(445)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.
عصر الأحد 25 ذي القعدة 1440هـ.
الحكمة (23): لا تترقَّب فراغ الأغيار؛ فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مُقِيمك فيه.
الحكمة (24): لا تستغرب وقوع الأكدار ما دُمتَ مقيمًا في هذه الدار، فإنها ما أبرزت لك إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها.
الحكمة (25): ما توقّف مطلبٌ أنت طالبه بربِّك، ولا تيسَّر مطلبٌ أنت طالبه بنفسك.
الحكمة (26): من علامات النُجح في النهايات؛ الرجوع إلى الله في البدايات.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ﷺ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن كتاب شرح حكم العطائية للشيخ الإمام علي بن عبد الله باراس -رحمه الله تعالى- ونفعنا به وبكم في الدارين إلى أن قال:
الحكمة (23): لا تترقب فراغ الأغيار؛ فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مُقِيمك فيه.
فعلى العاقل أن يبادرَ وقته قبل أن يبدره، ويقطعه بالطاعة قبل أن يقطعه بالفوت، فيقوم على حسب حالهِ من صحة أو مرض، أو غنى أو فقر، أو حضر أو سفر، فلا يدري ما يحدثه الله بالغد، فإذا أحكم الحال لم يندم في المستقبل لأنه إن أدركه سالمًا ازداد خيرًا، وإلا فقد حصل على خير، ولأن تدخل النار وأنت طائع، خير من أن يدخلك الجنة وأنت عاصٍ، فرحم الله ابن الفارض حيث قال في ذلك المعنى:
فقم زَمِنا وانهض كسيرًا فحظك الــ *** بطالة ما أخرت عزما لصحةِ
وكن صارما كالوقت فالوقت في عسى *** واياك علّا فهي أخطرُ علةِ
فهذا وما شاكله من الروايات والنصائح والتحريض على المبادرة بالمقدور و الإتيان بالميسور:
يا من يريد فراغ القلب عن أربٍ *** ذا لا يكون فإن شئت أبدر المهلِ
فلا تقف دون ما تطلب على سببٍ *** إن الوقوف عليها أصعب العللِ
فلما كانت شواغل الدنيا لا تنقضي، وآفاتها لا تنتهي، قال المؤلف -رضي الله عنه- :
الحكمة 24: لا تستغرب وقوع الأكدار ما دُمتَ مقيمًا في هذه الدار، فإنها ما أبرزت لك إلا ما هو مستحَق وصفها وواجب نعتها.
لا يستغرب وقوع المكدّرات ووجود المنغصات للعيش، المؤلمات للقلب والبدن، ووقوع المصائب، و نزول البلايا وحدوث المعاطب إلا مغرور خبيل، وذو عقل قليل.
فالمكدِّرات للعيش في هذه الدنيا من قبيل المصائب الدنيوية، والحوادث الكونية؛ وذلك إما:
- بفراق محبوب
- أو نزول مرهوب
- أو قصور عن مطلوب
حاصل العبد من المقاساة والتعب، إذا لم يعتد له بعدة الرضا والتسليم، وفوات الثواب والأجر إذا لم يتلقاه بالصبر.
ومع كونه يفوته ذلك الحال الشريف فلا مردَّ له عنه بحيلةٍ ولا تصريف، فمن أعون الأسباب على حصول هذه الأحوال التي هي الرضا والتسليم: الفناء عن أوصافك والتعلّق بأوصافه؛ فعند فنائك عن وصفك والتعلق بوصفه تستلذ البلاء وتستحليه، لأنك بوصفه لا بوصفك، فلا تستبعد ذلك، كيف ودلائل الحبيب أعظمُ لذةً من إقباله، كما يرى ذلك من ذاق في هذا المشهد، وتحقق بذلك المقصد، وحكاياتهم في ذلك تكاد تخرج عن الحصر.
بلاء الحبيب إلى الحبيب عطية *** ودلاله عطف ولطف يشمل
لا يلهي المشغوف نيل هديةٍ *** تثنيه عن وجه الحبيب المقبِل
وأما الصبر فأحسن ما يُستعان به على احتمال البلاء، بذكر ما أعدَّ الله للصابرين من عظيم المدح وجزيل الحظ في الآجل، والثناء في العاجل، وتوطين القلب على نزول تلك المصائب قبل نزولها، ويُعطى هذا المقام الفناء في الأفعال، والتحقق من التمكن في الأحوال، وانتظار اللطف من دقائق الأوقات.
من كان من تحت القضاء أمرهُ *** فليس سوى الصبر الجميل يعينهِ
إن المصاب وإن تشدَّد عسرهُ *** فاليسر يتبعه بنور يقينهِ
هذا في المصائب الدنيوية.
وأما أن يكون ذلك التكدُّر من قبيل الأحوال مما يعرض للسالكين في طريقهم من العوائق عن مقاصدهم ونيل مطالبهم، وذلك لِمَا رُكِّب فيهم من الشهوات، فيلحقهم من الغفلات، فما داموا في هذه الدار فما تنفك عنهم هذه الحالات ولو على الندور في الأوقات، ولكنها لهم سائقة إلى اللجأ إليه الذي هو أشرف حالات العبودية.
لا توحشنّ إذا ألم بك البلاء *** فالصبر يعقبه الهنا والمغنمُ
فاستصحبن الصبر ما عشت إنه *** ما خاب ذو صبر ولا يتندمُ
هلّا ترى من عارف تسألنّه *** عما هناك من المكارم تغنمُ
من علقم الصبر المرير لأنه *** صعبٌ على الغرِ الذي لا يعلمُ
فالقَ البلاء بصبر ساعة إنه *** لابد يُجلى ليله المتعتمُ
فلأن صبرت لتحمَدن في غبهِ *** إن المصائب لا تهين المكرمُ
هذا في الصبر على البلاء الدنيوي المنقضي بعد ما ذكر الله من كرامة الصابرين، وما ورد من الأخبار والآثار في ذلك، وأما علم ما الدنيا محتوية من مكدرات العيش، وذلك حكمة لئلا يرغب فيها ويسكن إليها عباده، فهي تضيق عمّا أعد لهم وما يريد أن يكرمهم به من عظيم الكرامة التي لا تدخل تحت علم عالم، ولم تخطر على قلب بشر من خفيِّ الألطاف وجزيل الإسعاف، وصفوا المواهب، وذلك التكدير هو ما عجنها به من شوب الشهوات والدواعي البشريات، والأغراض المختلفات، فلا ينفك ما دام في هذه الدار إقامتهُ، فلا تستغرب أيها المؤمن وقوعها، ولا تستقر طلوعها، فهي لم تأتك بغير حقيقة وصفها.
فالدنيا من حيث ما يُطلق عليها من الذم، هو كل ما شطَّ بك عن الطريق، وتَعوقتَ به عن الرفيق، وهذه هي بعينها شهوات الدنيا المعتادة، وأنى لك بالخلوص عنها ما دمت مقيمًا فيها، ومن مكدراتها أيضًا لوازمها من وجوب زوالها، وسرعة ارتحالها وقرب انتقالها، فلا تُنعَت بغير ذلك لأنه لا يوجد فيها غيره.
وكل ما كان فيها من لذةً وصفو بطاعة أو ارتياح بروْح وصلة فمكدِّرُه خوف سلبهِ، وعدم تحقيقه بكلية المقام على التمام؛ لأنه يتخلف عنه من التحقيق بقدر ما عليك من الأوصاف الطبيعية الترابية، ولابد وإن قل ذلك فبحسبه. إذ كان رسول الله ﷺ يطلب اللحوق بالرفيق الأعلى، فما ذاك إلا ليستكمل مقام التحقيق وهو الكامل المكمل ﷺ. ولي في ذلك:
في هذه الدار لا يستغرب الكدرَ *** إلا جهولٌ عن التحقيق والعِبرِ
فكيف يطمع ذو عقل وذو بصرٍ *** في أن يعيش في الدنيا بلا ضررِِ
وقد تنغّص فيها أشرف البشرِ *** وسائر الأنبياء والأولياء الغررِ
يقول: "لا تترقب فراغ الأغيار؛ فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مُقِيمك فيه."، فكما تقدم فيما قبل من الحِكم أنه: كل نفس تبديه إلا ولله قَدَرٌ فيك يُمضيه، فقُم بحق النَّفَس الذي أنت فيه، وما أقامك الحق -تبارك وتعالى- فيه وأحب منك في ذلك الحال والشأن الذي أنت عليه، ولا تؤخر ولا تؤجل ولا تنتظر ولهذا واصل الكلام؛ بقوله: "فعلى العاقل أن يبادرَ وقته قبل أن يبدره"؛ يفوت عليه، "ويقطعه بالطاعة قبل أن يقطعه بالفوت، فيقوم على حسب حالهِ"؛ سواءً كان صحيحًا أو مريضًا، غنيًا أو فقيرًا، قويًّا أو ضعيفًا، في حضر أو في سفر، ما يدري ماذا يحدث بعد ذلك.. قفي الحال الذي أنت فيه أدِّ ما ينبغي لك.
ولا يتناقض الأمر مع تحرير عزمٍ ونيّات في المستقبل لاتساعٍ في الخيرات؛ هذا لا يضر، لكن من دون تفويت الحال والواقع؛ من دون تأجيل مستطاع في الحاضر؛ قم بمستطاعك في الحاضر، وانوِ فـ "نية المؤمن خير من عمله" دائمًا، ولكن أنت لا تدري ماذا تدرك بعد هذا، وهل لك حضر بعد السفر أو لا، وهل لك صحة بعد المرض أو لا، وهل لك فراغ بعد هذا الشغل أو لا؟… ما تدري، فلا تؤخر الأشياء إلى الفراغ إلى الصحة إلى الإقامة قم بما تستطيع في الحال الذي أنت فيه، في الشأن الذي أنت فيه، وارتجه -سبحانه وتعالى- وما عنده واطلب فضلهُ عليك، ولا تبخل على نفسك ببذل المستطاع.
ولمّا تعجب بعضهم من الجنيد بن محمد في بغداد، كان في آخر لحظاته في سكرات الموت، وأوصى بعض الوصايا، وأخذ يشتغل بِأوراده، وكلمه بعضهم قال له: أنا في وردي السابع أكمله! قال له: عادك تعد الأوراد وأنت في هذه الحالة!! قال: ومن أحق مني؟ وها هو تطوى صحيفتي أمامي! قال: صحيفة حقي خلاص تطوى ما عاد باقي إلا معي هذه الأنفاس الباقية من عمري. وهو الذي كان يقول: لو عشت على الدنيا ألف سنة ما تركت شيء مما أنا عليه، ما أنا أقدر أقوم عليه من العبادة، فلما رآه بعضهم حامل السُبحة، قال: يا جنيد عادك إلى الآن أنت والسبحة، قال: طريقٌ وصلنا به إلى الله فلا نتركه.
وهكذا قالوا: لسيدنا الإمام أحمد بن حنبل -عليه الرحمة- وهو في السبعين من عمره وحامل القلم والمحبرة ليكتب الفوائد والعلم، قالوا: مكانك وأنت في شيخوختك مع المحبرة؟! قال: مع المحبرة إلى المقبرة! مع المحبرة إلى المقبرة.
وكان في طلبه للعلم وحرصه على الفوائد قال لمّا أموت وتقبروني! قال: -إله إلا الله- ولهذا كان في جنازته عبرة. ولما توفاه الله -تبارك وتعالى- امتلأت شوارع بغداد، بالوافدين لأجل الصلاة عليه، فتح الناس بيوتهم لوضوء الناس، وبقي طوائف على السفن، على نهر الفرات ما يقدرون يدخلون إلى المدينة من كثرة زحام الناس، فأسلم في ذاك اليوم عشرون ألف من يهود ونصارى ومجوس، أسلموا في يوم وفاة أحمد بن حنبل من منظر جنازة أحمد بن حنبل -عليه رحمة الله- هذا الذي قال: مع المحبرة إلى المقبرة.
فبادر وقتك، قال سيدنا الإمام الحداد:
البدار البدار قبل الفوات *** إنما أنت عرضة الآفات
بادر الفوت قبل أن تقطعنك *** دون ما تبتغي حتوف الممات
الله أكبر، فهكذا من أدرك.. يقول:
ما أراك مشمرًا والليالي *** سوف تدني إليك ما هو آتي
إنما رأس مالك العمر فاعمُـــره بفعل الجميل والمَكرُمات
واتخذه مطيةً تمتطيها *** في سلوك السبيل للدرجات
وجوادًا تطوي عليه مــــــــدى هذه الدنيا لتبلغ الغاياتِ
البدار البدار قبل الفوات *** إنما أنت عرضة الآفات
وفقنا الله لاغتنام أعمارنا.
"فإذا أحكم الحال لم يندم في المستقبل، لأنه إن أدركه سالمًا ازداد خيرًا، وإلا" ماشاءالله قد غَنِم الذي مضى، "حصل على خير"، بل قال قائلهم: لأن أدخل النار وأنا طائع، خير لي من أن أدخل الجنة وأنا عاصي؛ لأنه عيب عليّ بيني وبين ربي -سبحانه وتعالى- والمصيبة في المعصية وفي مخالفته -جل جلاله- وما تنعّموا إلا بطاعته؛ ولكن النار محل أهل المعاصي، والجنة محل أهل الطاعة. لا إله إلا الله..
فقم زَمِنا وانهض كسيرًا ….. *** ………..
"فقم زَمِنًا" أنت الزَّمِن؛ يعني: ضعيف نحيف ما تقدر، "قم زمِنًا وانهض كسيرا" أنهض وأنت مكسور بكسرك لا مشكلة.
فقم زَمِنا وانهض كسيرًا فحظك الــ *** بطالة ما أخرت عزما لصحةِ
لا تأخر العزم إلى زمان الصحة، وانتظار الصحة والفراغ بطالة.. سيروا إلى الله عرجا ومكاسير، ولا تنتظروا الصحة فإن انتظار الصحة بطالة.
وكن صارما كالوقت فالوقت في عسى *** واياك علّا فهي أخطرُ علةِ
لعل وعسى، لعل وعسى أخطر علة! ولكن أدِّ ما تستطيع. فشواغل الدنيا لا تنقضي ، وآفاتها ما تنتهي.
ويقول: " لا تستغرب وقوع الأكدار ما دُمتَ مقيمًا في هذه الدار" أليس محلها؟!..
وقالوا لهذا الذي توفيت زوجته بعدين ما تزوج، فكلمه بعض الناس قال له: لماذا؟ قال: كانت معي امرأة صالحة ما أظن أجد مثلها! قال له: أنت اشترط وخذ الجواب منا، قال: لطيفة عفيفة نظيفة أديبة كسيبة عاقلة صالحة… قال: كملت شروطك! هذه تشوفها في الجنة موجودة، اجتماع الشروط هذه كلها التي تشترطها ما هو في الدنيا، أنت الآن في الدنيا، أنت مخايل نفسك الظاهر أنك قد خرجت من الدنيا، أنت في الدنيا ولا خرجت.
قال: هذه في الجنة رح وادخل الجنة وبتحصلها! أما ما دمت في الدنيا شيء وشيء ما تحصلها كلها، ولكن تحصلها كدرة عسرة فالة زالّة هذا وصف آل الدنيا قال: انت بتجيب لي وصف آل الجنة ونحن في الدنيا هذا ما يقع! قال: أما الشرف والدين نعم هذا لك، اشترط لك، قال: خلاص أنت موكَّل في هذا..
وهكذا بعض الناس في الدنيا ويبغى حالة غير حالة الدنيا، كيف هذا! عادك ما خرجت منها، أول ما دمت فيها هذا طبعها، خلاص هي بطبعها ما يتغير طبعها لأجلك، طبع الدنيا هذا.. الأشياء التي في خيالك ما تجدها إلا بعدين بعد ما تخرج من الدنيا، وإلا فهذه الدنيا محل الأكدار.
"لا تستغرب وقوع الأكدار ما دُمت مقيمًا في هذه الدار"، عرفت هذه طبيعتها! ما الذي عليك في فرض الحق والشرع المصون في أكدارها وتعبها، وأنك فزت ونجوت خلاص، وإلا تتعب وتتعذب بعدين، أحسن لك سلِّم وقم بما يلزم وما يرضي ربك وامضِ فيها، ولا يكثر همك ما قُدُر يكون، وأنت والخلائق كلهم عبيد.
"لا تستغرب وقوع الأكدار ما دُمتَ مقيمًا في هذه الدار، فإنها ما أبرزت لك إلا ما هو مستحَق وصفها وواجب نعتها."
هذه الدار ما فيها سرور *** قط يخلو عن أخلاط الكدر
كل من حبها عقله يدور *** في خلال المزابل والقذر
وذي الدنيا دنيّة *** حوادثها كثيرة
وعيشتها حقيرة *** ومدتها قصيرة
بتغير شيء من هذا؟.. هي الله خلقها كذا!
ولا يحرص عليها *** سوى أعمى البصيرة
عديم العقل لو كان *** يعقل كان فكَّر
تفكر في فناها
وفي كثرة عناها
وفي قلة غناها
فطوبى ثم طوبى *** لمن منها تحذّر
وطلّقها وفي طاعــــــة الرحمن شمَّر
قال: "لا يستغرب وقوع المكدّرات ووجود المنغصات للعيش، المؤلمات للقلب والبدن، ووقوع المصائب، و نزول البلايا وحدوث المعاطب" لا يستغرب هذا "إلا مغرور خبيل، وذو عقل قليل."؛ هذا ما هو مستغرب هذا هو محلها! (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد:4]، وخلقنا ليبتلينا ليختبرنا سبحانه وتعالى.
فما كان من "المصائب الدنيوية، والحوادث الكونية؛ وذلك إما:
حاصل للعبد إذا ما أعدَ له عدة "الرضا والتسليم".. فاتهُ الأجر العظيم، وتكدر ولا بدّل شيء ولا غيّر شيء. اعلم أنك إن صبرت نفذ قضاء الله وأنت مأجور، وإن جزعت نفذ قضاء الله وأنت مأزور؛ وزر عليك.. ولكن قضاء الله في كل الحالين بيمشي لكن إن صبرت فلك الأجر، وإن كنت من أهل الرضا فشأنك أعلى وأرفع! لا إله إلا الله..
قال:
فيتلذذ أحدهم بأنواع الابتلاء كما تتلذذ أنت بالملذات، لأنه يرى عواقبها وما في طيّها، ومن أين جاءت، ومن عند من، وهكذا… العوام في محبتهم العادية، يقولون: إن لطمة المحبوب شمَّة! مثل قُبلة قبّلك وهي لطمة لكن محلها عندك مثل القبلة لأنك تحبه، وهكذا وكم من طفل محبوب عند والده ينتف لحيته ويقبّله أبوه ويشمه، يلطم أبوه ويحضنه ما يقول: ليش تصلّح فيّ كذا… لأنه يحبه، والذين أحبّوا الله -سبحانه وتعالى- عادهم بيقولون ليش كذا وليش كذا!..
لو و لم وكيف قول ذي الحمق *** ………………….
لا إله إلا الله..
قال: "فمن أعون الأسباب على حصول هذه الأحوال التي هي الرضا والتسليم"؛ أن تفنى عن أوصافك، وأن تتعلق بأوصاف ربك؛ عندئذٍ "تستلذ البلاء وتستحليه" وتكون من أهل الرضا. فيرى من أين مصدر هذا، وكيف جاءهُ؛ فيكون راضٍ بقضاء الله -تبارك وتعالى- قال عليه الصلاة والسلام: "فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل، فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير".
قال: "وأما الصبر فأحسن ما يستعان به على احتمال البلاء بذكر ما أعد الله للصابرين من عظيم المدح وجزيل الحظ".
"والثناء في العاجل، وتوطين القلب على نزول تلك المصائب قبل نزولها"، وهذا قال: "يُعطى هذا المقام الفناء في الأفعال"، وتعلم أنه الفعّال -جل جلاله وتعالى في علاه-، ويعينك ويلطف بك فيما تجري به المقادير، وقد يكون "من قبيل الأحوال مما يعرض للسالكين في طريقهم من العوائق عن مقاصدهم لِمَا رُكِّب فيهم من الشهوات"؛ فيلاحظون ورود غفلات عليهم فيتكدّرون، لكن مهما كان لا تنقطع ولا تيأس ولا تسأم.
لا توحشنّ إذا ألم بك البلاء *** فالصبر يعقبه الهنا والمغنمُ
فاستصحبن الصبر ما عشت إنه *** ما خاب ذو صبرٍ ولا يتندمُ
وهكذا؛ لا تزال إذا وَعيْت شأن هذه الدار.
يقول:
خذ ما صفا ….. *** ……….
من الأحوال والشؤون
…….ودع الكدر *** ………
لأن هذا في محله، ما جاء في غير موطنه، هذا موطنه خلُّه فيه؛ دع الكدر
خُذ ما صفا ودَعْ الكدَر *** وكِلِ الأمور إلى القدر
مهما غُلِبتَ كما أمر *** هادي الورى خير البشر
مهما غلبت؛ أما الذي في وسعك قُم به، والذي غلبت عليه.. ما عليك
إنّ الأمور جرى بها *** قلمٌ على اللوح الأغر
"رفعت الأقلام، وجفّت الصحف" يقول ﷺ.
في سابق العلم القديم *** مِن قبل إيجاد الصور
ودع الهموم فإنها *** ياصاحبي محض الضرر
ما تحصل من الاسترسال ولا الهم إلا الضرر فقط.
واغنم زمانك واسترح *** من "لو" و "لِمْ" تلقَ الظفر
وارجع إلى الله إذا *** ما لحَّ خطبٌ أو عَسَر
وإذا بُليت بمحنةٍ *** فاصبر لها فيمن صبر
من كل بَرٍّ موقنٍ *** متوقِّرٍ عند الغِيَر
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ) [الحج:11]، بسرعة!.. لاحول ولا قوة! ما لك؟ شوي شوي شوي أنت في هذه الدار..
وإذا بُليت بمحنةٍ *** فاصبر لها فيمن صبر
من كل بَرٍّ موقنٍ *** متوقِّرٍ عند الغِيَر
وإذا خُصصت بنعمةٍ *** فاشكر مع من قد شكر
لله رب العالمين *** تعطَ المزيد كما ذكر
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)[ابراهيم:7].
واعمل لنفسك صالحًا *** تنجو به من كل شر
وتفوز بالحسنى و بالجنَّـــــــات دار المستقر
دار البقا دار النعيم *** دار الكرامة والنظر
وأعِدَّ زادك للمعاد *** من قبل يفجاك الحذر
فالموت آتٍ عن قريب *** ولعل يومك قد حضر
يا رب أنت المبتغى *** والمرتجى والمدخَّر
يا ربنا فاستر وسامـــح أنت أكرم من ستر
يا ربنا وانظر إلينـــا أنت أحسن من نظر
يا ربنا واختم لنا *** بالخير إن حان السفر
ثم الصلاة على الرسول *** خير البرية من مضر
ختم النبيين الكِرام *** نِعمَ المصابيح الغُرَر
وآله وأصحابه *** والتابعين على الأثر
ما هبّت النسمات بالعَرْف المعنبر في السحر
أو غردت وُرْقُ الحِمى *** فوق الغصون من الشجر
هل سمعت؟ هكذا… لله عليك حق، في النعمة شكر، في الابتلاء صبر؛ فقم بحق الله؛ قم بحق الله عليك -لا إله إلا الله- في هذا وفي هذا، يالله بالتوفيق حتى نفيق ونلحق بالفريق.
ما أحسن التأمل للحقائق والمعاني فبها تشيد في المعارف المباني، ويصبح صاحبها من الله داني، فيدنو من كان بعيد ويتحول الشقي إلى سعيد، ذلك من فضل الحميد المجيد، جل جلاله وتعالى في علاه.
يقول:
وكم محنةٍ كابدتها وبليةٍ *** إلى أن أتانا الله بالفتح والنصر
"واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العُسر يسرا".
صبرتُ لها حتى انقضى وقتها الذي *** به وُقّتت في سابق العلم والذكر
ولو أنني بادرتها قبل تنقضي *** بما تقتضيه النفس في حالة العسرِ
من الجزع المذموم والغمِّ والأسى *** لكنت قد استجلبت ضُرًّا إلى ضرِّ
ولا سأصلح شيء، وإنما سأزيد ضر فوق الضر.
والنبي كان يجيء يصلي عند الكعبة وحولها 360 صنم، ما كسر واحد، حتى قليل يدق واحد منها، أو يجيء في الليل أو أي وقت. ما عمل هذا، ليس وقته؛ لمّا جاء وقته كان يشير إليها وتسقط!.. مثبّتة بالحديد والرصاص لا يشير برُمحه إلى واحد منها إلا سقط وانكب على وجهه وهو يقرأ: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)[الإسراء:81]. وهو دار عليها ﷺ.
بقي واحد منها، رافع في مكان، يوم ثاني جاء ودخل أراد يخرجه جلس سيدنا علي ليقوم، بغى يقوم ما قدر، طلع النبي على كتفيه، لاحظه قال: إنك لا تحتمل النبوة! ما تقدر.. نزل، قال: اطلع على كتفيّ، جلس ﷺ قال له: اطلع على كتفيّ، طلع على كتفيه، قام ﷺ، وصل سيدنا علي زعزع الصنم خرّجه. يقول سيدنا علي: في تلك الساعة أرى أني لو أردت أن أتناول القمر بيدي لتناولته؛ قربت لي الأكوان كلها، أرى أني لو أردت أن أتناول القمر بيدي لا تناولته، خرّج الصنم ورجع حيث الأمر وإلا مشهده كبر لما حمله ﷺ. -لا إله إلا الله -.
وما جزع الإنسان في حالة البلا *** سوى تعبٍ في الحال يذهب بالأجر ِ
وإيش الطريق الصحيح؟
إذا ما ابتلاك الله فالصبر حقُّه *** عليك وإن أولاك فالحق في الشكرِ
ومن عرف الدنيا تحقق أنها *** بلا مريةٍ مستوطن البؤس والشرِ
فلابد للإنسان طول حياته *** وما دام فيها من ملازمة الصبرِ
فطوبى لعبدٍ قد تجافى نعيمها *** وآثر دارًا خيرها أبدًا يجري
هي الجنة الخُلد التي طاب نزلها *** لقومٍ أطاعوا الله في السر والجهرِ
رجالٍ كرامٍ عظّموا حق ربهم *** وقاموا به في حالة العسرِ واليسرِ
أقاموا كتاب الله واستمسكوا به *** وبالسنة الغراء والأنجم الزهرِ
هداة الورى طوبى لعبدٍ رآهم *** وجالَسَهم لو مرةً منه في العمرِ
لو مرة في العمر يحصّل له رفعة؛ الله ينفعنا بالصالحين.
هوِّن عليك نوائب الدهرِ*** يهُن عليك كل ما يجري
وكن للطف الله مستنظرًا *** من حيث لا تدريه أو تدري
فكم له من فرجٍ عاجلٍ *** يكشف للبأساء والضرِ
فحسِّن الظن بمولاك في الأحــــوال من يسرٍ ومن عسرِ
وروِّح القلب برَوْح الرضا *** تعيش في أنسٍ وفي بِشرِ
وكن من الشكر على غايةٍ *** إن النعيم الصرفَ في الشكرِ
نعم وعوّل في جميع الأمور *** ما دمت في الدنيا على الصبرِ
فإنها دار المحن والأسى *** من غير ما شكٍ ولا نُكْرِ
طوبى لمن جانبها واتصف *** بالزهدِ فيها مدة العمر
يا ربِّ وفقنا وسدِّد وكن *** عونًا لنا في السر والجهرِ
واغفر لنا والطف بنا دائمًا *** واختم لنا بالخير والبِرِّ
يا ربِّ وفقنا وسدِّد وكن *** عونًا لنا في السر والجهرِ
واغفر لنا والطف بنا دائمًا *** واختم لنا بالخير والبِرِّ
يا ربِّ وفقنا وسدِّد وكن *** عونًا لنا في السر والجهرِ
واغفر لنا والطف بنا دائمًا *** واختم لنا بالخير والبِرِّ
يا الله.. الله أكبر!
"هذا في الصبر على البلاء الدنيوي المنقضي بعد ما ذكر الله من كرامة الصابرين، وما ورد من الأخبار"، "وأما علم ما الدنيا محتوية من مكدرات العيش"؛ فهي دار تضيق عمّا أعدّه الله لعباده الصالحين، "لبّيك إِنَّ الْعَيْشَ عَيْش الآخرة"، "اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرَة"، وكل من شابه الأنصار والمهاجرين في أي زمان فتنسحب عليه آثار الدعوة النبوية، "لبيك إِنَّ الْعَيْشَ عَيْش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرَة"، وأنت الحق بالأنصار والمهاجرين، شابههم واقتد بهم. الله يسير بنا في سبيلهم، حتى يسقينا من سلسبيلهم، ويدخلنا في جيلهم.
"كل ما شطَّ بك عن الطريق، وتَعوقتَ به عن الرفيق"؛ هذه الدنيا المذمومة، كل ما أغفلك عن الله، كل ما قطعك عن طاعة الله، كل ما أوقعك في معصية الله، ومن الأكدار الملازمة لها لوازمها أنها تزول.
هذا ملك أحسن بناء قصر بديع ممتاز، ويدرج عليه أصناف الناس من العلماء والمهندسين والوجهاء والمفكرين والصناع وغيرهم، يمدحونه يمدحونه… جاء واحد من الصالحين قال الملك: تفضل شوف قصرنا، دار معه في القصر قال: شفت فيه عيب؟ قال: عيب واحد! قال عجيب كل الذي زاروا من العباقرة ما ذكروا أي عيب، قال: أنا حصلت عيب واحد فيه؛ وهو أن صاحبه يموت، هذا ممتاز لو كان صاحبه ما يموت ممتاز جدا، لأن مشكلته هذا مشكلة!
طأطأ برأسه الملك عرف.. لا تغتر بقصرك هذا! المشكلة العيب الذي فيه أن صاحبه يموت، لو كان هذا ما يموت صاحبه قصر ممتاز جدًا، لكن مشكلة صاحبه يموت… يرجع لغيره بعدين. وهكذا هذا لازم لهم كلهم. لا إله إلا الله…
وممكن هذا الكدر يزول من حد؟ يزول من من؟ في الجنة نعم، "إن لكم فيها أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وأن تشبوا.."، أما في الدنيا ما يوجد مثل هذا حتى "تشبوا فلا تهرموا" غير موجود، "تصحوا فلا تسقموا" غير موجود؛ موطنه هناك، كل شيء له موطن. لا إله إلا الله.
كانت سمعت السيدة عائشة مرة سول الله ﷺ أن الله -سبحانه وتعالى- ما يقبض روح نبي حتى يخير بين أن يلقى الله في تلك الساعة والحال أو يؤخر مدة، فلما كان في يوم موته رأته كان على رجلها رفع يده الشريفة وقال: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى. فتذكرت كلامه، وقالت: إنه يُخيّر الآن فقلت إذن والله ما كان ليختارنا أبدًا! ما بيختار البقاء في الدنيا، بيختار الرفيق الأعلى ﷺ.
رضي الله عنكم، إلى أن قال:
فلما كان الرجوع إلى الله في جميع الأحوال أصوب والاتكال عليه أنسب، قال رضي الله عنه:
الحكمة (25): ما توقّف مطلبٌ أنت طالبه بربِّك، ولا تيسَّر مطلبٌ أنت طالبه بنفسك.
أي ما استصعب ولا تأخّر مطلبٌ من المطالب الدينية والدنيوية المرادة لله بحسن النية وصدق الطوية، أن تطالبه وداخل فيه بربك، منخلعًا عن فعلك ووصفك متبريًّا بهِ عن حولك وقوتك، متمسكًا فيه بحول الله وقوته إلا أنجح الله لك ذلك المطلب، ويسَّر عليك أسبابه وفتح لك مغلقات أبوابه، ولا قمت في شيءٍ بحولك وقوتك معتمدًا على علمك وعملك ملتفتًا إلى حيلك وتدبيراتك إلا وكلت إلى ذلك ولم تنل بغيتك، وخاب سعيك وبطل جهدك، فأهمُّ أحوال المريد الاستعانة بالله في كل أمر وحال، من فعلٍ أو ترك، ويكون نظرهُ واعتماده وعونه واستمداده إلى الله وبالله، فإذا كان على ما ذكرنا؛ قابلته الألطاف وساعدته العناية، ومن ساعدته أدرك من كل أمر مراده، فالتوكل على الله نعت المؤمنين، والاعتماد عليه وصف الموحّدين، ولي في ذلك:
من كان بالله في الحاجات مطلبهُ *** فلا تشك بأن يعطى الذي شاءَ
ومن عُطي ذلك فالتوفيق يصحبهُ *** وكل ما حاولهُ من أمره نال َ
ولا تيسّر من بالنفس يطلبهُ *** إن اعتمادك على الأغيار إضلالَ
فلما كانت المطالب لا تقضى بدون اعتماد على الله، وأعظمها تسير طريق السلوك إلى الله، قال: المؤلف -رضي الله عنه-:
الحكمة (26): من علامات النُجح في النهايات؛ الرجوع إلى الله في البدايات.
الرجوع إلى الله في بدايات الأمور وعدم رؤية النفس في شيء علامةٌ من علامات النجحِ في نهايات المطالب، والنجحُ هو الظفر بالمطلوب على التمام. والاعتماد على الله نعت المريدين الصادقين والسالكين المرادين المتداركين، والاعتماد على غير الله علامةٌ على القطيعة، والرجوع عن الرتبة الرفيعة، فما رجع من الله رجع عن الله إلا لعلة مستصحبةٌ له في بدايته فحرمَ نجح نهايته.
فمن بالله تعلقه وحسن توكله كانت إلى الله نهايته، وتولاه بحسن ولايته ورعاه وكلأهُ في مصادره وموارده، وكان مع الله بلا علاقة، وفرَّ إليه في جميع أحواله وقُواه وعِلمه وعَمَله، وخرج عن حوله وقوته، ولم يستند إلى سواه ولم يأوي إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، فجديرٌ أن ينال بغيته ويظفر بمنيته ويحمل عنه كل ما يعبؤ به غيره، ومن كان على غير هذا النعت لم يتّصف بهذا الوصف، خيف عليه أن يوكل إلى مأمنه، فلا يفلح إلا أن يتداركه الله فيفتح له باب الفهم عنه فيعود عن مشهده هذا، ويرجع عن زلته ولي في ذلك:
فارجع إلى الله فيما أنت طالبهُ *** تظفر بغايات أقصى السؤل والأملِ
ولا ترى النفس في شيء تقابلهُ *** واترك دعاويك في علم وفي عملِ
فإذا كان الرجوع إلى الله في البداية علامة على النجحِ في النهاية عبر المؤلف -رضي الله عنه- بعبارة أخرى لهذا المعنى .
قال: "ما توقّف مطلبٌ أنت طالبه بربِّك، ولا تيسَّر مطلبٌ أنت طالبه بنفسك." يقول الأوهام التي هي من الظلام، تخطر على بال الإنسان في محاولته القيام بأعمال، تكون سبب للفشل وعدم الوصول إلى الغاية، والانقطاع، وهي وهم: أنا! وهْمُ أنا؛ أن يعتمد على نفسه وعقله وتدبيره، وهكذا ترى حتى في كثير من الشؤون تحصل حتى أحيانًا من مشاريع الدنيا وما إليها، الذين يعتمدون على أنفسهم ويستندون إلى أنفسهم ويقومون بأنفسهم صلحوا ترتيب طويل عريض وتقديم وتأخير وحساب واحد زائد واحد يساوي اثنين وقبلهم وبعدين يمشي ويحصلها ما عاد وقع اثنين ما يدري كيف طلع الحساب في النهاية.. ويفشلوا سبحان الله!
هذا كثير يحصل في العالم، وقد يُمهِل بعضهم ويبتلي بعضهم بشيء من الاستدراج وغيره، ولكن لا يفوز حقيقة الفوز ويبلغ المقصود إلا معتمد على الله مستند إليه، من يبذل أسبابَ مُشاهدًا المنة لمعطيها لا له، خاضع يرجو من فضله -سبحانه- ما هو أهله؛ فيدخل في إرادة تحقيق المطالب بالله لا بعقله ولا بعلمه ولا بسببه ولا باجتهاده ولا بما عنده. الله أكبر… موقنًا أن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
يقول: " ما توقّف مطلبٌ أنت طالبه بربِّك، ولا تيسَّر مطلبٌ أنت طالبه بنفسك." وهكذا… يقول: "ما استصعب ولا تأخّر مطلبٌ من المطالب الدينية والدنيوية المرادة لله بحسن النية وصدق الطوية، أن تطالبه وداخل فيه بربك، منخلعًا عن فعلك ووصفك متبريًّا بهِ عن حولك وقوتك، متمسكًا فيه بحول الله وقوته إلا أنجح الله لك ذلك المطلب، ويسَّر عليك أسبابه وفتح لك مغلقات أبوابه"، ويذلل لك الصعاب، ويصلح لك الخراب، ويبلغك الآراب.
لأنك تحلّيت بحلية الآداب، وقعت عبد؛ فتولّاك المعبود السيد الكريم. وإذا جئت تنازع بما عندك من عقل وعلم وقوة وفكر وتدخل بنفسك في الأحوال، "معتمدًا على علمك وعملك ملتفتًا إلى حيلك وتدبيراتك" وكلك الله إلى ذلك، وإذا وكلك إليه -والعياذ بالله- أين تصل؟ إنك إن وكلتنا إلى أنفسنا وكلتنا إلى ضعفٍ وعجز ونقص وعورة. ولهذا علمنا النبي ندعو: "ولا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحدٍ من خلقك طرفة عين"؛ ما تجعلني معتمد إلا عليك، ولا متوكل إلا عليك، حتى مقدار طرفة عين. الله يرزقنا صدق الاعتماد عليه.
ربي عليك اعتمادي *** كما إليك استنادي
صدقًا وأقصى مرادي*** رضاؤك الدائم الحال
هكذا العبيد، هكذا العبيد مع السيد، -لا إله إلا الله- يقول: من أقبل على الله، معتمد على الله، مستند إليه، مستمد منه؛ "قابلته الألطاف وساعدته العناية، ومن ساعدته -العناية- أدرك من كل أمر مراده"، ومن رعته العناية في المجيء والذهاب فلا يبالي، ومن خانته الأقدار خاف.
وإذا العناية لاحظتك عيونها *** نم فالمخاوف كلهن أمانُ
(إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ)، لا غالب، لا غالب، تعرف معنى لا غالب؟ لا غالب… صغير كبير، قليل كثير؟ لا غالب.. قريب؟ لا غالب… (إِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ)[ال عمران:160]. اللهم ارزقنا صدق الاعتماد عليك، والتوكل عليك.
وهكذا يقول: فلما كانت المطالب لا تقضى بدون اعتماد على الله، وأعظمها تسير طريق السلوك إلى الله"؛ أنتم الآن كل واعٍ منكم على قدر وعيه يطلب فوائد المجالس هذه، وما دار معكم في الدروس، والأعمال الصالحة التي تقومون بها، وأن ينال من خاتمة الدورة نصيب وافر من النورانية والمعرفة والقرب، وأن يستقيم على العمل بمقتضى ذلك باقي حياته، اطلبوا ذلك به، اطلبوا ذلك به لا بأنفسكم! اصدقوا وابذلوا وسعكم واطلبوها به معتمدين عليه، يوفقكم ويأخذ بأيديكم ويعطيكم ويمنحكم سر ما كان من النفحات في المجالس والصلوات والقراءات والدعاء والذكر والتعليم والخوض في الدعوة إلى الله تعالى، ونتائج النيات الصالحة ويثبت قلوبكم، ويثبت أقدامكم بصدقكم معه واعتمادكم عليه، واطلبوها به لا بأنفسكم. يا رب وفقنا.
ولهذا يقول: "من علامات النُجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات."؛ إذا كان من البداية وأنت راجع إليه معتمد عليه؛ هذا دليل أن النهاية حقك ممتازة طيبة لأنك بنيت على أساس. ولهذا قال الحبيب علي:
نبني على ساس محكَم قط ما يخترب
نحب أحمد ويا بخت الذي له يحب
قد قال فيما روي المرء مع من يحب
وأنا أحبه قولي صدق ما هو كذب
وعند ذكره ترى نطرب كما من طرِب
قال تعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا) طرف (جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) [التوبة:109]. فلنعزم ما نريده من إصلاح لأنفسنا، وإصلاح في بيوتنا وأسرنا لمّا نذهب عليها، وإصلاح لأصحابنا وأصدقائنا وجيراننا، وننوي أن نقوم بكل ذلك وأن نطلبه بالله، بالله لا بأنفسنا.
قال الله لحبيبه محمد في بذل الواجب الوسع وعدم الاعتماد على النفس: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ).. (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ) أنت عبد ما يقوم لك شيء إلا بي، وأنك أحب محبوب إليّ وأمورك كلها قائمة بي (وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) [النحل:127] نعم.. وهكذا وفيما قد عمل وأجرى على يده، قال له: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) [الأنفال:17] ﷺ.
"من علامات النُجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات."، فأقيموا أموركم على الاعتماد عليه والاستناد إليه سبحانه، ولا يخيبكم حتى يجعل العاقبة وفاءكم بعهده وظفركم بودّه وموتكم على الإيمان به وعلى محبة لقاءه، ثم مرافقة أنبيائه وسيد أنبيائه وأوليائه وأصفيائه في دار الكرامة، الله يكرمنا وإياكم بذلك ويُنيلنا ذلك، ونطلبه بالله.
(وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ) [الطلاق:3]. فما رجع من الله رجع عن الله إلا لعلة مستصحبةٌ له في بدايته"؛ إذا البداية ما قامت على أساس صحيح النهاية ماشي منها.
وهكذا وجدنا في الخبيث إبليس أنه كان له عبادات كثيرة ولكن وسط قلبه التعالي، وما يريد حد يتقدم عليه، فلما أُمر بالسجود لآدم، نازع.. وروح العمل كله لأن البداية حقه ماشي منها، وإلا عبادة سبع آلف سنة لو كانت مخلصة لله ما بيقع بعدها أن عليك لعنتي إلى يوم الدين! لكن الأساس ما هو صحيح ما هو قوي. لا إله إلا الله...
ومن هنا طلبوا السند، وطلبوا الرجوع إلى الأكابر، وطلبوا الشيوخ، وطلبوا أن يكون أمورهم على بصيرة… وإلا من البداية يقوّموا شيء مهتاس ليس تحته ما يعتمد عليه، ويتعب يتعب يتعب… بعدين يطلع فاشل! وكم من فشلوا في الدنيا لا إله إلا الله.
فيا رب ثبتنا على الحق والهدى
"فمن بالله تعلقه وحسن توكله كانت إلى الله نهايته، وتولاه بحسن ولايته ورعاه وكلأهُ في مصادره وموارده، وكان مع الله بلا علاقة"، بلا علة بلا شيء من هذه الأسباب، يعلم أن الملك ملك الله وهو عبد من عبيد الله، ويتضرع إليه، ويبتهل إليه، ويعلم أنه له أن يقدم ويأخر ويخفض ويرفع ويسعد ويشقي والأمر أمره، وهو يسأله اللطف والعفو والعافية، ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله، وما يدري إلا والحق يتولاه ويرعاه ويجمّله ويقوّمه ويرفعه ويأخذ بيده ويدفع السوء عنه من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم -لا إله إلا الله-.
وهكذا من "لم يأوي إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، فجديرٌ أن ينال بغيته ويظفر بمنيته ويحمل عنه كل ما يعبؤ به غيره" -لا إله إلا الله- وهكذا عمله مع كل المقبلين المتوكلين الصادقين.
وخذ ذلك على مستوى الأفراد والجماعات والمدن والقرى وعلى مستوى الدول، من أول تاريخ ابن آدم إلى قيام الساعة؛ المعتمدون على الله هم المنصورون وهم المؤيَّدون، والمعتمدين على غير الله يبؤون بالهلاك في الدارين -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
فيا رب ثبتنا على الحق والهدى *** ويا رب اقبضنا على خير ملة
وما حليت من أحوال بحبيبك باهي الجمال وبدر الكمال، وأنعمت بلذيذ الوصال على من حلّيت لهم الأحوال، أعد علينا عوائد ذلك الإفضال وجزيل النوال، من حضرتك يا وال، كما أنت أهله، بما أنت أهله، في كل شأن وفي كل حين وفي كل حال، حتى لا يبقى لنا شأنٌ ولا حينٌ ولا حال إلا مغمورًا بذلك النوال الفيّاض من حضرتك في توال بعطايا منك جزال، ومنح منك غوال، نرقى بها في كل حينٍ وحال وشأنٍ إلى المقام العال، ونشرب من أحلى سلسال، ولا نزال منك في ذلك الجود الهطّال، بما لا يسعه غير علمك، وما لا يحيط به غيرك، في كل شؤوننا وأحوالنا في حياتنا وعند مماتنا، وفي برازخنا وآخرتنا، فإنك العُدّة لنا في كل ذلك، والعمدة لنا في كل ذلك.
وما لنا غيرك من معطي، وما لنا غيرك من واهب، وما لنا غيرك من مقرِّب، وما لنا غيرك من معين، وما لنا غيرك من غافر، وما لنا غيرك من ناظر، وما لنا غيرك من إله، وما لنا غيرك من رب، وما لنا غيرك من معطي، وما لنا غيرك من منَّاح، وما لنا غيرك من فتاح، فجُد علينا وروّح لنا الأرواح، وارزقنا الاستنارة بذلك المصباح، وتولّنا به في جميع النواح، وانشر لنا به الخير في جميع الأقطار، وادفع عنا الشرور والأشرار، وهيئ لنا ارتقاء المعالي الكبيرة مع أهل صفاء السريرة ونور البصيرة من عبادك الذين هيئتهم للحظيرة القدسية وهيأت لهم الحظيرة، اجعلنا من خواص عبادك على بصيرة، والداعين إليك على بصيرة منيرة، واختم لنا أجمعين بأكمل حسنى وأنت راضٍ عنا، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.
26 ذو القِعدة 1440