الحِكَم العطائية -17 | ما من نَفَسٍ تُبديه إلا وله قَدَرٌ فيك يُمضيه

شرح الحكم العطائية لباراس -17- (ما مِن نَفَسٍ تُبديه إلا وله قَدَرٌ فيك يُمضيه..)
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.

عصر السبت 24 ذي القعدة 1440هـ.

الحكمة (22): ما من نَفَسٍ تُبديه إلا وله قَدَرٌ فيك يُمضيه.

الحكمة (23): لا تترقب فراغ الأغيار؛ فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مُقيمك فيه.

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

رضي الله عنكم، قال الشيخ علي باراس عند قول صاحب الحكم:

الحكمة (22): ما من نَفَس تبديه إلا وله قَدَرٌ فيك يمضيه.

 

"فالأنفاس قيام بالعبد ثلاثة: 

  • إما جوهرة لا قيمة لها لنفاستها؛ وهو كل نفس أحياه بذكر الله، أو عمل من أعمال الطاعة. 
  • وإما بعرة لا قيمة لها لخستها، وهو كل نفس خرج مع غفلة. 
  • وإما حسرة لا آخر لها وهو كل نفس استعمله في معصية. 

فهذه الثلاثة الأحوال لازمة لكل نفس من أنفاس الإنسان. وله من الأنفاس في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف جوهرة من جواهر الحقائق الإلهية، والأسرار الربانية، والدرجات الأخروية الذي انتهى صاحبها إلى دار السلام، الذي موضع سوط منها خير من الدنيا وما فيها، فكيف حال من استبدل بها أربعة وعشرون ألف نوع من أنواع النكال والدركات الظلمانية العدلية. وفي معناه أُنشِدَ:

 إن النفائس في الأنفاس مودعة *** فليقتنصها أولو الألباب والفطن

 فكم حَوَت من عجائب سر مَكرمة *** يذوقها من تجافى لذة الوسن 

في طيّها علم تكوينٍ ومعرفة *** من نالها قام منهاجه على السنن

فمن يرى ذا يرى الأكوان محكمةً *** على دوائر أنفاسٍ من المِنن

فلا يقوّم الأنفاس إلا أقطابها الذين كشف لهم عن مراد الله فيهم وبهم في كل نَفَس، فيتلقّّونها بالإكرام قبل بروزها عندهم، وعند بروزها يقومون بحق عبودية الحق فيكتسبون من علم التكوين والتعرُّف ما يرجح بأعمال الثقلين، وذلك لهم في كل نفس كما يرى أن شمةً من عارف توازي عمل الثقلين، وهو الذي رجح أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- الأمة؛ وهم أرباب الحقائق، ولهم علامات يعرفون بها أقطاب هذا المقام. فمن جملتها: أنهم في عالم البرزخ أحياء بحياةٍ خاصة بهم يشهدون بها أسرار الأعمال، ويتلذذون بذلك لا يقطعها عليهم الموت كما يقطعها على غيرهم ممن كان يهمل الأنفاس ولا يعبأ بها، ولا يعرف زيادته فيها من نقصانه منها، فما يقوم بها غير من خرج عن أوصاف البشر. 

كما يروى عن بعض سادتنا العلوية -رضي الله عنهم- وذلك سيدنا ومولانا عمر بن عبد الرحمن السقاف -رضي الله عنه- أنه قال: إن لي في كل نفس ألف من يا حفيظ. انظر كيف وسع الله له في نفسه حتى يقضي فيه حق الله الذي يقتضيه منه. وأهم ما هناك حفظ المقام على الدوام، لذلك كان تعلّقه بالاسم الحفيظ، هذا لمن شهد دقة المقام على الأنفاس ونفاستها، فأقل قائمٍ عندهم من قام بشكر ظاهرها وهو أربعة وعشرون ألف حمد، فأين من كان هذا مقامه وحال من حالات المحتبلين بحبائل البشرية الذين شغلتهم الشهوات الحيوانية عن القيام بالوظائف الحقيّة. فنسأل الله أن يُلحقنا بأوليائه، وينظِمنا في سلك أصفيائه، إنه وليّ ذلك، والمأمول لما هنالك."

 

لا إله إلا هو.

الحمد لله الذي يوفِق مَن شاء لحفظ الأوقات فتكون له سلالم يرقى بها عليّ المقامات، وتكون له وسيلة لاعتلاء رفيع الدرجات، وتكون له ميدان لتلقّي عظيم النفحات، وتكون له مجلى لمطالعة جمال الأسماء والصفات، وتكون له شأن من شؤون التفضّل الربّاني؛ فأنفاسه مملوءة بنفائس العطاء الامتناني. 

له الحمد والمِنة يوفق مَن شاء، ويخذل من شاء، فيمضي عمره الفاني وهو في الدواني، لا يشرب الشراب الهاني، ولا يرقى مراقي أهل التداني، فما أسوأ حظه في الحاضر والمستقبل، وما أبعده عن تلقّي عطاء الله -عز وجل- حيث تساهَل بالأنفاس، وما درى أن فيها العطاء النفيس، وما لا يدخل تحت المقاييس، من جود الله وفضله والتأنيس، لأهل الصدق معه من الذين مضوا على قدم المُصطفى صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آله بخير تأسيس. 

نشهد أنه الله الذي يُقرّب مَن يشاء، ويُبعد مَن يشاء، ويُسعِد مَن يشاء، ويُشقي مَن يشاء، ويرفع مَن يشاء، ويخفض مَن يشاء، وأنه لا شريك له، وأن عبده المُصطفى محمَّدًا رسولُه الذي اختاره من بين الرُّسل، وجعله سيد أهل الأنفاس والنفائس المخصوص من الخصائص الربانية الكبرى بما لا يدخل تحت نظر ناظر وقياس مقايس. 

اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على هذا العبد المُجتبى المختار، نور الأنوار وسر الأسرار، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن والاهم وعلى منهاجهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين أهل المراتب العُلا والدرجات الكُبار ومعادن الأنوار والأسرار، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المُقرّبين، وجميع عبادك الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الرَّاحمين. 

ويقول ابن عطاء الله -عليه رحمة الله-: "ما من نَفَس تبديه إلا وله قَدَرٌ فيك يمضيه."، فشأنك مع الإله أيها العبد.. منوط بالأنفاس نفسًا فنفَس، شؤونك مع الحق، شؤونك مع الخلَّاق، شؤونك مع البارئ، شؤونك مع الخالق، شؤونك مع المُبدئ المُعيد، شؤونك مع الحميد المجيد، شؤونك مع الجبّار المتكبر، شؤونك مع السميع البصير، في كل نفَس تبدو شؤون بينك وبين هذا الإله، ألا تفقه؟ ألا تُدرك؟ ألا تُحس! في أنفاسك شؤون يبديها الحق -جل جلاله-، (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29]. "ما من نَفَس تبديه إلا وله قَدَرٌ فيك يمضيه." -جلّ جلاله-، فإن قضى لك بالإنابة والاستجابة، والتذلل والتواضع والخضوع، والخروج عن الاستجابة لكل دواعي الإفك والافتراء، وهي دواعي النفس، وشياطين الإنس والجن، خرجت عنها مستجيبًا لأمره؛ فما أسعدك! لقد أسعدك، وأمدّك بما هو أهله -جلّ جلاله-. 

وإن آثرت الركون إلى الدنايا، والاستجابة إلى دعوات أهل البلايا؛ فقد حُرمت وخسرت وبعُدت -والعياذ بالله-. فانظر إلى أنفاسك وترّقب العطاء النفيس، قال: و "الأنفاس" القائمة بك أيها العبد، يقول الشيخ علي باراس -عليه رحمة الله تعالى- "ثلاثة:" كل نفس "إما جوهرة لا قيمة لها لنفاستها؛" كل واحد من أنفاسك، متى يكون كذلك؟ قال: "كل نَفَس أحياه بذكر الله، أو عمل من أعمال الطاعة" -الخالصة لوجه الله والمقبولة عند الله، فهذا نفَس عظيم مبارك ثمين غال، جوهرة لا قيمة لها. لا تدري أن هذه الطاعة التي صدرت منك بذلك النَفَس خالصة، حاضر القلب فيها مقبولة عند الرب، تثمر لك معرفةً به، وتثمر لك محبةً منه ومحبةً له، وتثمر لك رضًا منه ورضًا عنه، وتثمر لك دنوًّا من حضرته، وتثمر لك قُربًا من حبيبه، وتثمر لك درجاتٍ في دار كرامته، وتثمر لك نعيمًا في البرزخ ونعيمًا في القيامة ونعيمًا في الجنة، الله، الله.. وإلا ماذا تساوي الجواهر؟ 

ماذا تساوي الجواهر عند هذا الجوهرة الغالية؟ هل شيء من جواهر الدُّنيا يتنعَّمُ به في القبر والبرزخ يوم القيامة؟ في دار الكرامة؟ إلا ما كان من طاعة الله، فما أعظم هذه الجوهرة! النفس من أنفاسك؛ إن أحييته بذكر الله، وصرفته في طاعة الله؛ فهو جوهر لا قيمة لها. "وإما" يكون نفسك، نفسك أنت، نفسك، "بعرة لا قيمة لها لخستها"، -ما هذا؟!- "هو كل نفس خرج مع غفلة"؛ غافل عن إلهك، غافل عن المحيط بك، غافل عن الحاضر معك، غافل عن الرقيب لك، غافل عن المُطَّلع عليك، غافل عن المُنعِم عليك، غافل عن المخاطِب لك، غافل عن القادر عليك، غافل عمّن مرجعِك إليه. هذا النَّفَس تحول إلى بعره، لأنه خسيس، خِسة ما له قيمة صار. 

وإما نفْس النَّفس أشد من ذلك، يكون "وأما حسرة لا آخر لها"، كل نفس استعملته في مخالفته، في معصيته، في ترك أمره، في فعل ما نهاك عنه؛ هذا النفس أخبث. هذا النفس حسرة، حسرة شديدة قوية. إن لم يغفرها لك؛ حسرة عند الموت، حسرة في القبر، حسرة في القيامة. إن لم يغفره لك؛ حسرة في النار، يا لطيف، يا لطيف.. كل نفَس انصرف في معصية الله-جل جلاله-، ما أقبح المعاصي! وما أسوأ عواقبها! وما أشد ضررها! (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى:30] وما أعزَّت العباد أنفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت أنفسها بمثل معصية الله، أجارنا الله من الذنوب المعاصي، وسلَّمنا وحفظنا. 

قال: "فهذه الثلاثة الأحوال لازمة لكل نفس من أنفاس الإنسان." احسب حسابك، أنت داري بنفسك، لك في اليوم كم نفس؟ 24 ألف نفس في اليوم والليلة؛ يا جواهر، يا بعر، يا حسرات.. وإن كان مخلوط شيء كذا وشيء كذا، انتبه، أين الكثير، وأين الذي بيغلب بعدين. 

قال: "وله من الأنفاس في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف" نفس، فماذا يقول الشيخ في حال من أضاع "أربعة وعشرون ألف جوهرة من جواهر الحقائق الإلهية، والأسرار الربانية"، -في اليوم الواحد- "والدرجات الأخروية الذي انتهى صاحبها إلى دار السلام، موضع سوط منها خير من الدنيا وما فيها"، واسمع كلام الصادق، خير الخلائق، حبيب الخالق، يُنبئك عن حقيقة من الحقائق: "لمناديل سعد في الجنة، خير من الدنيا وما فيها"؛ منديل يمسح به وجهه سعد بن معاذ؛ خير من الدنيا وما فيها، صدق حبيب الله، وكذبت الأوهام والخيالات، من أولها إلى آخرها كاذبة، وحبيب الله صادق. "لمناديل سعد في الجنة، خير من الدنيا وما فيها". 

يقول: والذي يضيِّع في اليوم الواحد "أربعة وعشرون ألف جوهرة من جواهر الحقائق الإلهية، والأسرار الربانية، والدرجات الأخروية"، لا إله إلا الله، مسكين.. "فكيف حال من استبدل" بالأربعة وعشرين جوهرة نفيسة من جواهر فضل الله، "استبدل بها أربعة وعشرون ألف نوع من أنواع النكال والدركات الظلمانية العدلية." لا حول ولا قوة إلا بالله.. وإلى الانتباه من هذا الأمر أشار الحديث الشريف: "ليس يَتَحَسَّرُ أهلُ الجنَّةِ" في الجنة "على شيءٍ إلَّا على ساعةٍ مرَّتْ بهم لم يذكروا اللهَ عزَّ وجلَّ فيها." فكن ممَن يعرف حق الأنفاس، ويكسب فيها النفيس، واحذر من الخسيس، يجعل نفَسَك خسيس، بغفلتك عن الله -تبارك وتعالى-، لا إله إلا الله..

والذين أتقنوا شؤون الأنفاس الذي ذكرهم، يرتقون إلى الأنفاس المعنوية وهي عجائب من العطايا الرحمانية، يكون فيها نَفَس الواحد منهم يعدل عمل الإنس والجن ممَن لم يبلغ لتلك الرتبة. فهذه الأنفاس شؤون كبرى ما يحصلوها إلا بعد ما حفظوا هذه الأنفاس. وفيها يقال على شيخ المؤلف، شيخ المؤلف "قطب الأنفاس" عمر بن عبد الرحمن العطاس، قطب الأنفاس هذه المعنوية التي ذكرها أهل الله -تبارك وتعالى- يقول: 

إن النفائس في الأنفاس مودعة ***......................

"إن النفائس"؛ الأمور الغالية الثمينة النفيسة "في الأنفاس مُودعة"، مُودعة في أنفاسك..

…………………. *** فليقتنصها أولو الألباب والفطن

 فكم حوت من عجائب سر مكرمة *** يذوقها من تجافى لذة الوسن 

في طيها علم تكوين ومعرفة *** من نالها قام منهاجه على السنن

فمن يرى ذا يرى الأكوان محكمة *** على دوائر أنفاس من المنن

لكن قال: "لا يقوم الأنفاس إلا أقطابها الذين كشف لهم عن مراد الله فيهم وبهم في كل نفس، فيتلقونها بالإكرام قبل بروزها عندهم". وقد ذكر لكم فيما مضى أن كل نفس رسالة هدية لك من الله تعالى يرسلها لك، ترجع إليه. فإذا عرفت عظمة المُرسل، أكرم النفس، أكرم هذا المُرسل أكرمه واحترمه.. 

  • فإكرامه بصرفه في الطاعة. 
  • واحترامه بحفظه من المعصية. 

فإذا عرفت عظمة المُرسل، فهذه رسل من عند ربك يعطيك نفس بعد نفس، وترجع إليه فيسألها عنك، ترجع إليه بما كان منك ثم تعود لك في آخرتك بما أودعته فيها، بما أودعته فيها. 

  • إن أودعت فيها رحمة، أودعت فيها نور، أودعت فيها قُربة، أودعت فيها معرفة، ترجع إليك. 
  • وإن أودعت فيها ظلمة، أودعت فيها حيّة، أودعت فيها عقرب باطني، يرجع إليك في القيامة. 

هذا النفس الذي ما أودعته، يرده لك، لا إله إلا الله، وارزقنا الله المحافظة على أوقاتنا وأنفاسنا. 

اليوم جابوا للناس يقولون: تعالوا اقضوا أوقاتكم على التُّرهات والبطالات والمُغريات، ودخلوا لمقاهي الانترنت،  وسوّوا لكم أجهزة في الطريق وفي السيارة وفي البيت وفي كل محل، ولا تذكروا الله أبدًا، ولا تذكروا الآخرة أبدًا، والعبوا بحياتكم لعب، فما هذه الدعوة الخبيثة؟ وكيف يستجيب لها عاقل؟ كيف يستجيب لها مؤمن؟ وضيّعوا أنفاس الناس وأعمار الناس، ولقوا الله وهم في إفلاس. 

فمَن تفُته ساعةً من عمره *** تكون عليه حسرةً في قبره

يضيع في اليوم أربعة وعشرين ألف، لو ضيع حتى أربعة وعشرين ألف ريال؛ بيسبونه، بيقولون له: مجنون حتى لو ريال يمني، ضيّع بيقول: مجنون هذا؟ في اليوم الواحد ضيّع أربعة وعشرين ألف! أيش من آدمي هذا ما عنده حس ما عنده عقل؟! لا ريال ولا دولار، ولا درهم ولا جنيه إسترليني، أربعة وعشرين ألف نَفَس من الأنفاس الربانية، من الجواهر العلوية الرحمانية تضيعها على نفسك! فأنت مجنون كبير وغافل كبير! -والعياذ بالله-، الله يرزقنا حفظ الأوقات. 

كان يقول بعض الناصحين: إيّاك، إيّاك من سُرّاق الأوقات، فإنهم من عظيمات المُصيبات. هذا ما يسرق عليك قلم أو نظارة أو فلوس، يسرق عليك عمرك، وقتك، الوقت أعظم شيء، هذا سارق كبير! إيّاك، إيّاك من سُرّاق الأوقات، فإنهم من عظيمات المصيبات؛ من أعظم المصائب الذي يسرق عليك وقتك،  يهوش عليك عمرك، ويضيّعه عليك فيما يوجب كدرك وندمك في الآخرة -والعياذ بالله تعالى- لا إله إلا الله... 

قال: "فيكتسبون من علم التكوين"؛ لمّا يقومون بحق العبودية، "والتعرف ما يرجح بأعمال الثقلين" لا إله إلا الله… وفي هذا تسمعهم يقولون عن سيدنا الفقيه المقدم: النفَس من أنفاسه يعدل عمل الثقلين، كم من عارف "توازي عمل الثقلين، وهو -السر- الذي رجح أبو بكر الصديق رضي الله عنه" على من سواه من الصحابة. 

قال: هؤلاء "هم أرباب الحقائق، ولهم علامات يعرفون بها أقطاب هذا المقام." مثل شيخه الإمام عمر بن عبد الرحمن، قال: تعظم حياتهم، ومعنى حياتهم، وتعلو رتبة ومستوى حياتهم في البرزخ؛ لأن مَن كان في الدنيا مستوى حياة روحه وقلبه أعظم وأعلى؛ فحياته في البرزخ أكبر، حياته في البرزخ أقوى؛ لأنه في البرزخ ما تكون إلا حياة الأرواح. الأجسام إن كان من الصالحين الذين ما تأكلهم التراب تبقى محلها، جثة هامدة لكن الروح… فحياتهم في البرازخ على حسب حياة الروح، مَن كان في الدنيا روحه حية حياة رفيعة، قلبه أحيا من قلب الآخر؛ فهو أعظم حياة من الآخر في البرزخ. 

قال: لهم في برازخهم "حياة خاصة." وليس مثل حياة أي واحد، "بهم يشهد بها أسرار الأعمال، ويتلذذون بذلك لا يقطعها عليهم الموت كما يقطعها على غيرهم". فلهذا قال ﷺ : "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون"، يصلون، يصلون. سيدنا سعيد بن المسيب قال: لما جاءت الفتنة في المدينة، ودخل يزيد بن معاوية، وتعطلت الصلاة في الجماعة في المسجد النبوي ثلاثة أيام، كان وحده في المسجد، حتى كانت الدواب تدخل المسجد، الناس في فتنة وشدة. قال: فكان إذا جاء أوقات الصلوات الخمس، قال: كنت أسمع الأذان والإقامة من القبر الشريف. قال: أسمع الأذان والإقامة ويسجد ويصلي. قال: يعرف وقت الصلاة، ويصلي وهو وسط المسجد ثلاثة أيام. قال النبي المصطفى كما في صحيح مسلم: "مررت على موسى ليلة أُسري به وهو قائم يصلي في قبره"، وهو قائم يصلي، قائم يصلي في قبره، الله أكبر! 

فقال: يتلذذن بها لأنهم حيوا في الدنيا حياة قوية، تستمر حياتهم حتى الأعمال الصالحة في البرازخ ما تنقطع عنهم لذتها، وإن كان انقطعت فرصة كتابة الحسنات لكن لذّتها تبقى لهم، يستمرون عليها. وكان لما قبروا ثابت البناني، واحد منهم أثناء الدفن سقط عليه كيس له كان فيه دراهم، وبعدين لمّا تذكر جاء وحفر، لما رفع اللبنة؛ حصّل الرجال يصلي! كأنه خاف، فأشار إليه خذ محفظتك واسكت، أخذها وردَّ اللبنة وراح إلى عند أخته، وقال لأخته: ما كان يعمل ثابت؟ قالت: لماذا تسألني؟ قال: أنا أريد أن أعرف عمله، قالت له لا بد أن أعرف السبب، لماذا تسألني؟ قال: أنا أريد. قالت: قل لي، فأخبرها، قالت: ما دام هكذا، فإني أسمعه من خمسين سنة يتهجد في هذا المكان وأشارت إلى مكان في البيت، وأسمعه يقول: اللَّهم إن كنت أعطيت أحدًا الصلاة في قبره، فأعطنيها في قبري، خمسين سنة وهو يدعو الله بهذا الدعاء، فما يرد الله دعاؤه هذا. قال: أنا شفته يصلي في القبر، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.. 

هذه حياة الأرواح والقلوب عجيبة، مكانهم أحيا في الدنيا، والذين بذلوا أرواحهم من أجل الله، وقُتلوا في سبيل الله، مخلصين لوجه الله؛ أحياء. (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ) [البقرة:154]. وبعد ذلك الحق ذكر خصيصة من الخصائص حتى خصائص أشبه بالخصائص الجسدية والحياة الدنيوية، قال: (بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران:169]، يأكلون ويشربون، يرزقون رزق يحصلونه هنا في البرزخ، عجائب الخصائص للحياة الخاصة في البرزخ، وإلا عامة أهل البرازخ في العذاب -والعياذ بالله-، ما يوصفون بالحياة، لا إله إلا الله.. 

ولكن مَن كان قبره روضة من رياض الجنة ولهم درجات، ومَن كان أعظم حياة لقلبه وروحه في الدنيا؛ فحياته في البرزخ أرفع وأجل، ومنهم أولئك الخمسة الذين ما تأكل الأرض أجسادهم، خمسة أصناف من الناس: 

  • الأنبياء 
  • الشهداء 
  • العلماء العاملون بعلمهم 
  • حافظ القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه 
  • والمؤذن محتسبًا لله في مسجد سبع سنوات

هؤلاء من أعظم الناس حياة في البرزخ، حتى تسري الحياة إلى أجسادهم بحيث لا تأكلها التراب، لا يأكلها التراب، لا يأكلها الأرض: الأنبياء، والشهداء، والعلماء العاملون بعلمهم، والحافظ القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه؛ 

○ الجافي: المتباعد عنه المضيّع لأوامره.

○ والغالي فيه: المفتخر به المتشدق.

غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، يحفظ القرآن وهو متأدب وخاضع وتقي، لا من يحفظ القرآن ويتباهى ويرفع رأسه.. ولا من يحفظ القرآن وهو يعق الوالدين ويقطّع الرحم؛ غير الغالي فيه ولا الجافي عنه.

والمؤذن محتسبًا لله في مسجد سبع سنوات؛ لا تأكل الأرض أجسادهم. كيف هذه الأرض تفرّق بين جسد وجسد؟! تفرّق بأمر الخالق، الأرض واحدة، ذا يُقبَر فيها تأكل، وذا ما تأكل منه، ما هذا! سبحان الله! لا إله إلا الله.

ذكر لنا بعض الذين كانوا حضروا أيام القتال بين الشيوعية الذين دخلوا إلى أفغانستان وبعض المجاهدين هناك، في المحل الواحد، في ساعة واحدة يُقتل ناس من هؤلاء ومن هؤلاء، فنأتي بعد يومين نجد أجسام الكفار منتفخة منتنة، وهؤلاء كأنهم قُتلوا الآن، ولهم روائح طيبة. وهم في وقت واحد قتلوا، في مكان واحد قتلوا، حتى الأرض تفرّق بين هذا وهذا، وتأكل هذا ولا تأكل هذا، وهذا جسد ينتن وهذا جسد ما ينتن، لا إله إلا الله. 

يقول: بخلاف الذي في الدنيا "كان يهمل الأنفاس ولا يعبأ بها"، حياته قاصرة في البرزخ، لو كان من أهل الجنة حياته قاصرة مثل النائم. ما له حياة قوية كبيرة لأن هؤلاء كانوا أحياء، أحياء، أحياء، (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل:97] قال الله، بعمل الصالحات، لا إله إلا الله..

وقال: روى عن سيدنا الإمام عمر المحضار بن عبدالرحمن السقاف أنه كان يأتي في النَّفَس بألف مرة من يا حفيظ هكذا ذكر الشيخ، والذي في أكثر كتب المناقب أنه كان يأتي من يا لطيف بألف، وأن خادمه جريدان كان يأتي في النفس بخمسمائة من يا لطيف في النفس الواحد، في النفس بخمسمائة من يا لطيف، يا لطيف، هنا ذكر الشيخ علي باراس يا حفيظ، وشيخه الإمام عمر المحضار يأتي بألف مرة في النفس، كيف هذا؟ اندرجت له بعد كثرة الذكر والمواظبة عليه؛ فصار ينطقها بروحه وقلبه وجسده، فتندرج النفس ما عاد يكمل النفس الواحد إلا لو قد كمل ألف مرة من يا لطيف. وهكذا، ولما كانوا على هذه الصلة بالله، كانوا على مثل أحوال غريبة وبعد ذلك يستغربوا الناس، هذا أمر خارج عن العادة، فيستغربوا إذا خرق الله لهم العادة في كرامة من الكرامات! هم خرقوا العادات في معاملتهم للرب؛ فخرق الله لهم العادات. 

جاء جنود يهددون تريم في وقت السلطان، وعسكروا عند مكان يسمونه باجلحبان في مدخل تريم، والسلطان قال لسيدنا عمر المحضار: ما فينا طاقة للجيش هذا والجماعة، أرسل خادمه نفسه الذي يقرأ خمسمائة من يا لطيف. قال له: اخرج إليهم وقل لهم، يقول لكم عمر المحضار: ترجعون أو يخرج إليكم؟ خرج، مجرد ما كلّمهم، ارتعبت قلوبهم. قالوا: لا نرجع، نرجع، نرجع، وسأل رئيسهم، قال: هيا ارحلوا، ورحلوا. بعد ذلك بعضهم كان يقول للشيخ عمر: قال الآن أنت كيف بتصلّح وأنت فرد واحد تخرج إليهم وهم جيش كامل ما قدرت فيهم السلطان والدولة، وأنت وحدك أيش بتصلح فيهم؟! قال له: إذا ما سمعوا الكلام بصيح فيهم صيحة ثمود! تقع لهم صيحة من الله كما صيحة ثمود يهلكون! 

هؤلاء أصحاب القُرب من الله؛ الملك، القوي، المتين -سبحانه وتعالى-. وهذا يجيء لا في النفس ألف مرة يا لطيف، ولا في اليوم كله، ولا في الشهر ألف مرة، ويتعجب في هذا.. أين أنت منه! بينك وبينه بعد المشرقين، اعمل وتصير وترى ما معنى الكلام هذا؟ وتدرك ما سر الألفاظ التي يتلفظون بها أهل قرب الله -جل جلاله- لا إله إلا الله. 

"انظر كيف وسّع الله له في نفسه حتى يقضي فيه حق الله الذي يقتضيه منه. وأهم ما هناك حفظ المقام على الدوام"، في شهود ذي الجلال والإكرام، ومطالعة جمال الأسماء العظام، والصفات العُلا الفخام، حتى تشرق أنوار تجليّات الذات، بما لا يدخل تحت حصر ولا حدٍّ ولا يعرفه أحد أو يُكيفه ذهنٌ للمخلوقات. "حفظ المقام على الدوام، لذلك كان تعلّقه بالاسم الحفيظ، هذا لمن شهد دقة المقام على الأنفاس ونفاستها، فأقل قائم عندهم من قام بشكر ظاهرها وهو أربعة وعشرون ألف حمد"، -في اليوم والليلة-. "فأين من كان هذا مقامه وحال من حالات المحتبلين بحبائل البشرية الذين شغلتهم الشهوات الحيوانية عن القيام بالوظائف الحقّية." ما يعرف ولا يرتاح إلا إذا غفلة، لعب، مسخرة، رقص، مصافطة… يرتاح. لكن ذكر، طاعة، عبادة، إنابة، خشية، معرفة، هذه ما يعرفها! هذا مُكبّل بحبائل البشرية، شغلته الشهوات الحيوانية، فما عاد قام بوظائف الحق، فنسوا. "فنسأل الله أن يلحقنا بأوليائه، وينظمنا في سلك أصفيائه، إنه ولي ذلك، والمأمول لما هنالك." يا رب، لا تلحقنا بالغافلين، ولا بالفاجرين، ولا بالمبعودين، ولا بالمحجوبين، ولا بالمطرودين، ولا بالمحرومين، يا أرحم الراحمين، بحقك عليك ألحقنا بالصالحين. 

قال: المؤمنون الذين وعوا خطاب الله، وبكوا عند تلاوة آيات الله، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين؛ فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار. 

 

فلما كان المطلوب من العبد مراعاة الأنفاس في كل آن من غير انتظار زمان ولا مكان؛ قال المؤلف رضي الله عنه :

 

الحكمة (23): لا تترقب فراغ الأغيار؛ فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مُقيمك فيه.

 

وذلك لأن فراغ الأغيار وانقطاع الآثار لا ينقطع عنك مادمت مقيما في هذه الدار، فمن راقب فراغها ضيع ما هو المطلوب منه؛ وذلك مراقبة الله فيما يقيمك، فلا تجتمع مراقبة الله ومراقبة غيره، فالمراقبة لما يتحلى به من الأوصاف والنعوت، والمحاسبة على ما يظهر على العبد من الكلام والسكون والأعمال في سائر الأحوال. فمن فاته مقام المحاسبة فاته حق العبادة ظاهرًا، ومن فاتته المراقبة فاتته العبودية باطنًا، فمتى يخلون عن المطالبة بالقيام بالعبادة والعبودية حتى يترقبها في آنٍ ثان، وترقُّب فراغ الأغيار وانقطاع آثار حجابٌ عن شهود الأنوار. فالفقير الصادق يقطع كلما عرض له من عوارض الأغيار، ويزيل عن وجه قلبه كثيف الآثار؛ بموالاة الأذكار وصافي الأفكار. 

فلا يترقّب فراغ الأغيار وليكن بحكم وقته، فترقب العبد إلى ما هو آت وضياع الحال ضلال، فإذا لم تحكم الوقت الذي أنت فيه فما تدري ما يأتي الوقت الآخر وأنت باقٍ على ما أنت عليه، أو قد خرجت عن الإمكان إما بمفارقة الحياة أو عدم مساعدة الوقت الآخر بذلك العمل. قال  : "بادروا بالأعمال سبعًا"؛ هل تنتظرون إلا سبعا، وذكر منها الموت والمرض والهرم والفقر والغنى؛ والدجال شر غائبٍ يُنتظر والساعة أدهى وأمر".

 

لا إله إلا الله،  إما موتًا مجهِّزًا، ومرضٌ أو هرم، أو فقر، أو غنى مطغي، أو "الدجال شر غائب يُنتظر والساعة أدهى وأمر". قال شاعرهم: 

ما مضى فات والمؤمَّل غيبٌ *** ولك الساعة التي أنت فيها

قال: "لا تترقب فراغ الأغيار"؛ لتقول لمّا نفرغ، لما تجيء فرصة، الحالة التي أنت فيها اغتنمها! الفرص متى تأتي؟ فرصة، فرصة، تضيع الفرصة لما تدخل القبر بعدين! اغتنم الساعة التي أنت فيها، "فراغ الأغيار وانقطاع الآثار لا ينقطع عنك ما دُمت مقيمًا في هذه الدار، فمن راقب فراغها ضيع ما هو المطلوب منه"، كما قال في حكمته الأخرى: "إحالتك العمل على وجود الفراغ من رعونات النفس"؛ من الحماقة، ما تؤخر العمل إلى وقت الفراغ، الآن الذي تقدر عليه أعماله، الذي تقدر تقوم به، قم به، ما تؤخره. متى يأتي الفراغ هذا! أنت عليك مهمة في كل وقت، ولهذا يُقال: المطلوب مراقبة الله فيما يقيمك، وما تجتمع مراقبة الله مع مراقبة غيره! لا إله إلا الله. 

"والمحاسبة على ما يظهر على العبد من الكلام والسكوت والأعمال في سائر الأحوال. فمن فاته" المحاسبة وما يحاسب نفسه، ولا يراجعها؛ "فاته حق العبادة ظاهرًا"، والمراقبة وراء المحاسبة، أن تراقب اطّلاعه عليك، نظره إليك،  إحاطته بك، الله، هذا تقوم به بحق العبودية الباطنة. مَن ضيّع المراقبة "فاتته العبودية باطنًا، فمتى يخلون عن المطالبة بالقيام بالعبادة والعبودية حتى يترقبها في آنٍ ثان"، الآن الذي أنت فيه، اغنمه، حاسب وراقب، واذكر ربك وامضِ.

وهكذا يقول: "وترقب فراغ الأغيار وانقطاع آثار حجابٌ عن شهود الأنوار. فالفقير الصادق يقطع كلما عرَض له من عوارض الأغيار، ويزيل عن وجه قلبه كثيف الآثار"؛ بماذا؟ 

  • "بموالاة الأذكار 
  • وصافي الأفكار." 

كثرة الذكر: بالتوجّه والحضور والأدب، والجمعية، وصافي الفكر. 

وصفِّ عن الأكدار سِرَّك إنه *** إذا ما صفا أولاك معنىً من الفكر 

صفِّ الفكر؛ بأن ترفض جميع الخواطر السيئة، وتستحضر عظمة الحق والرجوع إليه، وعظمة رسوله وطلب مرافقته، وشؤون وعده ووعيده، هذا الذي يدور في ذهنك وبالك؛ صافي الفكر. فتقطع هذه الأغيار "بموالاة الأذكار وصافي الأفكار". ويكون بحكم وقته منتبه من ساعاته ولا يدري أيش من وقت آخر يأتيه بأي حال، "هل تنظرون إلا فقرًا مُنسِيًا، أو غنًى مُطغِيًا، أو مرضًا مُفسِدًا، أو هرَمًا مُفنِّدًا أو موتًا مُجهِزًا، أو الدَّجَّالَ فشرٌّ غائبٌ يُنتَظرُ، أو السَّاعةُ فالسَّاعةُ أدهى وأمرُّ". فاغنم وقتك وزمانك.

رزقنا الله اغتنام الأوقات، ودفع عنّا الآفات، وبلّغنا الأمنيات، ورعانا بعين العنايات، ثبتنا أكمل الثبات، وأصلح شؤونا بما أصلح به شؤون الصالحين، بِسِرّ الفاتحة وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

25 ذو القِعدة 1440

تاريخ النشر الميلادي

28 يوليو 2019

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام