الحِكَم العطائية - 19 | مَن أشرقت بدايته؛ أشرقت نهايته

شرح الحكم العطائية لباراس -19- (مَن أشرقت بدايته أشرقت نهايته)
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.

عصر الإثنين 26 ذي القعدة 1440هـ.

الحكمة (27): من أشرقت بدايته؛ أشرقت نهايته.

الحكمة (28): ما استُودِعَ في غيب السرائر ظهَر في شهادة الظواهر.

الحكمة (29): شتّان بين من يَستدِلُّ به وبين مَن يَستدِلُّ عليه، فالمستَدِلُّ به: عرفَ الحقَّ لأهله، وأثبتَ الأمرَ من وجود أصله، والاستدلالُ عليه: من عدم الوصول إليه، وإلا… متى غاب حتى يُستَدَلَّ عليه؟! ومتى بَعُدَ حتى تكونَ الآثارُ هي التي توصِلُ إليه؟!

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الشيخ المؤلف علي بن عبد الله بن أحمد باراس، رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه وعنه ودارنا آمين ورضي الله عنه وعنكم:

فإذا كان الرجوع إلى الله في البداية علامة على النُجح في النهاية عبر المؤلف -رضي الله عنه- بعبارةٍ أخرى لهذا المعنى فقال:

 

الحكمة (27): من أشرقت بدايته؛ أشرقت نهايته.

 

فإشراقُ البداية: بالفناء عن أفعالك وشهودِ فعله؛ والتبرُّئِ عن الحول والقوة في كل فعل، والاعتمادِ على حول الله وقوته. 

وإشراقُ النهاية: فناؤُك عن وصفك بوصفه، وذهابُ ذاتك عند لوامع تجليات ذاته، وفقدُ أنيَّتِك عند توالي ظهور مُشرِقات جماله، واحتراقُ أوصافك بمحرقات جلاله، وذهابُك وفقدك عند تجلّي سلطان كماله، فهذا وما شاكلَه من جملة إشراق النهايات ومبادئها، وأما كلّياتها ونهاياتها… فلا تفي به العبارة، ولم توميء إليه الإشارة؛ لقصر الأفهام عن ذلك. فالفناء عن الأفعال: هو إشراق البدايات، والإشراق: لا يكون إلا عبارةٌ عن النور الذي علمتَ فيما تقدم أنه الوجود، والظلمة: هي العدم. 

  • فما لم يشرق نور أفعال الله تعالى على ظلمة أفعالك… بقيت رؤيةُ أفعالك حجُباً ظلمانيةً. 
  • وما لم تشرق أوصافـه على وجود أوصافك… بقيتَ محجوباً بحُجُب كونية.

 ولي في ذلك شعرا:

إشراقُ أفعاله نورٌ يُشاب به *** وجودُ وصفِك فاخرجْ عنهُ وارتحلِ 

إلى شهود كمال الذاهبين به *** عن كل وصفٍ وعن ذاتٍ وعن عللِ 

فلما كانت النهايات غيباً، والبدايات شهادة… ظهر في شهادة البدايات ما اسْتُودِع في غيب النهايات؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:

 

الحكمة (28): ما استُودِعَ في غيب السرائر ظهَر في شهادة الظواهر.

 

ما استودِع من نور الذكر، وحقيقة الصدق، وبَذْرِ الهداية، وسرّ الولاية، ولطيفة الإيمان، وتجلّي الإيقان ، وإشراق شموس الإحسان، وشهود العيان في سريرة الإنسان وفطرته… فلا بدَّ وأن يلوحَ على هيكله آثارُه، وتشرقَ عليه أنوارُه، وتتزكّى ظواهرُ أعماله، وتصفو سرائرُ أحواله، وتنغمر بنور القبول في مسامع الخلق أقوالُه، وتُجلى لديهم إشارتُه، وتُفصِح بالصواب عبارته.

ولذلك دلالاتٌ وظهورُ آيات، يُعرف بها من أودع اللهُ نور الإيمان في سريرته؛ كما سنذكره قريباً إن شاء الله عند قوله: لو أشرق نور اليقين..

ومن جملتها: الطمأنينةُ بذكر الله، والنَّفرةُ عن معاصي الله، والتوكلُ على الله، والرضا عن الله، والصبر في مُمِرّات الأمور لله، والتعلُّق على دوام الأوقات بذكر الله، والتولُّه في شهود جمال الله، والتحيُّر في جلال الله، واستعمال الجوارح باستفراغ الجهد في طاعة الله، واتباعُ محابّ الله، واحترام حرُمات الله، واتباع رسول الله، وإجلال الله، ومحبةُ أولياء الله، ومناصرتـُهم وموادّتهم وامتثال أوامرهم، وبغضُ معاصي الله، ومجانبة من ينتهك محارم الله وإن كان أقربَ أحمائه، وأحبَّ أولاده، وأحنى إخوانه، وخواصّ عشيرته؛ لذلك قال جل ذكره: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) [المجادلة:22].

فحُسْنُ أسرَّة المرء دليلٌ على حسن سريرته ، كما كان قبحُ الأسرَّة يدل على قبح السريرة، ولذلك قال رسول الله ﷺ:  "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه"، أو كما قال.

فمن ادّعى أن سريرته حسنةٌ وهو مهملٌ لأوامر الله، غيرُ مكترثٍ بمعاصي الله… لم يُقبل ذلك منه، بل يُحمَل على ما أظهَره من أمره، ونَكِلُ سريرتَه إلى الله.

قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: إنا كنّا نأخذ بالوحي في عهد رسول الله ، وأن الوحي قد انقطع -يعني وحي النبوة- وما بقي إلا أن نأخذ ماظهر لنا، فمن أظهرَ لنا خيراً… قبلناه وأمِنَّاه، ونَكِلُ سريرتَه إلى الله، ومن أظهر لنا غير ذلك… لم نأمنه ولم نصدّقه وإن قال أن سريرتَه حسنة.

وأما وحي الإلهام والتحديث… فهو باقٍ مستمرٌ أبد الآباد؛ كما ورد عن رسول الله  في وصف عمر نفسه: "إن يكن من أمتي مُحدَّثون.. فعمرُ منهم". وكلُّ من غلبت على سريرته الآدابُ الإلهية، وتوالت على سِرِّه الأخلاقُ الربانية… ظهرت عليه آثارُها، وسطعت على أفعاله أنوارُها، (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ) [الفتح:29]. في عالم الأرواح، يظهر خشوعُها في الأشباح؛ فكل ما أكنَّتَهُ السرائر… فلا بد وأن يلوح على صفائح الظواهر. ولي في ذلك:

لاشْباحُ تحكي بما في السرًِ منكتمٌ *** كما الزجاجةُ للأنوار تحكيها

فما بطَنْ في مَصون الغيب من حِكَمٍ *** لا بدّ أن يشهد التحقيقَ رائيها

فلما كان الأمر مبني على غيبٍ وشهادة، وهو عالم الغيب والشهادة، ولكن الغيب: شهودُ الحق مجرَّداً عن نسبة الأسباب، وظهورُه في الشهادة مقرونٌ في نظر الخلق بوجود الأسباب… خطبَ من سُرادِقات الغيب قلوبَ الأحباب، واختطفت غيرةُ المحبة أسرارَ المجذوبين المحبوبين، واستخلصت حضرةُ الأزل أرواح المجذوبين المرادين، وبقيت قلوبُ السالكين تحت حكم سلطان اسمه الظاهر، في متعدِّدات المظاهر. 

 

الحمد لله مكرمنا بأنوار الهداية، وحُسن الدلالة لسلوك البداية المُوصلة إلى النهاية، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، هو الغاية لكل غاية، أرسل عبدَه المصطفى محمدًا بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا، وجعله في كل خيرٍ النهايةَ لكل نهاية. أدم اللهم صلواتِك على عبدك المصطفى، وعلى آله أهلِ الصدق والوفا، وأصحابه الحُنفا، ومَن تبعهم ووالى واقتفى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أشرف الشُّرفا، وعلى آلهم وصحبهم وملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم، برحمتك يا أرحم الراحمين يا من استوى عنده الظاهر والخفا، وأنت حسبنا وكفى.

 فبعدُ،

يواصل الشيخ ذكرَ هذه المعاني البديعة والدلالات الحسنة البيّنة الرفيعة، ويقول: "مَن أشرقتْ بدايتُه، أشرقت نهايتُه"، كما قال في حكمةٍ أخرى: "مَن لم تكنْ له بدايةٌ مُحرِقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة.".

ويقول الشارح الشيخ علي باراس -عليه رحمة الله-: إن "إشراق البداية": بالفناء عن الأفعال بشهودِ توفيق الله، وإجرائِه ما بدر من الإنسان المتوجّه إليه، والعاملِ بطاعته وتسخير الأسباب لذلك، وإقامةِ الله كلَّ ذلك من جميع الوجوه، وإذا الفعلُ فعلُ الله. 

فتَفنى أفعال ذلك الإنسان، ويَتبرأُ عن حوله وقوته لمّا بدا له طالعُ حول الله وقوة الله تعالى في علاه، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

 وكلُّ حولٍ وقوّةٍ لملَكٍ أو إنسانٍ أو حيوان أو جنّيٍ.. فإنّما هذا الحول الذي عنده من حول الله؛ يعطيه إياه، يُحدثه له، ويعطيه إياه محدَّدًا ومؤقّتًا، وكذلك كل قوةٍ لهم، ولكنَّ صاحب القوة الأزليّة الأبديّة الذاتية… هو وحده، وصاحبَ الحول الأزليّ الأبديّ الذاتي… هو وحده، فلا حول ولا قوة إلا بالله. فلا تَمدُّ بعوضةٌ جناحها، ولا يُحرك طائرٌ جناحيه بين الأرض والسماء  إلا بالله، بقوة الله وقدرة الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

يقول: "إشراقُ النهاية: فناؤُك عن وصفِك" بشهود طالع أوصاف الحق جل جلاله، "وذهابُ ذاتك" في شهودك "عند لوامع شهودِ تجلّيات" ذات الحق جلّ جلاله وتعالى في علاه، قال نبيُّنا المصطفى محمدٌ ﷺ: "أصدقُ كلمةٍ قالها الشاعرُ.. كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ".

 "فقدُ أنيَّتِك"؛ أنا التي تقول بها أنا.. تفنى، تنتهي، "عند توالي ظهور مُشرِقات جماله"، فلا يكون عندك إلا هو، لا أنا. وإبليس قال: أنا، ومحمّدٌ ﷺ قال: إلا أنتَ، وقال جميع الأنبياء المرسلين: اللهُ لا إله إلا هو، صلوات الله وسلامه عليهم. 

يقول: "واحتراقُ أوصافك بِمُحرِقات جلاله". 

فنوا عن الكون جملةً *** لما بدا طالع الجلال 

"وذهابُك وفقدُك عند تجلّي سلطان كماله"؛ هذا من إشراقات النهايات، ومبادئ النهايات.

وأما كليات النهايات، ونهايات النهايات قال: "لا تَفي به العبارة"، لا بالعربية ولا بالسريانية ولا بلغةٍ من اللغات الأخرى، لا يمكن الوصول إليها، من شؤون ذوقٍ لا يذوقها إلا من كان مع أهل فوق، من لم يطلع فوق ما يعرف، وكل ما كلموه يزدادُ الإشكال عنده، ويزداد الغموض لديه، ما يجي عليها حتى يذوقَها. لا إله إلا الله.. 

قال: "فالفناءُ عن الأفعال:" بشهود عظمة الموفّق الفعال "هو إشراقُ البدايات"، وهو: "عبارةٌ عن النور" الذي هو وجود الحق جل جلاله. أما "الظلمةُ فهي: العدم". 

  • وكل ما لم يشرق عليه نورُ فعل الله من الأفعال… فهو الظلمة.
  • وما أشرق عليه نور فعل الله… فهو الوجود وهو النور. 

وكذلك الأوصاف. وهو من معاني قوله تعالى (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)[القصص:88]، فما كان لله من الأقوال والأفعال.. فهو الخيرُ والنور والباقي، وما كان سوى ذلك.. فهو الظلمة، لا إله إلا الله.

"فإذا لم يشرق نورُ أفعال الله على ظلمة أفعالِك"…تبقى في رؤية أفعالك، وتكون لك "حُجُباً ظلمانيةً؛" تحجبُك وتحملك على الأنيَّة، وتقول أنا. "وإذا لم تشرق أوصافُه على وجود أوصافك… بقيت محجوباً بحُجُبٍ كونية"، تحولُ بينك وبين حسن الشهود للملك المعبود. لا إله إلا الله

"فالنهاياتُ غيبٌ، والبداياتُ شهادة، فيَظهر في شهادة البدايات ما استُودِع في غيب النهايات"؛ كذلك باطنك وظاهرك، فإنك تحكي بذلك عالمَ الغيب والشهادة. 

  • فأنتَ بباطنك وسريرتِك وقلبك وروحك… تحكي عالم الغيب. 
  • وأنت بجسدك وأعضائِك وما يظهر منها… تحكي عالم الشهادة. 

وأنواعُ ما يجري بين عالَم الغيب والشهادة.. له موافقاتٌ ومشابَهاتٌ فيما يجري بين سرِّك وجسدك، بين ظاهرك وباطنك، بين سريرتك وعلانيتك.

 وتحسَبُ أنك جرمٌ صغير*** وفيك انطوى العالَمُ الأكبر

 

فيقول: "ما استُودِعَ في غيبِ السرائر… ظهرَ في شهادة الظواهر."

 كلُّ ما وصل إلى باطنك، واستُودِعه قلبُك وسريرتك من وصفٍ وحال… فإن ظاهرَك وجسدك، وما يبرز منه من أعمالٍ وأقوالٍ …يُنبي عن ذلك المستكنِّ في باطنك من الذوق والحال، "ما استُودِعَ في غيب السَّرائر… ظهرَ في شهادة الظواهر."

ولذا قال تعالى: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ)[الفتح:29]؛ والسجود أمرٌ قلبي، برزَ من سرّ السجود الذي استكنَّ في القلب على قسَمات وأسِرَّةِ الوجه لوامعُ الخضوع إلى الرب جل جلاله، فسيماهم في وجوههم من أثر السجود. 

ولذا ربط الشارح بين الأسِرَّة والسريرة؛ أسرَّةُ وجهك وقسماتُه وتعبيراته.. تعبر عما استكنَّ في سريرتك، وبطَن في ضميرك. يقول: "ما استُودِع من نور ذكرٍ، أو حقيقةِ صدقٍ، أو بَذْرِ هدايةٍ، أو سرِّ ولايةٍ، أو لطيفة إيمانٍ، أو تجلي إيقانٍ، أو إشراق شمس إحسانٍ" رباني على الإنسان، "أو شهود عيانٍ في سريرة الإنسان"، فهذا الذي يُستودَع في باطن الإنسان لابد "وأن يلوحَ على هيكله آثارُه، وتشرقَ عليه أنوارُه، وتتزكىّ ظواهرُ أعماله" بزكاة بواطن أحواله، "وتصفو سرائرُ أحواله، وتنغمر بنور القبول في مسامع الخلق أقوالُه، وتُجْلى"؛ تُوضح، وتُبين "لديهم إشارتُه، وتُفصِحُ بالصواب عبارتُه"؛ إذا تكلم فهموا وأدركوا نصيبًا منه، وقد يتكلم بنفس الكلمات أو ما يقرب منها غيره لكن ما يفهمون منه، ولا يقع موقعًا في قلوبهم، لأنه ليس في قلبه مثل الذي في قلب ذاك. "ولذلك دلالاتٌ وظهورُ آيات؛" يفرَّق فيها "ويُعرف بها مَن أودعَ اللهُ نور الإيمان في سريرته" ، قال: وسيأتي في شرح حكمةٍ من الحكم عند "قوله: لو أشرق نور اليقين.."

من جملة العلامات: 

  • "الطمأنينةُ بذكر الله"، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[الرعد:28] لا إله إلا الله. 
  • "والَّنفرةُ عن معاصي الله،" هذا دليل أن في الباطن سرُّ الخشية من الله، والتعظيمُ لأمر الله والمحبة. 
  • "والتوكلُ على الله، والرضا عن الله"، تبارك وتعالى.

وكن راضي بما قدّر المولى ودبّر *** …………………..

  • "والصبرُ في مُمرّات الأمور"؛ أي: الأمور المُرّة الصعبة لله تبارك وتعالى. 
  • "والتعلّقُ على دوام الأوقات بذكر الله"، قال (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ) [آل عمران:191]. 
  • "والتولُّه في شهود جمال الله"؛ أي: الذهاب والتفاني بقوة الولع؛ التولّه. 
  • "والتحيُّر في جلال الله"، وهي حيرةُ المعرفة، وكلما ازدادت المعرفة.. زاد هذا التحيّر، وقال ابن الفارض: 

زدني بفرطِ الحب فيكَ تَحيُّرا *** ………

هذا تحيُّر عجيب زدني منه، لأنّه دليل المعرفة، وكلما عرفتَ أكثر حِرتَ أكثر، فحار عقلك في عظمة الله أكثر، وقال الحبيب علي: 

وليس لِعَينِ الكشفِ يا صاحِ مُنتهى*** سوى حَيرةٍ في حيرةٍ ضمن حيرةِ

وهكذا جمالُه تَحار فيه العقول، ويُدهِش الألباب، ولمّا أنك لا تحيط به فتحار، ولا تزال كلّما ازددتَ معرفةً ازددت دهشةً وحيرة.

 قال: 

  • "واستعمالُ الجوارح باستفراغ الجهد في طاعة الله"، هذا علامة ما في الباطن. 
  • "واتباعُ محابِّ الله" 
  • "واحترامُ حرُمات الله" 
  • "واتباعُ سيدنا رسول الله" 
  • "وإجلال الله" 
  • "ومحبةُ أولياء الله، ومناصرتُهم وموادتُهم، وامتثالُ أوامرهم" 
  • "وبغضُ معاصي الله" 
  • "ومجانبة من ينتهك محارم الله، وإن كان أقربَ أحمائِه وأحبَّ أولاده وأحنى إخوانه، وخواصّ عشيرته" وأبنائه، (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)؛ أظهرَ العداوة والمخالفة والمضادّة لأمر الله وأمر رسوله، (وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة:22].

قالوا لأمّ سعد بن أبي وقاص لمّا أسلم: إنّه حريصٌ على برِّك وخدمتك، والآن حاولنا بكل وسيلةٍ لنرَدَّه عن دين محمدٍ واتباع محمدٍ ما رضي، لكن أنت تقدرين، لأنه يَبرّك، ويشقُّ عليه مشقّتك، فاجلسي في الشمس وقولي له: لا أستظلُّ ولا آكل ولا أشرب حتى تكفرَ بمحمد، فإنه سيكفر، فعملتْ ذلك، فلما قالت ذلك قال: يا أمّاه أبرُّك في كل شيء، أما دينُ الله واتباع محمد… فلو كان لك مئةُ روحٍ إلى روحك وخرَجَت أمامي واحدةً بعد الثانية، لم أكفر بمحمدٍ وما جاء به! ورأت جد وصدق، خلاص راحت بعدين، رأت قدّامها جبل راسخ صادق ما يغريه شيء. وهكذا فهو قائمٌ بالبر والمعروف، ولكن لا مودةَ في مخالفة أمر الله أبداً والخروجَ عن دينه، عليه الرضوان.

 قال: "فحُسْنُ أسرَّة المرء"؛ ملامح وجهه، "دليلٌ على حُسن سريرته"، ولذا تجد عامة الأخيار -أهل الرحمة- تنبسط القلوب برؤيتهم ورؤية وجوههم؛ لما تحمل بواطنُهم من الرحمة والرأفة للناس، والإشفاق عليهم، والحرص وإرادة الخير لهم. 

"كما أنَّ قُبحَ الأسرَّة يدل على قبح السريرة". يقول: "لو خشع قلبُ هذا خشعت جوارحُه"، لمّا مرّ على رجلٍ يعبث بلحيته في الصلاة قال "لو خشع قلبه خشعت جوارحُه". 

ولهذا قال: "من ادّعى أنّ سريرتَه حسنة وهو مهملٌ لأوامر الله" ولا يكترث بالوقوع في المعاصي، "لم يُقبل ذلك منه"، وذكر قولَ سيدنا عمر: "كنا نأخذُ بالوحي في عهد رسول الله ﷺ"؛ يبيّن لنا الأشياء، يُظهر بعض المُخبَّئات "وإن الوحيَ قد انقطع" بعد وفاة النبي ﷺ "-يعني: وحيَ النبوة-"؛ وحي الشريعة، ووحي الرسالة، "وما بقيَ إلا أن نأخذَ ما ظهرَ لنا، فمن أظهرَ لنا خيرًا… قبلناه وأمِنَّاه، ونكِلُ سريرتَه إلى الله"، عالم السرائر، "ومن أظهر لنا غير ذلك…لم نأمنْه ولم نصدِّقه وإن قال: إن سريرته حسنة". كلامك لك،  ماذا يظهر عليك؟ ماذا يبدو منك؟ كيف تتعامل؟ كيف تأخذ وتعطي؟ نعاملك بهذا.. وهذا هو المنهج الذي ترَكَهم عليه ﷺ، وأن السرائر إلى أمر العليم الخبير الفاطر، له السرائر وهو يتولاها جل جلاله وهكذا.

ولا يُخادِع ويتحيّل ويمكر أحدٌ بأحدٍ من أهل الله.. إلا كان الله تبارك وتعالى منتقِماً لوليِّه من ذلك المُتحايل الماكر المخادع . 

  • قال الله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) لكن واقع الأمر (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)  [البقرة:9].
  • (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) [النساء:142].

 كيف يخادعون الله؟ بخداع المؤمنين،  يكذب على النبي، ويكذب على الصحابة، يظن أنه خادعهم، لا إله إلا الله. 

وهكذا الغالب أنَّ ما في سريرة الإنسان وباطنه يظهرُ على أحوالِه وأفعاله وأقواله ومعاملاته، يقول: والذي "انقطعَ وحيُ النبوة"، هذا الذي ما يمكن بعد النبي، "أمّا وحيُ الإلهام والتحديث" نعم، مثل الوحي ببعض الأخبار لسيدنا عيسى بن مريم عليه السلام، لما ينزل إلى الأرض، ما تكون شريعة جديدة، وحي شريعة لا، ولكن بعض أخبار عن منازل  في الجنة، وغير ذلك مما يُخبر اللهُ به عيسى، ويخبرُ به الناس، ويوحي إليه بوحي غير الشريعة، أما  وحي الشريعة انقطع، انتهت الشريعة بشريعة سيدنا محمد ﷺ، "وأنا المُقفِّي والعاقبُ الذي يُحشَرُ الناسُ على قدمي"؛ فهو الحاشر والعاقب والمقفّي؛ الذي قفّى الرسل، ولا نبيَ بعده ﷺ.

"وأما وحي الإلهام"، منه الوحي الذي عند سيدنا عمر، من الإلهام، وأورد حديث البخاري ومسلم: "إن يكن من أمتي محدَّثون فعُمَرُ منهم"، "وكان فيمن قبلكم من الأمم محدَّثون وإن يكن في أمتي أحدٌ فعمرُ منهم"، "ويقول سيدنا عبدالله بن عمر: فما رأيتُ أبي عمر قال في شيءٍ أظنه يكون كذا إلا كان كما قال. 

وهكذا، وانتهى به إلى أن خاطبَ سارية وهو في نهاوند، وسيدنا عمر في المدينة: يا سارية.. الجبل، يا سارية …الجبل، وسط الخطبة، وأكمل خطبته، ولما قدم الوفد قالوا: في يوم الجمعة كان العدو قد درَجَ علينا من وراء، وطلع الجبل يريد أن يأتينا من ورائنا، فما شعرنا إلا بصوت عمر يخرق مسامعنا يقول: يا سارية الجبل، -كان ساريةُ أمير جيش المسلمين-، فالتفت نحو الجبل فرآهم، فقابلهم، فنُصِر المسلمون، لا إله إلا الله. إن في أمتي محدَّثين وإن عمر منهم. 

"وكل من غلبَتْ على سريرته الآدابُ الإلهية وتوالت على سره الأخلاقُ الربانية… ظهرت عليها آثارُها، وسطعت على أفعاله أنوارُها، (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) [الفتح:29] في عالم الأرواح -يسجدون- فيظهر خشوعُها في عالم الأشباح"، لا إله إلا الله، والسرائرُ أمرُها إلى الحق الباطن الظاهر لا إله إلا هو. 

"فالأمرُ قائم على غيبٍ وشهادةٍ، وهو عالِم الغيب والشهادة."

  • وعالَمُ الغيب: عالَم المعنى وعالَم الملَكوت. 
  • وعالَمُ الشهادة: عالم الحسِّ وعالم المُلْك.

 

الحكمة (29): شتّان بين من يَستدِلُّ به وبين مَن يَستدِلُّ عليه، فالمستَدِلُّ به: عرفَ الحقَّ لأهله، وأثبتَ الأمرَ من وجود أصله، والاستدلالُ عليه: من عدم الوصول إليه، وإلا… متى غاب حتى يُستَدَلَّ عليه؟! ومتى بَعُدَ حتى تكونَ الآثارُ هي التي توصِلُ إليه؟!

 

"شتان؛ أي: بَعُدَ ما بين الفريقين، وبَون ما بين الطريقين؛ أي: طريق المستدِلّين به على وجود الأشياء؛ لأنهم مأخوذون عن رِقِّ الأغيار، وشهودِ الآثار بظهور وحدانية الواحد القهار، ومُتلاشون في مُتلاطمات بحار الأنوار، ومستغرقون في شهود الأسرار.

فأنى يَثبتُ في مشاهدهم رؤيةٌ سوى رؤية مليكهم، أو يلوحُ لهم غيرَه عاكفون في حضرة القِدَم، وغائبون عن الحدوث والعدم؟! فأسرارُهم على كراسيّ الولاية، لم تلوِ على رؤية مرئيّ: حسِّيٍ أو معنوي، دنيويٍ أو أخروي، ملكي أو ملَكوتي.

وإن تعاقبت على ظواهرهم مختلفاتُ العادات… فلأحكامٍ سبقت، وأقسامٍ قدِّرت، يدخلون فيها قبل رؤيتها، فهم به وله، لا بأنفسِهم ولا لأنفسِهم، فانُون عنها حال وجود ظهورها في عالم الشهادة والملك، غائبون عنهم؛ لا تشعر أسرارُهم بسواه، ولا تنظر إلا إياه. 

فهؤلاء صفوةُ أوليائه، وخيرة أتقيائه، لا يسلكون إليه إلا على طريقة المحوِ في وجود الصحو، يُربِحون مَن تابعهم، ويُوصلون إليه به مَن واصَلَهم؛ نعمةً من الله سابغة، ورحمةً من الله بالغة.

يألفون ويوالفون مَن والفهم في الله، لا تتدنَّسُ بواطنُهم بِلَوث الغِلّ، ولا تتغير بتغير الأحوال، نفوسُهم طاهرة، وأنوارُهم باهرة، وأعمالُهم دائمة، وهم في أمانٍ وعافية، والخَلق منهم في أمانٍ وعافية، لا يؤذون جليسهم، ولا يُمارون نديمهم، هيِّنون ليِّنون، تحكم أحوالُهم على كل من رآهم بالاحترام لهم والإجلال، ويَثبتُ الحب لهم في قلوب أهل الإيمان، تجِدُّ إليهم نجائبُ القلوب المُجِدَّة في طلب المحبوب، ويلوح من أنفاسهم بوارقُ الغيوب، يَغنى طالب القرب برؤيتهم، وتوصِلُه محبّتهم. 

فلو ذهبنا نصف ما جلَّلهم الله به من عظم المنّة، وما أتحفَهم به من جزيل النعمة… لطغى علينا طوفانُ الألطاف، وغطّى جبال أعلام وجودنا، وفي الإشارة كفايةٌ لمن أشمَّه الله نسيمَ قربهم، وأذاقه حلاوة حبهم.

 ولي في ذلك: 

يُغذيهم الحبُّ من ألبان مِنَّته *** شهدَ التجلي ونعتَ الذات في الأزلِ 

بغير تكييفٍ يحكى كيف كنَّته *** فجلَّ عن كيفٍ يحويه وعن مثَلِ

 فكل محبوبٍ يشهدْ ذاك سنته *** قد صار محفوظْ عن عمدٍ وعن زللِ

 من لا حظتْه عيونُ ألطاف رأفتِه *** لم يعتريه كريهُ الجُبن والعِلل

 فهذا في المجذوبين المحبوبين". 

 

ألحقنا الله بهم. 

قال: "شتّان بين من يَستدِلُّ به وبين مَن يَستدِلُّ عليه"؛ مَن يَستدل بالله: هو الذي أشرقت في قلبه نورُ عظمة الله، ومعرفةِ الله تبارك وتعالى؛ فصار يَستدل بوجود الله على وجود أي موجود، وعلى خلق أي مخلوق، وعلى أحوال أيِّ شيءٍ من الكائنات والمخلوقات، بعظمة محوِّل الأحوال جلّ جلاله. 

وهذا هو القويم المستقيم الكريم العظيم، ولكن لمّا كان أكثرُ الناس يسري إليهم الوهمَ والخيالَ، والتصوراتِ الباطلة، والضلال، وتنشأُ عليهم الحُـجُب… يبقون بعيدين عن هذا المعنى وعن هذا الإدراك، فيرجعون يستدلُّون بالكائنات الموجودة على عظمة الله، على وجود الله، فيَستدِلّون عليه.

قال: "وشتّان، وشتّان": من أسماء الأفعال عند أهل اللغة العربية، شتان: اسم فعل ماضي مثل هيهات، هيهات وشتان: كلاهما اسم فعلٍ ماضي بمعنى: بَعُد، قال تعالى: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) [المؤمنون:36]؛ يعني: بَعُد هذا الأمر في تصورهم واستشعارهم، ويقول:

 سارت مُشرقةً وسرتَ مُغرباً *** شتان بين مشرّقٍ ومغرِّب

ولما كتب بعضهم شرحا لبعض قصيدة، ورسالة لبعض العارفين، فأرسل الشرح إلى العارف، فقال له: انظر ما في هذا الشرح، فكتب:

 سارت مشرقةً وسرتَ مغربًا *** شتان بين مـشرّقٍ ومُغرّبِ

 يعني: معاني الرسالة والقصيدة في حقائق وأمور كبيرة بعيدة، وأنت رحت في جانبٍ ثاني.

 يقول: "شتّان بين من يَستدِلُّ به وبين من يَستدلُّ عليه"، لا إله إلا الله.. ما كان لهذا الوجود وجودٌ وهو أوجده، فمن الذي يُستدَل به على الآخر؟ الموجود بذاته وأصله، أم الحادث الطارئ؟! فبالله يُستدَلُّ على كل شيء، لا إله إلا الله..

ولكن لمّا تسبق الحجب والظلمات والأوهام الناس.. يحتاجون إلى أن يستدلوا على الله بوجود الكائنات، "فالمستدِّل به: عرفَ الحقَّ لأهله، وأثبتَ الأمر من وجود أصله"، أنزلَ الأمرَ في منزلته، هذا الموجود بذاته، وبعده خلقنا، خلق ذا وذاك، هذه الأشياء كلها، الكائنات بدائع حكمته، فهو يَستدل بالله سبحانه وتعالى عليها، وعلى وجودها، وما أودع فيها من الأسرار والحِكم. والثاني: يَستدل بها على الله وعظمته، فرق بين هذا وهذا.

قال: "والاستدلال عليه: من عدم الوصول إليه"، هذا دليل أن ذاك غير واصل، لو وصل إلى الحق ما بيستدل عليه، بيستدل به على الأشياء! "وإلا… متى غاب جل جلاله حتى يُستدَّلَ عليه؟!" هو أظهر من كل ظاهر.

أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، فأي شيء سيكون أظهر منه أو أبطن منه، أو أوّل منه، أو آخر منه؟! (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3]. لكن  لقِصَر العقول، ولعدم الوصول …يحتاج إلى الاستدلال حتى يصل، فإذا وصل انتهت المسألة.

يقول: فإذا تدرّج إنسان، ما يقدر يصل إلى الرئيس، وجاء عند واحد مدير، من عنده يحاول يتوصل إلى الوزير، أيش مقدار هذا المدير عند الرئيس، لا شيء.. وأيش مقدار الوزير كذلك عنده بالنسبة لهذا… لكن إذا وصلنا عند الوزير.. ما عاد يبقى بعدين يتوسط بالمدير، وعند الوزير إنما يأمر المدير بأمر الوزير، ما يَتوسط بالمدير عند الوزير، يصل عند الوزير، يأمر المدير بأمر الوزير. يطلع عند الرئيس، خلاص ما عاد يتوسط بالوزير ذا عند الرئيس، يأخذ أمر الرئيس عند الوزير يُمشّيه بأمر الرئيس، لما وصل وقابله انقلب الشكل حقه، كان أول كذا، ورجع كذا.

وهكذا الذين وصلوا إلى الله؛ لا يَستدلون بشيءٍ، بهِ يَستدلون على كل شيء، لا إله إلا هو.

 ألا كل شيء ما خلا اللهَ باطلُ *** ……………..

 وهم مع الحق وهم على الحق.

 قال: "شتّان؛ أي: بعُدَ ما بين الفريقين، وبَونُ ما بين الطريقين؛ أي: طريق المستدِلّين به على وجود الأشياء؛ لأنهم مأخوذون عن رِقِّ الأغيار، وشهودِ الآثار بظهور وحدانية الواحد القهار"، فهم "متلاشُون في مُتلاطِمات بحار الأنوار، ومستغرَقون في شهود الأسرار." مستغرَقون.

"فأنى يَثبتُ في مشاهدهم رؤيةٌ سوى رؤيةِ مليكهم، أو يلوحُ لهم غيره وهم عاكفون في حضرة القِدَم، وغائبون عن الحدوث والعدم؟!"، "فأسرارُهم على كراسيِّ الولاية، لم تلوِ على رؤية مرئيّ: حسِّيٍ أو معنويٍ، دنيويٍ أو أخرويٍ، ملْكي أو ملَكوتي".

"وإن تعاقبت على ظواهرهم مختلفاتُ العادات… فلأحكامٍ سبقت، وأقسامٍ قُدّرت، يدخلون فيها قبل رؤيتها، فهم بالله ولله"، (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) [النحل:127]. وقال سيدنا شعيب عليه السلام: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)[هود:88]. "لا بأنفسهم ولا لأنفسهم" بل لله وبالله، "لا بأنفسهم ولا لأنفسهم، فانون عنها حالَ وجودِ ظهورها في عالم الشهادة والمُلك، غائبون عنهم؛ لا تشعر أسرارُهم بسواه، ولا تنظر إلا إياه". هؤلاء الصَِنف من الخلق وهم الأنبياء، وكبار من الصدِّيقين الأصفياء، هم "صفوةُ أوليائه، وخيرة أتقيائه، لا يَسلكون إليه إلا على طريقة المَحْوِ في وجود الصحو"، كما قال سيدنا الإمام الحداد:

 وأنِّي مقيمٌ في مواطنِ غُربةٍ *** على كثرة الألّاف في جانبٍ وحدي

 قريبٌ بعيدٌ كائنٌ غيرُ كائنٍ *** فريدٌ وحيدٌ في طريقي وفي قصدي

 لا إله إلا الله، يتكلمون يقولون يفعلون، يقومون يجلسون، ولكن ما هم مثلك، أنتَ تتكلم غائب، وتجلس غائب، وتقوم غائب، وهم يتكلّمون حضور، يقومون حضور، وأنت تتخيل أنك بنفسك، بقوتك، وبأعصابك وبدمك، وبعظمك تقوم وتجلس، وهم يقومون بالله، يجلسون بالله، ينظرون بالله، ويتكلمون بالله، فهذا صنفٌ عجيب من خيار خلق الله تعالى "يُربِحون مَن تابَعهم" ربحًا كثيرًا لمن يتابعهم ويمشي وراءهم،  طوبى لمَن رآهم ومن مشى وراهم.. 

اعرف الحق لأهل الحق *** واسلُك في طريق التقى من حيث ساروا

 فالسعادة منوطة كلُّها باقتفاهم *** بَخْت من قد رآهم أو رأى من رآهم

أو تعلق بهم دائم ولازم حماهم *** فإنهم قوم ما حد في البرية كماهم

 هم قوم يرضى ربنا من رضاهم

"يُربِحون مَن تابعهم، ويوصلون إليه به من واصَلَهم"، من وصلهم يصلونه بالله، نعمةً من الله سابغة، ورحمةً من الله بالغة"، قال الله تعالى في الحديث القدسي: "همُ القومُ لا يشقى بهم جليسُهم"؛ من جالسهم سُسعده.. سبحانه! "يألفون ويوالفون مَن والَفهم في الله، لا تتدنَّسُ بواطنهم بِلَوث الغلّ"، ما فيهم غلٌ على أحد، "ولا تتغيَّر بتغير الأحوال، نفوسُهم طاهرة، أنوارُهم باهرة، أعمالهم دائمة، وهم في أمانٍ وعافية، والخلق منهم في أمانٍ وعافية"؛ ما يؤذون أحد، "لا يؤذون جليسَهم" ولا من غاب عنهم، "ولا يُمارون نديمهم، هيّنون ليّنون، تحكمُ أحوالُهم على من رآهم بالاحترام لهم والإجلال". 

قال بعضهم: كنا جالسين في مجلس منتظرين مجيء الحبيب عبد الله بن عبد الرحمن، مؤسس رباط الشحر، وواحد من الذي في صدورهم شيء ونفوسهم يقول: كل ما جاء سيدٌ تقومون له؟ وتعملون ذا، لما يجيء ما بنقوم، سكتوا.. منهم أصحابهم الموجودين، قال: أوّل ما وصل الحبيب، أوّل من قام هو هذا، لما وصل أول واحد قام هو هذا الذي قال ما بنقوم، أرواحُهم تُحرِّك القلوب! لا إله إلا الله… يقول: "تحكمُ أحوالُهم على كل من رآهم بالاحترام لهم والإجلال" من فوق، سبحان الله.. "ويَثبتُ الحب لهم في قلوب أهل الإيمان، تجدُّ إليهم نجائبُ القلوب المُجدَّة في طلب المحبوب، ويلوح من أنفاسهم بوارقُ الغيوب، يَغنى طالب القُرب برؤيتهم، وتوصِلُه محبتُهم". 

"فلو ذهبنا نَصِفُ ما جلَّلهم لله به من عظيم المِنّة، وما أتحفَهم به من جزيل النعمة… لطغى علينا طوفانُ الألطاف"،  وما عاد بسكت، ولا بتكفي الأوراق التي عندي، ولا في بلادي، لأنّ الله أطلَعه على شيءٍ كثيرٍ من هذه الأحوال، قال: "وغطّى جبالَ أعلام وجودنا"؛ خلاص "في الإشارة كفايةٌ"، وإلا قال سأنهمك وأكمل ما عندي وأغيب عن هذا الوجود، وأنا أذكر هذه الأوصاف، فإذا كان هذا عطاؤُه لهؤلاء المكرَمين عليه، فكيف المُعطي جل جلاله؟! لا إله إلا الله.. 

 هذا عطاؤه للمعطَين، يحير الأفهام، ويأخذ العمر والعقل والفكر، فكيف هو المعطي نفسُه ؟! أوصافه؟ لا إله إلا هو.. الله أكبر! لذا قال (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا)؛ هذا موسى لا هو أنا ولا أنت، ولا إنسان عادي، ولا وليّ، ولا نبي من عموم الأنبياء، هذا الرسول من أولي العزم من الرسل، (وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا) لا إله إلا هو سبحانه! (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ* قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِين) [الأعراف:143-144]، صلوات الله وسلامه عليه، لهذا قال:

 كم فيه موسى صَعِق*** كم فيه قد دُكَّ طور  

 يقول: "وفي الإشارة كفايةٌ  لمن أشمَّه اللهُ نسيم قربهم"، الله يُشمنا هذا النسيم، "وأذاقَه حلاوةَ حبهم."

 يغذيهم الحبُ ميُغذيهم الحبُّ من ألبان مِنَّته *** شهدَ التجلي ونعتَ الذات في الأزلِ 

بغير تكييفٍ يحكى كيف كنَّته *** فجلَّ عن كيفٍ يحويه ولا مثَلِ

 فكل محبوبٍ يشهدْ ذاك سنته *** قد صار محفوظْ عن عمدٍ وعن زللِ

 من لا حظتْه عيونُ ألطاف رأفتِه *** لم يعتريه كريهُ الجُبن والعلل

 لا إله إلا الله "هذا في المجذوبين المحبوبين" الله ينفعنا بهم، ويعيد علينا عوائدهم.

 ويذكر بعد ذلك السالكون المُحبُّون، والمصيبة لمن لا محبوب عارف، ولا هو مُحِب سالك، لا حول ولا قوة.. فهو هالك، فهو هالك! لا محبوب ولا مُحب هذا هالك. وقد قال ﷺ: "اغدُ عالماً أو متعلّماً أو مستمعاً أو محبّاً ولا تكن الخامسةَ فتهلك".

 

تاريخ النشر الهجري

27 ذو القِعدة 1440

تاريخ النشر الميلادي

30 يوليو 2019

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام