(445)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.
عصر الجمعة 1 ذي الحجة 1440هـ.
الحكمة (35): أصل كل معصية وغفلة وشهوة: الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة: عدم الرضا منك عنها. ولأن تصحب جاهًلا لا يرضى عن نفسه خيرٌ لك من أن تصحب عالِمًا يرضى عن نفسه، فأي عِلمٍ بعالِمٍ يرضى عن نفسه؟ وأي جهلٍ بجاهلٍ لا يرضى عن نفسه؟!
الحكمة (36): "شعاعُ البصيرةِ يُشهِدُكَ قربَه منك، وعَينُ البَصيرةِ يُشهدُكَ عدَمَك لوجودِهِ، وحقُّ البصيرةِ يُشهِدُكَ وجودَه؛ لاعدَمَكَ ولا وجُودَك".
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبسندكم الصحيح المتصل إلى الإمام الشيخ علي باراس رضي الله عنه وعنكم وعنا وعن سائر عباد الله الصالحين، إلى أن قال:
قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (35): أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها. ولأن تصحب جاهًلا لا يرضى عن نفسه خيرٌ لك من أن تصحب عالِمًا يرضى عن نفسه، فأي عِلمٍ بعالِمٍ يرضى عن نفسه؟ وأي جهلٍ بجاهلٍ لا يرضى عن نفسه؟!
فالصحبةُ عند المشايخ لها أصلٌ أصيل، بل هي عمدةُ الطريق، وهي الرُّكنُ الأَعظَمُ؛ لأنّ للصُّحبةِ تأثيرًا في الجَماد والهواء، فكيفَ في النُّفوسِ القابلةِ لِما يُلْقَى إليها مَشاهدَةً وفِعلاً ونظَراً وسمْعاً؟!
وفائدتُها: تَرَقِّي الصَّاحبِ إلى حالةِ المَصحوبِ، وانتِقالُ أوصافِه إلى أوصافِه، وأفعالِه كذلك إلى أفعالِه، وأخلاقِه وجميعِ هيئاتِه؛ بواسطةِ المحبة ورابطةِ التألُّفِ الرُّوحيِّ، حتى يصيرَ الذاتانِ والوَصفان والفِعلان والهيئتانِ كشيءٍ واحدٍ؛ لا ينفكُّ أحدُهما عن الآخَرِ إلا مِن حيثُ استحالةُ كونِ الفَردين فردًا.
فإذا صَحِبتَ مَن يَرضَى عن نفسِه وقد علمتَ أنّ الرِّضا عن النفسِ أصلُ كلِّ مَعصيةٍ وغفلةٍ وشهوةٍ… فأيُّ خيرٍ في صُحبةِ مَن تأصَّلتْ فيه المعاصي، وتحكَّمتْ عليه الغفلة، ورَسخَت فيه الشهوةُ؟!
واعلم: أنّ اسمَ العِلمِ لمَنْ هذا الوصفُ وصفُه… مَجازٌ لا حقيقة.
- والعالِمُ على الحقيقة: إنما هو مَن عرفَ الطريقَ المُوصِلَ إلى سعادةِ الأبد.
- والجَهلُ على الحقيقة: إنّما هو كلُّ ما غرّكَ بالله، وصدَّكَ عن عبادة الله.
وقد علمتَ أن أصلَ كلِّ طاعةٍ وعفةٍ ويقَظَةٍ: عدمُ الرِضا عنها، فأينَ الجهلُ لمَن تأصَّلت فيه الطاعةُ، وحكمتْ عليه العِفَّةُ، وغَمَرتْه اليقَظَة؟!
فصحبةُ مَن هذا حالُه أصلُ كلِّ الخيرات، ومَجمعُ المسرَّات، ومِفتاحُ البرَكات والسَّعادات، وسُلَّمُ القرُبات؛ فهو حقيقٌ بأن يُتخَذَ إمامًا، ويُلازَمُ شهورًا وأعوامًا؛ لتسريَ إلى المَصحوبِ بركاتُ صحبتِه.
وأمّا مَن كانت حالتُه الاغترارَ بالله، والإعراضَ عن أوامرِ الله، وانتهاكَ محارم الله… فصحبتُهُ أضَرُّ الأشياء، سيَّما إذا كان مُترسِّمًا بِمَراسمِ العلماء، ومُتزيِّيًا بزيِّ الحكماء، وهو غافلٌ عن عيوبِ نفسه، ومَحجوبٌ عن حضرةِ قُدسِه، مُتطاوِلٌ في الكلام، مُتكالِبٌ على الحُطام؛ فضرورةُ صحبتِه أشدُّ من ضرورة صحبةِ مَنْ لمْ يَترسَّم بذلك الرَّسْم، ولم يُعرَف بذلك الاسم؛ لأنَّ مَن لم يدَعِ ذلك… تُرجى توبتُه، وتُعرفُ له ولغيره زلَّتُه، فلا يُتبَّعُ فيها.
قال الإمامُ الغزالي رضي الله عنه في (بدايته): "أضرُّ الأشياء: صحبةُ عالمٍ غافلٍ، وصوفيٍّ جاهلٍ".
وأصلُ ضررِ هؤلاء: رِضاهُم عن أنفسِهم بما هم عليه؛ هذا من العلمِ، وهذا من المَنصٌبِ، والانتسابِ إلى أولي الفضائل. وعبارةُ المصنِّف بهذا الأسلوب عجيبةٌ؛ إذ جعلَ الرِّضا عن النفسِ أصلاً للمعاصي الظاهرةِ والباطنة، والمعاصي أصلاً للغفلة؛ لأنَّها حصَلت بسببِ ظلمةِ المعاصي، والغفلةَ أصلاً للشَّهوات؛ لأنّها نتيجةُ الغفلة، فلقد أحسنَ في ذلك، فجزاه الله خيراً، ولي في ذلك:
معاصي الله يجمعُها ويُنتجُها *** رضاكَ عن نفسِك الزَّوراءِ يا إنسانُ
لا تخدعنَّك في تزوير غرَّتِها *** وكن ذكيَّ الفهم إنّ الحُرَّ يقظانُ
إياك تصحبُ مَن لم يدرِ خبرتَها *** فصحبةُ الغافل المغرور خسرانُ
من لم يفتشْ عن أسرار سيرتِها *** طاحت بصيرتُه والقلبُ حيرانُ
فلما ميّزَ حالةَ المُحِقِّ- وهو الذي لا يَرضى عن نفسِه لأمرَين: إمّا لظهورِ نور العقل فيَرى نقصَها، أو شهودِ العلمِ فيَرى عدمَ إخلاصِها، أو بنورِ الحقِّ فيَرى مُضادتَها لوجودِ بارئِها بادِّعائها: (أنَّها) و (أنَّ لها) و (منها) من حالة المُبطِل الذي عَميَ عن هذه المشاهد، ولم تظهرْ عليه هذه الفوائدُ… أضربَ عن المُبطلين وباطِلِهم، وأخذَ في تفصيلِ أحوالِ السالكين ومشاهدِهم.
الحمدلله. يقول: أصلُ المعاصي والذنوب… أنْ يغترَّ الإنسانُ ويَرضَى عن نفسِه.
ولكنْ إذا كان من أجلِ ربِّه سبحانه وتعالى، هذَّبَها وأدّبَها وفتّشَ عليها، وخاطبَها وخاصَمَها، وجادَلها وجاهدَها؛ فإنّه يَترقّى ويَتنقّى، ويَقرُب من بارئِه سبحانه وتعالى.
قال بعضُ الأنبياء لربنا: أين أجدُكَ يا ربِّ؟ قال: "تجِدُني عِندَ المُنكَسِرةِ قلوبُهم من أجْلِي" لهذا ينقطع عن الحقِّ تعالى صاحب أيِّ رتبة رَضيَ عن نفسِه فيها، إن اغترَّ بجهلٍ، -وهذا ما أقبَحه وما أغرَبه- وإن اغترَّ بعلم كذلك، إن اغترَّ بعملٍ، اغترَّ بدعوة، اغترَّ بعبادة، اغترَّ بمصالح أجراها الله على يديه، أو مساجد أقامها أو مباني، إذا اغترَّ بها ورضيَ عن نفسه ووقفَ عندها…. انقطعَ عن ربه سبحانه وتعالى.
وإذا علمَ أنّه وعمله من فضل الله، إن قبِله الله فالحمد للرب وله الشكر، وأنّه محتاج لأنْ يَثبت وأن يستقيم وأن يموت على حـُسن الخاتمة، وأن يترقّى ويغنمَ فرصة الحياة؛ فيبقى منكسر ويترقّى، وهو أقرب إلى القبول عند الله تعالى.
ولهذا يقول: "لأنْ تَصْحَبَ جاهِلاً"؛ يعني: لا اطّلاعَ له على الرُّسوم، وبعضِ أخبار الألفاظ والكلمات والخُطب، ما يعرف هذا، ولكن عنده قلب يخاف الله ويَخشاه، حمَلَه أن لا يرضى عن نفسه، فهو يرجع إلى أهل الخير وأهل العلم، ويسأل ويخاف أن يعمل شيء خطأ، وأن يـُخالف أمر الله تبارك وتعالى، ويُحاسب نفسه ويعاقبها، قال: هذا على طرفٍ من العلم، مهما كان ما يعرف يخطب، ما يعرف يقرأ، ما عنده ترديد ألفاظٍ يتلفظ بها العلماء، قال ما دام قلبه هذا…. فهذا ماسك بطرف العلم، وهذا هو الماشي في طريق صحيح إلى الحقِّ جل جلاله.
قال: "لأَنْ تصحبَ جاهلاً لا يَرضى عن نفسِه.. خيرٌ لك مِن أنْ تَصحَبَ عالِمًا" عنده صورة العلم، ولكنَّه راضي عن نفسه، يرى نفسه أنه فوق الناس، وأنه أحسن، ومن خير الناس، وأنه وأنه وأنه.. هذا هو في ورطة الجهل واقع، صورة العلم معه، لكن حقيقة العلم ما عنده منه شيء، ولو كان عنده حقيقة علم.. لخَضعَ ولخَشَع، ولعرفَ انكسار الأنبياء والملائكة للربّ. وأنّ في السماء ملائكة، -نوع من الملائكة-، أحدُهم منذ خلَقه الله قائم في العبادة إلى أن تقوم الساعة، وأحدهم منذ خلقَه الله يركع، فيبقى راكع إلى أن تقوم الساعة، والثالث ساجد إلى أن تقوم الساعة، والرابع جالس بين يدي الله إلى أن تقوم الساعة، قال ﷺ: "فإذا جاءت القيامة قاموا فقالوا: سُبحانك يا ربِّ ما عبَدناكَ حقَّ عبادتِك ولا عرَفناك حقَّ معرفتِك" انظر لهذه العظمة، عجيب وأمر غريب! وهذا بشيءٍ من الأعمال.. رأى نفسَه أنّه خلاص وصَل، وأنَّه قد عرَف، وأنّه قد عَبَد، وإنا لله وإنا اليه راجعون.
أعظمُ العبادة ما زادكَ شهودَ عظَمة المعبود، يقول: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات:17].
يقول: "فأَيُّ عِلمٍ لِعالِمٍ يَرضى عنْ نَفسِه؟!" ما عنده حقيقة العلم، هذا معه صورة العلم فقط، كما سمعتم: أنّ واحد من بني إسرائيل كَتبَ ثلاثمائة كتاب، -مؤلفات- فأوحى اللهُ -لما أرادَ أن ينبِّهَه- إلى نبيِّهم: قُل لفلان ملأتَ الأرضَ نفاقاً، أخبَرَه، فسُقِط في يده، ندم، راح يَعتزل يتعبد، فأوحى اللهُ إلى النبي قال: قُلْ له لم تُصِبْ مَرضاتي، فكلَّمه، فتحيَّر وبعدها هداه اللهُ تعالى، فتواضعَ وتذلَّل، واختلطَ بالضعفاء والناس، وساعد الناس، فأوحى اللهُ لنبيِّه: قُل له الآن أصبتَ رضاي، عرفتَ نفسَك عبد وتذللتَ بين يدَي وخضَعت، فالآن جيت على الطريق، أنا أرضى من العبد بهذا. لا إله إلا الله… قال: "تَجدُني عندَ المنكسرةِ قلوبُهم من أجلي".
وكلما زادَ العلم النافع للإنسان، ازدادَ خضوعًا وتواضعًا ومعرفةً بفضل الله عليه وعِظَم تقصيرِه. قال سيد أهل العلم بالله النبي محمّد: "أبوءُ لك -أُقرُّ وأعترف- بنعمتِك عليَّ، وأبوءُ بذنبي". أعترِف بنعمتِك وأعترفُ بذنبي وتقصيري، اللهم صلِّ عليه، وهو أطهرُ الخلق عليه الصلاة والسلام، "أبوءُ لك بنعمتِك عليّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفِر لي فإنه لا يَغفرُ الذُّنوبَ إلا أنت".
قال: "وأيُّ جَهْلٍ لِجاهِلٍ لا يَرضَى عنْ نَفسِه؟!"؛ جاهلُ ما هو راضٍ عن نفسِه من أجل الله، هذا هو سالكٌ وماسكٌ بحبل العلم، ويمشي به، ولهذا يقال في الحكمة: رأسُ الحكمةِ -العلم- مخافةُ الله، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر:28] يخافون ربهم جل جلاله.
يقول الشيخ باراس: "فالصحبةُ عند المَشايخِ لها أصلٌ أصيلٌ، بل هي عمدةُ الطريق"، ابْتَنى الدين عليها، نحن ما عرفنا الدين إلا بالصحابة، الذين صحبوا الحبيب محمد ﷺ، جلسوا معه، الذين بلّغوا إلينا الدين وجاءوا به إلينا، ولولا هذه الصحبةُ من أين نعرف قرآنًا أو سُنَّة؟ صحبوه، فشربوا كأسَ تأديبِه وتهذيبه وتزكيته، وعلمهم؛ (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) [الجمعة:2]. فطلعوا على يد خيرِ معلمٍ وخير مربِّي، فكان صحابتُه خيرُ الصحابة، وهذا سرُّ اصطفاءِ الله لحبيبِه ﷺ، أمُّته خيرُ الأمم، صحابتُه خير الصحابة، آله خير آل، ولا ينضرب ذا بذا ولا ذا بذا، ولا يتأتّى يُنازَع في ذا، لأنّ اللهَ هو الذي يختار: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) [آل عمران:110]، نحن آخرُ الأمم وجعلنا خيرَ أمة، أحد له شيء مع الله؟!.. الله أراد ذلك، أمَّتُه خير أمة، خير أمة، وكذلك صحابتُه خير من صحابة آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، كلهم معهم صحابة عِظام، لكنّ صحابةَ محمدٍ أعظم، آلُه خير آل، آل إبراهيم، آل إسماعيل، آل يعقوب، آل نوح، كلُّهم نعم الآل، لكنَّ آلَ محمد أفضل.
أمم: أمة موسى، أمة عيسى، أمة إبراهيم، أمة هود، أمة صالح، أمم كل من آمن يا بخته وهو من أهل الجنة، لكنَّ خيرَ الأمم أمةُ محمدٍ ﷺ، أيش هذا؟ اصطفاءُ الله، اصطفاء الله جل جلاله وتعالى في علاه، ولابد لكل مخلوقٍ إنسي، مَلك، جني، يُسلِّم لأمر الله، لأنه ما يقدر أن يُبدِّلَ شيئاً فيما رتَّبه الحقُّ جل جلاله وتعالى في علاه، لا إله إلا هو.
يقول: "الصحبةُ عند المشايخ لها أصلٌ أصيل"، ولهذا كثير من تراجم الأخيار في الأمة يقول: صَحِبَ فلان، صَحِب فلانا، يُترجِم له يقول: فلان صحب فلان، لماذا؟ لأن الصحبةَ مؤثرة، يقول: انظر الماء أصله يُطفيء النار ولا لا؟ يطفيء النار، خلُّه يصاحب النارَ! يرجع اللي تصلحه النار من الحريق هو يصلحه، هو نفسه، ما يطفيها، بدل ما يطفيها هي تحرقك وهو يحرقك! الماء نفسه يحرقك لأنه صاحَبَ النار، وصار يغلي ويفور، ما تفعله النار بك من الحريق هو يفعل بك! كيف أنتَ كنتَ تطفئها لنا؟ وذا الحين تصلّح نفس عملها!؟ صاحَبَها.. المصاحبة مشكلة.
إذ الطباعُ تسرُق الطِباعا *** وكلُّ مَن جالس خبيثًا ضاعا
قال طيب الصحبةُ أثَّرت في النبات، في الجماد، في الحيوان، فكيف في الإنسان؟ يقال: المرءُ من جليسه، والمرءُ على دينِ خليلِه… الصحبة!
قال سيدنا أبو بكر الصديق لما جاء النبيُ في يوم الهجرة، وأخبرَه أن الله أذنَ له بالهجرة، قال: فالصحبةَ يا رسول الله؟ قال: "الصُّحبة"، فدمعت عيناهُ من الفرح، قالت سيدتنا عائشة: ما كنت أعرف أن أحدًا يبكي من الفرح إلا ذاك اليوم أبي يبكي من الفرح يوم قال له النبي ﷺ: نعم الصحبة، تمشي معي تصاحبني، بكى سيدنا أبو بكر الصديق فرحًا بصحبة المصطفى، فكوفِئَ بذلك من الله أنّ اللهَ نصَّ على صحبتِه في القرآن، حتى أهل السنة يقولون: مَن أنكرَ صحبةَ صحابيٍ يَفسُق، لكن صحبةَ أبي بكر من أنكَرَها يَكفر، لأنَّ اللهَ نصَّ عليها في القرآن: (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ)؛ لأنه مقدِّر للصحبة أصلاً، وعرفَ قدرَ الصحبة، وعظَّم الصحبة، وقال: الصحبة، وبكى، جاءت له وثيقة من عنده، من فوق.. صاحِبُه، أنتَ صاحُبُه: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة:40].
ولهذا كان سيدُنا عمر إذا ذُكرَ له سيدنا أبو بكر قال: ليلة من أبي بكر خيرٌ من عمر وآل عمر! وذكَرَ ليلةَ الغار، قال: أيش أصلاً أكون فيها أنا وآلي كلهم. رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
يقول: "لأنَّ لِلصُحبةِ تأثيرًا في الجمادِ والهواء، فكيفَ في النُّفوسِ القابلةِ لِما يُلقَى إليها مُشاهدةً وفِعلاً وسَمعا"، لهذا قالوا: حافظوا على الأطفال من صغرهم.
إذ قلبُه كالشمعة المقصورة *** جوهرٌ يَقبلُ كل صورة
ما تضعه فيه. "فأبَواه يُهوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه ويُمَجِّسانِه".
أولاد يتربون على أفلام الكرتون، وفيها ما فيها من الفتون، وصور تجيء من عند أهل الهون، وبلايا وفتون، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أيش بيتخيل؟ وأيش بيطلع عليه؟ وقد كانوا من أول ما يولد المولود.. يؤذنون في أذنه اليمنى ويقيموا الصلاة في أذنه اليسرى، أول ما يَسمع ذكرَ الله، يتربى ويشوف الناس على الخير في البيت، وهكذا، ويسمع الكلام الطيب الزين، وأولُ ما يَبدأ ينطق يتعلم ينطق: الله الله.. وكنا نسمع كبار السن كلهم أمهات وغيرهن، حتى الزائرات عند الطفل، إذا بيكلمون الطفل يقولون: الله، الله، الله، لا إله إلا الله، يقولون للطفل هكذا وهو عاده ما يعرف حتى يكون أول ما ينطق باسم الله، باسم ربه جل جلاله وتعالى في علاه. وهكذا:
وينشأُ ناشئُ الفتيان منا *** على ما كان عَوّدَه أبوه
وهؤلاء بسطوا أيديهم ليلعبوا بأطفالنا وصبياننا، ويجب أن نكون على وعي، ما نترك صبيانَنا وأطفالَنا لمَن يلعب بأفكارهم، ويلعب بوِجهتهم ونياتهم.
الصحبة. قال: "وفائدتُها: تَرَقِّي الصاحبِ إلى حالةِ المَصحوبِ، وانتِقالُ أوصافِه إلى أوصافِه، وأفعالِه كذلك إلى أفعالِه، وأخلاقِه وجميعِ هيئاتِه؛ بواسطةِ المحبة ورابطةِ التألُّفِ الرُّوحيِّ"، سبحان الله! رأيتم كيف موالي الحبيب؛ السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؟! ما في الوجود أحد أحبَّ أحداً من الخلائق مثلَ ما أحبَّ هؤلاء رسولَ الله ﷺ، قالوا لسيدنا علي: كيف كانت محبتُكم لرسول الله؟ قال: "كان أحبَّ إلينا من أنفُسِنا وأهلينا وأموالنا ومن الماءِ الباردِ على الظمأ"، ما هو مثلَها، أحبَّ منها! وأحبَّ: هذا أمر مبهم، يعني ما أقدر أُعبِّر عن المحبة، ما هو مثلها، وهي هذه مقومات الحياة، وأغلى شيءٍ في الحياة: نفسي، مالي، أهلي، الماء البارد على الظمأ! بتشرفُ على الموت، تهلك، تحب الماء البارد في ذاك الوقت، نعم، قال: ما هو مثله، أحب منه، أحبَّ إلى أيِّ مدى؟ هذا الذي ما يقدر يُعبِّرُ عنه، فلهذا ضرب المثل بهذا سيدُنا علي، ما قدر يُعبِّر عن المحبة التي استَكنَّتْ في قلوبهم رضي الله عنهم.
والعجيب أن الله جبَل هذا القلب على الرحمةِ ومحبةِ الخلق، يعني لو اجتمعت محبَّتُهم كلُّهم ما تساوي محبته هو لهم، لماذا؟ لأنهم أحبوه من أجل مَن؟ من أجل الله، وهو أحبهم من أجل الله، طيب كلٌ محبتُه من أجل الله على قدرِ معرفتِه بالله، فهم أيش عرفوا عن الله بالنسبة له؟ لو اجتمعت معرفتُهم كلها بالله ما ساوت معرفته، لذا لو اجتمعت محبتُـهم كلهم المفرَّقة فيهم له، ما تساوي محبته لهم ﷺ؛ لأنه هو يحبُّ من أجل الله، ومعرفتُه بالله أوسع، فمحبتُه لهم أوسع، ورحمتُه أوسع.
ولهذا يتعجبُ مَلَكُ الجبال لما قال له: لا تطبق الجبال عليهم، وأنا أرجو أن يُخرجَ الله من أصلابهم مَن يتولى هذا الأمر، قال له: صدقَ الذي سمَّاكَ الرؤوفَ الرحيم، صدقَ الذي سماك الرؤوفَ الرحيم. اللهم صلِّ عليه وعلى أله وأصحابه.
حتى كانوا يلاحظون يقولون: إنه كثير ما ينازل إحساسٌ عند سيدنا أبو بكر إذا نازل النبيَّ شيءٌ وأصابَه شيء، أو حتى مرضَ، سيدنا أبو بكر، يقلق من هناك، من قوة التآلف والترابط، سبحان الله.
وفي المتأخرين يضربون مثل بالشيخ محفوظ بن عثمان عليه رحمة الله تعالى، كان متصل بالحبيب عبد الله الشاطري حتى توفي، متصل بالحبيب علوي بن عبد الله بن شهاب الدين، كان من محبتة يقول: إذا مرضَ الحبيبُ علوي.. هذا يمرض، ذا يصحّ.. ذا يصح!
سيدنا الشافعي يذكر معنى من هذا، مرض مرةً أيام كان في بغداد سيدنا أحمد بن حنبل، هو تلميذُه وبينهم محبةٌ في الله قوية، جاء يزوره، -يعوده-، مرض الشافعي، جاء سيدنا أحمد بن حنبل، اشتفى وجاء يزوره، شفاه الله، قال بيتين، قال:
مرضَ الحبيبُ فعُدتُه *** فمرضتُ من أسَفي عليه
فأتَى الحبيبُ يعودُني *** فبرِئتُ من نظري إليه
لا إله إلا الله.. شفت كيف أيش التواصل هذا من أثر الصحبة. وسيدنا الشافعي ما هو أكبر من سيدنا أحمد بن حنبل بكثير، قريب منه في السن، قالوا لسيدنا أحمد بن حنبل: في ناس أكبر سنًّا من الشافعي، قالوا له: تَصحَبُ الغلام هذا وتترك كبار السن، ما تأخذ سند عنهم في الحديث؟ قال: الحديثُ سأتلقاه بسندٍ نازلٍ أو عالي، لكنَّ عقلَ الفتى هذا من أين أجيبه؟ أين أجد مثله؟.. الشافعي فهمُه في معاني نصوص الكتاب والسنة.. من أين أجيب الفهم هذا؟ فكان يلازمُ سيدَنا الشافعي ويأخذ عنه رضي الله تعالى عنه.
ولده مرةً سألَه، دائماً يذكر الشافعي ويدعو للشافعي، قال: أربعون سنةً يقول لي ما صليتُ صلاةً إلا دعوتُ بعدها للإمام الشافعي، قال له ولده: مَن هذا الشافعي تدعو له هذا الدعاء كله يا أبي؟ قال: يا ولدي الشافعيُ كالشمسِ للدنيا والعافية للأبدان. الشافعي كالشمس للدنيا والعافية للأبدان، فهل ترى لهذين من عِوَض؟! إذا فقد الناس الشمس، ولا البدن للعافية ما ينفع! قال: فهذا هو للناس كالشمس للدنيا والعافية للأبدان، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وكانت هكذا الصحبة، يَحرصون عليها، ومصاحبة الأخيار وسندها مسلسلٌ إلى صحبة الصحابة، الصحابة فيهم صِدّيقون ومجاهدون، وعُبّاد وزُهّاد، لكن أحسن وصفٍ يصفونه به يقولون: "صاحِب رسول الله"، خلاص ما يذكروا باقي الأشياء كلها، جهاد وعبادة وصدقات ونفقات وزهد، لكن يقول: صاحِب رسول الله، خلاص هذا يكفي! صاحبُ رسول الله، كان صاحبَ رسولَ الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال: "فإذا صحبتَ مَن يَرضى عن نفسِه وقد علمتَ أنّ الرِّضا عن النفسِ أصلُ كلِّ معصيةٍ وغفلةٍ وشهوةٍ… فأيُّ خيرٍ في صحبةِ مَن تأصَّلتْ فيه المعاصي"، لا إله إلا الله. قال: "العلمُ يُطلَق على من هذا "وصفُه مجازٌ لا حقيقة"، ما يُقال له عالم.
لا إله إلا الله، صحبةُ مَن حالُه العفة والأدب واليقظة.. "أصلُ كلِّ الخيرات، ومَجمعُ المسرَّات، ومِفتاحُ البرَكات والسَّعادات."
لهذا غشوا كثيراً اليوم من شبابنا، جاءوا لهم بأخبث الموجودين في الدنيا، يسْهُل عليهم مصاحبتُهم عبر الأجهزة، من أي مكان حتى من القرى، حتى من البوادي، يصاحبُهم؛ كل يوم هو وإياهم وكل ليلة، أكثر مما يَذكرُ النبي ويَذكر الصحابة، يذكر هؤلاء الفساق والبعيدين عن الله والعياذ بالله تبارك وتعالى، فصارت صحبةً مضرة، ضرَّت كثير في أخلاقنا، ضرَّت كثير في أفكارنا، ضرَّت كثير في أعمالنا، فالله يحفظ المسلمين ويخلصهم من هذه الآفات.
"وأما مَن كان حالتُه الاغترارَ بالله والإعراضَ عن أوامرِ الله"، فكيف إلا كافر؟ "فصحبتُه أضرُّ الأشياءِ"، خاصة "إذا كان عاده "مترسِّماً بِمَراسمِ العُلماء متزيِّيَاً بزيِّ الحُكماء" عاده هذا أخطر! لأنه يغرُّ الناس، يَظن الناسُ أنه صادق عالم، وهو يكون إما مستأجَر لنفسه، أو لجهةٍ من الجهات الشريرة من تحت، ويدفعونه، ويظهر باسم العلم ويغرُّ خلقَ الله، ويؤذي خلق الله! وإنا لله وإنا إليه راجعون، أصلح الله أمور المسلمين.
"قال الإمام الغزالي في البداية: أضرُّ الأشياء صحبةُ عالمٍ غافل"؛ عنده صورةُ علم، لكن قلبَه غافلٌ عن الله، يستخدم العلمَ لغرضِه وهواه، في وقت ما يريدُ الشيء.. يجيء يلفلف لك الكلام من هنا ومن هنا، وفي وقت ما يريد يمشّي الكلام، ويجيب أقوال، ويجيب لأنه تبع هوى نفسه.
ومهمة العالم أن يُخضعَ هواه.. ما مهمةُ المجتهدين؟ أن يسخرَ طاقتَه وفكرَه كلَّه في خدمةِ النص، ليعلمَ ما أراد اللهُ وما أراد رسولُه بهذا الكلام وهذا النص، فيقوِّم الحكمَ على ما قال اللهُ ورسولُه.
وذا يجيء للنصوص؛ كلام الله وكلام رسوله في الشيء الذي يهواه ويبغاه، يلفِتها إليه ويفرتها إليه، يريد يُسخِّر النصوص! وأولئك سخَّروا نفوسَهم وأهواءَهم للنصوص، وهذا يبغى يُسخِّرُ النصِّ لهواه! هذا يضر كثير والعياذ بالله.
"عالمٍ غافل وصوفيٍّ جاهل" متسمي باسم التصوف كأنّه من العبَّاد، وهو لا يُقيم الصلاةَ كما ينبغي، لا يؤدّي الطهارةَ كما ينبغي، ما يعرف أحكام الصوم، ويَتظاهر أنه صوفيّ، يَغرُّ الناسَ أنه خيّر! وبعدين لا معه مسلك، ووقت التعليم ما يقدر يُعلّم. لا تُظهِر للناس أنك عابدٌ وأنك صوفي، قل: أنا مسكينٌ وجاهلٌ وتَعلَّم، وإلا فصحبةُ الصوفيِّ الجاهلِ والعالمِ الغافل… من أضرِّ ما يكون على الناس، لا إله إلا الله.
يقول: إن في عبارة المُصنِّف أسلوب عجيب فيها..
قال -رضي الله عنه-:
الحكمة (36): "شعاعُ البصيرةِ يُشهِدُكَ قربَه منك، وعَينُ البَصيرةِ يُشهدُكَ عدَمَك لوجودِهِ، وحقُّ البصيرةِ يُشهِدُكَ وجودَه؛ لاعدَمَكَ ولا وجُودَك".
عبارتُه بالشُّعاع تُشيرُ إلى أثرِ نورِ الاسمِ الظاهر أثره على ظواهر الأركان، ومحسوسات الأبدان، فتَخِرُّ للأذقانُ خُضوعاً، وتَجري وابلاتُ سحائبِ الدُّموع، وتُهجرُ المَضاجعِ والهجوعِ، وتُسلي عن الظمأ والجوع.
فهذا ما ظهرَ من الشعاع، وذلك ثمرةُ رؤية الاطِّلاع، رؤيةِ العبد اطِّلاعَ الله على حركاتِه وسكَناته، ويكونُ مَشْهدُه من الكتاب: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ).
فهذا مَشهدُ مَن شهدَ أقربيةَ الحقِّ إليه من كلِّ شيءٍ، فيؤثرُ حبَّه على حُبِّ كل شيء، وذكرَه على ذكرِ كلِّ شيء، وطاعتَه على كل شيء، وصحبتَه والحياءَ منه على كل شيء، وفي كل شيء.
فلا يَرى شيئاً إلا ويراهُ أقربَ إليه من ذلك الشيء، قرباً لا يُكيَّفُ بكيفٍ، ولا يُحدُّ بأين، ويُجاوز قربه قرب الاثنين، فلا تدرك عنده رتبة البَيْن، فهذا شعاع البصيرة الفائضُ من إشراقِ نورِ السريرة.
وأما عَينُ البصيرة… فهي عينُ القلب التي تدركُ به المعارف، وتميِّزُ به اللطائفَ عن الكثائف.
فتشهد اللطائف: أنها أنوارٌ من أنوار الله؛ إما من أنوار ذاته، وإما من إشراقاتِ صفاته، وإما من تجلياتِ أسمائه، وأسماؤُه وصفاتُه وذاتُه حقٌّ سبحانه.
والكثائف: ظلماتٌ عدمية، وصورٌ وهمية، فيتحقق عند ذلك ضرورةُ وجودِ الحق من حيث اللطيفةُ الوصفيةُ أو الاسميةُ أو القبضةُ الذاتية، وعدم هذه الصورة الوهمية؛ وذلك ظاهرٌ بالعيان، ومشهودٌ بالبيان، متحققٌ بالدليل والبرهان.
وأما حقُّ البصيرة: وهو نورُ الحقِّ الظاهر، وسرُّه الباهر، وصبحُ وجوده السافر… فلا يشهدك سواه، فَإِذَا جَاءَ الْحَقُّ… زَهَقَ الْبَاطِلُ، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، فماذا بعدَ الحق إلا الضلال؟! والضلالُ هو الباطلُ العدم، فلا يشهدُ بنور الحق سواه، فهو الشاهدُ والشهودُ والمشهود.
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ) لأهل الشعاع، (وَفِي أَنفُسِهِمْ) لأهل العيان وظهور البيان، (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) لأهل الحق، فهنا يفنى وجودُ وَهْمِ الثان، ويخرسُ اللسان ويقبضُ العنان، ويتحققُ معنى قوله (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) سبحانه، فتستغرق هويتُه جزئياتِ الأعيان، ويَنطمسُ عنده وجودِه المَلَوان، فإذا ظهرتْ الأحديَّة… ذهبت ثنوية الثان.
والبصيرة من حيث هي: نورٌ وجوديٌ، تقبل الإفاضات الحقية، وتُشرق بشعاعها على العوالم الخلقية، وهي تقابلُ عالم الشهود من الوجود، وهي الأمانة المعنية، والله أعلم. ولي في ذلك:
شعاعُ نور البصيرة يستضيءُ به *** من ظلمة الجهل مَنْ هوْ سالك السبل
بعين مشهدِها يعطى مآربه *** ويغتني عن عبور الشيء بالمثل
وحقُّ ذاك وجودٌ لا يُشارُ به *** وتنطوي دونه الألبابُ والمُقَلُ
فإذا تحققتَ ما هو عليه من صفات الكمال، وأنه العالم بكل حال، وأن لديه وعنده من صنوف الأفضال ما لا يدخل تحت حصر مقال، وهو متصف به من جميع الأفعال، فلا تتعداه المطالب، ولا يرى من غيره الرغائب.
الله ينوّر بصائرنا، ويجعلنا من أهل نور البصيرة ومن أهل حق البصيرة.
البصيرةُ: هي قلبٌ وروحٌ، أعطاك الله إياها، سرٌ عجيب، قال فيه في كتابه: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر:29]. هذا النورُ العجيب، السرُّ الذي معك، إذا صفَّيتَ قلبَك عن الكدورات، وصدَقتَ مع عالم الظواهر والخفيات.. يَبدأ لك الشعاع، ثم تُفتحُ لك عينُ البصيرة، ثم تغوصُ على حقِّ البصيرة، هذا السرُّ المودَع (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي). لا إله إلا الله.
لكنَّ الغافلَ والذي يتبعُ الشهوات.. ما يصل إلى هذا، وما يدرك هذا، قال بعض الصالحين: "مساكينٌ أهلُ الدنيا خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا ألذَّ شيءٍ فيها". قالوا: أيش ألذ شيء فيها؟ قال: "معرفةُ الله". قال: خرجوا ما عندهم شيء من هذا، يأكلون يشربون، يروحون هنا يروحون هنا، المعرفةُ ما حصّلوها، وهي أعظمُ شيءٍ، وهي ألذُّ شيءٍ في الدنيا يحصله الإنسان.
فالأول: الشعاعُ، أنت تشوف البصر حقك، إذا واحد ضعيف بصرُه.. ما يشوف الأعيان ما يُميز، الشعاع إذا مر يحسّه، يقول: فيه ضوء هنا، يشوف أحيانًا شعاعَ الشمس، شعاعَ الكشّاف، يشعر أنه فيه شعاع، لكن إذا فَتَّحَت العين.. يُميّز؛ هذا طويل، هذا قصير، هذا سهم، هذا عمود، هذا سقف، يميّز، إذا قوي البصر.. بالدقة، يظهر ويقرأ الكتاب من بعيد، وعاده هناك يعرف تمامًا.
كذلك البصيرة، في البداية لما تبدأ تتطهَّر، شعاعٌ يمرُّ عليك، شعاع، شعاع، هذا يفيدك فائدة، لكن إذا انفَتَحت عينُ البصيرة.. كلام ثاني، بعده إذا قويت ووصلتَ للحق، لا إله إلا الله… كلام أعظم وأعظم. لا إله إلا الله. لا إله إلا الله.
يُذكَر عن سيدنا أبي بكر قال: "حُبِبَ لي من الدنيا الجلوس بين يدَي رسول الله، ونظري إليه، وإنفاقُ مالي عليه"، يَستلذُّ بهذا، قالوا: كان على المنبر وقد يذكر النبيَ بعد وفاته وهو جالس في الدرجة الثانية ما طلع للثالثة، من أدب سيدنا أبي بكر جلس في الدرجة الثانية، قالوا: حين يذكره وهو يخطب.. ينتحب، يتوقف عن الخطبة يبكي، قال حتى يبكي ببكائه مَن في المسجد، ثم يعود يكملُ خطبتَه، قال حتى توقّفَ في بعض الخطب ثلاث مرات، يقول: كنتُ معه في مكانٍ يوم كذا، تخنقه العبرة يبكي، يتمالك نفسه يرجع يكمل الخطبة، رضي الله تعالى عنه.
يقول: "عبارتُه بالشُّعاع تشيرُ لأثرِ نورِ اسمِ اللهِ الظاهر"، قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) [الحديد:3] أيش ظهورك أو ظهور جمادٍ أو حيوانٍ أ نباتٍ، أو سماء أو أرض؟! هذه مخلوقات كلها هو خلقها، هو الظاهر، هو الظاهر، قال: لما يجيء شعاعُ اسمِه الظاهر.. يُصلِّح فيك خبر، يقول: "تُشيرُ إلى أثرِ نورِ الاسمِ الظاهر أثره على ظواهر الأركان"، أيش يَحصُلُ لأركانك ومحسوساتك؟ "تخِرُّ للأذقان"، وتسجدُ للرب، تخضع لله، "وتَجري وابلاتُ سحائبِ الدموع"، تبكي محبة وخوف وخشية، وتعرُّف، "وتَهجرُ المضاجعَ والهجوع، وتُسلي عن الظمأِ والجوع، هذا ماظهرَ من الشُّعاع، وذلك ثمرةُ رؤيةِ الاطِّلاع: رؤيةُ العبدِ اطِّلاعَ اللهِ على حرَكاتِه وسكَناتِه"، (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) [سبأ:3]. (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [آل عمران:5].
إذا برقَ الشعاعُ هذا في باطنك.. تصيرُ مراقب في الحرَكاتِ والسكَنات، هذا الذي يراك ويَطّلع عليك، وشاهدُه في القرآن: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) [يونس:61]. اسمع ربي يقول لك: (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ)، ربي يقول لك: (كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) الله! هؤلاء هم أهلُ الشعاع، هم يبكون ويخشعون، "هذا مشهدُ مَن شَهدَ أقربيةَ الحقِّ"، أنَّه أقربُ إليه من حبل الوريد، "يُؤثِرُ حبَّ الله على حبِّ كلِّ شيء، وذكرَه على ذكرِ كلِّ شَيء، وطاعتَه على كلِّ شيء، وصحبتَه والحياءَ منه على كل شيءٍ، وفي كلِّ شَيء". لا إله إلا الله.
"لا يَرى شيئاً إلا ويَرى ربَّه أقربَ إليه من ذلك الشيء، قُربًا لا يُكيَّف بكَيفٍ، ولا يُحدُّ بأين، ويُجاوزُ قربَه قربَ الاثنين" (أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]، "فلا تدرَك عنده رُتبةُ البَيْن، فهذا شعاعُ البصيرة الفائِضُ من إشراقِ نورِ السريرة"، وعسى تُحصِّل هذا الشعاع، ولا تكمل أيام الدورة وتروح وأنت ما عندك الشعاع هذا! الله يكرمنا وإياكم.
بعدين؟ بعده "عَينُ البصيرة: عَينُ القلب"، تُفتَّح العينُ الآن، "وتُدرِكُ به المعارفَ وتميزُّ به اللطائفَ عن الكثائفِ"، تتوضح الصورة عندك، "تشهدُ الَّلطائفَ: أنوارٌ من أنوارِ الله"، من أنوار ذاته أو أسمائه أو صفاته، كلها حق، اللهُ هو الحقّ، وما عداه هو الباطل. "والكثائفُ: ظلماتٌ عدَميةٌ، وصُورٌ وهميةٌ"، أقرَّ ذلك نبيُّنا في قوله في الحديث الصحيح: "أصدقُ كلمةٍ قالها الشاعرُ كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ". هذه الكثائف، لعبت بالناس ووقفوا عندها وهي وهمٌ خالص! (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [الأنعام:116].
أما مَن عرف الله يا أحباب، يَرتفعْ.. يرتفع ويتسِّع، ويصدق، ويكونُ مع الله، والأشياءُ كلها تصيرُ معه؛ لأنّه مع إلهِها، قال: "فيَتحققُ عند ذلك ضرورةُ وجودِ الحقِّ"، هو الموجود الحق جلَّ جلاله، والوجود ما هو إلا خَلْقٌ خلَقَه هو سبحانه وتعالى، "من حيثُ اللطيفةُ الوَصفيةُ أوالإسميةُ أوالقبضةُ الذاتية" لله تعالى، هو الحق، "والصورُ الوهميةُ" العدَمية… كلها عَدِمت في مَشهد العارف، لما يقول الله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي) [طه:105]، فالعارفون بالله ما عاد ينتظرون لما تجي القيامة وتُنسَف الجبال، من الآن في مشهده قد نُسفت، لأن القابلَ للنسفِ منسوف، يقبل النسف.. خلاص منسوف من الآن، هو ما عاد تُحرِّكه عظمةُ الجبال ولا غيرها، عنده العظيم هو الله! لذا قالوا: هممُ الرجال تهدًُ الجبال! لأنه يتعلق بفوق، والجبل مخلوقٌ من المخلوقات. لا إله إلا الله.
لكن العجيبَ هذا وراؤه… "حقُّ البَصيرة"، لا إله إلا الله، بعد انفتاح العين… يغوصُ على السرِّ الرباني (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29] يصير شيء ثاني، "نورُ الحق الظاهر وسرُّه الباهر وصبحُ وجودِه السافر… فلا يُشهدَكَ سواه، فَإِذَا جَاءَ الْحَقُّ… زَهَقَ الْبَاطِلُ". لا إله إلا الله.
يقول: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ)؛ في الوجود، قال "لأهل الشعاع، (وَفِي أَنفُسِهِمْ)" بعدين قال: لأهل العيان؛ عين البصيرة، قال: "(حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت:53]" هو وحده فقط، كل الذي حصل لهم من الحق، يرجع لأهل حقِّ البصيرة، (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)، ما هو إلا هو، لا غيره.. لا إله إلا هو، جل جلاله وتعالى في علاه.
يقول:
أول كان يشهدُ قربَ اللهَ منه، بعدين يشهدُ عدمَه لوجودِ الحق، بعدين لا أنتَ ولا عدَمك ولا وجودَك ولا غيرك، ليس إلا هو وحده سبحانه وتعالى، وحده وحده وحده، لا شريك له، ما شاركَه أحدٌ في الخلق: (مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ) [الكهف:51]. (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [الأحقاف:4] ما أحد إلا هو، جل جلاله هو الخلاق.
فما ينبغي أن تلتفتَ لغيرِه، ولا تعظِّمُ غيرَه، ولا تَهابُ غيرَه قدامه، هو هو الذي يجب أن يُخاف، هو الذي يجب أن يُرجى، هو الذي يجب أن يُطمَعَ فيما عنده، هو سبحانه وتعالى، هو رجاؤُنا، وهو خوفنا.
والذي فيه رجوانا ومنه المهابة، يقول الشيخ بامخرمة بلهجتنا الحضرمية الدارجة العامية، يقول:
يا أبرك اليوم يوم الله فتح قُفل بابه ***وانفتح باب مولانا بدعوة مُجابه
وانجلى الشوش لي كنا نقاسي عذابه *** احمدوه اشكروه إنه تعالى جنابه
مَن شَكَره أو ذَكَره أعطاه من كل بابه *** في حسابه ومما ليس هو في حسابه
بعدين يقول:
فأنت يا مَن خَطى؛ أنت يا صاحب الخطأ…
فأنت يا مَن خَطى وأمسى ونفسُه هبابه *** استعن به ولُذ به واجتهد في طِلابه
واصرف أمرك إليه وحّده وحده ونا به *** في مهمّاتك إن عضّك زمانك بنابَه
أو تخوّفت من جور الزمان انقلابه *** فإنها ما تقع لك من سواه استجابة
لا ولا ربِّ غيره يُطلَب أو يُهترى به *** ياسميع الدعا يا مَن إليه الإنابة
والذي فيه رجوانا ومنه المهابه *** ………………………….
الرجوى فيه، هو الذي نرجوه، هو الذي نخافه، لأن الأمر له، ما أحد ثاني يقدر يدخل عليه.
والذي فيه رجوانا ومنه المهابه *** قدك داري بها قَبْل القضا والكتابة
فامسح آثارها وإن كان فيها صلابه *** رد يالله جلامدها الصليبة مُذابه
نسأل الله، ونرجو الله ونتوجه إلى الله.
نعم، والشيخ بعدين قال: "البصيرةُ من حيثُ هي"، بعدين يعرف معنى قوله (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29]. "شؤون يُبديها ولا يَبتديها"، قال: "يَنطمِسُ عندَ وجودِه المَلَوان"، معنى المَلَوان: الليل والنهار، قال: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ)، مش هم ليل أو نهار، أنا خلقتهم، ما هم شيء أصلاً لا ليل ولا نهار، (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ) [الإسراء:12]. وأعظمُ الفضل.. تقف على سرِّ توحيده باختلاف الليل والنهار، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان:62]، (لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) [الإسراء:12].
قال: لأن الإنسان مسكين محدود، وعلمه من أين؟ ما بيعرف حتى عدد السنين والحساب، فجعل له علامة: شمس تظهر وشمس تغيب، وليل يجيء، ونهار يروح، وبعدين، شهر، وأسبوع، يعرف.. وإلا ما بيعلم ولا بيدرى، العلم لله أصله، ولمّا بيعلِّم الإنسان جعل له أسباب، ولا هم ما يَعلم حتى يُعَلم، ولولا هذا ما عَلِم، لأنَّ أصلَ العلم له هو وحده، ولا علمَ لنا إلا ما علمتنا، (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا، إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة:32].
قال: "البصيرةُ من حيثُ هي: نورٌ وُجوديٌ" من فائضِ فضل الله، "تقبلُ الإفاضاتِ الحقيَّةِ" ويتجلى الله عليها بعظيم العطايا.
هذا آخر ما قرأناه في هذه الدورة من حِكَم الإمام ابن عطاء الله وشرح الشيخ علي باراس، عليهم رحمة الله وجزاهم الله عنا خير. الله يُشرق الشعاع في قلوبنا، وينوّر لنا عيون بصائرنا إن شاء الله، ويوصلنا إلى حق البصيرة، ويجعلنا من أهل علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، ويُلحقنا بالسابقين في خير ولطف وعافية، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
03 ذو الحِجّة 1440