(25)
(475)
(635)
شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الأربعاء 1 ذي الحجة 1441هـ.
الحكمة (49): "لَا يَعْظُمُ ٱلذَّنْبُ عِنْدَكَ عَظَمَةً تَصُدُّكَ عَنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِالله تَعَالَى؛ فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ، اسْتَصْغَرَ فِي جَنْبٍ كَرَمِهِ ذَنْبَهُ."
الحكمة (50): "لَا صَغِيرَةَ إِذَا قَابَلَكَ عَدْلُه، وَلَا كَبِيرَةَ إِذَا وَاجَهَكَ فَضْلُهُ."
الحكمة (51): "لَا عَمَلَ أَرْجَى لِلْقُلُوبِ مِنْ عَمَلٍ يَغِيبُ عَنْكَ شُهُودُهُ، وَيُحْتَقَرُ عِنْدَكَ وُجُودُه".
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، إلى أن قال:
"فإذا عرفت أن الحزن على فوات الموافقات: هو الانبعاث إلى فعلها.
والندم على الذنب: تركه لا الأمن ولا القنوط.
لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (49): لَا يَعْظُمُ ٱلذَّنْبُ عِنْدَكَ عَظَمَةً تَصُدُّكَ عَنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِالله تَعَالَى؛ فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ، اسْتَصْغَرَ فِي جَنْبٍ كَرَمِهِ ذَنْبَهُ.
لا يعظم عند العارف شيءٌ وإن اتسع ظهوره؛ لأن الله سبحانه هو الظاهر بأوصافه وبواهر آياته، والذنبُ أثرٌ من آثار قدرته، وحكمٌ من أحكام مشيئته.
والذنب إذا قرنته بعظيم فضله وعميم كرمه رأيته كـ لا شيءَ، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن استعظام الذنب علىٰ وجهين:
أحدهما: استعظامُ حياءٍ وهيبة من عظمة الله، وخوفِ وبيل عقاب الله، ولكن الله بعميم فضله قد وعد -ووعده الحق- التائبين بالمغفرة، وأتحفهم بالمحبة، وبيَّنَ لهم طرق ذلك، وأن ذلك إذا رجعوا إليه بالتوبة والانكسار، لا يضرُّهم؛ فإذًا العظمة الحاملة للعبد على التوبة والرجوع إلى الله محمودةٌ، وهي دأب المؤمنين وأكابر العلماء وخواص المقربين، واستعظامُ الذنب شرطٌ من شرائطها؛ إذ هو الحامل لها على الندم، والعزم على ألّا يعود إلى مثله.
وأما استعظامٌ يفضي بصاحبه إلى القنوط واليأس من رحمة الله فهذا استعظامٌ مذموم، وصاحبه ملوم؛ لأنه بجهله استعظم الأثر على المؤثِّر، فكيف تستعظم ذنبًا أو غيره مع وصْفِ الله سبحانه؛ إذ وصْفَه الكرم والفضل؟ فكيف وقد علمت أن الذنب مظهَرُ أوصاف فضله، وشمول رحمته وعفوه، فإذا لم يُعْصَ، فعلى مَنْ يظهَرُ آثار الكرم وشمول الرحمة، وعظيم العفو؟ وفي الحديث: "لو لم تذنبوا، لذهبَ الله بكم، ولجاءَ بقومٍ يذنبون فيستغفرونَ الله فيغفرُ لهم".
وفي الحديث أيضًا: "إذا أذنب العبد ذنبًا، فقال: يا ربّ؛ اغفر لي، يقول الله تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا، علِم أن له ربًا يغفرُ الذنب ويأخذُ بالذنب، اذهبْ فقد غفرتُ لك، فافعل ما شئت"، أي: ما دمت تذنب فتسْتغفرني، فأنا أغفر لك.
وفي الحديث القدسي: "ابنَ آدم؛ لو أتيتني بقُراب الأرضِ خطايا ولم تشركْ بي شيئًا؛ لأتيتُك بقُرابها مغفرةً" وقرابها: ملؤها، أو ما يقارب ملؤها.
والتائب راجعٌ إلى ربه، مُدْبِرٌ عن نفسه، منكسرٌ، مفتقرٌ، وهذه أَخصُّ أوصاف العبودية.
وأما إذا لم يحمله على الرجوع إلى الله، بل بقي مصرًّا عليه غير منزجرٍ عنه، ومستخفًا بالذنب ومُحتقره، ومستكثرًا ما يظهر عليه من الطاعة، ومعجبًا بها، فهذه من أوصاف المنافقين؛ لأن المؤمن يرى ذنبه كالجبل يخاف أن يقع عليه، والمنافق يراه كالذباب قال به هكذا عن وجهه، كما ورد ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه.
وما يعامل الله به أهل الانكسار من الكرم، أعظم من طاعاتهم، وما يعامل به أهل اليأس والقنوط، أعظم من سيئاتهم، فحسْنُ الظن بالله وإن كثرت الخطايا وعظمت البلايا، شأن أهل الإيمان، وضده شأن أهل الكفر والطغيان.
يُروى أن بعض الخطائين لما حضرته الوفاة أوصى إلى أمه: إذا أنا مت، فلا تعلمي بي الجيران؛ فإنهم يشمتون بموتي، وهذا خاتم مكتوبٌ عليه: لا إله إلا الله، إذا متُّ، فاجعلِيه في ناحية قبري لعلَّ الله يرحمني، وإذا متُّ، فضعي رجلك على خدي، وقولي: هذا جزاء من عصى الله، وإذا متُّ، فابتهلي إلى الله، وقولي: اللهم إني رضيت عنه، فارضَ عنه.
قال الراوي: فخرجت من عند أنس بن مالك بالبصرة؛ فإذا بجنازةٍ يحملها أربعة من الزنج وامرأةٌ تتبعها، فقلت: سبحان الله! جنازة في البصرة يحملها أربعةً من الزنج، لأكونن خامسهم، فدنوت، فقلت لهم: تقدموا وصلّوا عليها، قالوا: كلنا فيها سواء، إنما نحن استأجرتنا هذه المرأة، فتقدَّمتُ فصليتُ عليه، فلما فرغنا من دفنه إذ بهذه المرأة قد ضحكت وحمدت الله وأرادت الانصراف. فقلت لها: لا يُنجّيك إلا الصدق، ممَّ تضحكين؟ فأخبرتني الخبر، قالت: ففعلت جميع ما أوصاني به، فلما دُفِن، سمعت صوتًا لا أشك فيه أنه صوته، يقول: اذهبي يا أماه، قدمتُ على ربِّ كريم راضٍ غير غضبان.
فانظر -رحمك الله- معاملته مع أهل الانكسار، الذين لم تصدهم عنه كثير الجرائم والأوزار، بل كان اعتمادهم على كرمه وعظيم عفوه، وقاموا مقام الأذلاء البائسين بين يدي المولى الغني الكريم، المحسن البر الرحيم، فماذا ترى ما يُكرم به من أتاه بذلته وانكساره، وخضوعه واستِكانته وافتقاره؟ وفي ذلك قيل:
فلا يصدك عن باب الكريم وإن *** كثرت منك خطيئات وأوزارُ
فليس يعظم عند العفو ذنبٌ *** وإن كانت عظامًا فإن الرب غفارُ
الحمد لله الكريم الغفار، ساتر العيوب ومكفِّر الأوزار، لا إله إلا هو وحده لا شريك له رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار، أرسل إلينا بالهدى ودين الحق خاتم النبوة سيد أهل الرسالة عبده المجتبى محمدًا المختار، فبلّّغ الرسالة وأدى الأمانة وهدانا إلى سواء السبيل بأحسن البيان وأكمل الأداء في السر والإجهار.
اللهم أدِم صلواتك على العبد المُصفى عن جميع الأكدار، سيدنا محمد من علوت به على جميع الخلق فلم يلحقه أحد من المتقدمين ولا المتأخرين في شأوه والمقدار، وصلِّ معه على آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومن والاهم فيك وعلى منهجهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادن الأسرار والأنوار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وعبادك الصالحين أجمعين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعد،
فإن من علامات حياة القلب وأن الله يريد للعَبد السعادة:
ومن علامات موت القلب:
ووجود الحزن والندم علامة من علامات حياة القلب، فما المراد بهذا الحزن والندم؟ كما أشار إلى ذلك؛ في أن الانبعاث في الإتيان بالموافقات هو فائدة الحزن عليها، وأنَّ شدة الحذر من الوقوع في المخالفات هو فائدة الندم عليها، وما لم يكن كذلك فليس بصحيح، وزاد ذلك وضوحًا وبيانًا، يقول: "فإذا عرفت أن الحزن على فوات الموافقات: هو الانبعاث إلى فعلها. والندم على الذنب: تركه لا الأمن ولا القنوط"، فقال المؤلف رحمه الله تعالى، يُحذِّر من الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله. "لَا يَعْظُمُ ٱلذَّنْبُ عِنْدَكَ عَظَمَةً تَصُدُّكَ عَنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِالله تَعَالَى؛ فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ، اسْتَصْغَرَ فِي جَنْبٍ كَرَمِهِ ذَنْبَهُ".
فمن ضرورة معرفة الله أن يُخاف وأن يُرجى، وأن يُعلم أنه أعظم من كل شيء؛ ما عندك من الطاعات، هو أعظم ما عنده من الجزاء والخير أعظم، ما عندك من الذنوب والسيئات أعظم، وعدله أعظم من طاعاتك كلها لو أقام عليك عدله لذهبت طاعاتك، وعفوه أعظم من ذنوبك كلها، إذا قابلك بعفوه ذهبت سيئاتك وما بقي منها شيء، هو العظمة له ما هي لك أنت ولا لغيرك، فالعظمة له، فإذا كانت العظمة له؛ فلا سبيل للأَمن من مكره ولا اليأس من رحمته لأنه أعظم. كما سمعت قول الإمام الشافعي:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت ؤجاي نحو بابك سُلَّما
تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته *** بعفوك ربي كان عفوك أعظما
مهما عظم ذنبي أنا لست قليل أدب لأقول أنه أعظم من عفوك! الذنب وصفي والعفو وصفك، فأنى يكون وصف المخلوق أعظم من وصف الخالق؟ كيف يكون هذا؟ لا يتأتى.. لا يمكن يكون هذا؛ ما أقل الأدب أقول أن ذنبي أعظم من عفوك.
فلمّا قرنته *** بعفوك ربي كان عفوك أعظما
قال: "لا يعظم عند العارف شيءٌ وإن اتسع ظهوره"؛ لأن الله أعظم قال سيدنا عمر: إذًا تكثُر قصورنا يا رسول الله، لمّا ذكر الذكر من قاله بنى الله له قصرًا في الجنة، ومن صلَّى اثنتي عشرة ركعة من غير الفريضة في اليوم بنى الله له قصرًا في الجنة"، قال: إذًا تكثُر قصورنا يا رسول الله، قال: "الله أكثر وأطيب"، الله أكثر وأطيب.
يقول: "لا يعظم عند العارف شيءٌ وإن اتسع ظهوره"؛ لأنه عرف الأعظم، "لأن الله سبحانه هو الظاهر بأوصافه وبوَاهر آياته"، في كل شيء، والباطن بِعجائب وحقائق ربوبيته وألوهيته في كل شيء، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن. "والذنب أثر من آثار قدرته"، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ" [الأنعام:112]، "وحكمٌ من أحكام مشيئته. والذنب إذا قرنته بعظيم فضله وعميم كرمه رأيته كـ لا شيء"، وإذا قرنته بانتقامه وسطوته عظُم عليك.
ولذلك قال: استعظام الذنب..
كيف؟ قال: استعظام الذنب يأتي على أوجه، لا على وجه واحد، أجلاها وجهان، وجهان تأتي عليهما الاستعظام للذنب.
قال: "وإذا عرفت ذلك فاعلم أن استعظام الذنب على وجهين:" ما هما؟
هذا الاستعظام مطلوب، وفيه سمعت الخبر: المؤمن يرى ذنبه كجبل فوق رأسه يخشى من سقوطه عليه.
نعم، ولكن الله بعميم فضله قد وعد -ووعده الحق- التائبين بالمغفرة وأتحَفهم بالمحبة. قال الله لحبيبه: (فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل).. إذا كذبوا الصادق المصدوق والرسالة التي جاء بها من الله أيش يقول لهم؟ (رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) يقول لهم كذا! هم كذبوك.. (فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)، وإذا ينتقم منكم بعدين ويُعذبكم يا ويلكم، ولكن هو ذو رحمة، سترجعون وتتوبون، الأحسن لكم تتوبوا إليه. (فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، أمر أن يحمل ذكر هذا الوصف للذين كذبوا، فكيف بالذين آمنوا؟.. (فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام:147]، (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) [الحجر:49-50] اللهم اغفر لنا وارحمنا وأجرنا من عذابك الأليم.
قال: "وأتحَفهم بالمحبة"، وعدهم بالمغفرة "وأتحَفهم بالمحبة"، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) [البقرة:222]، وبيَّن لهم طرق ذلك، وأن ذلك إذا رجعوا إليه بالتوبة والانكسار لا يضرهم، يدفع الضر عنهم، بل يُبدل السيئات إلى حسنات، ومن يفعل ذلك غيره؟.. وليس إلا هذا الرب معنا يبدل سيئاتك حسنات، والآخرون ما لهم قدرة، كيف يُبدل سيئاتك حسنات؟ يعفو عنك، يسامحك، يتناسى ما قلت، ما عملت نعم؛ لكن يُبدلها نفسها حسنات ما يقدر، لكن الله يقدر، يأتي بسيئاتك يردها حسنات، خلاص ما عاد شي سيئة، سبحانه عز وجل، (فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) [الفرقان:70].
لمّا يفيض معاني إفضاله عليك، يصبك في تلك الحالة التي عصيت عليها بمعاني من الإفضال، تغطي رذائِلك، فتنمحي كما تنمحي الظلمة بالنور، وما عاد يبقى إلا النور، أين الظلمة؟ المكان كان فيه ظلمة، لمّا جاء السراج ذهبت، هيا هاتها، ما عاد شي، كيف؟ الظلمة هنا كانت تملأ المكان، وما عاد يقدر أن يأتي ذرة منها، ما يقدر، خلاص راحت، لا يوجد ظلمة، نورٌ، كيف المكان؟ نورٌ كله. كيف تحولت الظلمة إلى نور؟ هذا تحويله سبحانه وتعالى وتبديله.
أما أي أحد أسأت في حقه، غايته يسامحك يَعفو عنك ويحسن اليك؛ لكن يجيء لنفس السيئة يقلبها ما يقدر. كيف يقلبها؟.. إلا هذا الرب، قال لك: تعال لعندي، اصدق معي، خل سيئَتك هي نفسها ببدلها حسنة، ورجعت له حسنات، ما عاد شي سيئات، كلها حسنات. لا إله إلا الله!.. ما أكرمه من إله، ما أرحمه من رب.
قال: "فإذًا العظمة الحاملة للعبد على التوبة والرجوع إلى الله محمودةٌ، وهي دأب المؤمنين وأكابر العلماء وخواص المقربين، واستعظامُ الذنب شرطٌ من شرائطها"؛ شرائط التوبة "إذ هو الحامل لها على الندم، والعزم على ألَّا يعود إلى مثله".
يستعظم وصفه على وصف الله! وصفه الذنب ووصف الله المغفرة، أين هو الوصف الأعظم؟ وصف الله لا وصف العبد، وصف الله أعظم من وصف عبده. يا غفار اغفر لنا.
"وأما استعظامٌ يفضي بصاحبه إلى القنوط واليأس من رحمة الله فهذا استعظام مذموم، وصاحبه ملوم؛ لأنه بجهله استعظم الأثر على المؤثِّر، فكيف تستعظم ذنبًا أو غيره مع وصْفِ الله سبحانه؛ إذ وصْفَه الكرم والفضل؟ فكيف وقد علمت أن الذنب مظهَرُ أوصاف فضله، وشمول رحمته وعفوه، فإذا لم يُعْصَ، فعلى مَنْ يظهَرُ آثار" عفوه ومسامحته وكرمه لمن؟ هو عفو غفور، لابد أن يعصي أحد لأجل أن يظهر آثار عفوه، حتى قال: "لو لم تذنبوا، لذهبَ الله بِكم، ولجاءَ بقومٍ يذنبون فيستغفرونَ الله فيغفرُ لهم"، حكمة من حكم الله. لا إله إلا الله العفو الغفور.
"إذا أذنب العبد ذنبًا، فقال: يا ربّ؛ اغفر لي، يقول الله تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا، علِم أن له ربًا يغفرُ الذنب ويأخذُ بالذنب، اذهبْ فقد غفرتُ لك"، وثاني مرة يقول: قد غفرت لك، ثالث مرة يقول: "اذهبْ فقد غفرتُ لك، فافعل ما شئت"، أي:
ولكن تغلبك أهوائك وشهواتك، ويصحبك الندم والتوبة إليّ.. فأنا أغفر لك.
قال إبليس: وعزتك وجلالك ما زلت أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. قال: هؤلاء آدم وذريته وأولاده بغويهم ما دام الروح في جسد واحد منهم، ما بيأس منه أبدًا، حتى إلى عند الغرغرة بجي بحاول معه! وعزَّتِك وجلالك ما زلت أُغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادِهم. فقال: "وعزَّتي وجلالي لا أزال أغفرُ لهم ما استغفَرُوني"؛ كل من استغفر منهم، استغفرني بصدق، أنا أغفر له، على رغم أنفك. (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر:42]. هو بنفسه قال.. (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص:82-83]، تنتهي حقي القدرات هنا الذين تحبهم من عبادك هؤلاء أيش أنا أقدر أصلح معهم… لكن بمسك الثانيين بذهب إلى الآخرين أغويهم إلا عبادك منهم المخلصين ما أقدر عليهم هؤلاء.. (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، الله، لا إله إلا هو.
يقول: "ابنَ آدم؛ لو أتيتني بقُراب"؛ يعني: ملء، "الأرضِ خطايا ولقيتني ولم تشركْ بي شيئًا؛ لأتيتُك بقُرابها مغفرةً". "والتائب راجعُ إلى ربه، مُدْبِرٌ عن نفسه، منكسرٌ، مفتقرٌ، وأما إذا لم يحمله"؛ هذا الندم "على الرجوع" والاستغفار "بل بقي مصرًا عليه غير منزجرٍ عنه، ومستخفًا بالذنب ومُحتقره، ومستكثرًا ما يظهر عليه من الطاعة، ومعجبًا بها، فهذه من أوصاف المنافقين؛ لأن المؤمن يرى ذنبه كالجبل، والمنافق يراه كالذباب، قال به هكذا عن وجهه"، طار.. "كما ورد ذلك عن أبن مسعود رضي الله عنه" قال، رواه البخاري عن ابن مسعود؛ كيف يرى المؤمن ذنبه، وكيف يرى المنافق ذنبه.
فنحن عندنا ذنوب كالجبل نخاف أن يسقط علينا، وجاءتنا العشر، بنستغفر الغفار عالم السر والجهر، وبنقول: تبنا إليك يا رب، وندمنا على ما كان منا، فاغفر لنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، نبوء لك بنعمتك علينا، ونبوء بذنوبنا فاغفر لنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
وكم في الليالي العشر هذه يغفر ذنوب كبار وأوزار عظام يغفرها.. حتى في يوم عرفة يُدحر الشيطان ويُحقر ويُصغر، ولا يُرى في يوم أحقر ولا أدحر ولا أذل منه من يوم عرفة، لِمَا يرى من تنَزّل وعفوه عن الذنوب العظام، بل بتجاوز الله عن الذنوب العظام؛ ينقهر ويندحر ذاك اليوم. وكما ينقهر ويندحر لما يفيض الله على أهل عرفات، فعلى أهل المعرفة به في جميع الجهات، يندحر وينقهر دونهم ودون من في مجالسهم ويذله الله ويخزيه. لا إله إلا الله..
إلا ما رُئي يوم بدر، عاده كان أحقر وأدحر في يوم بدر. وصارت يوم الوقعة لأهل بدر أعظم من يوم عرفة، يوم الوقعة لهم أهل بدر كانت أعظم من يوم عرفة؛ بل يوم التوبة الذي نزلت فيه توبة سيدنا كعب بن مالك قال له الحبيب: "أبْشِرْ بخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّك"، أحسن يوم هذا اليوم الذي تاب الله عليك فيه. ولذا لمَّا وصل بعض المحبين زائرين مع الحبيب محمد الهدار وأرادوا الدخول على الحبيب علوي، التفت لهم قال: هذا أسعد يوم لكم في حياتكم إن صدقت وجْهاتكم ونياتكم أن تلقوا هذا العارف.
قال:
لا إله إلا الله، فالله أعظم على كل حال. "فحسْنُ الظن بالله وإن كثرت الخطايا وعظمت البلايا، شأن أهل الإيمان، وضده شأن أهل الكفر والطغيان". وكان رجل يقع في بعض الخطايا والذنوب فانكسر وخاف من ربه، قال لأمه: الناس يكرهوني من حولي وكلهم ينظرون لي نظرة سيئة، وما عاد معي إلا ربي وحده برجع إليه، فقال لها: "إذا أنا مت، فلا تعلمي بي الجيران" حس أنه مرض وأشرف على الموت.. لا تُعلِمين جيراني؛ "فإنهم يشمتون" بي و"بموتي" ويسبوني ويتكلمون عليّ، ولا أحد منهم سيرضى أن يأتي ويغَِّسلني ولا يُصلِّي علي- "وهذا خاتم مكتوبٌ عليه: لا إله إلا الله، إذا متُّ، فاجعلِيه في ناحية قبري لعلَّ الله يرحمني، -وأنا- وإذا متُّ، ضعي رجلك فوق خدي "وقولي: هذا جزاء من عصى الله"، -وقال: "وإذا متُّ، فابتهلي إلى الله، وقولي -له-: اللهم إني رضيت عنه، فارضَ عنه"، ومات على أتم الانكسار والندم والتوبة.
"يقول الراوي: فخرجت من عند أنس بن مالك بالبصرة؛ فإذا بجنازةٍ يحملها أربعة من الزنج" ولا أحد مع الجنازة؛ والبصرة ملآنة أمة وناس غريب.. وأقل جنازة يمشون معها كم مئة؛ وهذا يكاد أربعة نفر زنوج، كلهم من الزنوج يمشون مع الجنازة. قال: "لأكونن خامسهم" ما هذا، جنازة في البصرة يحملها أربعة! "لأكونن خامسهم" ذهبت معهم "فدنوت"، وضعوا الجنازة، "فقلت لهم: تقدموا وصلّوا عليها"، يعني: باعتبارهم أقاربه هذا. "قالوا: -لا- كلنا فيها سواء"، لا أحد منا قريب، نحن مثلك، "إنما نحن استَأجرتنا هذه المرأة" -أي أمه- استَأجرتنا نأتي نحمل الجنازة، استأجرتهم، غسلته وكفنته استأجرتهم يحملونه، لا أحد من البلد راضي أن يحمله لأنهم يحتقرونه ويعدونه عاصي. لا إله إلا الله.
قال: "فتقدَّمت فصليت عليه، فلما فرغنا من دفنه"، والمرأة جالسة عند القبر، قال: "إذ بهذه المرأة قد ضحكت وحمدت الله تعالى" تعجب الرجل وهي أرادت الانصراف، "فقلت لها: -اصبري تعالي- لا يُنجيك إلا الصدق، مما تضحكين؟" ما هذا الضحك؟ لما ضحكت هنا الآن؟ قالت لي: هذا ولدي وكان من شأنه كذا وكذا، وقال لي كذا وكذا، وفعلت الذي قال لي كله، وعندما دفنتموه سمعت صوته، "سمعت صوتًا لا أشك فيه أنه صوته" -ولدي هو نفسه- "يقول لي: اذهبي يا أماه، قدمتُ على ربِّ كريم راضٍ غير غضبان"؛ قبِله ورحمه وكفَّر ذنوبه وسيئاته، والناس ينظرون إليه نظرة احتقار، "اذهبي يا أماه، قدمتُ على ربِّ كريم راضٍ غير غضبان" سبحانه، لا إله إلا الله.
وكان رأى بعضهم إمرأة أيضًا الناس يحتقرونها في بعض القرى، ماتت، عليها حُلل من حلل الجنة، وفي حال عظيم، قال: يا فلانة ما بلَّغك هذا؟ قالت: ليس من أعمالي أبلغ بهذا، لكن الله سخَّر لي أهل القرية يسبوني يتكلمون عليّ، فحسناتهم، كلها تحولت عندي، لأن الله يكافئني بها مقابل ما يتكلمون عني، فنِلت هذا، حقهم القيام والصيام والقرآن والصدقات تأتي عندي لأنهم يتكلمون عني، فأعطاني الله عليها مقابل، فرفعوا درجتي بكلامهم عليّ. لا إله إلا الله.
بل بعض الأئمة الكبار الأربعة بعد موته قال: بما غفر لك؟ قال:غفر لي بقول الناس عليَّ ما ليس فيَّ. لا إله إلا الله… فالناس يظلمون.
"فانظر -رحمك الله- معاملته مع أهل الانكسار" والافتقار والاضطرار والرجوع إليه، "الذين لم تصدهم عنه كثير الجرائم والأوزار، بل كان اعتمادهم على كرمه وعظيم عفوه، وقاموا مقام الأذلاء البائسين بين يدي المولى الغني الكريم، المحسن البر الرحيم".
فلا يصدك عن باب الكريم وإن *** كثرت منك خطيئات وأوزارُ
فليس يعظم عند العفو ذنبٌ *** وإن كانت عظامًا فإن الرب غفارُ
يا غفار اغفر لنا يا خير الغافرين يا الله، بعضهم في ليالي العشر هذه يُصَّفيه ويصافيه، يغفر ذنوبه فيذوق لذة الإقبال على الله ويصير حاله غير الحال، وإذا جاء يوم العيد.. يوم عيد سواء، صدق عيد، عيد، مُطهر الباطن عن الأكدار، والأقذار، والالتفات لغير الغفار.
فالله يرزقنا اغتنام هذه الليالي وما فيها من الخيرات الكبار، والمنح والمغفرة والأسرار والأنوار.
قال رضي الله عنه وعنكم:
"وإن واجهك بعدله عظُمت الصغائر، لذلك قال المؤلف رضي الله عنه كالمُفسِّر لما أسلفه في هذه الحكمة:
الحكمة (50): "لَا صَغِيرَةَ إِذَا قَابَلَكَ عَدْلُه، وَلَا كَبِيرَةَ إِذَا وَاجَهَكَ فَضْلُهُ."
- الصغيرة من الذنب: كل ما كُفِّرَ بالطاعات عند أهل الفروع.
- والكبيرة: كل ما أوجبت حدًا، أو نصَّ عليها الشارع.
وبينهما أوساط للنظر فيهما مجال.
وعند بعض أهل الأصول: أنك إذا نظرت إلى كبرياء من عصيت، كانت كلها كبائر، والأدلة الشرعية تُفصِّل وتحدُّ لكلِّ حدًا، وحيث علمت أن الصغائر هي التي تكفَّر بفعل الطاعات، وبالتوبة المُجمل، وعلمت أيضًا أنه إذا حصل الإصرار على الصغائر لحقت بالكبائر، وأنه أيضًا إذا قابلك بعدله، كانت صغائرك كبائر، على ما قاله مَنْ قال: عند نظرك كبرياء من عصيته تصير كبائر، وإذا تفضَّل عليك بالتوبة وإحسان العمل وإصلاح الخلل، وتجلّى عليك بوصف الفضل، صغرت الكبائر وصارت في جنب العفو كغبرةٍ في رمال، وقطرةٍ في جنب بحار، بل أقل من ذلك وأحقر، بل لا شيء.
وعبّر في العدل بالمقابلةِ؛ لأنه إذا قابلك بالعدل كفاك، وأوبقك أقلُّ شيء من الذنوب، واستغرق طاعاتك أقلُّ شيءٍ من النّعَم، والمواجهة من الإكرام، ومن قبيل الإنعام، فإذا أحب اللّٰه عبدًا تقبَّل حسناته وادَّخرها، ومحا سيئاته وغفرها. وإذا أبغضه وناقشه أحصىٰ قبائحه، وعدَّد عليه فضائحه، وفتَّشَ عليه في العمل، وبيَّن من حسناته مواضعَ الخلل، فيستقيل منها كما يستقيل من بقية السيئات، ويستغفر منها كما يستغفر من الهفوات. ولي في ذلك:
إن واجه الفضل صارت كلُّ معصيةٍ *** صغيرة مثل شفَّانٍ علىٰ حَدَبِ
أو قابلَ العدل عادت كلُّ معصيةٍ *** صغيرة مثل أعظَمْها في النسبِ"
نعم، يقول:
فأخفى سخطه في معاصيه، و أخفى رضاه في طاعاته، فاسأله يقابلك بالعفو والغفران والقبول للطاعات.
وهكذا قال: "لَا صَغِيرَةَ إِذَا قَابَلَكَ عَدْلُهُ"، ما شي صغيرة، كلها مصيبة عليك إذا بعدله وقابلك، وأيش بتعمل وأيش تساوي حسناتك كلها؟ "وَلَا كَبِيرَةَ إِذَا وَاجَهَكَ فَضْلُهُ".
إن الكبائر في الغفران كاللممِ
إذا واجهك فضله. (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ) [الزمر:53-54].
يقول:
فـ"إذا نظرت إلى كبرياء من عصيت، كانت كلها كبائر"، فلا تكون معصية الكبير إلا كبيرة. لا إله إلا الله.
عساه بفضله يعاملنا *** من العطب والغضب نسلم
في جنة الخلد يدخلنا *** مع النبي المصطفى الأكرم
وعاقبتنا تقع حُسنى *** في حين ما عمرنا يُختم
"الصغائر هي التي تكفَّر بفعل الطاعات، وبالتوبة المُجمل"، والكبائلر لا يُكفِّرها إلا:
نعم، يقول: "إذا قابلك بالعدل كفاك، وأوبقك أقلُّ شيء من الذنوب"، أقل شيء من الذنوب تهلك به. لا إله إلا الله.. بل وما تستحقره من الذنوب، استحقار من نسي عظمة الذي يُعصى يعظُم عليك وزره ويشتد عليك عذابه والعياذ بالله تعالى. وما استعظمت من الحسنات بنسبتها إليك، حبطت عليك وراحت، ولا تستعظِم إلا فضله عليك وعفوه عنك، واستعظِم عدله أن يصيبك فتهلك، واستعظِم فضله أن ينالك فتنجو، فما أعظم فضله إذا نالك، وما أشد عدله إذا أصابك.
فالله يرحم جمعنا بفضله ولا يعاملنا بقسط عدله.
قال: "فإذا أحب اللّٰه عبدًا تقبَّل حسناته وادَّخرها، ومحا سيئاته وغفرها، وإذا أبغضه". ولهذا قال سيدنا أبو الحسن الشاذلي في دعائه: اللهم اجعل سيئاتي سيئات من أحببت.. اجعل سيئاتي سيئات من أحببت؛ تعفو، وتغفر، وتسامح فيها، ولا تجعل حسناتي حسنات من أبغضت؛ تفتش عليها تطلع كلها علل، وتروح ولا تقابل أدنى نعمة من نعمك عليه لو صحت؛ لكن عند تفتيشها تطلع فيها خلل وزلل وتذهب... لا تجعل حسناتي حسنات من أبغضت، واجعل سيئاتي سيئات من أحببت يا رب العالمين. الله يلحقنا بالمحبوبين.
"إن واجة الفضل صارت كلُّ معصيةٍ صغيرة"، لا إله إلا الله، عساه بفضله يعاملنا.
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
"فإذا كان اعتماد العبد على فضل اللّٰه تعالى وكرمه صغر عنده كلُّ شيءٍ دون ذلك، بل إذا أستحكم رؤية الفضل أثمر رؤية المُفضِل الكريم.
وعند رؤية الأوصاف الأزلية، تضمحل الصفات البشرية؛ فضلًا عن أن يكون لها عمل أو علم أو وصف؛ فعند ذلك: تزكو أعمال العبد، وتفيض على القلوب أنوارها، وتكسى الأحوال أسرارها، وتنشط الجوارح والقوى، ويصحو من سُكر الهوى، وذلك ثمرة غيبة العبد عن كونه عاملًا، فيكون كالآلة في يد الصانع يحرِّكها ويسكِّنها كيف شاء، وعلى ذلك المعنى صُحَّ أن النسخة على ما هي عليه؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (51): "لَا عَمَلَ أَرْجَى لِلْقُلُوبِ مِنْ عَمَلٍ يَغِيبُ عَنْكَ شُهُودُهُ، وَيُحْتَقَرُ عِنْدَكَ وُجُودُهُ".
لا عمل أنفع للقلوب، ونفع القلوب بالعمل: ما يفيض عليها من أنوار القَبول، وخِلَع أسرار الوصول، والأعمال إذا غاب العامل لها عن كونه عاملًا تزكّتْ عن ظلمات القوادح، وسلمت من آفات الرياء والإعجاب، ولا يكون كذلك إلا من قد انمحقت بقاياه، وتلاشت أوصافه، ومُحيت ذاته تحت مشرقات أنوار التوحيد، وسُحِقت تحت عظمة التفريد، وإلا يكون كذلك؛ فلا ينفكَّ غالبًا عن محبطات الأعمال، من رذائل الأوصاف وشوائب الأحوال.
والمجاهدة وإن كان لها أثرٌ في الظواهر بعد مزيد المجاهدة، وتحرِّي طرق الإخلاص والصدق، لكن لا كمن كان مأخوذاً عن نفسه، غائبًا عن حسّه مع بقاء الصحو في الأعمال، والحفظ في الأحوال، فسبحان من رفع شأن قومٍ وأعلىٰ مقامهم، وتمَّمَ عليهم سابغات فضله، وجنَّبهم ما ابتلى به غيرهم من الآفات.
فرجاء العمل للقلب -أي: لصلاحه وحصول نجاحه- بالغيبة عن رؤية النفس؛ فكل عمل تظهر فيه لا يعتدُّ به وإن كان خطيرًا، وكلما غابت عن رؤيتها فيه فهو العظيم وإن كان حقيرًا، ولي في ذلك:
فلا شيءٌ من الأعمال أرجى *** لجلب الخير والقدر الخطير
من أعمالٍ تغيب النفسُ فيها *** ولا يقدرْ لها وزن نظيرٍ
نعم، "لَا عَمَلَ أَرْجَى لِلْقُلُوبِ"؛ يعني: أنفع لها وأصلح، يزيدها إيمان، يزيدها نور، يزيدها صفاء، يزيدها معرفة، يزيدها قُرب، مثل أعمال صالحة تغيب فيها عن نفسك، وعن وجودك، وعن شهودك، مستحضِرًا إفضاله عليك وجوده وإحسانه، وتسييره لك، وإقامته في الأمر، والفضل له أولًا وآخر، فهذا الذي تغيب عنه وتشهد فيه جوده أنفع لقلبك، وأطهر لقلبك، وأزكى لربك، وأنور لقلبك، وأقوى أسباب زيادة المعرفة في هذا القلب وإشراق النور فيه، أعمال صالحة لا تنسبها لنفسك.
"وعند رؤية الأوصاف الأزلية، تضمحل الصفات البشرية"، تزكو أعمال العبد بشهود المِنّة للمعبود، "وتكسى الأحوال أسرارها، وتنشط الجوارح والقوى، وذلك ثمرة غيبة العبد عن كونه عاملًا،"، (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ) [الحجرات:17]، (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [هود:88]، (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّه) [النحل:127] انظر كيف؟ منه، به، لا بك، وهكذا، فاشوقاه لمحبتنا لك؛ لكن بك لا بنا.
"لا عمل أنفع للقلوب"؛ في تنقيتها وتصفيتها وزيادة الإيمان والمعرفة فيها من العمل الذي يغيب العامل لها عن كونه عاملاً فتَتزكى عن ظلمات القوادح، ما عاد يخترقها رياء، ولا عُجب، ولا كِبَر لأنه عرف أنها منه تعالى، "ولا يكون كذلك إلا من قد انمَحقت بقاياه، وتلاشت أوصافه، ومُحيت ذاته تحت مُشرقات أنوار التوحيد، وسُحِقت تحت عظمة التفريد"، ما دام عاد ما محقت ولا سحقت؛ نفسه مركوزة، وأنواع العُجب والتَّكبر في نفسه مغروسة، يا لطيف!... حتى ينمحق وينسحق ويتلاشى بظهور أنوار الحق جلَّ جلاله، وإلا "فلا ينفكَّ غالبًا عن محبطات الأعمال"، والمجاهدة لها أثر، "بعد مزيد المجاهدة، وتحرِّي طرق الإخلاص والصدق، لكن لا كمن كان مأخوذًا عن نفسه"، وتم له شأن قُدسه، وحُظي بقربه وأُنسه، "غائبًا عن حسّه مع بقاء الصحو في الأعمال، فسبحان من رفع شأن قومٍ وأعلى مقامهم" مراتبهم، والله يرحمنا كما رحمهم، فيصلح القلب ويحصل النجاح في العمل "بالغيبة عن رؤية النفس".
"وكلما غابت عن رؤيتها فيه فهو العظيم وإن كان حقيرًا"، فيا رب أصلِح قلوبنا.
فلا شيءٌ من الأعمال أرجى *** لجلب الخير والقدر الخطير
من أعمالٍ تغيب النفسُ فيها *** ولا يقدرْ لها وزنٌ نظيرٍ
الله يتولانا به ﷺ في جميع الأحوال والحالات، ويوفّر به حظنا من أيام العشر ولياليها واللحظات، وما فيها من العطايا الوافرات، ويجعلنا سبحانه من أسعد النَّاس في المنح والمواهب والعطايا، ونيل المِنن والمزايا، ويتولانا بما تولى به خيار البرايا، ويصلح لنا جميع الظواهر والخفايا، وينظر إلى جميع سيئاتنا وذنوبنا ومعايبنا يبدلها إلى حسنات تامات موصلات، ويقينا جميع الآفات في الدنيا والبرزخ والآخرات، ويجعلنا في أعلى ذرى السعادات في جميع الحالات، في الظواهر والخفيات، ويسقينا كؤوس المودات الصافيات الهنيئات، مع من قابلهم بعفوه وعافيته ومغفرته وكرمه وإحسانه وواسع امتنانه، وربَطهم بحبيبه، وسقاهم من حانه، وأن الله يسمعنا شريف ألحانه ويتولانا به ولاية تعود على أحياننا بركات أحيانا، وندخل في حماه، ونسقى من حُمياه، ونسعد بالنظر إلى مُحياه، ولا يُفرِّق الله بيننا وبينه في الحياة وعند الوفاة وفي البرزخ ويوم الموافاة.
ويفرِّج كروب أمته، ويجعلنا من أنفع أمته لأمته، وأبرك أمته على أمته، وينفعنا بأمته عامة وبخاصّتهم خاصة، ويختم لنا بأكمل حسنى، وهو راضٍ عنَّا في خيرٍ ولطف وعافية، وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.
03 ذو الحِجّة 1441