأسرها وتستعبدها وتحلها معها في رفيع محلها، فتطمئن لربها، وترجع بالإقبال الى خالقها فتصيرمن جملةِ الرفيق الاعلى وتحل في فسيح الملكوت الأبهى؛ فأكرم بها منة، وأعظم بها من نعمة، ولي في ذلك:
استخلَصك من يد الأغيارِ والصور *** إلى فسيح كريم المشهد النضِر".
الله أكبر! يا كريم أكرمنا بنفحاتك الرحمانية القدسية التي ترفع بها من شئت إلى المراتب العلية.
"قهرك واستئسارك هو وقوفك مع رؤية وجودك دون وجود موجِدك"، هذه المصيبة، الأسر والحبس هذا؛ أن تشهد وجودك وتنسى وجود موجِدك وموجِد الأشياء من حواليك، ما دريت أن وجودك ووجود الأشياء التي حواليك كله مجازي صوري تحت قدرة وقهر وترتيب منه هو! وأن الوجود الحق له هو، هو الموجود الوجود الحق -جل جلاله- وتعالى في علاه.
فأنت في هذا الوهم، ما يزيحه عنك إلا نور مشرق بهب نسمة من نسمات الفيض الرباني والبارق النوراني الرحماني، وإلا ما تصل إلى هذه المعرفة، ولا تدركها!... كما لا يدرك الصبي شؤون البناء في الديار ولا ترتيب ولا شؤون الزِواجات ولا شؤون الأنكحة… الطفل ما يقدر يدركها، ثم يشرق فيه نور العقل… فكذلك إذا جاءت هذه، هبت النسمة من عند ربك إلى باطنك، عرفت هذه الحقيقة ودخلت مع خيار الخليقة.
يقول لك: "فكان ما أورده عليك هو ظهور شهوده عند غيبة وجودك". لذلك يقول وهو يفسر: (إِنَّ صَلَاتِي)[الأنعام:162] قال الإمام حسن بن صالح البحر:
قال:
سر تقدس لا يفشى لغير فتىً *** أفنى المُسَمَّى وأفنى سائر الحُجُبِ
وساعدته من الرحمن بارقة *** سرى بها يطلب العليا من الرتب
قال سيدنا الإمام الحداد:
فإذا جاوزتَ مرتقياً *** سدرةَ الأسرار والقدَرِ
فتوقفْ وانتظر علَماً *** من علوم الأمر وادّكر
يقول: "أورد عليك الوارد ليُخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك"؛ سجن وجودك: شهود وجودك له وأنت منقطع عن شهود وجوده، و وجوده هو الظاهر أما وجودك إنما فرع وأثر، وجودك وإن كان فرع، ولكن الوجود له هو، وجوده الأظهر والأكبر والأحق وأنت تنساه؟! لا إله إلا الله..
"إلى فضاء شهودك"، "عبارته لوجودك دون موجِودك بالسجن، ولشهودك لموجِودك دون رؤية وجودك بالفضاء، عبَّر عن:
وهو كذلك، "إشارةً منه إلى ضيق البشرية والعوالم الخَلقية والحظوظ النفسية".
نعم عالم الأرواح خير من الجسمِ *** وأعلى ولا يخفى على كل ذي فهمِ
فأيش مقدار سعة رحم المرأة عند سعة الكرة الأرضية؟ كم مقدار؟ والله، والله نسبة جميع العالم الحسي نسبة لعالم الروح أكبر وأعظم وأوسع من سعة الأرض بالنسبة لضيق الرحم؛ بطن الأم، شفت الذي قدامك كله بالنسبة إذا انكشف لك عالم الروح، هذا أضيق من بطن الأم بالنسبة لهذا العالم والدنيا كلها! لا إله إلا الله.
فالمسجونين راضون بسجنهم مساكين! والمصيبة أن من يرضى بالسجن هذا، بعدين سجنه شديد في الآخرة، في النار. لا إله إلا الله.. يقول: "فلا أضيق من الظلمة، ولا أوسع من النور، فالحق نور والأغيار ظلمة، فأنيّتك" وهي قولك: أنا، وتشهد نفسك، "سجن ضنك وظُلْمَةُ حَلَكٍ" ظلمة حالكة شديدة الظلام، سجن قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)[طه:124] هذا سجن ضنك.
فإذا أراد الله أن يَمُنَّ على عبدٍ من عباده أورد علية واردات الشهود المفنية" لشهود وجوده و "لسائر الوجود"؛ الموجودات من حواليه "فاختطفته من يد الشهوات، وأنقذتهُ من مهالك الهفوات واستسلمتهُ من ظلمات الجهل ومعاطف الغفلات" فحينئذ يصير حرًّا محررًّا عن رِق الأغيار. هذه الحرية التي دعانا إليها الأنبياء. جاءوا هؤلاء إلى سجن الشهوات، قالوا انسجنوا أكثر في الشهوات بنسميه لكم حرية! أيش معناه؟ خلِّ الشهوات تكبّلك أكثر وتقع عبد لها.. حرية خلاص هذه هي الحرية!… تزيدنا سجن وتقول لي حرية!! ما عندهم إلا هذا، أيش بيعطونك! ما عندهم إلا السجن، ما وصلوا للفضاء هم أصلاً فضاء الروح ما عرفوه! فالحرية عندهم تكبلك بالشهوات أكثر فقط ..لاحول ولا قوة إلا بالله… أنا بغيت أتخلص منها وأرتفع لفوق وأنت تجعلنا عبد لها مستعبَد وتقول لي هذه هي الحرية؟! هذه مغالطة، هذا زيادة قهر وزيادة حبس!
يقول: إذا تسلطت عليك "الأنوار القلبية والقوى الحقية، على الدواعي الهوائية والحواجب النفسية فتستأسرها وتستعبدها" هذه النفس، "وتحلها معها في رفيع محلها"، في الأنوار القلبية "فتطمئن لربها، وترجع بالإقبال إلى خالقها" (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) [الفجر:27]، "فتصير من جملةِ الرفيق الاعلى وتحل في فسيح الملكوت الأبهى" الأصفى، وهنا قال: "فأكرم بها منة، وأعظم بها من نعمة" اللهم أكرمنا بها.
استخلَصك من يد الأغيارِ والصور *** إلى فسيح كريم المشهد النضِر
وبالله التوفيق. عسى لنا عناية في ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر، وحدة نسمة تجيء من هذه النسمات وتقول لك شوف فوق، اطلع اطلع لفوق، وتخلَّص من السجن الذي أنت فيه كم من سنة، كم ما مضى من عمرك. اللهم ارفعنا إلى حظائر القرب الأقدس مع خواص من تنقى وتقدس، ممن ظفر بعطائك الأنفس، يا حي يا قيوم يا أرحم الراحمين يا أكرم الأكرمين.
قال الإمام حسن بن صالح البحر:
وارفعني من حضيض أطواري *** إلى رفيع حضرة سِرِّك الساري
الله أكبر! ربِّ اغفر لي وارجمني واجبرني وارفعني.
وارفعني من حضيض أطواري *** إلى رفيع حضرة سِرِّك الساري
اجبرني وارفعني وارزقني في إقتاري وإعساري، واهدني من ضلالي واحتياري، وعافني من تدبيري واختياري، واعفُ عني إسراري وإجهاري، يا عفو يا غفور. أكرمنا الله وإياكم بقربه، وأتحفنا بحقائق حبه، وأدخلنا في دائرة حبيبه وصفوته، وسقانا من شُربه، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
اسلك بنا في سبيله، واسقِنا من سلسبيله، وارزقنا حسن متابعته في نيّته وقصده وفعله وقيله، وأعذنا به من الشرور، وأصلح لنا به الشؤون، واشرح لنا الصدور، واسقنا من ذلك الشراب الطهور، وامنن علينا بنسمة من نسمات القرب ترفعنا بها إلى أعلى مراتب المقربين في عافيه، واصلح لنا به شؤوننا الظاهرة والخافية، وادفع به عنا الآفات في الدنيا والآخرات، واكتب لنا أجلّ السعادات وأعظم السعادات وأوسع السعادات في الغيب والشهادات وإلى حضرة النبي ﷺ.
04 ذو الحِجّة 1441