الحِكَم العطائية -21 | تشوُّفُك لما بَطنَ فيك من العيوب خيرٌ من تشوُّفِك إلى ما حُجِبَ عنك من الغيوب

شرح الحكم العطائية لباراس -21- (تشوفك لما بطن فيك من العيوب خيرٌ من تشوفك إلى ما حُجب عنك من الغيوب)
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.

عصر الأربعاء 28 ذي القعدة 1440هـ.

الحكمة (32): تَشَوُّفُكَ إلى ما بَطَنَ فيكَ من العُيُوب … خيرٌ لك مِن تَشَوُّفِكَ إلى ما حُجِبَ عنكَ مِن الغُيُوبِ.

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن كتاب "شرح الحكم العطائية" للشيخ علي بن عبد الله باراس رضي الله عنه ونفعنا به يقول:

الحكمة (32): تَشَوُّفُكَ إلى ما بَطَنَ فيكَ من العُيُوب… خيرٌ لك مِن تَشَوُّفِكَ إلى ما حُجِبَ عنكَ مِن الغُيُوبِ.

لأنَّ تَشوفَك إلى ما بطنَ فيك من العيوب حقُّ الحقِّ منك؛ لأنَّ الله مدَحَ أهلَ تزكيةِ النفوس عن الأخلاق اللئيمةِ بقوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)[الشمس:9].

وذمَّ مَن ترَكَها مُتَدنِّسةً بقبيحِ أوصافها وسَفْسافِ مركزِها، فقال: (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)[الشمس:10]؛ أي: دنَّسَها، ولَأَنْ تخرجَ عن ذَمِّ الله وتَدخلَ في مدحه… خيرٌ وأحبُّ من أن تَتطلَّعَ إلى فضول النُّقول ولمَحاتِ الوصول؛ فمَن لم يُحقّق الأصول… لم يَنلْ الوصول.

فالأصل: التزكيةُ عن الرذائل، ثم التحليةُ بأوثَقِ الوسائل؛ وهو التمسكُ باتباع ذوي الفضائل، وهمُ الأنبياءُ وساداتُ الأولياء، وفحولُ العلماء، سيَّما أفضلُهم وأجلُّهم وأكملُهم وأتمُّهم خلْقاً وخُلُقاً، وأعلاهم مقامًا… محمدٌ 

فتحليةُ الأوصاف بحليةِ الإتِّباع هو فرعُ باب المحبة الذي يكون بها التحلية، قال الله منبِّهاً على ذلك: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) ووجدتُم ذلك في مرايا إيمانِكم، وظَننتُم أن ذلك صادرٌ عنكم… (فَاتَّبِعُونِي)[آل عمران:31] بمَحوِ أفعالِكم، وفناء أوصافكم… يظهرْ لكم أصلُ محبتكم، ويُبيِّنُ لكم من أين وجدتم ذلك؛ فعند فنائِكم عن أفعالِكم وأوصافِكم… يتحققُّ لكم أنّه الذي أحبَبكم، وتبدوا لكم ثمرةُ الإتباع وما أُودِع فيها من سرِّ المحبة السابقة، فيعود الأمر ُعوداً على بُدُوِّه، فهذا مقامُ التحلية. 

وشاهدُ ذلك: الحديث القدسي، حديث النوافل؛ حيث قال: "لا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه"، ولا نافلةَ إلا ما صدرت عنه ؛ قولاً وفعلاً وأمراً صريحاً، أوضمناً وتلويحاً، ولكن لم تصل إلى صفاءِ النوافل عن الشوائب إلا بطهارةِ النفس عن رذائِلها. ولم تعثرْ على ذلك إلا إن عرَضْتَها على بَصيرٍ بِعُيوبِها، فتجري أمورُها على يد عالمٍ بتهذيبِها، فارغٍ عن تهذيب نفسه، متفرّغٍ لإصلاح غيره، فحينئذٍ يعرِّفُك بدسائس النفوس، ومَخادعِ الشيطان، ومَعاطبِ الهوى، وكوامنِ الشهوات، وقُبحِ الدنيا، وبهجة الآخرة، وحسَنِ الأخلاق وسيّئِها.

 وتكون حالتُك بين يديه كحالةِ الميِّت بين يدَي الغاسل، مسلوبَ الاختيار، مطموسَ الأعلام والآثار، لاخبرَ لكَ عنك، وما أعزَّ في هذا الزمان  شيخٌ يُوجَدُ كذلك!!  وما أعزَّ المريدين مَن يطلبُ ذلك!! فاللهُ المُستعان وعليه التُكلان.

وإذا صدقَ اللهَ المريدُ في إرادتِه… كان الوجودُ كلُّه له أستاذاً؛ إن كان عدوّاً… ساقَه إلى الله باللَّجَاءِ إليه من شرِّه، ونبَّهَه على دسائس خفايا عيوبٍ لم يطلعْ هو عليها، يرى قبحَ الجهل فيجتنبَه، أو صديقاً مُحباً يُثني… فيَشهد ثناءَ الله؛ فيزدادُ لذلك شكرُه لله؛ حيث أظهَر جميلَه لذلك المُثْني، وستَرَ عنه قبيحه.

 وما أحسنُ مَن كانت نفسُه أرضاً، وقلبُه سماءً،  وأحوالُه نجوماً،  وروحُه شمساً،  وعقلُه قلماً،  ونفسه لوحاً!! 

وفي معناه:

تَشوُّفُ المرءِ عيبٌ فيه مستتِرٌ *** أتمُّ له من تَرَقُّبْ غائبِ القدَرِ

فرؤيةُ النقص توقِفْه على الحذرِ *** وفي ظهور غيوب الحقِ يعتبرِ

 

 

الحمد لله مُطهّر مَن شاء بخير طهارة، ومنقّيهم في ظواهرهم وبواطنهم من الالتفات إلى ما سواه سبحانه وتعالى حتى يكشف لهم الستارة، نشهد أنّه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ما فاز أحدٌ من عباده من أهل أرضه وسمائه إلا بتذلّلـه لعظمتِه، وخضوعِه لجلاله، وانقيادِه لأمره، وتسبيحه وتقديسه وحمده وشكره.

ونشهد أنّ سيدَنا ونبينا وقرّةَ أعيننا محمدًا عبدُ الله ورسوله، وحبيبُه وصفوته وخليله، بلّغَ الرسالة وأدّى الأمانة، وكشفَ الغمة وجلى الظلمة ودفع النقمة، وهدى اللهُ به من الأمة بَشَرًا كثيرًا، وكان في ظلمة الجهل للمستبصرين سراجًا وقمرًا منيرًا، فأدمْ اللهم صلواتِك في كل لمحةٍ ونفسٍ على الذاتِ الأقدس، صاحبِ المقام الأعلى والعطاء الأنفس، عبدِك المصطفى سيدنا محمدٍ وعلى آله الأطهار الذين طُهْرُه بسر عنايتك الخاصةِ به تأسَّس، وعلى أصحابه الذين تنَقَوا عن شوائب النفوس بحُسْن تزكيته، فكلٌ منهم تنقّى وتقدس، وعلى مَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم وضع الميزان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل العرفان، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

ولا يزال الإنسان في هذه الحياة الدنيا متوجِّهًا إلى أشياء، ومتطلِّعًا إلى أشياء، ومركّزًا على أشياء، ومهتمًَّا بأشياء.. 

  • فإن كانت له سابقُ عنايةٍ من رب العالمين.. جعل اللهُ اهتماماتِه وعناياتِه وتركيزَه وانتباهه لما هو أنفع وأرفعُ وأجمع وأوسع وأتمّ وأقوم، وأحبُّ إليه تعالى وإلى رسوله، وخير لهذا الإنسان في الدنيا والآخرة.
  • وإن خُذِل، أو سبقت عليه شقاوةٌ.. كان اهتمامُه وتركيزُه بما يضرُّه، بما تسوء به عاقبتُه، بما يُبعدُه، بما يـُظلمه، بما يَقطعُ ما بينه وبين الحق والعياذ بالله تبارك وتعالى، فصَرفَ همَّه إلى غيره؛ فوقعَ في ظلمات الأغيار، ولم يزل في الأكدار، وله في الآخرة النارُ، والعياذ بالله تبارك وتعالى. 

لذلك يشير كلامُ الكريم الغفار: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ)[هود:15-16]؛ ذهبت اهتماماتُهم وانتباهاتُهم وتركيزُهم وعناياتُهم إلى شؤون الحياةِ الدنيا، كما هو الحالُ في هذا البساط المبسوط لهؤلاء الغافلين شعوبًا ودُوَلاً، أفرادًا وجماعات على ظهر الأرض.

وإلى ذلك المعنى تشير الآية الأخرى: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا)[ الإسراء:18-21].

 ثم إنّ الذين علَتْ وزكَتْ وارتفعت هممُهم.. على درجات، وكلما صاحبتْ العنايةُ واحدًا منهم، كانت اهتماماتُه بما هو أعظمُ، وبما هو أكرمُ، وبما هو أتمُّ، وبما هو أقوَم، وبما هو أجلّ، وبما هو أجمل، وبما هو أحبُّ إلى الرب، ونقَصَ عن هذا بعضُ من يَسلمُ من النار، ومَن يدخل الجنة، ويهتمُ بشيءٍ دون ذلك وأقل من ذلك.

وكذلك أهلُ الكفر والزيغ والضلال من أهل النار، اهتماماتُهم في الدنيا كذلك على دَرَكات، فليسوا في درَكةٍ ورتبةٍ واحدةٍ. وإذا اشتد غضبُ الله على أحدٍ منهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى- كان تركيزُه وانتباهه واهتمامه بما هو أظلمُ، وبما هو آثمُ، وبما هو أبعدُ، وبما هو أشقى، وبما هو أغضبُ للربِّ جلّ جلاله، وإذا به يهتمُّ بالصدِّ عن الحق، يهتمّ بمعاداة الأنبياء، يهتم بضُرِّ المسلمين… اهتم ببطنك وفرجك ومالك ولعبك! لا يريد يؤذي وما يبغى الحق ينتشر؛ فتصيرُ اهتماماتُه وتركيزاتُه أخبث؛ هذا لأنّ دركاتِِه في النار أنزلُ وأهبط، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

 فهؤلاء درجاتٌ، وهؤلاء دركاتٌ، وسبحان خالق الكل، ومَن بيده ملكوتُ الكل، وإليه مرجعُ الكل، وله الحكم في الكل، ويا ربنا اجعل مرادَك فينا خيرًا، ورقِّنا إلى المقام الأصفى الأطهر الأجلّ سرًّا وجهرًا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

ومن جملة ذلك: ما تتشوَّفُ إليه النفوسُ في الجانبين اللذَين ذكَرَهما: 

  • ما يَبْطُنُ فينا من العيوب.
  • وما يُحْجَبُ عنا من الغيوب.

والنفسُ متعلقةٌ بتكشُّف الغيوب، والتجسس على الغيوب فيما يتعلَّق بها، وما يتعلق بما حولها، وبما يتعلق بعموم الناس، نافرةٌ من تكشُّفِ عيوبِها، وثقيل عليها أن تدركَ عارَها وعيبَها وخلَلَها وزلاتِها.

والشيخ ينصحك، قال: إذا أنتَ من أهل الإيمان، وإرادة القُرب من الرحمن أقول لك: اهتمامُك بعيوبِك أجملُ لك، وأفضلُ لك عند ربك، وأحسنُ لك في الحياتين؛ "تَشوُّفُك إلى ما بطَنَ فيك من العُيوب"، حتى لا تدركَه أنت، ويحتاج منظار يكشفُه لك، ويحتاج شيخاً يدلك عليه وعلى الخلاص منه، "تَشوُّفُك إلى ما بَطنَ فيك من العيوب… خيرٌ من تشوُّفِك إلى ما حُجِبَ عنك من الغيوب". 

يقول الشيخ علي باراس -عليه رحمة الله-، قال: "لأنَّ تشوُّفَك إلى ما بطَنَ فيك من العيوب حقُّ الحقِّ منك"، هذا حقُّ الله تبارك وتعالى الذي عليك، "لأنّ اللهَ مدحَ أهلَ تزكية النفوسِ عن الأخلاقِ اللئيمة، فقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)[الشمس:9]، وذمَّ من تركَها متدنِّسةً" بقبيح أوصافها، "فقال:(وَقَدْخَابَ مَن دَسَّاهَا)[الشمس:10]" دنَّسَها بالذنوب والمعاصي، وسفساف مركزِها، قال: "ولأَنْ تخرجَ عن ذمِّ الله وتدخلَ في مدحِه… خيرٌ وأحبُّ من أن تتطَلَّع إلى فضولِ النُّقولِ ولمَحات الوصول؛ فمن لم يُحقِّق الأصول" في السير إلى البَرِّ الوَصول، "لم ينلْ الوصول"، ولم تصح جمعيتُه بسيدنا الرسول.

 ما هو الأصل؟ قال: "الأصلُ: التزكيةُ عن الرذائل"، هذا الأصل لابد أن تُتقنه، إنما حُرِموا الوصول لتضيِيعِهم الأصول. 

  • ما هو الأصل؟ قال: "الأصل: التزكيةُ عن الرذائل، ثم التحليةُ بأَوثقِ الوسائل". 
  • ما التحلية بأوثق الوسائل؟ قال: التمسكُ باتباع ذوي الفضائل. 
  • ومَن أهل الفضائل؟ قال: رؤوسُهم "الأنبياءُ وساداتُ الأولياء وفحولُ العلماء".

 لكن مِن بينهم دُرَّة للعين قُرَّة، خيرُ الجميع مِن خيرِه، ونورُ الجميع من نورِه، وسرُّ الجميع من سرِّه، وهو المقدَّمُ وهو الأكرم، وهو في كل مقامٍ الإمامُ الأعظمُ، "لا سيَّما أفضلُهم وأجلُّهم وأكملُهم وأتمُّهم خَلقاً وخُلُقاً وأعلاهم مقاماً: محمدٌ" بن عبد الله بن عبد المطلب، بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن حكيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، المتصلِ نسبُه إلى إسماعيلَ بن إبراهيم، المتصل نسبُه إلى أنبياء ورسلٍ من قبل، إلى نوحٍ إلى شيث بن آدم، إلى آدمَ عليه السلام.

وأمُّه: آمنةُ بنتُ وهب بن عبد مناف بن زهرة، بن حكيم  بن مرة بن كعب بن لؤي، إلى آخر النسب؛ هو هذا الأفضلُ، هو هذا الأجملُ، هو هذا الأكمل، هو هذا الأتمُّ، هو هذا الأعظم؛ محمّد، أحمد، طه، يس، المزمّل، المدثر، سيّدُ الكونين، وأشرفُ الثقلين، جدُّ الحسن والحسين، أبو البتول الزهراء فاطمة، أبو القاسم صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

التعلُّقُ به، والمحبةُ له والتولُّع به، مفتاح أبوابِ الفضل، والوصول إلى الحق سبحانه وتعالى ونيلِ الوصل، "(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي)"[آل عمران:31].

لا صدقَ ولا حقيقةَ لمحبةِ الإله لأي أحدٍ.. إلا برابطةٍ بصفيِّه محمدِ بن عبد الله، (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ).

كان يبكي عامة لياليه، ما لنا لا نبكي؟! لقلة اتباعِنا. كان يقول: "إنما أنا عبدٌ، أجلسُ كما يجلسُ العبد وآكلُ كما يأكل العبد"، وما تستشعر نفوسُنا العبدية، ما لنا؟! لقلة اتباعنا!... قلةُ اتباعِنا لقلة محبتِنا، قلةُ محبتنا لقلة معرفتنا، فلو عرفنا اللهَ لأحببْناه حباً لا يُشاركُه فيه أحد، ولا يشاركُه فيه شيءٌ، لا نفوسُنا ولا ما سواها، ولو عرفناه فأحببْناه لقويَ اتباعُنا لِمُصطفاه. الله يكرمنا وإياكم، الله يكرمنا بقوة الإيمان واليقين، ووفرةِ وكثرة المعرفة، وصدقِ المحبة وصدق الاتباع، (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)، (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ )[النور:54]، اللهم صلِّ على سيدنا محمد.

قال: "تحليةُ الأوصاف بحِليةِ الاتّباع هو فرعُ بابِ المحبة التي يكونُ بها التحليةقال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ)، ووجدتُم ذلك في مرايا إيمانِكم وظننتُم أنّ ذلك صادرٌ عنكم، (فَاتَّبِعُونِي) بمَحْوِ أفعالِكم ثم بفَناءِ أوصافِكم". (فَاتَّبِعُونِي)، إنما أنا عبد، أنا عبدُ الله ورسوله، (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأنعام:15]، قل لهم أنا أخاف، فإن من يتبع يخاف، يخاف عذابَ يومٍ عظيم، يخاف الرجوعَ إلى العلي العظيم.

قال: "إذا وجدتُم في مَرايا إيمانِكم" أثرَ محبةٍ منكم لله تبارك وتعالى، "وظننتُم أن ذلك صادرٌ عنكم، فاتَّبعونِي بمَحوِ أفعالِكم وفناءِ أوصافِكم"، بالتنقّي عن العيوب، وهذا من أكبر العيوب: إثباتُك الفعلَ منسوبًا إليك، ونسيانُ حقيقةِ ما قال الخليل: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)[الصافات:96]، الله خلقكم، عادك ما امتحيت والنص قدامك؟! (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)،عادك مركوز وعادك باقي؟! يمتحي فعلك، إذا أُكرِمتَ بذلك.. يمتحي وصفُك، فما هو إلا ربوبيةٌ تولَّت العبودية، فانمَحَتْ العبوديةُ في الربوبية. 

"يَظهرْ لكم أصلُ محبتِكم"؛ إذا فعلتم ذلك، "ويُبيّنُ لكم من أين وجدتُم ذلك"، فَمِنه وإليه، "فعند فنائِكم عن أفعالِكم وأوصافِكم" …(يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، "يتحققُ لكم أنّه الذي أحبَبَكم، وتبدو لكم ثمرةُ الاتباع وما أُودِعَ فيها من سرِّ المحبة السابقة"، (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)[المائدة:54]، إن كان عندك ذرةٌ من محبة صدقٍ فما هي إلا منه، ولولا سابقُ محبتِه ما قدرتَ عليها، ولكن لو وجدتَ ذرةً من هذه المحبة لأفنَتْك.

 يالله بذرَّة من محبةِ الله *** أفنَى بها عن كلِّ ما سوى الله

 وأنتَ مما سوى الله، أوتحبُّ الشَّرِكة مع الله؟ تشركُ نفسَك!

……………… *** أفنى بها عن كلِ ما سوى الله

 ولا أرى من بعدها سوى الله *** الواحد المعبود رب الأرباب

فما أُرَجِّي اليومَ كشفَ كُربة *** إلا إن صفى لي مشربُ المحبةِ

ونلتُ من ربي رضًا وقربةِ *** يكون فيها قطعُ كل الأسبابِ

على بساط العلم والعبادة *** والغيبُ عندي صار كالشهادة

هذا لعمري منتهى السعادة *** سبحان ربي مَنْ رجاه ما خاب

نرجوك يا رب حققنا بحقائق هذا الفضل الذي تفضلتَ به على محبوبيك، واجعلنا في خاتمة مجالس أيام دورتنا هذه نورًا من أنوارك القدسية، تُطهِّرنا بها عن شهود أفعالِنا وعن شهود صفاتنا، حتى تنمحيَ أفعالُنا في أدب عبوديةِ:

  • (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:96].
  • (فَعَّالٌ لِّمَايُرِيدُ) [البروج:16]. 
  • (يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ) [النحل:93]. 
  • (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)[الرحمن:29]. 

وحتى تنمحيَ صفاتُنا بأدبِ الصدق في شهود ربوبيتك، ونعلمَ أننا عَدَمٌ محضٌ لسنا بشيء، وأنتَ ربُّ كل شيء، ومليكُ كل شيء، وبيدك ملكوتُ كل شيء، لا إله إلا أنت، يا أكرم الأكرمين أكرمنا بذلك في ليالينا وأيامنا هذه، وادفع عنا القواطعَ التي تقطعُـنا عن هذا التحقق، نزِّهنا عن سيِّء أوصافنا، فإنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأنت نعم المَعاذ، فأعِذنا من شرِّ النفس، ومن سوء العمل، ومن كل غفلةٍ عنك.

"يتحقّقْ لكم أنّه الذي أحبَبَكم، وتبدو لكم ثمرةُ الاتباع وما أودِعَ فيها من سرِّ المحبة السابقة"، ما صاروا (يُحِبُّونَهُ) إلا بعد ما كان (يُحِبُّهُمْ)، (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، وتظهرُ الأوصافُ فيهم: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)[المائدة:54]، "فيعودُ الأمرُ عوداً على بدُوِّه، فهذا مقامُ التحلية".

 وفي الحديث القدسي: "وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ بعد أداء الفرائض حتى أُحِبَّه". "ولا نافلةَ إلا ما صدرتْ عنه صلى الله عليه وسلم؛ قولاً وفعلاً وأمراً صريحاً، أو ضمناً وتلويحاً، ولكن لن تصلَ إلى صفاءِ النوافل عن الشوائبِ إلا بطهارةِ النفسِ عن رذائلِها". ويقول المعلّق في ذلك لعزة هذا المقام، قال الشيخ البوصيري:

ولا تزوَّدتُ قبلَ الموتِ نافلةً *** ولم أُصَلِّ سوى فرضٍ ولم أَصُمِ

يعني: جميعُ ما عملتُ من النوافل من صومٍ ومن صلاةٍ ومن صدَقة…. مشوبةٌ بشوائب، فما عندي نافلةٌ صحيحة، هو صلى الفرض وحده فقط!؟ له نوافل كثيرة، هو يصوم  رمضان فقط؟ له صوم ثاني، لكن قال كلُّه مشوبٌ بشوائب، ما قام منه شيء.

 ولا تزودتُ قبل الموت نافلة *** …………………………

 لا أدري هل انجبر النقصُ في الفرائض بما قمتُ به من النوافل، أولا يزال الطالع عليّ؟ 

ولا تزودتُ قبل الموت نافلةً *** ولم أُصلِّ سوى فرضٍ ولم أصُمِ

لا إله إلا الله. 

يقول: "ما تصلُ إلى صفاءِ النَّوافلِ عن الشوائبِ إلا بطهارةِ النفسِِ عن رذائلِها، ولن تعثرَ على ذلك"، إلا إن عرضتَ النفسَ "على بصيرٍ بِعُيوبها، فتجري أمورُها على يد عالمٍ بتهذيبِها، فارغٍ عن تهذيبِ نفسه، متفرغٍ لإصلاح غيره، فحينئذٍ يُعرِّفُك بدسائس النُّفوس، ومَخادعِ الشيطان ومَعاطب الهوى".

قال الحبيب محمد الهدار: وكنا أيام نجيء عند الحبيب أحمد بن صالح الحداد -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في نِصاب، قال: ويحثنا على الدعوة إلى الله تعالى، يقول: إذا جئتم إلى شيء من القرى أول يوم مثل السيل الأول ما يكفي، السيل ثاني يوم، ثالث يوم.. ثلاثة أيام تتعرفون عليهم، يتعرفون عليكم، ويحطون ما عندهم من مسائل ومن إشكالات، ويرسخ فيهم شيء، وهكذا نبقى أيام في البلدة. قال: في بعض الأحيان عندنا الرغبة بنخرج القرى، يقول: اجلسوا هنا، كنا نتعجب! هو يحثنا على الدعوة ويأمرنا بالدعوة والآن يخلينا قاعدين عنده، ونقعد عنده ما نخرج! قال: ثم انكشفَ لي أنه كان يَرعى دقائقَ من شهوةِ القِيلِ والقال، يريدُ أن يُطهِّرنا منها، وهؤلاء أصفياءُ عليهم الرحمة، ولكن مع ذلك هكذا كانت مناظيرُ قلوبهم، تبحث عن دقائق آفاتِ العِلل.

"تَشوُّفُك إلى ما بطنَ فيك من العُيوب… خيرٌ من تشوُّفِك إلى ما حُجِب عنك من الغيوب". فكلما تطهرت…

لهذا كان أبو الحارث المحاسبي يقول: لو أن واحدًا جلس بعد صلاة الصبح فأبعَدَ خصلةً من خصال عزَّةِ نفسِه - خصلة واحدة لا أقول كلها - أحبُّ إليّ وخيرٌ في اعتقادي وعلمي عند الله من الذي جلس بعد صلاة الصبح يتصدَّقُ بمئات الألوف، قال: إبعادُ خصلةٍ من خصال عزة نفسه… أقربُ له عند الله وأطيبُ له عند الله من هذه الأعمال الأخرى كلها والصدقات، يبدأ يعرف انكسارَ نفسه، قال: لأن الذي عنده عزةُ نفسه لا يقول الحقَّ، ولا يُنصِفُ من نفسه، ولا يتواضع حقَ التواضع، ولا يَعرف حقَّ الله، ما دام عنده عزة نفسه ما يجي على شيء.

قال: فإذا أخرجَ خصلةً من خصال عزة نفسه… قَرُبت الطريقُ عليه، وسَهُل قربُه من ربه جلّ جلاله وتعالى في علاه، ونيلُه حقيقةَ حُسنِ المعاملة مع الرحمن، فلو أخرجَ خصلةً من خصال عزة نفسه حتى يتذلل للرب… أوفرُ له وأوفى في الميزان من كثيرٍ من الطاعات والأعمال الأخرى، لا إله إلا الله.

 يقول: "فحينئذٍ يُعرِّفك بدسائسِ النفوسِ ومَخادعِ الشيطان". قال قائل لسيدنا عبد الله الحداد: أعددتُ هذا المال لبناء مسجد إن شاء الله يكون للمصلين.. قال: كيف ترى لو أننا أخذنا منك هذا المال وقلنا لك الأجر عند الله، وبنعطيه فلان يَبنيه ويُنسَب إليه، ولا أحد يذكرك أنت، ونقول هذا حق فلان بن فلان، لكن الله داري أنه حقك،  والأجر لك، ترى نفسَك طيبة بهذا؟! او تحب أنتَ بنفسك؟ قال أحبُّ أشرف بنفسي على الأمر، قال: لأنّك لا تريدُ وجهَ الله، أنت تريد نفسَكَ بهذا، لا إله إلا الله.

 يقول: "يُعرِّفك بدسائسِ النفوس، ومَخادعِ الشيطان، ومَعاطِبِ الهوى، وكوامنِ الشهوة، وقُبحِ الدنيا وبَهجةِ الآخرة، وحَسَنِ الأخلاق وسيِّئها". وهكذا؛ قال الحبيب علي بن عبد الله السقاف: والناس يرحلون إلى الهند في تلك الأيام أيضاً ليتسبّبوا في السعي في سد معايشهم، ولكن شغفَ وهِمةَ وهمّ واهتمام وتركيز شأنِ الوصولِ إلى الله ما يُفارقهم، إن كانوا يشتغلون او ما يشتغلوا، إن سافر أو قعد في بلاده.

وهو هناك في الهند جاء يقصدُ الحبيبَ علي بن عبد الله العيدروس صاحب سيدنا الإمام الحدّاد، يقصدُه للوصول إلى الله، -وليس هو قد راح يجيب كفاية لأهله وولده وبيقضي دينه، ونسي نفسه ونسي وصوله إلى الله- اهتمامُهم قائمٌ على هذا، وتركيزُهم قائم على هذا.

 وقالوا له: إنَّه على الباب -علي بن عبد الله السقاف- قال: لا تفتحوا له، اتركوه، تركوه، والناسُ غيره تدخل وتجيء، وكانت وليمة ذاك اليوم عند الحبيب علي بن عبد الله العيدروس، قال: عادُه باقي ولا راح؟ قالوا: باقي، قال: اتركوه، أدخِلوا الأكلَ للناس، قال: باقي ولا راح؟ قالوا: باقي، قال خلوه ،غسلوا أيديَهم وأكلوا الطعام، جابوا المغاسيل يغسلون بعد الطعام، قال: الرجال عادُه على الباب ولا راح؟ قالوا: واقف على الباب، قال: شلّوا المغسال الذي غسلوا أيديهم فيه، وصبّوه فوقه، صَبّوه فوقه، قال: انظروا ما يفعل؟، قالوا له: أخذَ يتمسَّحُ بهذا الماء ويقول: بركاتُ شيخي! وأخرجَ ثيابَه الفوقية يجفِّفها، قال: افتحوا له، خلّوه يطلع، طلع، قال: صفّيتَ عن دنسك الذي كان فيك! جئتَ وكان فيك عزةُ نفس، وأنت الآن تأهلت، اجلس، وكانت نظرات، وكانت عجائب بركات، وكانت مواصلات، ومع ذلك كله ارتقى مراقيَ كثيرة.

 قال له: اخرُج إلى حضرموت، وعليك بعبد الله الحداد، رجع إلى حضرموت، وجاء عند سيدِنا الإمام الحداد، قال له سيدنا الحداد: علي بن عبد الله العيدروس يُهيئُك لنا، والوصول على يدنا، وعادك ألّا باتصل ذا الحين، كلُّ المقامات التي طلعتَها عادها… عادك ما وصلت، عاد الوصول قدام، وكانت على يد الإمام الحداد تنقيتُه التامة.

ذهب في مرةٍ من المرات للحج إلى بيت الله الحرام، ورجع، جاء إلى عند الإمام الحداد قبل ما يروح عند أهله في سيئون، جاء يزورُ شيخَه أولاً، ولما جاء قال له: زرتَ النبيَّ ﷺ  في المدينة؟! قال: إن الركبَ نقصت بهم النفقة، وكان في الطريق بعض المشاكل، ورجعنا واستعجلنا، قال: لا تجلس عندي، رُح ارجع ثاني مرة، سافر وزُر الحبيب، بعدين ارجع عندي، رجع من عنده، أرسلَ إلى أهله وقال لهم: العفوُ منكم، شيخي أمرني أن أرجع، وإن شاء الله إذا زرنا بنرجع، وما عاد دخل عند أهله وراح سافر ثاني مرة ورجع إلى الحج، وهكذا.

قال: إنا نربِّي الواحدَ من أصحابنا على الخُلُق الواحد سنين حتى نُرسِّخُه به، سنين حتى نرسخ فيه هذا الخلُق، وكان هكذا أهلُ التزكية.

سادتُنا الصحابة حصّلوا زينَ الوجود، قوتـه ونظراتُه؛ طوى لهم المسافات في سرعة، وأقبلوا لكن بالكليات، قومٌ ما يُحدِّون النظرَ إليه تعظيماً له، كأنَّ على رؤوسِهم الطيرَ في مجلسه، إذا أمَرَ ابتدروا أمرَه، يكادون أن يَقتتلوا على وَضوئِه، وصلوا إلى الله بهذا.

ومَن بعدَهم من التابعين احتاجوا إلى تربيةٍ أكثر، وإلى مدى أكثر حتى يصلوا إلى هذه الدرجات من سر المُزكّي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولهذا حدثَ عندهم من الأعمال والمُجاهدة ما لم يكن معروفاً قبلهم عند الصحابة.

 فلما جاء تابعو التابعين احتاجوا أكثر، وصلّحوا بعد ذلك الخلوات… حتى تتهيأ النفس، ما هي مثل نفوسِ الصحابة وبقوة إقبالها والنظرة النبوية من فوقها، بسرعة تُـصفِّي كلَّ الذي في الباطن.

سيدُنا عمر يقول: "ما تمنيتُ الإمارة منذ أسلمت"، أنتَ وُلدتَ في الإسلام في قلبك محبة الإمارة!؟ وأنت لك كم من السنين؟! هذا لحظةَ أن أسلمَ.. خرجَ من قلبه حبُ الإمارة، -لحظة الإسلام-، أيش الرقيّ هذا؟ آخر ما يخرج من رؤوس الصدّيقين حبُّ الرئاسة، حصّلوه في أول إسلامهم، بسبب قوَّة المُزكِّي المربِّي ﷺ، (وَيُزَكِّيهِمْ).. قال: من يوم أسلمت ما تمنيتُ الإمارة، وقبل الإسلام كيف كنتَ؟ قبل الإسلام كان عنيف قوي، ويبغي الإمارة على كل شيء، لكن بلحظة الإسلام انتهى كل هذا منه! قال: إلا ليلةَ خيبر، ليلة خيبرما تمنّى الإمارةَ من أجلِ الإمارة، من أجل المحبة، من أجل الشهادةِ بالمحبة: "يُحِبُّ اللهَ ورسولَه، ويُحبُّه اللهُ ورسولُه"، بات الصحابة يدوكون ليلتَهم، كلُّهم وراءَ هذا المَشهد، ووراءَ هذا الذَوق، ووراء هذا الملمَح: "يُحِبُّ اللهَ ورسولَه، ويُحبُّه اللهُ ورسولُه"، مَن هو هذا يكون؟ فباتوا طول الليل يدوكون ليلتَهم حتى أصبحوا الصباح، وتعرّضوا له ﷺ  كلُّهم، قال لهم: أين علي؟ فقالوا: هو وصل البارحة ولكنه رَمِد يشتكي عَينيه، قال: ائتوا به، من شدة الرمَد ما يقدر يفتح عينيه، يُقادُ مثل الأعمى، قادوه، جاء به الصحابي يقوده بيده كأنه أعمى، حتى أجلسَه بين يديه ﷺ، قرأ عليه ونفث على طرف يديه، ومسح بهما عَينيه، فكأنْ لم يكن به شيءٌ، ثم لم يَشتكِ وجعَ عَينيه حتى مات، صلى الله عليه وسلم. فليلة خيبر ما تمنى الإمارة سيدنا عمر من أجل الإمارة، قد خرج حبُّ الرئاسة من قلبه بمحمدٍ ﷺ.

يقول: "وتكون حالتُك بين يدَي شيخِك حالةَ الميِّتِ بين يدَي الغاسل"، يقولوا وعلى هذا الحال مكثَ الإمامُ أحمد بن زَين الحبشي أربعين سنةً بين يدي الإمام الحداد، وما جاء إليه إلا وهو عالم وعارف ومتوجه وسالكٌ ومنيب وخاشع، ما وصل عند الإمام الحداد إلا وهو عنده هذه الأوصاف كلها، ومع ذلك انطرحَ بين يدَيه كالميت بين يدي الغاسل، وسنة وسنتين وثلاث وأربع وعشر وهو على هذا الحال، يمتثل بأمره حتى توفي الإمام الحداد وهو يقرأ عنده في الموطأ للإمام مالكٍ -عليهم رحمة الله- وكثيرٌ من قراءته في الدَّرَج، -الدَّرَجة المربوعة في وسط الدرج- يقعد هناك هو وإياه، ويقرأ، إمام مع إمام، وقطب مع قطب، عارف مع عارف، هناك في مظهر خضوعِهم وخشوعِهم وتواضعهم وأدبهم مع الله وصدقهم. لا إله إلا الله. 

 يقول: "مسلوبَ الاختيار، مطموسَ الأعلام والآثار، لا خبرَ لكَ عنك".

ويقول سيدنا الشيخُ علي:  "وما أعزَّ في هذا الزمان شيخٌ يوجَدُ كذلك!" وأنت حصّلت عمر بن عبد الرحمن كألف من هؤلاء الشيوخ!

يقول: "وما أعزَّ من المريدين من يطلبُ ذلك"!!، قالوا: وعادُه في المريدين عزيزٌ مَن يصدُق في طلب هذا المعنى، والوصولِ إلى هذا المقام الأسنى، والشُّرب من هذا الكأس الأهنى، إلا فقط مبادئ ومظاهرَ من أمر خير يريدونها فقط، الله يرزقنا الصدق في الإقبال عليه.

 يقول: "فاللهُ المستعانُ وعليه التُكلان". وعليكم السلام يا شيخ علي باراس، ومشائخُك وتلامذُتك، وقد مرَّتْ بعدَكم علينا ثلاثمائةَ سنةٍ، وفي المائةَ الرابعة، والحمد لله على كل حال، والله المستعانُ، والله يصلح أحوال أهل الإسلام والإيمان.

قال: "وإذا صدقَ اللهَ المريدُ في إرادته…كان الوجودُ كلُّه له أستاذاً"؛ يعني: سرَت سرايةُ التربيةِ من الله بواسطةِ شيخِه في كل ذرّات الوجود، فصارَ مُربَّى مُزكَّى بالوجود وما فيه، بمَن يـُـعاديه وبمن يُواليه، وبمن يَمدحه وبمن يسبُّه، يزداد بذا وبذا قُربة، يزداد بذا وبذا طِيبة، يزداد بذا وبذا تواضع، يزداد بذا وبذا معرفة، يزداد بذا وبذا ذوق، يزداد بذا وبذا شوق… وحتى الكائنات الأخرى من الحيوانات والجمادات يُطالِعُ فيها جمالَه وكمالَه، وإفضاله وتسييره وتدبيره، فله إمدادٌ من كل ذرةٍ من ذرات الوجود؛ يَمدُه به الحقُّ الموجود جل جلاله وتعالى في علاه.

فلهُ ترَقّي بكل نظرةٍ، وبكل جلسةٍ، وبكل كلمةٍ، بكل حركةٍ، حتى بكل أكلةٍ، حتى بكل شَربةٍ، كان يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ اللهَ يُحبُّ مِن عبدِه" من درجات المحبة "أن يأكلَ الأكْلةَ فيحمَدَه عليها، ويَشربَ الشَّربة فيحمدَه عليها"، قال سيدنا الخليل إبراهيم: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)[الشعراء:79]، أنا آخذُ الطعامَ من يد ربي، وآخذ الشرابَ من يد ربي، وهو الساقي المُطعِم، فحالُه عندئذٍ في خضوعِه، في حضورِ قلبه مع الله، في شهود حقيقة الإطعام من الله، في حال ترقّي وحال مشاهدةٍ، وحال قربةٍ عجيبة، حتى وهو يأكل ويشرب، إذا كان هذا الحال مع الأصفياء فكيف بسيد المرسلين ﷺ؟!

 فهنيئاً لمَن أكلوا معه، وهنيئاً لمن شربوا معه، وهنيئاً لمن صلَّوا معه، وهنيئًا لمن سمعوا قراءتَه، وهنيئاً لمن جاهدوا معه رضي الله عنهم. ولم يعرفْ قدرَ محمدٍ مَن احتقرَ أحدًا ممَن جالَسَه مؤمنًا، وممَن صحبَه غازيًا ومجاهدًا، ما عرف قدْرَ محمدٍ ﷺ مَن احتقرَ أحد من هؤلاء الذين جالسوه، والذين ناصروه، والذين قاموا معه، ومن جَهِلَ قدرَ محمدٍ ﷺ فقد جهلَ قدرَ الله، جهل قدرَ ربِّه الذي اصطفى محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واختارَ له أصحابًا، واختار له آلاً، واختار له أمّة، فليس مثلُ آله آل؛ لا آلِ إبراهيم ولا آل نوح، ولا آل عيسى ولا آل موسى، ولا آل هارون (وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ) [البقرة:248]، ما أحدٌ منهم مثلُ آل محمد.

ولا أصحاب مثلُ أصحابه؛ لا أصحاب نوح ولا أصحاب شيث، ولا أصحاب إدريس ولا أصحاب يعقوب، ولا أصحاب إسحاق ولا أصحاب إبراهيم، ما أحد مثل أصحاب محمد، هم أعلى الأصحاب. 

ولا أمةٌ مثل أمته؛ لا أمة إدريس، ولا أمة نوح، ولا أمة إبراهيم، ولا أمة يوسف، ولا أمة يعقوب، ولا أمة داود، ولا أمة سليمان،.. ما أحدٌ له أمة مثل أمة محمد، (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)[آل عمران:110].

وهذا يكشف لك ستارة عن أنَّ مُكوِّنَ الكون رتبَ اختيارَه واصطفاءَه على هذه الذاتِ الشريفة، فهل أحدٌ له شيءٌ في الملك مع الله يرفع رأسَه؟! آلُه خيرُ آل، صحبُه خيرُ صحب، أُمته خيرُ أمة، عَرفت؟!

الذين حضروا غزوةَ بدرٍ من الناس والجن خير أهلِ الأرض، ومن الملائكة خيرُ أهل السماء، فالخيريةُ أين دارت؟ في ذات محمدٍ ﷺ، هو المُصطفى والمقدم، هو صاحب "أنا لها"، في القيامة مَن معه شكٌ في قدر المصطفى قُمِعَ رأسُه، في وقت الأنبياء والمرسلون يلوذون به، ومَن دونهم من الكفار والفجار والظَلَمة: (يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)[الفرقان:28]. اصطفاءُ مكوِّن الأكوان انصبَّ في ذات محمد، إن لم ترضَ يا ويلَك، إن لم تُسلِّم يا ويلَك، وإن عرفتَ هذه الحقيقة فاغنم: أحِبَّ، والِ، تولَّع، اعشق، اصدُق ، اتبع، انصر، قم بواجبِك نحوه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، رزقنا الله حُسنَ اتباعِه وحسن نصرته ظاهرًا وباطنًا.

 "وإذا صدقَ اللهَ المريدُ في إرادتِه… كان الوجودُ كلُّه له أستاذاً؛ إن كان عدواً… ساقه اللهُ بالَّلجَأِ إليه من شره، وينبِّهه على دسائسِ خفايا عيوبٍ لم يَطّلع هو عليها"، لكن تظهرُ على يد العدو، على لسان العدو، تظهرُ عيوبُه فيستفيد منه، يراقب حال الجاهل فيجتنبه، "أو صديقاً مُحباً يُثني… فيشهدَ ثناء الله؛ ويزدادَ لذلك شكرُه لله؛ حيث أظهرَ جميلَه، وسترَ عنه قبيحَه". وهكذا لا يزال، تكون "نفسُه أرضاً، وقلبُه سماءً، وأحوالُه نجوماً، ووجهُه شمساً، وعقلُه قلَماً، ونفسُه لوحاً" يكتب القلم فيها.

 فالسيرُ علمٌ والعقولُ أدلةٌ *** والربُّ قصدٌ والرسولُ إمامُ

 يسير إلى الله بالعلم، ويستدلّ بالعقل، والقصد واحد هو الله، والإمامُ المُقتَدى به هو محمدُ بن عبد الله ﷺ 

فالسيرُ علمٌ والعقولُ أدلةٌ *** والربُّ قصدٌ والرسولُ إمامُ

وحينئذٍ:

نظَرُ المُحِبِّ إلى الحبيبِ سلامُ *** والصمتُ بين العارفين كلامُ

كلُّ شيءٍ في الوجود يُعلِّمُهم، وينورُهم ويقرِّبهم ويطهرهم ويذكرهم، فما يَغفُلون عن الله في شيءٍ ولا بشيءٍ، فهم ذاكرون لله في كل شيءٍ بكل شيءٍ، والذين صَفَت لهم هذه المشارب… قوةُ في اتصال تسبيحِهم بتسبيح الملأِ الأعلى، واستغفارِهم باستغفارِ الملأ الأعلى، وتحميدِهم بتحميد الملأ الأعلى، ويَحمَدون اللهَ تبارك وتعالى حمدًا يتصلُّ بأسرار المحامد، إلى أن يأتيَ إلى القمة خير حامدٍ، وعلى قدرِ رُسوخِهم في هذا… قُربُهم وقتَ حملِ لواء الحمد، وقت ما يَحمل لواءُ الحمد، قربُهم منه على قدرِ رُسوخهم في حمد ربهم في الأيام التي كانوا في الدنيا.

تَشوُّفُ المرء عيبٌ فيه مستتِرٌ *** ……………………

تَشوُّفُ المرء عيبٌ فيه مستتِرٌ؛ أي لا عيب فيه..

……………………….. *** أتمُّ له من ترقُّبْ غائب القدرِ

فرؤيةُ النقص توقِفْه على الحذرِ *** ……………………….

وعلى التصفية وعلى الإحسان..

…………………….. *** وفي ظهور غيوب الحقِ يعتبرِ

وتتطلعُ النفسُ وتتشوَّف إلى شؤون الغيوب، ولكن يشق عليها معرفةُ دسائِسها، تلبيساتِها، كَذِبِها، زيغها، ضلالها… اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليّها ومولاها.

 

الحكمة (33): الحقُّ ليس بمحجوبٍ، وإنّما المحجوبُ أنتَ عن النظر إليه؛  إذ لو حَجَبه شئٌ… لستَرَه ما حَجَبَه،  ولوكان له ساترٌ… لكان لِوجودِه حاصِرٌ، وكلُّ حاصرٍ لشئٍ فهو له قاهرٌ ، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).

 

"هذه براهينُ عقلية، وشواهدُ نقلية، جمَعَها في هذه الألفاظ المتقاربة، تحتوي على جُمَلٍ من معاني التنزيه،  وتشيرُ إلى نفي التشبيه، وتُبطلُ اعتقادَ التجسيم والتحليل والجهة، وتُبَيِّنُ أنّ جميعَ حركات المكونات دائرةٌ على مقتضى علمِه،  وجاريةٌ تحت سلطانِ قهره. 

فقوله: "الحقُّ ليس بمحجوب"؛ إذ ماسوى اللهِ باطلٌ، والحقُّ هو الله، فهو ليس بمحجوب؛ إذ الباطلُ لا يَحجبُ الحقَّ، وما سوى الله دون الله؛ فهو باطل، "وإنّما المحجوبُ أنتَ" من حيث أنِيَّتُك ووصفُك وفعلُك،  فلوفنيتَ عن أنَيَّتك وتبتَ عن تَثنيتِك… لرأيتَ الحقَّ ظاهراً ، ورأيتَ الكائناتِ من حيث ذواتُها وأوصافُها وأفعالُها دونه لم تخرجْ من العدم، فالحجابُ عليه تعالى محال. 

فمن البراهين: أنّ الحاجبَ لشئٍ قاهرُه،  وقد علمتَ وجوبَ قهره سبحانه لما سواه. وأيضاً: فالحجابُ دلالةُ الإنقهار، وماسواه مقهورٌ به، فتحقَّق أنّ الحجاب عن الله إنما هو في ذوات الكائنات؛ إذ وصفُ العدم الحجابُ،  والكائناتُ من حيث ذواتُها عَدَمٌ، فلما أراد أن يكشفَ سرَّ وجودِه، ويـُظهرَ تجلّي شهودِه… رشَّ على عدم ذوات الكائنات من نور ذاتِه وصفاتِه وأفعاله ما أظهرَ به وجودَ ذواتِها وأوصافِها وأفعالها، فاستعدَّتْ بذلك لتجلِّي الظهور؛ فمِن شاهدٍ بنور الذات، ومن شاهدٍ بنور الصفات، ومن متحقِّقٍ في الأحوال والمقامات. وبحسَب هذه التنزُّلات تكونُ الدرجات،  والرؤيةُ في الجنات، وتَظهرُ حقائقُ المعاملات؛ رُبَّ رجلين يستويان في العمل، وعملُ أحدِهم إلى جنبِ عمل الآخرِ كالذرّةِ إلى جنب أُحُد، كما ورد ذلك .

وما ورد: "أنّ لِلِه سبعينَ حجاباً من الظُّلمة، وسبعين من النُّور": 

  • فالحجُبُ الظُّلمانيةُ: هي ما انطوى عليه تركيبُك. 
  • والسبعون التي من النُّور: ما حواه ترتيبُك لاغير. 

وتعدادُ هذه الحُجُب في التركيب والترتيب مما يطولُ تعدادُه، ويحتاجُ إلى معرفته ما احتويتَ عليه من مجموع السبع الأَرَضين، وما انطوى عليك من أنوار السبعِ السَّموات من كل واحدٍ، مجموعُ هذه عشرةُ حجبٍ، تحتوي على متعددات أنواع، حتى إنّ السالكَ يستعينُ في تلطيفِ بعض هذه ببعض.

فكلُّ حجابٍ ظلمانيٍ يقابله بنورانيٍ حتى تَفنى عنه الحجُبُ الظلمانية،  فيُؤخَذُ في التوحيد في فناء الحجُبِ النَّورانية حتى يَخلُصَ عنها، فيَشهدَ الحقَّ بالحق، وهو الشَّاهدُ والشهود والمشهود؛ وهو قوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)"[آل عمران:18]

 "ومن البرهان على استحالة الحجاب عليه: أنّ الظرفَ قبلَ المظروف، وقد علمتَ وجوبَ قِدَمِه، ووجوبَ حدوثِ ماسواه. 

  • وبرهانُ وجود القدم: بروزُ المُمكنات. 
  • وبرهانُ حدوثِها: مشاهدةُ انعدامِها؛  لأنّ ما وجب قِدَمُه… استحالَ عدَمُه. 

وهذا بحمد الله ظاهرٌ لا يحتاج إلى زيادةِ بسط. وتلك الفوقيةُ: فوقيةُ حكمٍ وولايةٍ وقهرٍ، ولاية الربِّ للمربوب،  والسيّدِ للعبد، والحاكمِ للمحكوم عليه، والاستيلاءُ والاستعلاءُ والتولّي، ولي في ذلك:

الحقُّ ظاهرٌ لا تَحجبْه صنعتُه *** والكونُ في غيبةٍ من ظُلمةِ العَدمِ 

فكيف من بعدِ ما شهدتْ أدلتُه *** أنّ الحوادثَ لا تثبتْ مع القِدَمِ

فحيث علمتَ أن الحقَّ ليس بمحجوب وإنما المحجوبُ أنتَ عنه، علمنا أيضًا أن ليس هناك حجابٌ سوى أوصافِك وما أنت عليه من التركيب البشري. فإن أردت كشف ذلك الحجاب، فاخرج عن أوصافك وفارق مقتضياتك. لذلك قال المؤلف رضي الله عنه: "اخرج عن أوصاف بشريتك…".

 

يقول: أن الحقَّ جل -جلاله- أظهر من كل شيء، وما من شيءٍ سواه إلا وقد كان ذلك السِّوى عدمًا ثم أوجدَه هو، فما لشيءٍ من عرشٍ ولا كرسيٍ ولا أرضٍ ولا سماءٍ، ولا جنةٍ ولا نارٍ ولا غيرها من ملائكةٍ وإنس أو جنٍ، أن يكون شيءٌ منهم أظهرَ من مُظهرِه ومُوجدِه أصلاً، (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3] جل جلاله، ولكنْ أوجدَها لِحكمة، وأوجدها بِعلمِه، وأوجدَها -سبحانه وتعالى- لأسرارٍ كثيرة؛ من أعظمِها مارتّبَ للملائكة والإنسِ والجنِّ من معرفتِه الخاصة، هذا من أعظم الحِكَم في إيجاد الوجودِ كله، فخذْ نصيبَك من ذلك.

واعلم أن جميعَ الحُجُب راجعةٌ إليك ومنك، والمحجوبُ هو الإنسان، والمحجوبُ هو الكائنات، أمّا المكوِّنُ أجلُّ من أن يَحجبَه شيء، فإن المحجوبَ مستورٌ مقهورٌ، وهو القاهر، وما سواه هو المقهور، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)؛ تلك الفوقيةُ المعنويةُ الغيبية التي لا تتعلقُ بجسمٍ ولا بصورةٍ ولا بمسافةٍ ولا بجهةٍ، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:18] جل جلاله وتعالى، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً)[الأنعام:61]

 فحجابُك منك، "المحجوبُ أنت"، فليست الكائنات -وهي خَلْقٌ- بمحجوبةٍ في ذاتها، ولكنَّ الأعمى وصاحبَ الغشاوةِ في البصر..هوالمحجوبُ عن مشاهدتِها، الكائنات انحجبت أم هو؟ هو الذي انحجبَ بسببِ الغِشاوة التي في بصره، بسببِ العمى الذي في عَينه، هو انحجب، وليس الكون، الكونُ بارزٌ ظاهرٌ، لكن هو الذي انحجب.

كذلك ظهورُ ربِك جلّ جلاله، أظهرُ من كلِّ شيء، لكن أنتَ محجوبٌ بشهواتِك، بآفاتك، بالتفاتاتِك إلى غيره.

 حجابُك منك وما تشعرُ *** وداؤُك فيك وما تبصرُ

فأنت المحجوبُ المقهور، ونسأل الله القهار أن يكشفَ عنا الحجاب، كما عشنا تحت قهر وذلِّ الحجاب سنين عديدة، فنسألـه أن يُشرِّفنا ويكرمنا -وهو القهّار- بكشفِ الحجاب، وفتحِ الباب، والدخولِ مع الأحباب، والشُّربِ من أحلى شراب، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.

قال: "الحقُّ ليس بمحجوبٍ، إذْ ما سوى اللهَ باطلُ، والحقُّ هو الله".

ألا كلُ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ *** …………………

"الباطلُ لا يَحجبُ الحقَ، وما سوى الله.. دون الله، فهو باطلٌ، المحجوبُ أنتَ من حيثُ أنيتـُك": أنا، أنا، أنا، أنا، أنا، أنا… وصفُك وفعلُك، "فلو فنيتَ عن أنيَّتِك وتبتَ عن تَثنيتِك": وهو شهودك ثانياً معه. وأدقُ شيءٍ ثانٍ تشهَدُه معه هو نفسُك، حتى قد تصل إلى حالة طيبة من إفناء الكائنات إلا نفسَك، لهذا يقول: أشدُّ الحجب بينك وبين الله نفسُك،  وأعظمُ خصالِها الذميمة التي بها تُحجَب.. العُجْب، أشدها.. وهذه فيها التثنية وفيها الأنيَّة: أنا، وفيها التثنية: تشهد ثاني، وما معه ثانٍ، الله واحدٌ ما له ثانٍ، لا إله إلا الله. ولم يُقدَّس مَن يقل بثانٍ… مَن شهد ثانياً ما تقدس ولا تَطهَّر ولاتنقّى حتى يعلمَ أنه واحدٌ.

  • (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)[البقرة:163]. 
  • (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ)[المائدة:73]. 
  • (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)[الإخلاص:1].

 الله يُحققنا بحقائق هذا اليقين والشهود، ويجعلَنا فيه من أهل علم اليقين وعين اليقين، ويُلحقَنا بأهل حقِّ اليقين.

"الحاجبُ لشيءٍ قاهرُه، فلو فنيتَ عن أنيَّتِك وتُبتَ عن تَثنيتِك… لرأيتَ الحقَّ ظاهراً، ورأيتَ الكائناتِ" بجميعها ومن جملتها أنت.. عَدَم، ليس منها شيءٌ يَستقلُ بوجود، فهو تحت حيِّز إيجادِ الموجود، فليس المُوجَد هو المُوجود،  ولكنَّ المُوجِدَ له الوجود.

أما هذا.. تحت دائرة الإيجاد، أصلُه عدم، إذا أراد يُعِدمَه أعدَمه، وإذا أراد يُصغِّره صغره، إذا أراد يـُقدِّمه قدَّمه، إذا أراد يُؤخِّره أخرَه، إذا أراد يُـمرضَه أمرَضه، إذا أراد يُصحَّه أصحّه، ما لشيءٍ وجودٌ في حد ذاته، الوجودُ للذي أوجدَه، جل جلاله. الوجود الحق، الواجب الوجود.. واحد فقط، لا شيء غيره، الواجبُ الوجود واحد؛ لا عرشٌ ولا كرسيٌ… ليس شيءٌ منها واجب الوجود، والذي حكمَ سبحانه بإيجادِه أو بقاءِ إيجادِه.. فهو بإيجادِه وإبقائِه.

ولذا لما قالوا إن الله حكَمَ ببقاء الجنةِ -سبحانه وتعالى- بقدرتِه وبإبقائِه، وكيف أنّ (رِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) من نعيمِ الجنان؟!

 قال: نعيمُ الجنان باقٍ بإبقائه، لكنّ رضاهُ عنك باقٍ ببقائِه، وأينَ هذا من هذا!.. رضوانُه عنك أعظمُ، قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) [التوبة:72]، لأنَّ هذا النعيمَ الذي في الجنّة باقٍ بإبقاء الله له، أما رضوانُ الله… فباقٍ ببقاءِ اللهِ نفسه.

 اللهم ارضَ عنا، نسألك رضوانَك الأكبر، نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار.

"فالحجابُ على الله محالٌ"؛ لكنَّ الخلقَ هم المحجوبون، "الحجابُ دلالةُ الانقهار، والحجابُ عن اللهِ في ذواتِ الكائنات، الكائناتُ" في أصلها "عَدَمٌ، فلما أرادَ أن يَكشفَ سرَّ وجودِه ويُظهِرَ تَجلّي شهودِه… رشَّ على عدمِ ذرّاتِ الكائناتِ مِن نور ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه ما أظهَرَها به". جل جلاله.

وفي التعليق أورد عندكم حديث الترمذي: عن سيدنا عبد الله بن عمرو يقول: إن النبيَّ ﷺ  قال: "إنّ الله عزّ وجلّ خلَقَ خلْقَه في ظُلمة"؛ أي: من عدم، "فألقى عليهم من نورِه" فوُجِدوا، "فمَن أصابَه من ذلك النور اهتدى" بعد الإيجاد بالإمداد بالهداية إلى الحق، "ومن أخطَأَه"؛ ولم يُصبْهُ ذلك النورُ "ضلَّ". (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور:40].

 ونسأل الله كما هدانا للإسلام والإيمان وجمعنا على هذه الخيرات، أن يجعل حظنا وافرًا من نوره، ويجعلنا من أهل النور، لأن من لم يصلْ إلى ذاته شيءٌ من هذا النور الخاص للهداية، ما يموتُ على الإسلام، يا الله يا الله يا الله بحسن الخاتمة.

 يا الله يا نور السماوات والأرض نوّرنا بنورك، واجعلنا من أهل الصدق معك، نزداد به خضوعًا لجلالك وذوقًا للذة وصالك، ومشاهدةً ومُطالعةً لجمالك، في ليالينا وأيامنا وساعاتنا ولحظاتنا وأنفاسنا يا الله، حتى نلقاك، ثم لا نزال نُنَعَّم بالمزيد من فضلك أبدًا سرمدًا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

وهم في البرازخ:

  •  ما بين مَن يرى مقاعده من الجنة. 
  • وبين مَن تطير روحُه إلى الجنة.
  •  وبين مَن يأكلُ من الجنة؛ مثلُ أرواح الشهداء، في حواصل طيرٍ خضرٍ تأوي إلى أشجار الجنة، وتأكل من ثمارِها.

 من الآن هم يأكلون، وعاد دخول الجنة بعدين، لكنّ هؤلاء درجتُهم  في الجنة ما هم مثل الذي في القبر، يُعرَض عليه مقعده فقط، هذا روحُه بنفسها تدخلُ هناك، وتأخذُ من ثمار الجنة، هم على درَجات من ذلك، ثم بعد ذلك يُدخِلُهم فيتمُّ فضائلُه عليهم جل جلاله، فيُتِمُ نعمتَه عليهم، ويكرمُهم بالنظر إلى وجهه الكريم. 

الله يوفّر حظنا من هذا الخير العظيم، ويثبِّتنا على الصراط المستقيم.

قال: 

  • "فمِن شاهدٍ بنور الذات"؛ وهم الأكابر أهل الخصوصيات. 
  • "ومن شاهدٍ بأنوار الصفات"؛ وهم مَن دونهم. 
  • "ومن متحقِّقٍ في الأحوال والمقامات" بمشاهدة الأفعال أولاً. 

فأقربُ شيءٍ إلى عقل الإنسان وذهنه في الفهم عن الله.. الأفعال، فالكائناتُ والوجود وكل ما سوى الله فهو فعل الله، تتعرف على الأفعال، ولا فاعل إلا هو، فإذا اهتديتَ.. وهذا مسلكُ عامّة الناس الذين يحتاجون الترقي.

 أما مَن كان موهوبًا ومحبوبًا ومخطوبًا، فأولُّ ما يرى.. الله سبحانه وتعالى، والكائناتُ من وراءه، وكلُّها ظلمة. ولكن هذا يحتاجُ أن ينظرَ للأفعال، ثم يرتقي إلى الصفات حتى يعرف. 

وبعد ذلك هناك الحُجُب، "وكلُّ حجابٍ ظُلمانيٍ يقابلُه نوراني حتى تفنى الحجُب الظلمانيةُ" كلّها، فإذا فنَيتْ الحجبُ الظلمانية كلُّها.. اجتهاد في حقيقة التوحيد حتى تفنى الحجب النورانية كلها، حينئذٍ: "يَشهدُ الحقَّ بالحقِّ"، ويكون واحدًا لواحد.

قال الإمام الحداد:

فاقطعْ الحُجْبَ الكثيفةَ *** بالسيرِ عنها غيرَ مقتصرِ

الكثيفة؛ الظلمانية.

واقطع الحُجْبَ اللّطيفة *** بالسيرِ فيها غير مغتررِ

فإذا جاوزتَ مرتقيًا *** سدرةَ الأقدار والقَدَرِ

فتوقفْ وانتظرْ عَلَمًا *** من علوم الأمر وادَّكرِ

واحتفظ بالشرع واسعَ به *** حكمَ رب العرش في الصورِ

فإذا فني عن الحُجُب النورانية بعد فناء الظلمانية.. "يشهدُ الحقَّ بالحق، والشاهد والمشهود. (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) [آل عمران:18]"، والله القديم وما سواه حادث، وهو فوق كل شيءٍ بعظمته وجلاله. 

رزقنا الله صدق الإقبال عليه، وحسن التوجّه إليه، ووفّر حظنا من النور، وربطنا بنور النور، بدر البدور، ساقي الشراب الطهور، العبدُ المشكور، سيدنا محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلينا معهم وفيهم، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

29 ذو القِعدة 1440

تاريخ النشر الميلادي

01 أغسطس 2019

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام