الحِكَم العطائية -20 | شتَّان بين مَن يستدِلُّ به، وبين مَن يستدلُّ عليه

شرح الحكم العطائية لباراس -20- (شتان بين مَن يسدِلُّ به، وبين مَن يستدلُّ عليه..)
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.

عصر الثلاثاء 27 ذي القعدة 1440هـ.

تتمة شرح الحكمة (29): شتّان بين من يستدل به أو يستدل عليه؛ المستدل به عرف الحق لأهله، فأثبت الأمر من وجود أصله؛ والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه. وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه ؟ ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟!

الحكمة (30): (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ)؛ الواصلون إليه، (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ)؛ السائرون إليه.

الحكمة (31): اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجّه، والواصلون لهم أنوار المواجهة فالأولون للأنوار ، وهؤلاء الأنوار لهم ، لأنهم الله لا لشيء دونه.

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، رضي الله عنكم، قال المؤلف -رحمه الله- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين، قال:

"وأما السالكين المحبين الذين غطت حقائق إيمانهم وجود أعيانهم فالإيمان والعلم فيهم مغيب تحت أسجاف القوالب البشرية، والحجب الطبيعية، والشهوات الحيوانية، التي هي لأهل الكشف دلائل الكمال، فخوطبوا بالرجوع إلى أوطان الحقائق القدسية بعد ما دنستهم الظلمات الأرضية. فأمطرت أصلاد أراضي نفوسهم السحائب النبوية، والدلائل الرسالية، والشواهد القرءانية، بعد ما أيبستها حرارة نيران الجهل فوسمتها بوسمي الحياة، فسمعت النداء فثارت البذرات الإيمانية الكامنة فيها، فاهتزت بهزة خوف البعد والقطيعة وربت بالتربي في طريق السلوك إلى ملك الملوك، وأنبتت من كل زوجٍ من أزواج الحقائق الأسمائية بهيج رائق. 

فهكذا يتدرجون في مدارج الأحوال، ويترقون في بروج المعارف. وشرح ذلك يطول، فليفهم ذلك من عرف هذه الطريقة، وحقق في سلوكه أتم تحقيق، ومن لم يحقق ذلك ولم يعلم ما هنالك فليلقي نفسه إلى شيخ يعرّفه حقائقها، ويفهمه دقائقها ويرقيه في بروج معارفها، فإن جُلّ هذا الأمر ما يحققه على كماله إلا صاحب کشفٍ دائم. وأما من يأخذ علمه وطريقه لا عن شيخ فلا تتضح له الطريق غالبًا، بل يبقى في حجاب نفسه وموضع حبسه لا ينفك عن قيد التلبيس ولو بلغ في ظنه ما بلغ، لكثافة حجاب النفس. 

فما يلطف حجابها إلا مشاهدة من يستنشق بصفاء مرآته حقائق الغيوب، وتنجذب بصفائه القلوب. ومثل ذلك قل في الأقطار سيما في هذه الأعصار وجوده، فالسالكين يهذبهم سلطان الجلال ويربيهم تربية الأطفال، وينقلبون في أطوار الأفعال، فأخذوا بوجود الأشياء على وجود موجدها، وذلك لطمس أنوارهم تحت غياهب ظلمات الجهل الطبيعي، وإلا لو لم تنطمس أنوارهم الإيمانية وشواهدهم الإحسانية. فمتى غاب عن الشهود وهو لم يزل موجودًا منعوتًا بنعوت كماله؟ متى تصدق عليه الغيبة حتى يحتاج أن يستدل عليه بما هو أثر من آثار قدرته، وعين من أعيان حكمته. فمن عرف الأشياء بالله واستدل به على الأشياء فقد عرف الحق لأهله، وأثبت الأمر من أصله، إذ المعرفة وصريح العلم يعطي أن لا ترى الصنعة دون صانعها، والمبدعات قبل مبدعها، وأن تعرف الفرع بالأصل، لا العكس الذي هو دليل على العكس، وهو شهود الأثر دون مؤثره، والصنعة دون صانعها. ومتى بعُد حتى تكون الآثار توصل إليه  فلا يستدل عليه إلا به، ولا يتوصل إلى معرفته إلا بتعريفه، ولا يعمل بطاعته إلا بتوفيقه، فهو الموصل بإعانته والموفق بهدايته، والحافظ بولايته، وإليه يرجع الأمر كله.

وكلا الفريقين مجذوبين محبوبين، إذا لولا سابق عنايته لم يهتدي إليه السالكون، ولا حقق شهوده المحبوبون. فإذا علمت أن الكل على الحقيقة مجذوب ومخطوب علمت أن الاصطفاء قد شمل الفريقين، فالحمد لله على ذلك. قال الله تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا) [ فاطر:32].

قيل هو لا إله إلا الله، قال  : "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له" أو كمال قال. وعند أرباب الفهوم فيما يعرفونه من طريق الإشارة والاقتباس أن الظالم لنفسه هو الأكمل. ولهم في ذلك معاني ورموز تظهر من كنوز خزائن المعارف، ولا سبيل إلى ضرب بعض الأقوال ببعض وتناقضها، بل فسيح المعرفة يعطي أن لكل مقام كلاما، ولكل حال رجالا، ولكل حال مقالا، فلا مُشاحَة في اللفظ، فاللفظ الواحد قد يوضع لمعان كثيرة، والمعاني الكثيرة قد تعبر بعبارة واحدة. وقد يكون الكلام واحد ويأخذ كل إنسان ما يناسب حاله ويليق بأفعاله. وفي معناه:

فكيف يفقد من هو ظاهر وبنا *** قيوم قائم لا يخفى ولم يزل 

هو أوّلٌ في بطون قبل مظهرنا *** وظاهر آخر بلا انتهاء تلي 

ودائم كيف ما كان الزمان بنا لازاد مظهرنا شيء ولا قللِ

فلما كان المجذوبين المحبوبين أخذ بهم طريقة المِنة من غير اكتساب، ولا ترقب ولا احتساب، كان إنفاقهم من خزائن معارفهم على الطالبين كذلك حسب ما أمدّهم الله به. والسالكون المحبوبون ليسوا كذلك لأنه سلك: بهم طريق الكدّ والتكليف؛ فيكون إنفاقهم من وسع ما هم عليه، لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:

 

الحكمة (30): (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ)؛ الواصلون إليه، (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ)؛ السائرون إليه.

 

هذه إشارة عجيبة، وترشيحة بديعة؛ حيث عبّر بالإنفاق، والإنفاق لا يكون إلا في خير والخسارة ضدّه، وإنفاق الواصل من خزائن المنح الربانية، والنفحات الرحمانية، على أطفال التلقّيات الفهمية، والأركان العملية، والمشاهدة العلمية التخلقية، وأهل الإقتداء والتبعية. 

فالأولون وهم المجذوبون المحبوبون ينفقون من سعة وسع المواهب، والسالكون ينفقون من قدر المكاسب؛ من وراء الفحص وتحري المذاهب. فالأولون خارجون عن مضيق عقولهم المحصورة القاصرة عن درك الحقائق إلى فضاء وسع التوحيد، فينفقون من معارفهم بلا تعب ولا عنا ولا نصب، فيُريحون الجليس ويفسحون صدور الطالبين بالشرح المبين، لما عندهم من الوسع لما هنالك، والسالكون يشددون المسالك، ويخوفون المهالك لما عندهم من ذلك. ولي في ذلك:

من وسّع الله في التحقيق مشهده *** لا شك ينفق بلا ضيق ولا تعب

ومن يكن في مضيق الكسب مشهده *** أن يحمل أثقال أعباء الكد والتعب

 

الحمد لله مُكرِمنا بأنوار الدلالة من آثار ختم الرسالة، وتمّ بها للسالكين تيسير سبيل الوصول، وتقريب البعيد وتذليل الصعب فصار بعد عسره مذلَّلًا غاية التذليل، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يهدي مَن يشاء إلى سواء السبيل، ونشهد أن سيدنا ونبيّنا وقرة أعينا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، حِرز المعتصم من كل تلبيس وتدريس وتضليل، وكفاية المُقبل الراغب بواسع الفضل والتفضيل. 

أدم اللَّهم صلواتك على عبدك الجامع للكمالات الإنسانية الواسع في المشاهد الروحية سيد المرسلين وخاتم النبيين، محمد وعلى آله المطهّرين وأصحابه الغر الميامين، وعلى مَن سار في سبيلهم بصدق وإخلاص ويقين إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل الدلالة والتعريف والتبيين، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين مَن سبق لك منهم الفضل والتعيين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين. 

وبعدُ، 

يواصل الشيخ ذكر الفوارق في الخلائق: 

  • بين مَن يستدل بالخالق على المخلوقات.
  • وبين مَن يستدل بالمخلوقات على الخالق. 

فذكر شأن الأصفياء الأوفياء المحبوبين، وأنهم يقمر قلوبهم شهود نور جلال الله وجماله وكماله وبه يستدلون على ما سواه. قال: "وأما السالكين المحبين الذين غطت حقائق إيمانهم وجود أعيانهم" فشهودهم لأنفسهم والكائنات من حواليهم كانت حُجبًا لهم. "فالإيمان والعلم فيهم غيب تحت أسجاف القوالب البشرية، والحجب الطبيعية، والشهوات الحيوانية"؛ فحينئذ لمّا قامت هذه الكثائف حاجبةً بينهم وبين إدراك الحقيقة؛ "فخوطبوا بالرجوع إلى أوطان الحقائق القدسية بعد ما" تأثروا بالظلمات الأرضية الكونية الكثيفة، "فأمطرت أصلاد أراضي نفوسهم السحائب النبوية،"؛ ما كان صلدًا قاحلًا من أراضي نفوسهم أُمطر عليه المطر من آثار سحائب النبوة بالدلالة والإرسال. 

  • (وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) [آل عمران:103].
  • (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:24].
  • (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران:103].
  • (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)  [آل عمران:164].

"والدلائل الرسالية، والشواهد القرآنية، بعد ما" يبست أراضي قلوبهم من "حرارة نيران الجهل" فجاءت أمطار النبوة والرسالة أمطرتها "بوسميّ الحياة"؛ أي مطر الربيع؛ الأول يسم الأرض بالنبات سُمي وسمي، الذي ياتي في فصل الربيع الأول يقال له مطر الوسمي، "فسمعت النداء فثارت البذرات الإيمانية -المغطاة- الكامنة فيها" المدفونة في بواطنهم، "فاهتزت بهزة خوف البعد والقطيعة وربَت بالتربي في طريق السلوك" سلوك الطريق "إلى ملك الملوك، وأنبتت من كل زوج بهيج من أزواج الحقائق الأسمائية -حقائق الأسماء والصفات- بهيج رائق. فهكذا يتدرجون في مدارج" العلوم، ويعرجون في معارج الأحوال، "ويترقون في بروج المعارف." يتدرجون في مدارج العلوم، وبتحقيق العلم النافع يأتي الرُّقي في معارج الأحوال، وبتحقيق التوبة يصحح حال المحبة، وهكذا وبتحقيق كل مقام سَني يوهَب حالٌ شريفٌ عليّ. 

وهكذا يقول: "وشرح ذلك يطول، فليفهم ذلك من عرف هذه الطريقة، وحقّق في سلوكه أتم تحقيق، ومن لم يحقق ذلك ولم يعلم ما هنالك فليُلقي نفسه إلى شيخ يعرفه حقائقها"؛ فهذا هو الطريق، وهذا هو الباب الذي يكون منه الدخول إلى ذلك الفريق، واللحوق بأعلى رفيق. وفيه قالوا: 

ولابد من شيخٍ تسير بسيره *** إلى الله من أهل النفوس الزكية

وقالوا: مَن لم يُلقي زمامه إلى مفلح، لم يفلح، مَن لم ينظر مفلحًا، كيف يفلح؟ 

قال: "فلا تتضح له الطريق غالبا، بل يبقى في حجاب نفسه"؛ مَن هذا الذي لا يأخذ عن شيخ، أما الذي اتصل بشيخ ليفهمه دقيقة، يُرقيه بروج المعرفة، فإن جُلّ هذا الأمر"؛ في إدراك الحقيقة، "ما يحققه على كماله إلا صاحب کشفٍ دائم، وأما من يأخذ علمه وطريقه"، ويريد أن يسير إلى الرب -تبارك وتعالى- في محصورات ما ينتهي إليه فهمه وعلمه، بلا كشف ولا تحقيق؛ مسكين.. قال: هذا "لا تتضح له الطريق غالبًا، بل يبقى في حجاب نفسه". وكلما كثف حجاب نفسه، رأى نفسه أعرف، ورأى نفسه أنه ما يفوته شيء، وأنه واعي تمامًا، لا حول ولا قوة إلا بالله!

وهكذا، "وموضع حبسه؛ لا ينفك عن قيد التلبيس ولو بلغ في ظنه ما بَلَغ"؛ في ظنه بلغ التحقيق، في ظنه بلغ الكمال، في ظنه ارتقى المعارج، في ظنه… كله ظن فقط بلا حقيقة؛ تلبيس وتدليس وخيالات وأوهام.. لأنه ما اتصل بالشيوخ. وكم كانت عقول في حياته ﷺ، منهم نفر من ضلال قومه وعبادتهم للأصنام ولكن ما جاءوا على طريق الحق حتى جاء محمد، ولا عرفوا الوصول إلى الله حتى بُعث محمد عليه الصلاة والسلام، فجاء وزكاهم ورقاهم ووصلوا، وإلا بعقولهم استنكروا عبادة الأصنام، وبعضهم راح يبحث هنا وهناك، ولكن ما أحد منهم وصل إلى الله، ولا أدرك الحقيقة إلا بعد اتصالٍ بخير الخليقة ﷺ. 

وهكذا قال: "لكثافة حجاب النفس، فما يلطّف حجابها إلا مشاهدة من يُستشَفُّ بصفاء مرآته حقائق الغيوب،" بصافي مرآة الذي تصحبه من أرباب عين اليقين، وحق اليقين، تستشِف حقائق الغيوب من صافي مرآته، "وتنجذب بصفائه القلوب." 

…………………. *** عند لقاهم تنزل السكينة

وتحصل الجمعية المبينة *** فتُجذَب الألبابُ بانفعال

 قال: "ومثل ذلك" الشخص- "قلّ في الأقطار، سيما في هذه الأعصار" وهذا فيما قبل قرنين من الزمان، إلى ثلاثة قرون، لا إله إلا الله، وقد جاءت بعده ثلاثة قرون، ولكن ما أعدم الله الأرض من وجودهم. قيل:

فقد سُتروا وما عُدِموا ولكن *** مسيء الظنِّ فيهم لا يراهم 

مَن كان مُغتر بعلمه، مُغتر بعقله، مُغتر بفهمه، مُغتر بما عنده، يقعد محله. ومَن عرف أن له ربّ يجب أن يسعى إليه بصدق، فسيدُله على أحبابه الموصلين إليه.

 الله، لا إله إلا الله.

قال: "فالسالكين يهذّبهم سلطان الجلال، ويربّيهم تربية الأطفال، ويتقلّبون في أطوار الأفعال، -فيستدلون- بوجود الأشياء على وجود موجدها، وذلك لطمس أنوارهم" الإيمانية "تحت غياهب ظلمات الجهل الطبيعي" وإلا "فمتى غاب عن الشهود وهو لم يزل موجودًا"، قال تعالى: 

  • (وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ)، (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الأعراف:6-7].
  • ماذا بعد ما يقول لك: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [المجادلة:7].
  • ماذا بعد ما يقول لك: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16].
  • وماذا بعد ما يقول لك: (فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا) [الواقعة:86]، روح الميت قدامكم (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، يقول: (وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ) [الواقعة:84-85]، لا إله إلا الله. 

ماذا بعد هذا كله؟.. أي من الكائنات له وجود فوق وجود الله الموجد؟ لا إله إلا هو، فوق وجود إلهه الموجد؟! أستغفر الله، هذ الكون ماله وجود في أصله إنما عَدَم، لكن هو الذي أوجده. "متى تصدق عليه الغيبة" (وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ)، "حتى يحتاج أن يستدل عليه بما هو أثر من آثار قدرته، وعين من أعيان حكمته." 

يقول: "فمن عرف الأشياء بالله واستدلّ به على الأشياء فقد عرف الحق لأهله، وأثبت الأمر من أصله، إذ المعرفة وصريح العلم يعطي أن لا تُرى الصنعة دون صانعها"، ولا تُرى "المبدعات قبل مبدعها، وأن تعرف الفرع بالأصل، لا العكس الذي هو دليل على العكس"، أنه تعكّس عليه فهمه ووعيه وإدراكه، لا إله إلا الله. "ومتى بعد حتى تكون الآثار توصل إليه -سبحانه وتعالى- فلا يستدل عليه إلا به".

ولمّا سُئل سيدنا علي وغيره من الصحابة: بمَ عرفت ربك؟ قال: بربي، عرفت ربي بربي، لا إله إلا هو. 

"فلا يستدل عليه إلا به، ولا يتوصل إلى معرفته إلا بتعريفه، ولا يُعمل بطاعته إلا بتوفيقه، فهو الموصل بإعانته والموفّق بهدايته، والحافظ بولايته، وإليه يرجع الأمر كله." لا إله إلا هو. إذا نظر إلى أهل المَجمع، إلى أهل المقام، إلى أهل المكان، إلى أهل مجالس، إلى أهل دورات… ينظر، وإذا شاء يقرّب أحد يقرِّب، إذا أراد يُطيّب.. يُطيّب.، إذا أراد يطهّر أحد يطهّره، إذا أراد ينوِّرَ.. ينوِّر، إذا أراد يتفضّل.. تفضّل. وإذا أعرض عنه أحد.. ما له غيره. يا رب أقبل بوجهك الكريم علينا، ولا تجعل فينا محرومًا ولا شقيًا ولا معرَضًا عنه، يا الله. ولكن علامة نيلك إقباله..أن تكون بكُليتك مُقبل عليه. 

وأقبل إليه بكل وجهك قاصدًا ***محو الظلال أشير للناسوت 

لا إله إلا الله.

"وكلا الفريقين" من السالكين؛ المحبِّين والواصلين المحبوبين داخلين في عموم اصطفائه، "(ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا)"، الأُمة كلهم ولكن (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) [فاطر:32]. قال: والذين لهم كلام في تفسير الثلاثة الأقسام على غير ظاهرها ووجها؛ أرادوا بها معانٍ صحيحة لكن مع كون لهم "معاني ورموز تظهر من كنوز خزائن المعارف، ولا سبيل إلى ضرب بعض الأقوال -بعضها- ببعض" فإن الناتج بعدين والثمرة متفق عليها. الكل من المفسرين هؤلاء وهؤلاء، يقول: 

  • إن الغافل والعاصي والمُعرِض عن الله.. خاسر وخائب.
  • وأن المتوجِّه بالكلية إليه والمقبِل عليه فائز.

فكلهم يقولون: كذا، وإنما في اصطلاحات وتعبيرات وتفسيرات خلفهم ما تضر، وهذا مسلك صحيح، ما نضرب أقوال أهل العلم بعضها ببعض، ولكن ينزل هذا منزلته، وهذا منزلته؛ فنعرف أن لكلٍّ معنى صحيح، ولكلٍّ مراد طيب، حسن، بلا تضارب، ولا رد بعضها ببعض.

"ولا سبيل إلى ضرب بعض الأقوال ببعض وتناقضها، بل فسيح المعرفة يعطي أن لكل مقام كلاما، ولكل حال رجالا، ولكل حال مقالا، فلا مشاحة في اللفظ"؛ إذا المعنى المقصود واحد، انتهت المسألة، يأخذ كل إنسان ما يناسب حاله، لا إله إلا الله.

فالمحبوبون الواصلون "أخذ بهم طريقة المنة من غير اكتساب … كان إنفاقهم من خزائن معارفهم على الطالبين" واسع وكبير؛ لأنهم أُعطوا عطاء كبير، "والسالكون المحبوبون ليسوا كذلك لأنه سلك بهم طريق الكد والتكليف؛ فيكون إنفاقهم من وسع ماهم عليه".

(لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ)؛ قُدر؛ ضُيّق عليه. وهكذا، لهذا كان يذكر الحبيب أبوبكر العطاس لمجالسيه في سعة فضل الحق -تبارك وتعالى- وجُودُه؛ فتنطوي المسافات بلا آفات في أسرع الأوقات. وقال: طوينا المراحل عندما قال دَعْ. 

قال بعضهم: 

……………….. *** إني سبقت مطاياكم بأطياري

قال السيد محمد أمين كُتبي -عليه رحمة الله-: 

تلك الطريق قطعتها في ليلةٍ *** وسوايَ يقطع بعضها في أشهرِ

(لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ). ولذا إذا قدرت على أهل السِّعة والكُبَار؛ فالغنيمة.. لمّا كان يصلي بهم سيدنا أبو بكر الصديق -وأنعِم به- لكن حضر الحبيب الأعظم، فسادتنا الصحابة ما عاد رضوا بهذا الواسع، وطلبوا الأوسع، صفقوا على أبي بكر، وما كان يلتفت في صلاته، لمّا أكثروا التصفيق؛ التفت؛ فرأى الحبيب ﷺ، فتأخر، هم يريدون أن يصلون.. لأن هذا إمامتهم وهم مثل إمامته العظيمة، وهم نهل السعة واستخلفه النبي لمّا عجز بالمرض، استخلفه بدله في مقامه ولكن مع وجوده ﷺ ما رضوا الصحابة بسعة أبي بكر، فإن الأوسع حضر! فتكثّروا عليه التصفيق إلى أن ألتفت، لمّا رأى الحبيب أخذ يتأخر، أشار إليه أن اثبت يثبت مكانك، حمد الله، ومكث لحظة لامتثال الأمر، ثم رجع وصلّى بهم الحبيب ﷺ. لمّا كمّل الصلاة، قال: "من نابه شيء في صلاته فليسبّح، إنما التصفيق للنساء"، ما منعك يا أبي بكر أن تثبت إذ أمرتك؟ قال: يا رسول الله، ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدّم بين يدي رسول الله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم. 

"(لينفق ذو سعة من سعته): الواصلون إليه" -سبحانه وتعالى- ينفقون من سعة، فجلسة مع الواحد منهم تعدل جلسات كثير، ونظرة من الواحد منهم تعدل نظرات كثير. وكلمة من الواحد منهم تؤثر ما لا يؤثره مئات الكلمات من غيره. 

"(ومن قدر عليه رزقه): السائرون إليه." (فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) قال: (وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء:6]. قال: "هذه إشارة عجيبة، وترشيحة بديعة؛ حيث عبر بالإنفاق، والإنفاق لا يكون إلا في خير والخسارة ضدّه، وإنفاق الواصل من خزائن المنح الربانية"؛ الواصل ينفق من خزائن المنح الربانية "والنفحات الرحمانية"، -ينفقها على من؟- "على أطفال التلقيات الفهمية، والأركان العملية، والمشاهدة العلمية التخلقية، وأهل الإقتداء والتبعية." لا إله إلا الله.

"فالأوّلون وهم المجذوبون المحبوبون ينفقون من سعة وسع المواهب، والسالكون ينفقون من قدر المكاسب"؛ (مَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) إلا في قدر مطروح! فرق بين البحر والخزائن الواسعة والقِدر، (مَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) من القِدر هذا حقه.. لا إله إلا الله. 

"ينفقون من قدر المكاسب؛ من وراء الفحص وتحري المذاهب. فالأولون خارجون عن مضيق عقولهم" وينطلق عقولهم من العُقال، ينطلق من العُقال، ينفك عن العُقال؛ وهو حدوده التي ينحصر فيها من مفاهيمه وعلومه. 

وتُطلق العقل عن العِقالِ 

بالنفحة الربانية تجيء، فيصير في أوج فسيح وسيع، ما له طرف. قال الحبيب علي: 

دخلنا بسِر الباء في باب عالمٍ *** نرى البحر في أنهاره مثل قطرةِ

نرى البحر في أنهاره مثل قطرةِ. ثم يقول: فيما يُنازل قلوب العارفين في شهدهم للرب وحلاوة مناجاته، 

إذا دار كأس الوصل في مخدع الهناء *** فلا حورعدنٍ نرتضيها بلحظةِ

ولا عرش بلقيس ولا ملك سيدي *** سليمان في وصل كمقدار لمحةِ

فلو عبّرت عنا الوجودات كلها  *** لما ترجمت عن عشر معشار ذرةِ 

لا إله إلا الله. 

قال: "والسالكون يشددون المسالك، ويخوفون المهالك لما عندهم من ذلك."، (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ). ولابد لكلٍّ من مقام الخوف والرجاء والترغيب والترهيب، ولكن هؤلاء أغلب عليهم الترغيب، وهؤلاء أغلب عليهم الترهيب، وهؤلاء أغلب عليهم الرجاء، وهؤلاء أغلب عليهم الخوف، والكل ذو رجاء وخوف ورغبة ورهبة. قال الله عن سادتنا الكُبَر: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء:90].

 

بسم الله الرحمن الرحيم، ورضي الله عنكم، ثم قال: 

"كالشارح لحالتي الفريقين بعبارة أخرى، وهي تعبيره بالاهتداء للسالكين والاجتباء للواصلين:

 

الحكمة (31): اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه، والواصلون لهم أنوار المواجهة؛ فالأولون للأنوار، وهؤلاء الأنوار لهم، لأنهم الله لا لشئ دونه.

 

فالاهتداء هو تتبع الآثار، والبحث عن الأخبار من وراء الحجب والأستار، ومختلفات الآثار. والرحلة هي الأخذ في السير إلى المقصد والرحلة غالبًا كثيرة الأخطار وشديدة الأوعار، ومعرّضة لفوات الأعمار، ونكبات المخاوف والأضرار. لذلك ورد: "السفر قطعة من النار". فإذا صدقت العزمة وقويت الهمة وأخلصت العملة وأفردت النية أثمر لك صدق العزيمة وإخلاص العمل وتجرّد النية؛ أنوار الهداية لسبيل المشاهدة وتحقيق الولاية. قال الله تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ). 

وأما الواصلون: فلهم أنوار المواجهة وهي المشاهدة، وهم المعنيين بآخر الآية وهو قوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69]. ومقام الإحسان هو الاستغراق بمشاهدة المحبوب كما فسره   بقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" ومحال أن تراه وترى معه سواه.

ومن كان الله معه كانت الأشياء معه وله، لاهو معها؛ إذا الله معه فلم يكن فيه معية أخرى، فهو غائب عن شهود وجوده فضلاً عن فعله مع فعل موجوده وهو الله سبحانه وتعالى، فمن لم يكن كذلك فمن لازمه شهود الأغيار، والتقيّد في محابل الأخطار، ويشهد الوسائط ويراعي الشرائط، فيطالب بمقتضى مشهده، ويترقى إلى محتده. وفي معناه:

من كان مشهده الإحسان كان له *** كل الوجود بعون الله محتكم

ومن تعثر في الأذيال أن له *** أن يحتكم تحت ما يشهده من علم 

ثم استشهد المؤلف على مقام الواصلين الكمل الموحّدين بهذه الآية لما فيها من التصريح الخالي عن التلويح ببطلان ماسوى الله عز وجل بقوله سبحانه لنبيه ، ولمن فهم عنه سر خطابه من خواص أصفيائه ونجائب أحبابه: (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام:91]، ففي هذه الآية كفاية لمن فهمها وعلم سر ما أشارت إليه (قُلِ اللَّهُ ۖ) فليس بعد الله، فهذا فيه مرتبة توحيد الإشارة، وهو مختص بنبينا  وهو قوله (قُلِ) فحارت الحقائق القربية، واللطائف الحبية في هذا البحر الذي لا ساحل له ولا منتهى، ولا يعرف لأوليته ابتداء، وإن تعددت مظاهره، فقال لها هاديا لحيرتها، وآخذا بأزمة بصائرها: الله! كلما رأيته فليس سواه، ولا مشهود إلا إياه، ولا بعد ذلك إلا خوضٌ ولعب، لأنه إذا ظهر الحق فما فائدة التطلّب إلا الخوض في الباطل.

واللعب هو كثرة ترديد ما لا جدوى له، وهو كثرة ترديد بلا غرض، ومن ذلك اللعاب وهو الريق الخالي عن الخليط، وسمي ذلك لكثرة تردده والله أعلم. والوقوف على الحق عند ظهوره وصف الموحدين، والخوض واللعب وصف الجاحدين الضالين عن سبيل الهداية، والسالكين طريق الغواية.

الله قُل، فهو المقصود بالطلب *** ولا تزد بعد ذا في الخوض واللعب 

فإذا كان العبد منطويا تحت عظمة أوّلية الحق كان حكمه ووصفه ترك الفضول وإيثار الخمول، فيتحقق بصِرف العبودية لله تعالى، وإذا كان كذلك كان أجل هَمِّه تصفية أوصافه وتهذيب أخلاقه."

 

يقول: "اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه"، الراحلون إلى الحق الذين يطلبون القُرب منه والوصول إليه، اهتدوا بأنوار التوجّه إليه لكن "الواصلون" إليه "لهم أنوار المواجهة"، لهم أنوار المواجهة التي خصّ الله بها الأكابر، وأكبرهم عبده الطاهر، (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام:79]، (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام:162-163]، يقول ﷺ، وأنا أول المسلمين. 

أهل المواجهة، أنوار المواجهة، فالذين يستدلون بأنوار التوجه أو يرحلون بأنوار التوجه، هم للأنوار لكن هؤلاء الأنوار لهم، هؤلاء الأنوار لهم الواصلون لله، يقول لك: هم للأنوار، "وهؤلاء الأنوار لهم" الله أكبر، لأنهم استُخلصوا له وحده، فليسوا لشيءٍ سواه. 

  • (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) [يوسف:54]. قال الله لسيدنا موسى: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه:41]؛ موسى ما هو لشيء، ما هو لشيء غير الله، موسى لله وحده، والأشياء له بعدين لأنه لله وكل شيء لله فالأشياء كلها له، وهكذا من كان لله -جل جلاله-.
  • وقال له في الآية الأخرى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي) [طه:39].
  • وقال لحبيبه محمد: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) [الطور:48]، فإنك بأعيننا، الله أكبر، لا إله إلا الله. 

ما أعظم مواهب الله عليهم، ما أعظم مقاماتهم عند ربهم. 

قال: "فالاهتداء هو تتبع الآثار، والبحث عن الأخبار من وراء الحُجُب والأستار، ومختلفات الآثار."؛ -هذا الاهتداء- "والرحلة هي الأخذ في السير إلى المقصد" والرحلات "غالبًا كثيرة الأخطار وشديدة الأوعار"، تعرّض صاحبها "لفوات الأعمار، ونكبات المخاوف والأضرار." وهذا السفر قطع من العذاب؛ "السفر قطعة من النار" ولما سُئل بعضهم لم كان السفر قطعة من العذاب؟ قال: لأنه فيه فرقة الأحباب، لا إله إلا الله، لكن "فإذا صدقت العزمة وقويت الهمة وأخلصت العملة"؛ أي هيئة العمل. 

  • العُملة: أجرة العمل.
  • عِملة: هيئة العمل.
  • الذَّبحة: مرة من الذبح.
  • الذِّبحة: هيئة الذبح؛ كيفية الذبح.
  • الجِلسة: مرة من الجلوس.
  • الجِلسة: هيئة الجلوس، كيفية الجلوس.

ففِعلة في العربية يأتي للهيئة. "فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتلَةَ"، ليست القَتلة، قَتلة مرة من القتل، قِتلة هيئة القتل، كيف تقتل؟ "فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحةَ"؛ أي كيفية الذبح، هيئة الذبح. "إن اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ،" ثم قال: "فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحةَ، وليُحِدَّ أحدُكم شفرتَه، وليُرحْ ذبيحتَه." تكون هيئة الذبح حسنة. وإذا قد مثّل بالإحسان في الذِّبحة وفي القِتلة، أيش عاد باقي الأشياء هذه أشد شيء، ذبح وقتل، فتحسن في باقي الأشياء من باب أولى، هل شيء عاده أكبر من الذبح والقتل؟ قال: حتى القتل والذبح أحسِن فيه فمن باب أولى غيره، "وليُحِدَّ أحدُكم شفرتَه، وليُرحْ ذبيحتَه." ولا يذبح شاة أمام أخرى، ما يخلي واحدة تشوف يذبحون أختها، فإنها لو علمت بالموت، وأنها تموت كما تعلمون بموتكم، ما طعمتم منها سمينة، لكن أنتم تعلمون أنكم تموتون ولا تهتمون، هي ما تدري أنها تموت، وإلا ما بتسمن أصلًا، لا إله إلا الله.

وهكذا، ومن خير ما في الذبحة، الأُضحية، المقبل علينا في شهرنا المقبل الذي أشرفنا عليه، بارك الله لنا وللأمة فيه، فما عُبد الله بشيء أفضل من نحر الدم في ذاك اليوم. وقد قدّم ﷺ هدي إلى الحرم، فكان مئة ناقة، مئة جمل، قدّمه وذبح بيده الشريفة، نحر بيده الشريفة 63 بدنة، ثم ناول المدية سيدنا علي وأمره أن يكمل بقية المئة، لا إله إلا الله، ثم أنه أيضًا ذبح أيام منى أضحية أخرى غير الهدي، ذبح أضحية شاة من هذا الذي احتفظ بها سيدنا ثوبان، الشاة التي كان يطعمه منها حتى وصل إلى المدينة المنورة ﷺ، لا إله إلا الله. 

يقول: "فإذا صدقت العزمة وقويت الهمة وأخلصت العملة وأفردت النية أثمر لك صدق العزيمة وإخلاص العمل وتجرد النية؛ أنوار الهداية لسبيل المشاهدة"، فتكون لك الأنوار، فتكون موصلة "وتحقيق الولاية. قال الله تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ). 

"وأما الواصلون: فلهم أنوار المواجهة وهي المشاهدة، وهم المعنيين بآخر الآية وهو قوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69].". 

  • "(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ)"؛ نعطيهم أنوار الهداية، فهم للأنوار.
  • ولكن الذين فوقهم "(وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)"، قال: أنا مع هؤلاء، الذين وصلوا رتبة الإحسان؛ فلهم الأنوار. 

قال: "ومقام الإحسان هو الاستغراق بمشاهدة المحبوب كما فسّره" سيد المرسلين "بقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه"" هيا تأملها: "كأنك تراه"، "كأنك تراه"، "كأنك تراه"، سمعت أو عادك ما سمعت؟ "كأنك تراه"، سمع قلبك أو عاده؟ "كأنك تراه"، "كأنك تراه"، سمعت روحك أو عادها؟ "كأنك تراه"، "كأنك تراه"، "كأنك تراه"، أيش هذا! "كأنك تراه"، "كأنك تراه"! أيش هذا المقام؟ أيش هذا الشعور؟ أيش هذا الشهود؟.. "كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" -جل جلاله تعالى في عُلاه-. 

"ومحال أن تراه وترى معه سواه."؛ ما دام عندك سوى ما تراه، ما دام معاك سوى أنت للسوى، ما ترى حتى لا يبقى معك سواه، قصدًا ومرادًا ومشهودًا وشعورًا وإحساسًا؛ ما عاد يبقى سواه، حينئذٍ "كأنك تراه"، لا إله إلا الله. 

"ومن كان الله معه كانت الأشياء معه وله، لا هو معها"، ما عاد هو يكون مع الأشياء، تكون الأشياء معه، وتكون الأشياء له، "إذا الله معه" من كان الله معه، خلاص ما عاد تبقى مع الله "معيّة أخرى"، لأنه لا شريك له، يبقى الله وحده معه، والأشياء مع هذا الإنسان الموفّق، ليس هو معها، هو مع الله، والأشياء ترجع معه. من كان مع الله، كان ربي معه، ومن كان الله معه كل شيء معه خلاص. ولكن هو مع الله وحده.

"فلم يكن فيه معية أخرى، فهو غائب عن شهود وجوده فضلا عن فعله مع فعل" كل موجود. "مع فعل موجوده وهو الله سبحانه وتعالى،" (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29]. "فمن لم يكن كذلك"؛ ولا وصل هذه المرتبة؛ "لازمه شهود الأغيار" شاهد نفسه وشاهد غيره، ما يكون مع الله، يكون مع غير الله دائمًا.. دائمًا معه غير الله، مادام عنده غير، ما هو مع الله، إلى أن يذهب الغير إلا الله، يعرف معنى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ) يقول: إذا ما هلك في مشهودك كل شيء، ما تشوف، ما تصل إليه. أول تيقن قوله: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ)، خلاص، (إِلَّا وَجْهَهُ ۚ) خلاص. الآن تصل، أما عاد في بالك، أنت عاد ما أنت هالك، وعاد الوجود ما هو هالك، والسماء ما هي هالكة، اقعد معها، اقعد معها، اقعد معها. يا أرض، يا سماء، يا عرش، يا كرسي، يا جنة، اقعد معها… مخلوقات.. (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ)، تعال إليه، فز بقربه، فز بمعرفته الخاصة، يكون معك، تكون معه، الله أكبر.

فتكون بعد ذلك الدنيا والآخرة، والجنة والعرش والكرسي معك ولست أنت معها، هي معك، وأنت معه هو، لأنه موجدها ومنشئها، وبارئها وخالقها، ومدبّرها والمتصرف فيها هو، فتكون أنت معه، وتكون هي معك، لا أنت معها، أنت معه وحده، هذا إذا اصطفاك لنفسه، (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه:41] فضنَّ بهم عن أن يكلهم إلى غيره، له الحمد على ما أعطاهم. الله يرحمنا بهم، وينظر إلينا بهم، وكما نظر إليهم، ينظر إلينا إنه أكرم الأكرمين. يا ربنا، نتعرض لنفحاتك، فاجزل لنا عطياتك، ولا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، وادفع عنا جميع القواطع. 

وهذا المقيّد "في محابل الأخطار، ويشهد الوسائط"، وينسى الحق "فيطالب بمقتضى مشهده" لا إله إلا الله، (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)، هم يقولون: (مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ)، كيف ما أنزل؟! أنتم تقولون أن عندكم التوراة، ونزلت على موسى، والآن يريدون يكذبون بالنبي ﷺ بالقرآن، (قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ)، مَنْ؟ (قُلِ اللَّهُ)، الله، هذا الذي أرسلني، هو الذي ينزل الكتاب على موسى، وأرسل موسى قبلي هو أرسلني. (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام:91]، فهم في لعب، واللعب كل مَا انقطع فيه الخلق عن الخالق.. لعب، أي صناعات، أي تطورات، أي أعمال، أي هندسة، أي مباني، أي زراعة، أي جسد، أي جاه، أي وزارة، أي رئاسة، أي وظيفة، انقطعوا فيها عن الخالق، هي من الظلمات، من الباطل كلها، لعب، كلها لعب، ومن اتصل بالله -سبحانه وتعالى- هذا صاحب الجِدّ الذي أدرك الحقيقة وحده فقط؛ هذا صاحب الحقيقة. 

يا رب صِلنا وأوصلنا وواصلنا، ولا تعاملنا بما نحن أهله وعاملنا بما أنت أهله، يا الله. 

وهذا الوهم والخيال الذي يسمونه اليقين الفاسد، والالتفات إلى الكائنات يقين فاسد الباطل، ما له حقيقة؛ وهم. واليقين الحق: (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)، الباقي لعب، لا إله إلا الله. "بطلان ماسوى الله عز وجل"

يقول: "(قُلِ اللَّهُ ۖ) فليس بعد الله، فهذا فيه مرتبة توحيد الإشارة، وهو مختص بنبينا  فهو سيد أهل هذا المقام، "وهو قوله (قُلِ) فحارت الحقائق القربية، واللطائف الحبية في هذا البحر الذي لا ساحل له ولا منتهى" (قُلِ اللَّهُ ۖ) "ولا يعرف لأوليته ابتداء،" قالوا في وصفه ﷺ:

…………………… *** بِمَبْدَاهُ حَارَ الْخَلْقُ كَيْفَ انْتِهَاؤُهُ؟

 

‏هُوَ النُورُ يَهْدِي الْحَائِرِينَ ضِيَاؤُهُ *** وَفِي ٱلْحَشْرِ ظِلُّ ٱلْمُرْسَلِينَ لِوَاؤُهُ

تَلَقَّى مِنَ ٱلْغَيْبِ ٱلْمُجَرَّدِ حِكْمَةً *** بِهَا أَمْطَرَتْ فِي ٱلْخَافِقَيْنِ سَمَاؤُهُ

وَمَشْهُودُ أَهْلِ ٱلْحَقِّ مِنْهُ لَطَائِفٌ *** تُخَبِّرُ أَنَّ ٱلْمَجْدَ وَٱلشَّأْوَ شَأْوُهُ

قال الإمام الحداد:

هو الساس وهو الرأس للأمر كله *** بأوّلهم يُدعى لذاك وآخرِ 

وتحت لِوَاهُ الرسل يمشون في غدٍ *** وناهيكَ من جاهٍ عريضٍ وباهِرِ 

وفيه عليه اللهُ صلى ودائعٌ *** من السِِّر لا تروى خلال الدفاترِ 

ولكنها مكتومةٌ ومصانةٌ *** لدى الأولياء العارفين الأكابرِ 

وموروثةٌ مخصوصةٌ بضنائنٍ *** لربِّك من أهل التقى والسرائر 

 

هو القائم السجَّاد في غسق الدجى *** فسَلْ ورَمَ الأقدام عن خيرِ صابرِ 

هو الزَّاهد المُلقي لدنياه خَلفَه *** هو المجتزي منها بزاد المسافر

وباذلها جودًا بها وسماحةً *** بكفِّ نداها كالسَّحَابِ المواطِر 

 

(قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ). كل ما رأيته فليس سواه. قل الله… "لا مشهود إلا إياه"، لا معبود إلا إياه، لا مقصود إلا إياه. "ولا بعد ذلك إلا خوض ولعب، لأنه إذا ظهر الحق فما فائدة التطلّب إلا الخوض في الباطل. واللعب هو كثرة ترديد ما لا جدوى له"؛ من ذلك يُقال للُّعاب لعاب، لعابك هو ريق يظل يتردد، يتردد، يتردد… "والوقوف على الحق عند ظهوره وصف الموحّدين، والخوض واللعب وصف الجاحدين". قالوا: 

  • (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)؛ ما لنا سلوك صحيح ولا إقبال صادق.
  • (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)؛ ما لنا مرعى للحقوق وأداء حق الخلائق.
  • (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ)؛ هذا هو اللعب، يصلّحون مؤتمرات واجتماعات ومشاريع… لعب، يلعبون!
  • (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ) . إذًا كلامنا باطل، والحق ما قال المرسلون، (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) [المدثر:42-48]، والعياذ بالله.

"الخوض واللعب وصف الجاحدين الضالين عن سبيل الهداية، والسالكين طريق الغواية".

الله قُل، فهو المقصود بالطَّلبِ *** ولا تزِد بعد ذا في الخوض واللعب 

الله يرزقنا صدق الإقبال عليه، ويحققنا بحقائق لا إله إلا الله، حقائق الحمد لله، حقائق سبحان الله، حقائق الله أكبر، الله أكبر… هذه شعاراتنا في العيد، الله أكبر، كلما أرادت نفسك تكبّر مظهر، تكبّر آدمين، تكبّر جن، تكبر… قل: الله أكبر، الله أكبر. 

قال بعض الذين قاتلوا بعض الملحدين في فترة من الفترات مضت، وكثير من أسلحتهم الحديثة؛ أحدث الأسلحة، غنموها المجاهدين وصاروا يقاتلونهم بها، وبعد ذلك بعض أسراهم الذين أسروهم، قالوا لهم: كيف كنتم تُخذَلون وأنتم كثير وعندكم أسلحة كبيرة؟! قالوا: بعض كلمات تقولونها نحس في صدورنا ضجة ونفزع؛ ما عاد نقدر لا نضرب بالدبابة ولا المدفع ولا… وخاصة كلمة واحدة، قالوا: ما هي؟ قالوا: تقولون بر، بر، على الله أكبر. قالت: تقولون بر، بر، ننزعج، قلت ما عاد نجي على السلاح الذي معنا! وهم مدربين جنود من أهل التمرين وأحدث الأسلحة، ما عاد نفعتهم أسلحتهم! الله، لا إله إلا الله. 

الله أكبر، عسى نكبّره حقيقة، عادك مغالط في نفسك شيء كبير، وكذا كبير… الله أكبر! أبعِد تكبير غيره من ذهنك، الله أكبر.. فما شيء يهمّك مثله، ولا شي عندك أعظم منه، ولا تريد إلا هو. الله أكبر، شعاراتنا في الآذان والدخول للصلاة، الله أكبر. 

قال بعض العارفين: صليت خلف عارف بالله، هذا الشيخ قال: فكبّر تكبيرة مرَّت على خاطري، محت منه كل شي غير الله. قال: حتى كنت قبل أشكي وساوس وغيره، من يوم كبَّر، سمعت التكبيرة من خلفه، ما عاد بقي في قلبي شيء، الله أكبر. وكبَّر مرة الإمام الحداد بالصلاة، الله أكبر، انشق الجدار من تكبيرته، الله أكبر.. تكبير الصدق هذا. وكنا نسمع بعض العوام إذا سمع الله أكبر، يقول: لا كبير إلا هو، الله أكبر، لا كبير إلا هو، لا إله إلا هو. 

الله يرزقنا حقيقة سبحان الله، والحمد لله، لا إله إلا الله، والله أكبر. وحقيقة لا حول ولا قوة إلا بالله. اللَّهم ارزقنا تلك الحقائق، واسقنا من شرابها الرائق، وألحِقنا بفريقها خيار الخلائق، يا كريم، يا وهّاب، يا منّان، يا رزاق، يا خالق، يا الله. 

بواسع الغفران، وعظيم الغفران، وأتم الغفران، اغفر لنا بمحمد، ثبِّتنا على من منهجه الأرشد، واجعلنا من خواص مَن بمحبته تحقّق، وسلك سبيله في كل مقيّدٍ منه ومطلق، ورقّانا بأعلى مراتب الفهم عنه والمعرفة به، والإخلاص لوجهه الكريم، والصدق معه في جميع الشؤون في الظهور وفي البطون، يا مَن يقول للشيء كن فيكون، اجمعنا بحبيبك الأمين المأمون، يا مَن يقول للشيء كن فيكون، اجمعنا بحبيبك الأمين المأمون، اجمعنا به عليك وأوصلنا به إليك، وارزقنا شهودك بمرآته، وتولّنا به في جميع أحوالنا، وبلّغنا به فوق أمالنا، واصلح به جميع شؤوننا في ظهورنا وفي بطوننا. 

واقبلنا يا ربنا على ما فينا، اقبلنا يا ربنا على ما فينا، اقبلنا يا ربنا على ما فينا، إنك إلهنا وبارينا وما لنا إلا سواك ولا رب غيرك، أين نضع حاجاتنا وأمنياتنا ووجهاتنا وطلباتنا، أنت الرب وحدك، أنت الإله وحدك، أنت القادر وحدك، أنت العفوّ وحدك، أنت الغفور وحدك، أنت الذي بيدك الأمر وحدك، أنت الذي إليك يرجع الأمر وحدك، لا إله إلا أنت وحدك، اقبلنا على ما فينا، أقبل بوجهك الكريم علينا، اقبلنا على ما فينا، وأقبل بوجهك الكريم علينا، اقبلنا على ما فينا، وأقبل بوجهك الكريم علينا، أوصلنا إليك، اجعلنا من الموصولين بإذنك إليك، والدالين بفضلك عليك، ارفع لنا كل حجاب وافتح بالخير لنا كل باب، ألحِقنا بساداتنا الأحباب واسقنا من شرابهم خير شراب، تولّنا بما توليت أولئك الأطياب، ارفعنا أعلى مراتب الاقتراب، يا كريم يا وهاب. شرفنا بكشف الحجاب عن سمير حضرة قاب في مقام الاقتراب، ادخلنا عليك من هذا الباب، وزدنا من نوالك ما أنت أهله في كل شأن، وأصلِح لنا كل سرٍّ وإعلان، واجعلنا عندك من خواص أهل القرآن، واختم لنا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا، بخير ولطف وعافية، بِسِرّ الفاتحة وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

28 ذو القِعدة 1440

تاريخ النشر الميلادي

31 يوليو 2019

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام