الحِكَم العطائية - 22 | اخرج من أوصاف بشريّتك عن كل وصفٍ مناقضٍ لعبوديتك؛ لتكون لنداء الحق مجيبًا

شرح الحكم العطائية لباراس -22- (اخرج عن أوصاف بشريتك من كل وصفٍ مناقضٍ لعبوديتك..)
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.

عصر الخميس 29 ذي القعدة 1440هـ.

الحكمة (34): اخرج من أوصاف بشريّتك عن كل وصفٍ مناقضٍ لعبوديتك؛ لتكون لنداء الحق مجيبًا، ومن حضرته قريبًا.

الحكمة (35): أصل كل معصية وغفلة وشهوة؛ الرضا عن النفس. وأصل كل طاعة وعِفّة ويقظة؛ عدم الرضا منك عنها. 

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

رضي الله عنكم، من كتاب "شرح الحكم العطائية" للشيخ علي بن عبد الله باراس، قال رضي الله عنه وعنكم ونفعنا بكم في الدين والآخرة. قال المؤلف رضي الله عنه:

فإن أردت كشف ذلك الحجاب فاخرج عن أوصافك، وفارق مقتضياتك. لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:

الحكمة (34): أخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك؛ لتكون لنداء الحق مجيبا، ومن حضرته قريبا.

الخروج عن الأوصاف البشرية المناقضة لوصف العبودية من أنفع الوسائل لكشف الحقائق التي هي حلية الأسرار، وبهجة الأرواح، وروح القلوب وشرح الصدور. والخروج عن هذه الأوصاف البشرية أول مبادئ إرادة مريدين سلوك الطريق إلى الله، والأوصاف هذه منها ما يكون ظاهرًا في قوالب الأفعال، ومنها ما هو باطن في القلوب. 

والظاهرة هي كل فعل أو قول ندبك الشرع إلى تركه من محرم أو مكروه بسائر أنواعه. ومجموعها سبعة أبواب في ظاهر الجسم، فمنها: اللسان وهي أشدها ضررا، والعينان والأذنان والفرج والبطن واليدان والرجلان. وحد كل عضو من هذه الأعضاء من المحرمات والمكروهات معروفٌ عند مريدين سلوك طريق الله، وهي مواضع ظهور المقدورات، ومظهر ما انبهم في غيب القبضيات: قبضة اليمين والشمال. فهذه على إجمالها قسم ما يجب على المريد الخروج منه من الأوصاف البشرية المناقضة للعبودية. 

والقسم الثاني هي أوصاف القلوب الحاجبة لها عن أسرار الغيوب وهي أيضا كثيرة وصعب علاجها إلا على ذي بصيرة، فمنها: الكبر والحسد والرياء والعجب وما يتولد عن ذلك من رذائل الأخلاق، فالخروج عن ذلك وصف العبودية وهو الذي يشيرون إليه الصوفية بالتخلية، والتحلي بأضداد هذه الظاهرة، بصفو الأعمال الظاهرة عن الشوائب الهوائية، وتصفية الأعمال الباطنة عن المكدرات الظلمانية.

  • والتصفية الظاهرة والأخذ في الأعمال الظاهرة تسمى شريعة ودينا. 
  • والأخذ في الأعمال الباطنة وتصفيتها عن كدورتها يسمى طريقة وتصوّفا.
  • وعند صفاء الأعمال الظاهرة والأحوال الباطنة والأخذ في طريق المواهب والأحوال يسمى حقيقة ومشاهدة.
  • والغيبة عن الإحساس يسمى استغراقًا وفناءً. 
  • والثبوت معه على مقتضى الأمر والنهي يسمى صحوًا وبقاءً.

فإذا فني عن الأوصاف البشرية فقد صفا عن مناقضات العبودية، وإذا صَفَت العبودية توالت عليه ألطاف الربوبية. وإذا كان كذلك كان لنداء الحق مجيبا تحقيقا بقوله: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) [الزخرف:68]، (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر:42]. فيقول الله تعالى له: يا عبدي حقا؛ فيقول لبيك يارب صدقا. 

وهذه غير عبودية القهر الذي لعموم من في السموات ومن في الأرض. وإذا بعد عن أوصافه وعن نفسه كان قريبا إلى حضرة ربه، فكل ماكان عن نفسه أبعد كان إلى ربه أقرب. وليس حضرة ربه إلا فنائه عن فعله ووصفه وذاته وبقائه بوصف عبوديته، فخرج عن هذا مالا يطالبك الحق بالخروج عنه من أوصاف البشر، فليس من ذلك في شيء لأنه أباح لك منها ما تتوصل به إليه؛ من كل فعل أو قول أو نظر أو سمع. 

ورتبة المباح بين الأمر والحظر، وتتحاد بها الحضرتين، ويتناولها المقامين، فإن كان في الغالب على الإنسان الأمر فلا بد أن يسلك بمباحاته مسلكها. 

  • فمن الصادقين من يسلك بالمباحات البشرية طريق الواجبات الأمرية بحسن النية وصدق الطوية. 
  • ومن السالكين من يسلك بالمباحات طريق المندوبات لما هو عليه من المحافظة للمطلوب، والتباعد عن ورطات الذنوب. 
  • ومن المتهورين المنهمكين من يسلك بها مسلك كبائر الذنوب لما هو الغالب عليه من التهور وعدم الحضور مع الله في الأمور. 

ومن بدّل المباحات والمحرمات بالواجبات والمندوبات استحق أن يسمى بدلا؛ ومن هنا يسمى الأبدال لأنهم بدلوا الأوصاف البشرية بالنعوت الروحية، وهذه بعض إطلاقات اسم الأبدال. وأما اسم البدل الخاص فهو من فني عن الذات الغيرية، وبقي مستغرق السر في المشاهد القربية، والصفات الأزلية، لا شعور له بسوى الواحد الحق لا نفسه ولا غيره. ولي في ذلك:

يا من يريد دنو القرب فابتدرِ *** اخلع عذار قيود الحس والبشرِ

وبادرنْ تدرك المأمول والظفرِ *** وكل وصفٍ تُرده صحة النظرِ

فاترك وسِر في طريق أسفرت غُرَرُه *** تلقى من اللطف فيها ألطف العبرِ

 

الله أكبر، لا إله إلا الله، والحمد لله رب العالمين. 

الحمد لله واهب المواهب بلا حصر ولا حد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يكرِم بعجائب الكرامات مَن صدق معه فعبَد، وله سبحانه وتعالى تجنَّد. ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه الأمجد، أعظم مَن وحَّد، وأكرم مَن عبد، وأشرف مَن سجد. صلِّ الله وسلَّم وبارك وكرم عليه في كل لمحة ونفس، وعلى آله المطهرين وأصحابه المكرمين، وعلى مَن سار في نهجه بالمحبة واليقين متابعًا بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آلهم وصحبهم أجمعين، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، وعلينا من جودك يا أجود الأجودين.

وبعدُ، 

فابتدأ الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- يبيّن شأن السير إلى الله، وكيفيات القُرب المعنوي، ومعاني الدنوّ الغيبي، والخروج عن الأطوار الظلمانية، وأن يُزَجَّ الإنسان في البحار النورانية، فينغمِس في أنوار القُرب والمعرفة والمحبة والرضوان، ويلقى عجائب الإحسان من المنان، بلا حد ولا حصرٍ ولا حسبان، نتيجة الاجتهاد وثمرة الجهاد؛ (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69]. وإن بقية الناس لهم حركات واجتهادات وسعي كثير، ولكنه للدنيء والساقط، فما أدركوا شيئًا من هذه المواهب الكبيرة، ولا وصلوا إلى خير حظيرة، وبقوا إذ رضوا بالسعي في الدناءة، وتعرضوا لعذاب الهون في يوم الملاقاة، فقد أهانوا أنفسهم بإيثار ما سواه؛ فحقهم أن يهانوا في يوم لقاه. نعوذ بالله من غضب الله، ونسأله التوفيق لما يرضاه، والثبات على ما يحبه تعالى في علاه. 

يقول ابن عطاء الله: "اخرج من أوصاف بشريتك" فقد خُلقت في دار اختبار لتُبلى في إحسانك العمل، فتخلّص مما يعلق بك من الظلمات، لتنال عجائب المنح والخصوصيات. "اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصفٍ مناقض لعبوديتك"؛ يعني: أن المراد بالخروج عن أوصاف البشرية التخلي عن ظلماتها وأكدارها، وما يكون منها حجاب دون سماع الخطاب ودون الاقتراب من رب الأرباب. ولا يزال البَشر بَشرًا ولو كان صدِّيقًا ولو كان نبيًا رسولًا، 

  • فليس المراد بالخروج عن البشرية تغيير أصل الخلقة وتغيير الجنسية. 
  • ولكن؛ نزع الصفات الدنية والذميمة من كل ما يناقض صفات العبودية من مقتضى هذه البشرية. 

وعن شرور طبعه تخلى *** ثم بنور شرعه تحلى

فذكر اسم ربِّه فصلّى *** مستقبلًا لقبلة الإقبال

فالخروج عن البشرية المراد به: التخلي عن الصفات الذميمة التي تعلق ببشرية الإنسان. أما بقية بشريته فباقية، فإنما خُلق بَشَرًا، بل هي مطيّته، وهي سبيله، وهي واسطته للارتقاء والتلقّي، والتطهُّر والتنقّي، وحيازة عجيب الفوائد والفضل من إلهه المعطي -جل جلاله-. 

"اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصفٍ مناقض لعبوديتك؛ لتكون لنداء الحق مجيبًا"؛ فباستجابتك الأولى؛ بامتثال الأوامر واجتناب النواهي والتطهر عن الصفات الذميمة التي فيك؛ وصدقك في ذلك وثباتك عليه؛ ينكشف لك سمع لمعانٍ من النداء لم تكن تعرفها ولم تسمعها فتُجيب وتُجاب، وتُلبِّي وتُلبَّى. "لتكون لنداء الحق مجيبًا، ومن حضرته قريبًا" قربًا معنويًا تدخل به دائرة أهل الفضل الأعلى في الأمة: (وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) ومن حضرته قريبة (أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) [الواقعة:7-12]. (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) [الواقعة:88-89]. 

"اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصفٍ مناقض لعبوديتك" لتحصِّل هذه النتيجة، هذا الهدف وهذه الثمرة. أو ما تعرف الأهداف إلا تدخل كرة في مكان معين؟! بس هذا الهدف؟ ما عندك هدف ثاني؟ هدف: "لتكون لنداء الحق مجيبًا، ومن حضرته قريبًا" تعرف هذا الهدف؟ "لتكون لنداء الحق مجيبًا، ومن حضرته قريبًا".

قال الشيخ علي بن عبد الله باراس: "الخروج عن الأوصاف البشرية المناقِضة لوصف العبودية" من كل المحرمات في الأعضاء السبعة والقلب؛ "من أنفع الوسائل لكشف الحقائق التي هي حِلية الأسرار"؛ زينة سِرِّك أن تُكشف له الحقيقة وأن يدركها، وسر وباطن لم تنكشف له الحقيقة لا زينة له! "حِلية الأسرار، وبهجة الأرواح"، بها تبتهج بهجةً لا يساويها بهجات تصفيقات الناس في الميادين لأجل شيء من أهداف اللعب، أو لفوز أحد في انتخاب، أو لنيل أحدٍ رئاسة… لا والله، لو قد ابتهجت روحك بهذه المعاني لرأيتها أذوق وأحلى وأغلى وأوسع، وما عند هؤلاء إلا لعب، (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام:91]. 

ومما يُعتبر به، مما ذُكِر: بعض الرؤساء الذين عاشوا في خلال العشرين السنة الماضية، أن أحدهم في بعض الدول خُلِع عن الرئاسة ثم بعد مدة عاد وزار البلدة، وسار مع الرئيس الحالي للبلدة، ودخل بعض ميادين المعسكرات وقاموا وصفقوا، فالتفت الرئيس الأول يقول للثاني: قد كانوا يعملون لي مثل هذا، فلا يغرونك! قال له: لا تغتر أنا قد صلحوا لي هكذا من أول وبعدين خرجونا. لا إله إلا الله.. ما عند هؤلاء؟ وما هي البهجة عند هؤلاء؟! 

لكن لو صرت لنداء الحق مجيبًا، وكنت من حضرته قريبًا، فلك البهجة، بهجة الأرواح بانكشاف الحقائق. "ورَوْح القلوب"، تتروّح بذلك. "وشرح الصدور"، به تنشرح، وتدرك سراية من إرث المخاطَب بقول الحق: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح:1]، وهو الأمر الذي طلبه النبي موسى لأجل تحمُّل أعباء الرسالة والقيام بواجب حق هذا البلاغ، إذ أُرسل إلى القوة الطاغية في زمانه ليهديه إلى الله تعالى؛ (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [طه:25-34]؛ فنقوى على بلاغ الرسالة، وتعيننا في القيام بحقها وتحفظنا من الآفات، بانشراح صدر ومعاونة الأخ الوزير لنكون على ذكر كثير وتسبيح كثير؛ فتمدّنا، هذا وعي الأنبياء في القيام بالمهمات، (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي). وقال الله لحبيبه محمد: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ).

قال: "الخروج عن الأوصاف البشرية المناقضة لوصف العبودية" أول مبادئ إرادة مريدي سلوك الطريق إلى الله. فقل للذي يُبلبل ببعض كلمات الذكر، ويعمل بعض أوصاف العبادة، ويقرأ بعض آيات القرآن ثم يَعد نفسه من السالكين وهو لم يبدأ البداية الأولى بعدُ في إرادة سلوك الطريق إلى الله! فأوصاف البشرية في عينه موجودة مناقضة للعبودية، في لسانه مناقضة للعبودية، في يده، في رجله، في بقية أعضاؤه، في قلبه، ويعد نفسه من السالكين والسائرين! رويدك.. بداية سلوك الطريق أن تتخلص من هذه البشريات المناقضة للعبودية، وبسم الله عادك تبدأ.. إذا قمت بحق ذلك؛ بسم الله تبدأ، وما قبل ذلك، عادك ما بدأت في سلوك الطريق أنت أصلًا! 

"والظاهرة هي كل فعل أو قول ندبك الشرع إلى تركه من محرم أو مكروه بسائر أنواعه" في السبعة الأبواب. إذا تقرأ من مختصرات كتب علم الشريعة كالرسالة الجامعة للإمام أحمد بن زين الحبشي؛ أعضاء المعاصي؛ معاصي العين، معاصي الرِجل، معاصي البطن، معاصي الفرج، معاصي اللسان، معاصي الأذن، والمعصية بكل البدن. ومعاصي القلب من أجل تحذر منها وتتخلص. وطاعات القلوب، وكذلك طاعات الجوارح، وطاعات القلوب أوزن وأرجح.

يقول: "والأوصاف هذه"؛ التي يجب أن تتخلى منها من أوصاف بشريتك التي تناقض العبودية، "منها ما يكون ظاهرا في قوالب الأفعال" في الأعضاء السبعة: 

  1. معاصي العين 
  2. معاصي اللسان
  3. معاصي البطن
  4. معاصي الفرج 
  5. معاصي اليد 
  6. معاصي الرِجل 
  7. معاصي الأذن

سبعة أعضاء على عدد أبواب النار السبعة. ما يتعين لدخول أبواب النار السبعة إلا من عصى الله بهذه الأعضاء السبعة، (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ) [الحجر:44].لا إله إلا الله… ومن هنا قالوا: 

والتوبة الخلصاء أول خطوةٍ *** للسالكين إلى الحِماء الأمنع

وبالسلوك في الطريق تتهيأ لطريق المعرفة الخاصة، وطريق المعرفة الخاصة: 

  • أول خطوة فيها استواء السريرة والعلانية. 
  • وأن تكون بعد ذلك سريرتك خيرًا من علانيتك؛ مع أن علانيتك صالحة، علانيتك صالحة ولكن سريرتك أصلح، وعلانيتك طاهرة ولكن سريرتك أطهر، وعلانيتك منوّرة ولكن سريرتك أنور. 

قال: "ومجموعها سبعة أبواب في ظاهر الجسم"، وذكر الأعضاء السبعة. فعليك أن تعرف المعاصي بهذه الأعضاء السبعة لتجتنبها وتخرج من أوصافها الذميمة. 

ثم بعد ذلك تأتي إلى أوصاف القلوب التي تحجب عن أسرار الغيوب وهي أوهام. قال سيدنا أبو الحسن الشاذلي مستعيذًا: "من الشكوك والظنون، والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب"؛ عن إدراك الحقيقة. بينها وبين الحقيقة وإدراكها حجاب: الأوهام والخيالات، من كل حسد ورياء وعجب وكبر وغرور، وأمثال ذلك. "فمنها: الكبر والحسد والرياء والعجب".

  • والكِبر: أن ترى لنفسك الخيرية على ما سواك. 
  • الحسد: أن تستثقل نِعَم مولاك على أحد من خلقه وتتمنى زوالها. 
  • والرياء: أن تقصد غيره بطاعته.
  • والعُجُب: أن تُثبِت لنفسك معه وجودًا وتنسب الفضل لنفسك في شيء. 

ومن أخفاها الرياء وهو في قلب الإنسان أخفى من دبيب النمل، وأخفى منه العجب. فأشدها في الخفاء العجب، فكم من معجب مَن لا يظن أنه معجب بنفسه، زاهٍ بنفسه ولا يظن أنه معجب بنفسه! وذلك لأنه لم يسجد قلبه بعد، ويثبت لنفسه وجودًا مع وجود الحق؛ فهو معجب، وما المنة إلا لله! (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات:17]. يقول: وهذه صفات "صعب علاجها إلا على ذي بصيرة"  (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69]؛ بقدر الكد تُكتسب المعالي. 

قال: "الخروج منه من الأوصاف البشرية"؛ القلبية والجسدية "المناقضة للعبودية." وصف العبودية، يشير إليه الصوفية بالتخلية والتحلية، "بصفو الأعمال الظاهرة عن الشوائب الهوائية"؛ شوائب الهوى، "وتصفية الأعمال الباطنة عن المكدّرات الظلمانية" من العُجُب والرياء والكبر والحسد، وما إلى ذلك. 

قال: "والتصفية الظاهرة" والأخذ في الأعمال الظاهرة "تسمى شريعة ودنيا، والأخذ في الأعمال الباطنة" يسمى في اصطلاحهم شريعة ودين، "والأخذ في الأعمال الباطنة وتصفيتها عن كدورتها يسمى طريقة وتصوّفًا" في الاصطلاح. "وعند صفاء الأعمال الظاهرة والأحوال الباطنة" والرقي، "والأخذ في طريق المواهب" والعطايا والأحوال الوجدانية، الذوقية الربانية "يسمى حقيقة ومشاهدة" وكله شيء واحد؛ لأنه أصلٌ ترتكز عليه، وسلّم ترتقي فيه، وترتقي بسلّم الإسلام والإيمان إلى دائرة العلم والبيان، ومنها ترتفع إلى دائرة الإحسان، ومنها يُزَج بك إلى ميدان العرفان، وكلها متصلة ببعضها البعض، لا ينفك بعضها عن بعض. لا إله إلا الله..

قال: "فإذا فني عن الأوصاف البشرية" من كل مناقِض للعبودية "فقد صفا" وصَفَت له العبودية وحينئذٍ يستحق التهنئة لأن ما وراء ذلك مِنَح مواهب، ويسر وتأييد رباني. وفي ذلك قال سيدنا أبو بكر العدني بن عبد الله العيدروس:

إذا صَفَت العبودية ***  وفنيت كل بشرية

وصحّ القصد والنية *** فحينئذٍ فهنّوني

فحينئذ فَهَنُّونِي! إذا بتهنّوني فهُناك.. ما هو واحد فاز في لعبة أو في غيرها أو في انتخاب.. يهنونه، قال: 

إذا صَفَت العبودية ***  وفنيت كل بشرية

وصحّ القصد والنية *** فحينئذٍ فهنّوني

لأنه أشرف على نجاح الأبد وسعادة الأبد.

إذا صَفَت العبودية ***  وفنيت كل بشرية

وصحّ القصد والنية *** فحينئذٍ فهنّوني

لا إله إلا الله.

قال: "وإذا صَفَت العبودية"، قال: "توالت عليه ألطاف الربوبية." فبصحة العبودية تتولى الربوبية؛ فتشرق أنوارها فتضمحل العبودية وتتلاشى في الربوبية، ويدخل في دوائر (يَا عِبَادِ)؛ يا عبادي؛ العباد الخواص. أما العبودية القهرية، لك ولمن قبلك ومن بعدك، ولمَن آمن ولمَن كفر، وللأول وللآخر، وآل الأرض وآل السماء؛ كلهم عبيد! 

أنت والخلائق كلهم عبيد *** …………….

هذه عبودية قهرية يستوي الكل فيها؛ المؤمن والكافر، حتى الملحد الشديد، والكفار الموجودين معنا هؤلاء والملحدين يدّعون دعاوي ويعملون.. وهم مقهورون في العبودية؛ السماء من فوقهم والأرض من تحتهم وما يقدرون يغيرون شيء، مضطرين إلى استنشاق أكسجين، ما يقدرون يغيرون شيء! يريدون أشياء كثيرة شيء في أنفسهم، وفي أسرهم، وفي محيطهم… وما يقدرون عليه. هم مقهورين، هم عبيد ولكن متكبرين متعالين بأنفسهم. وهذه العبودية يستوي الكل فيها: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا) [مريم:93]، لكن الشرف ليس بهذا فكلهم كذا؛ لكن الشرف في عبودية طوعية ذوقية، يتحقق بها المؤمن فرحًا ومحبةً وخضوعًا وانكسارًا، وإجلالًا وتعظيمًا وشوقًا.. الله أكبر! هذه العبودية الخاصة التي بها الشرف، بها العزة: (يَا عِبَادِ). 

لما ذاقها سيدنا علي قال: ما أحب أنني مت طفلًا صغيرًا قبل أن يُكتب عليّ شيء، فيفوتني أن أسمع نداءه في القيامة، أقِف بين يديه يقول: يا عبدي، يا عبدي… أنا بعد البلوغ معرّض للوقوف بين يديه يقول لي: يا عبدي، يا عبدي.. أنا أريد أن أسمع منه: يا عبدي.

لا تدعني إلا بـ يا عبدها *** فَإِنَّهُ أشرف أسمائي 

ولهذا اختار الحق لحبيبه ﷺ في أشرف المراتب، وأعظم المواهب التي أعطاه إياها يذكره بالعبدية، ويقول في الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ) [الإسراء:1]، ما يقول بنبيه، برسوله، بمختاره، بصفيّه.. ولكن (بِعَبْدِهِ)! فما نال حقيقة العبودية مخلوق كمحمد، ولا الملائكة، ولا من سواهم، ما نالوها. هو العبد المتحقّق بحقائق العبودية، العبد المحض الخالص، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، المخصوص من ربه بأشرف الخصائص، عبد الله. 

  • ولما ذكر المعراج يقول: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ) [النجم:8-10] عبده، اللَّهم صلِّ عليه. 
  • ويقول: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [النجم:1]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 فنعم العبد محمد. اللَّهم بما بينك وبينه، انظر إلينا نظرة تحققنا بهذه العبودية الخاصة لك يا رب العالمين. 

  • (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا) [العنكبوت:56]. 
  • (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ) [الزخرف:68]. 
  • (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر:42]

 يقول للشيطان: "(إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)"، روح عند أولئك الذين استُعبِدوا لسواي، أما العبيد الخُلَّص لي ما تقدر عليهم؛ لا إبليس ولا غير إبليس! هم أقل من أن يقتحموا حصنًا محبوبًا للرب، (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر:42]، (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ) [النحل:99-100]. اللَّهم اجعلنا من عباد الرحمن الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، آمين.

"فيقول الله تعالى له: يا عبدي حقًّا؛ فيقول لبيك يارب صدقًا"؛ هذه العبودية الخاصة، فإذا كان كذلك كان قريبًا إلى حضرة ربه قربًا معنويًا، الله أكبر. 

"فنائه عن فعله ووصفه وذاته وبقائه بوصف عبوديته"؛ فبقي ما لا يطالبك بالحق وبالخروج عنه من الأوصاف البشرية فأنت بشر ليس من ذلك في شيء، المطلوب تتنزه منه فقط: الأوصاف الذميمة. أما أنت بشر بشر، محتاج أكل، محتاج طعام، محتاج شراب… بشر، آدمي مخلوق، أنت هو كذلك حتى وإن وصلت ووقعت قطب الزمان، أنت بشر، ولو كنت نبيًا من الأنبياء، أنت بشر، (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ) [الكهف:110]. أنت خلقك هكذا لأن الكل تحت قهره، هو القهار -جل جلاله-. المَلَك، مَلَك ما يقدر يتحول، لو أحد من الملائكة، -لو، وهم منزهون عن ذلك- يتمنى يكون أُنسي أو يتمنى يكون جني، لا شيء له! هو مقهور، محلّك مَلَك مَلَك، كل واحد حيث خلقه الله، هو هو، والقهر لواحد فقط، وإلا لا شيء من الكائنات اختار لنفسه؛ لا الجماد اختار أن يكون جماد، ولا النبات اختار أن يكون نبات، ولا الحيوان اختار أن يكون حيوان، ولا الإنسي اختار أن يكون إنسي، ولا الجِنِّي اختار أن يكون جِنِّي، ولا الملك اختار أن يكون ملك، ما أحد منهم مختار، كل واحد منه، كلهم مقهور، والله هو القهار سبحانه عز وجل.

يقول لك: في "رتبة المباح" أمر "بين الأمر" المندوب والواجب، وبين "والحظر" المحرم والمكروه. فمَن صدق مع الله وأحسن المعاملة، يتحول مباحاته إلى أنواع الأمر، تلحق بالمندوبات وقد تلحق بالواجبات في بعض الأحوال بسبب صدقه وإخلاصه يتعيّن عليه القيام بأمر من تلك الأمور المباحات، فيُثاب عليه ثواب الفرض؛ لأنه يترتب عليه انقاذ، يترتب عليه تعليم، يترتب عليه دفع سوء عن المسلمين. والرجل منتبه من نفسه ما يتصرّف في المباحات إلا قاصدًا وجه ربّه. عجيب… ولهذا قال: "فمن الصادقين من يسلك بالمباحات البشرية طريق الواجبات الأمرية بحسن النية وصدق الطوية"، فيخلص فيها لوجه الله ويقوم بأمر الله كما يحبّه الله. "ومن السالكين من يسلك بالمباحات طريق المندوبات". 

لكن إذا نوى بأكله القوى *** لطاعة الله، له ما قد نوى 

لأنه "لما هو عليه من المحافظة للمطلوب، والتباعد عن ورطات الذنوب. ومن المتهورين المنهمكين" الغافلين، يجيء إلى المباحات ويخلطها بقبيح النيات يحوّلها إلى معاصي، إلى مكروهات، إلى محرّمات. أصله مباح ولكن يخربط فيه خربطة! وإن أكل لا يُسمي ولا يؤثِر غيره، ولا يتحرى الحلال وبنَهم، وربما اقترن به إرادة مشروع سيء خبيث يتقوى عليه.. تحول الأكل إلى حرام. هو أصله مباح، لكن الخبيث هذا جعل كل شيء خبيث. فالإنسان كالإناء، وديدن أعماله وأوصافه تتلون بلون الإناء، مثل الماء تحطه في إناء أخضر يطلع ماء أخضر، ما هو أخضر إنما الإناء حقه أخضر! تحطه في إناء أصفر يطلع أصفر، تحطه في إناء أسود يطلع كله أسود. وهو الماء لا أخضر ولا أسود، هذا إنائه. والإنسان هكذا، إذا صفا صفت أعماله كلها، وإذا تكدر تغير يتلون أعماله بلون إنائها. يا مصلح القلوب أصلح قلوبنا.

يقول: "من بدل المباحات والمحرمات بالواجبات والمندوبات استحق أن يُسمّى بدلا." رتبة في الولاية، هذا وجه من وجوه تسميتها ولها أوجه أُخَر ومعاني، ولهذا قال: اسم البدل الخاص فهو من فني عن الذات الغيرية" غير الحق -تبارك وتعالى-، "وبقي مستغرق السر في المشاهد القربية"، ولا شعور له بسوى الإله الواحد، هذا بدَل. 

وفي ذلك جاءت أحاديث عن النبي ﷺ في ذكر الأبدال: 

  • منها ما روى ابن عساكر، عن سيدنا علي، أن النبي ﷺ يقول: إن الأبدال بالشام يكون كثرة منهم وعدد بالشام دائمًا، أربعون رجلًا، قال: بهم تسقَون الغيث، وبهم تنصرون على أعدائكم، ويُصرف عن أهل الأرض البلاء والغرق. 
  • من الروايات التي جاءت في ذكر الأبدال. يروي الخَلال في كتاب كرامات الأولياء والديلمي، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: الأبدال أربعون رجلًا وأربعون امرأة، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجل، كلما ماتت امرأة أبدل الله مكانها امرأة. 
  • ومما ورد: الأبدال ستون رجلًا، ليسوا بالمتنطّعين ولا بالمبتدعين ولا بالمتعمقين ولا بالمعجبين، لم ينالوا ما نالوا بكثرة صيام ولا صدقة ولكن بسخاء الأنفس وسلامة القلوب والنصيحة لأئمتهم، إنهم يا علي في أمتي أقل من الكبريت الأحمر. قلائل في كل زمن أخرجه ابن أبي الدنيا.
  • مما ورد: الأبدال في أمتي ثلاثون، بهم تقوم الأرض، وبهم يُمطَرون، وبهم ينصرون. أخرجه الطبراني.  يقول الهيثمي: رواه الطبراني من طريق عمر والبزار، عن بسة الخواص، وكلاهما لم يُعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. 
  • رواية الأبدال في أهل الشام: وبهم ينصرون وبهم يرزقون، رواه الطبراني وابن عساكر عن عوف بن مالك. 
  • وفي رواية: الأبدال في هذه الأمة ثلاثون رجلًا قلوبهم على قلب إبراهيم خليل الرحمن، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا. رواه الإمام أحمد في المسند، والحكيم الترمذي، والخلّال عن عبادة بن الصامت بسند حسن. يقول الهيثمي في رواية الإمام أحمد: رجاله رجال الصحيح، غير عبد الواحد بن قيس، وقد وثقه العجلي وأبو زرعة. 
  • وفي رواية: الأبدال يكونون بالشام أربعون رجلًا، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا، يُسقى بهم الغيث، وينتصَر بهم على الأعداء، ويُصَرف عن أهل الشام بهم العذاب. رواه الإمام أحمد بن حنبل عن عليّ عن  النبي ﷺ. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير شريح بن عبيد وهو ثقة. وهذا من الأحاديث الصحيحة التي وردت في الأبدال برواية الإمام أحمد -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-، وهي رتبة في الولاية. 

 

رضي الله عنكم إلى أن قال: 

"وأصل كل خُلُق مذموم وطبع ملوم، وهو الرضا عن النفس ورؤية الكمال لها. فالرضا عن النفس أصل كل بلية دينًا ودنيا، فما أهلك عامة الخلق إلا الرضا عن أنفسهم واستحسان أفعالها ورؤيتها بعين تعظيم. لذلك قال المؤلف رضي الله عنه: 

الحكمة (35): أصل كل معصية وغفلة وشهوة؛ الرضا عن النفس. وأصل كل طاعة وعِفّة ويقظة؛ عدم الرضا منك عنها. 

هذا أصل كلي، إذ مجموع المعاصي الظاهرة والباطنة كبيرة أو صغيرة، رضا الإنسان عن نفسه بعد سبق تقدير الله وإرادته. فإذا سبق على العبد أن تجري على يديه شؤم المعاصي وظلمة الغفلة ومحرقات نيران شهوته، حُجِب عن رؤية نقص النفس وعيبها وضلالتها وغيّها، ورأى حُسن ما يصدر عنها وإن كان قبيحًا. فإن ذلك لا يفيد فيه نُصح، ولا يَبين له من ليل غفلته الصبح، فإذا استحسن أفعالها غَفَلَ أن يتفقد أحوالها. وإذا غفلته عن أحواله تستولي عليه دواعي شهواته في مواطن الغفلات وكبائر الضلالات، فلا يُحِقّ حقاً ولا يُبطِل باطلاً، بل منقاد بقياد الهوى تائه في مهامه الجهل. 

ومن أشكل عليه ذلك فلينظر إلى أصفياء الله وخيرته من خلقه من الأنبياء، سادات العلماء وخواص الأولياء؛ هل رضوا من أنفسهم فعلاً أو استحسنوا لها حالاً؟ فمن عرف نفسه لم يأمن أن تُلقيه في مهلكة، فلا يزال كثير التيقظ. ومن كانت حالته اليقظة؛ رأى ما يَرِد عليه من دواعي الهوى وتسويلات الإغواء، وسلِم قلبه عن ورود ظلمات الشك، واستنار بأنوار الإيمان، وأشرقت عليه شموس الإحسان، وطلعت على سره طلائع الكشف والعيان. وأصل ذلك عدم رضاه عن نفسه حيث اتهمها ولم يرضَ عنها، فأمعن تفقداً في أحوالها وصفّى عند كدر الأهواء أعمالها. فصار يتعفف عن سفساف دواعيها، ويجتنب وخيم مراعيها، وألزمها ما فيه فلاحها، وجرعها ما فيه نجاحها، فأكرمها بكرامة لا إهانة بعدها، وطهّرها طهارة لا تدنس بعدها. وذلك بنور الإيمان، لأن نور الإيمان يريه الحق حقاً فيتبعه، والباطل باطلاً فيجتنبه ويُبعِده. 

 

ومرّ أن النفس من حيث مركزها الجِبِليّ، وطبعها الحيواني باطلا. ومن حيث محتدها القدسي ومظهرها الروحي وتجليها السري ووسعها الإسمي حق فيتبعه. فالمسمى بلسان الذم نفس هو المركز الجبلي الحيواني، فالرضا عن هذا المركز والهبوط إلى هذا المحتِد أصل كل معصية؛ لأن المعاصي لا تظهر إلا فيه، ولا تعرف الشهوات وظلمات الغفلات إلا به. إذ العالم الهبوطي محل المظهر الهوى، والعالم العلوي بطبعه لا يقبل ذلك كله؛ لا المعصية ولا الغفلة ولا الشهوة، (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) [التحريم:6]، (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء:20].

طعامهم التسبيح، وشرابهم التهليل. وجعل الله ببالغ حكمته الإنسان مجمع العالمين، العلوي بقلبه والسفلي بنفسه، فإلى أيهما كان ميله ورضاه كان الحكم له والدولة على من سواه، فإذا رضي عن النفس أَمَّرَها على القلب فاستعملته في عالمها وقادته إلى طبعها، وحيث كان ساخطًا عليها لم يكن الحكم لها بل عليها وأَمَّرَ القلب فاستعملها في محابه. وقد علمتَ أن العالم العلوي ما همّ عليه من الصفاء واليقظة والحذر من المخالفة، حينئذ تتصف بوصفه ويعود فرعها لأصله فتسمى مطمئنة، وتدخل في جملة عباده الخاصين بحضرته الصالحين لخدمته. ولي في ذلك:

لا ترضَ عن نفسك إن النفس مركزها *** يَحِيدُ بالقلب عن مشهوده السامي

وكُنْ عليها مُعِيناً كي يكون لها *** من ربها في شهود القرب إنعامِ

وأكثر من يرضى عن نفسه ويستحسن أحوالها من انتمى إلى حالة مما يترفع به، إما علمٌ أو نسبٌ أو حسبٌ، وهو إما ظاهر جلي وإما باطن، فَقَلَّ من قام به شيء من ذلك أن يخلو عن الرضا عن النفس ولو في بعض الأحوال، إلا من حفظ الله سِرَّه وألبسه لباس الحفظ وحفَّه بكلاءة العناية وجلّله بنور الولاية، فلا يغتر بذلك ولم يُخدع لما هنالك. وصحبة المغرورين غرور؛ لأن الصحبة في المصحوب أثرٌ ظاهر. لذلك قال المؤلف رضي الله تعالى عنه وأرضاه: لأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه".

 

يقول: "أصل كل معصية وغفلة وشهوة؛ الرضا عن النفس." فمن رضي عن نفسه؛ لا يتفقدها، لا يحاسبها، لا ينتبه منها، لا يرقّيها، ويصدّق كذبها، ويصدق هواها لأنه راضٍ عنها، مشكلة! 

عين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ 

ما تشوف  أي عيب! لا حول ولا قوة إلا بالله… لكن إذا قلى نفسه من أجل الله، سخط على نفسه من أجل الله، وغضب على نفسه من أجل الله، تفقّدها وحاسبها.. يرضي الله عنه. وفي حِكم سيدنا الشيخ أبي بكر بن سالم: من نظر إلى نفسه بعين الرضا، نظر الله إليه بعين السخط، ومن نظر إلى نفسه بعين السخط - ساخط عليها من أجل الله- نظر الله إليه بعين الرضا.

وقال الشيخ: تأمل الأنبياء والأولياء والصالحين قدّامك، وكلهم يلومون أنفسهم، يعاتبون أنفسهم، وأنت ترضى عن نفسك!! عيب عليك.. ما تساوي شيء عندهم. ويقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". يقول في خطبه: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا" ذا زين الوجود ويقول: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا". اللَّهم صلّ عليه وعلى آله. 

وهكذا ورثه سيدنا أبو بكر الصديق، ماذا يقول عن نفسه؟ وما سبب خوفه؟ وما معاتبته لنفسه؟ لا إله إلا الله.. سيدنا عمر بن الخطاب، محاسبة دقيقة شديدة لنفسه. سيدنا عثمان بن عفان، سيدنا علي بن أبي طالب.. يقول ضِرار لما يصفه لمعاوية: وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، في ليلة من الليالي، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، يتململ تململ السليم الملدوغ، ويبكي بكاء الحزين قابضًا على لحيته، قائلًا: يا دنيا غُرِّي غيري، إليّ تشوّفتِ أم إليّ تعرّضتِ! قد طلقتك ثلاثًا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه، آه - يتأوه- آه من قلة الزاد وبعد الطريق ووحشة السفر! 

ومن بعده كلهم.. وتقرأ، الفصول لعلي زين العابدين ماذا كان يقول لنفسه يتهمها! حتى قال: "أكرمتنا بالتصديق على بُعد عملنا من شواهد التحقيق!" أعمالنا ما تشهد لنا بالتحقيق لكن أكرمت قلوبنا بالتصديق على بُعد أعمالنا من شواهد التحقيق. ويقول: "ولا تفضحنا يا مولانا في حاضر القيامة بموبقات الآثام، واعفُ عنا ما ارتكبنا من الحرام.."، "وارحم بالقرآن العظيم في موقف العرض عليك ذُلَّ مقامنا.."، هذا زين العابدين.

روى فيه سيدنا جابر، عن النبي قال: إذا كان يوم القيامة قيل: ليقم سيّد العابدين، قال: فيقوم ابن هذا والحسين طفل في رجله. يقول: سيقوم ابن هذا رجل يدعى عليًّا، يولد له مولود اسمه كاسمي، إذا أنت أدركته يا جابر فأقرئه منِّي السلام. فطال عُمر سيدنا جابر حتى أدرك محمد الباقر بن علي بن الحسين، ودخل يومًا عنده وهو غلام، قال لهم: لمَن هذا الغلام؟ قالوا: لعلي بن الحسين، قال: تعال، تعال إلينا، قَرَّبه وقَدَّمه عنده، قال: جدك رسول الله يقرئك السلام. قالوا: من أين جئت بهذا يا جابر؟ قال: كنت عنده والحسين طفل في حِجره يلاعبه فالتفت لي وقال: يا جابر إن طال بك عمرٌ فسيولد لابن هذا ولد يدعى عليًّا، إذا كان يوم القيامة قيل ليقُم سيد العابدين فيقوم ابن هذا، ثم يولد له ولد اسمه كاسمي، إذا أنت أدركته فأقرئه مني السلام، وهذا السلام لك من جدك ﷺ. توفي بعدها سيدنا جابر -رضي الله عنه-. لا إله إلا الله..

"أصل كل معصية وغفلة وشهوة؛ الرضا عن النفس." سيدنا الإمام الحداد يخاطب نفسه، تعرف الحداد؟ الإمام الحداد من أيام كان في الطفولة حفظ القرآن ويروح المِعْلامة وهو في الطفولة وأعمى يخرج من المعلامة، يمر على مسجد مقالد أو مسجد باعلوي، يصلي مئة ركعة، مئتين، وبعد ذلك يروح البيت هذا من هو في الصغر. يقول: يا نفس، يا نفس.. 

يا نفس  هذا الذي تأتينه عَجَبُ *** علمٌ وعقل ولا نسكٌ ولا أدبُ

 وصف النفاق…… *** ……………………..

يقول لنفسه..

وصف النفاق كما في النصّ نسمعه *** علم اللسان وجهل القلب والسبب 

حب المتاع وحب الجاه فانتبهي *** …………………

هذا يحب الجاه أو يحب المتاع؟!...

حب المتاع وحب الجاه فانتبهي *** من قبل تطوى عليك الصحف والكتب

 وتصبحين بقبرٍ لا أنيس به *** الأهل والصّحب لمّا ألحدوا ذهبوا 

وخلّفوك وما أسلفتِ من عملٍ *** فالمال مستأخَرٌ والكسب مصطَحَب 

واخشَيْ رجوعًا إلى عدلٍ توعّد من *** لا يتّقيه بنارٍ حشوها الغضب 

وقودها الناس والأحجار حاميةً *** لا تنطفي أبد الآباد تلتهب 

والبعد عن جنة الخلد التي حُشيت *** بالطيّبات ولا موتٌ ولا نَصَب

لا بارك الله في الدنيا سوى عرَضٍ *** منها يُعَدُّ إذا ما عُدّت القُرَبُ 

يريد صاحبه وجه الإله به *** دون الريا إنه التلبيس والكذب

لا يقبل الله أعمالًا يريد بها *** عاملها غير وجه الله، فاجتنوا

ويقول:

يا ويح نفسي الغويّة *** عن السبيل السوية

أضحت تروّج عليه *** وقصدها الجاه والمال

يا رب قد غلبتني ***......................

يارب؛ يلجأ إلى الله.. قد غلبتني هذه النفس.. غلبتني! هو غلبها لا هي غلبته…

……………… *** وبالأماني سبتني

سبتني؛ خلتني مسبي عندها

وفي الحظوظ كبتني *** وقيدتني بالَاُكبال

قد استعنتك ربي *** على مداواة قلبي

وحل عقدة كربي *** فانظر إلى الغمِّ ينجال

 

ألا يا نفس ويحكِ كم تواني *** وكم طول اغترار بالمحال! 

يقول على نفسه - رضي الله عنه- هكذا كانوا، لا إله إلا الله. 

ومرة أُنشدوا أمامه بقصيدته التي مطلعها:

تفيض عيوني بالدموع السواكب *** وما ليَ لا أبكي على خير ذاهب

على العمر إذ ولّى وحان انقضاؤه *** بآمال مغرور وأعمال ناكب

على غُرر الأيام لما تصرّمت *** وأصبحت منها رهن شؤم المكاسب

على زهرات العيش لمّا تساقطت *** بريح الأماني والظنون الكواذب

على أشرف الأوقات لما غُبِنتها *** بأسواق غَبنٍ بين لاهٍ ولاعب

على أنفس الساعات….. *** …………………….

على كذا، على كذا، على كذا…. ويذكر عيوب

على أنفس الساعات لما أضعتها *** وقضيتها في غفلة ومعاطب

على صحفٍ مشحونة بآثام *** وجرم وأوزار وكم من مثالب

على كم عيوب كم ذنوب وزلة *** وسيئة مخشية في العواقب

على شهوات كانت النفس أقدامت *** عليها بطبع مستحث وغالب

على أنني آثرت دنيا دنية *** منغصة مشحونة بالمعايب

على عملٍ للعلم غير موافق *** وما فضل علم دون فعل مناسب؟

على فعل طاعات بغير توجّه *** ومن غير إخلاص وقلب مراق

يقول حتى الطاعات حقي اعتذر منها لأنها ما فيها توجّه

أصلى الصلاة الخمس والقلب جائل *** بأودية الوسواس من كل جانب

على أنني أتلوا القرآن كتابه *** تعالى بقلب ذاهلٍ غير راهب

وهو كم بكى عند قراءة القرآن…

على أنني قد أذكر اللَه خالقي *** بغير حضورٍ لازم ومصاحب

يتأسف حتى على طاعاته كلها يتندم ويعتذّر.. 

على طول آمال كثير غرورها *** ونسيان موت وهو أقرب غائب

على أنني لا أذكر القبر والبلى *** كثيرًا وسفرًا ذاهبًا غير آيب

على أنني عن يوم بعثي ومحشري *** وعرضي وميزاني وتلك المصاعب

مواقف من أهوالها وخطوبها *** يشيب من الولدان شعر الذوائب

تغافلت حتى صِرتُ من فرط غفلتي *** كأني لا ادري بتلك المراهب

على النار أنّي ما هجرتُ سبيلها *** ولا خِفت من حيّاتها والعقارب

على السعي للجنات دار النعيم والـ *** كرامة والزلفى ونيل المآرب

من العز والملك المخلّد والبقا *** وما تشتهيه النفس من كل طالب

 

وبعدين؟

فآهٍ على عيش الأحبة ناعمًا *** ……………..

وبعدين.. وبعدين، على ما فات من كذا على كذا على كذا... وبعدين؟

ولو أنني ابكي الدموع وبعدها الـ *** دماء على ما فاتني يا معاتبي

لكان قليلاً من كثيرٍ وما عسى *** يرد البكا من ذاهب أي ذاهب

وبعدين؟

فأستغفر اللَه العظيم جلاله *** وقدرته في شرقها والمغارب

إليه مآبي وهو سؤلي وملجئي *** ولي أمل في عطفه غير خائب

وأسأله التوفيق فيما بقى لما *** يحب ويرضى فهو أسنى المطالب

وأن يتغشّانا بعفو ورحمةٍ *** وفضل وإحسان وستر المعايب

اللَّهم أكرمنا بذلك. 

وأن يتولانا بلطف ورأفةٍ *** وحفظ يقينا شر كل المعاطب

وأن يتوفانا على خير ملةٍ *** على ملة الإسلام خير المواهب

مقيمين للقرآن والسُّنة التي *** أتانا بها عالي الذرا والمراتب

محمد الهادي البشير نبينا *** وسيدنا بحر الهدى والمناقب

عليه صلاة اللَه ثم سلامه *** وآلٍ وأصحابٍ له كالكواكب

فلما أنشدها المنشد بكى بكى حتى احمرّ وجهه، لا إله إلا الله... أهل الصدق ما رضوا عن أنفسهم وهم في الصدِّيقية الكبرى، وهم في الولاية العظمى، وهم في القطبية، ما رضوا عن أنفسهم.. رضوا عن ربهم لا عن أنفسهم؛ فرضي عنهم -سبحانه وتعالى-. وهذا الراضي عن نفسه.. متى يرتقي؟ متى يرتفع؟ يبقى محله نازل، لما يغضب عليها من أجل الله، تنكشف له عيوبها ويتصفى ويطلع. لا إله إلا الله.

مَن عرف نفسه، لم يأمن أن تُلقيه في مهلكة، فمَن لم يرضَ عن نفسه، لا يزال يترقى ويتصفى ويتنقى، ويعطيه الله موهبة بعد موهبة. وما المراد بالنفس؟ النفس في جبلتها الحيوانية، وأما النفس الزكية العلية هذه من النور الخالص، (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر:27-30]. 

قال: "الإنسان مجمع العالمين، العلوي بقلبه والسفلي بنفسه"

  • فإما يطلع فوق فيصير مع الملائكة وخير من كثير منهم. 
  • وإما ينزل تحت ويصير كالأنعام بل أضل. 

فالله يرفعنا مراتب قربه، ويرزقنا الأدب والرضا عنه لا عن نفوسنا. اللَّهم آت نفوسنا تقواها وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليّها ومولاها. 

الله يحيي قلوبنا بأنوار المعرفة واليقين والإخلاص والصدق، ويوالي علينا عجائب الجود في كل ظاهر وفي كل باطن، نسلم به من الآفات، وتنكشف به عنا جميع الحجابات، ونرقى به مراقي أهل المشاهدات الشريفات، ولا نزال في خيرات متواصلات، يقوي لنا الارتباط بالهادي إلى سواء الصراط، متلقين عنه عظيم الفيوضات، وأن الله به يقينا الأسواء والأدواء، ويجعلنا من جنده الصادقين الموفين بالعهود التي عاهدنا عليها، ويختم لنا أجمعين بأكمل حسنى، ويصلح شؤوننا ويوفّر حظّنا من هذه الليلة والليلة التي بعدها، ومن هذه الأيام وهذه المناسبات، ومن العشر من ذي الحجة ومن هذا الموسم الكريم. ويعُيد علينا عوائد الحج والحاجّين، والعمرة والمعتمرين، والزيارة والزائرين، والطواف والطائفين، والوقوف والواقفين، والسعي والساعين، والركوع والراكعين، والسجود والساجدين، وينظمنا في سلك الحبيب الأمين، ويرفعنا أعلى مراتب علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين في تمكين مكين في عافية تامة، وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

03 ذو الحِجّة 1440

تاريخ النشر الميلادي

04 أغسطس 2019

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام