(445)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.
عصر الجمعة 23 ذي القعدة 1440هـ.
تتمة شرح الحكمة (21): طلبك منه اتهامٌ له، وطلبك له غيْبةٌ عنه، وطلبك لغيره لقلة حيائك منه، وطلبك من غيره لوجود بُعدك عنه.
الحكمة (22): ما من نَفَسٍ تبديه، إلا وله قَدَرٌ فيه يُمضيه.
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله:
تتمة شرح الحكمة (21): طلبك منه اتهامٌ له، وطلبك له غيْبةٌ عنه، وطلبك لغيره لقلة حيائك منه، وطلبك من غيره لوجود بعدك عنه.
"وطلبُك له لوجود حجابِك عنه؛ فأيُّ وجودٍ لغيره معه؟! فلو كنتَ ذا كشْفٍ جليٍ وشهودٍ قلبي… لم ترَ لغيره وجوداً، ولم يظهرْ لسواه شهودٌ، فكيف تطلبُه وبه قام وجودُك، وتحقَّق شهودُك، وبقيوميَّته قام الوجود بأجمعه؟! فمتى غاب حتى يَصدُقَ عليه الفقد؟!
فالعارفُ يطلب وجودَ نفسه؛ ليقضيَ بوجودها حقَّ معبودها، فلم يجد هناك إلا عبوديةً لمعبودٍ في صورة عبدٍ قام لمعبوده، وفي معناه:
فكيف يتهمُ المخلوقُ خالقَه*** فيما وعدْ جلَّ من قد قدَّر القِسَم
فلا يطالبُ بالمضمون رازقَه*** إلالْكَنُ القلب لم يستنتج الحِكَم
وغيره:
ما غاب من أبدع الأعيان وأوجدَها *** من قبل مظهَرِها في عالم النسب
فكيف يُطلَبُ والأكوانُ أجمعُها *** تشهدْ بمظهره دانٍ ومقترب
لقلّة حيائك منه؛ فكيف تُؤثِرعليه… وجميعُ المحاسن والمآرب وعالياتِ المطالب لديه؟! وباهياتُ المحاسن وغرائبِ طرائق الجمال صادرةٌ عن سنى محاسنه، ومجتناةٌ من دَوحة روض كماله؟!
فكيف لا تستحيي منه وهو معك- كما ترى- بجميل رأفتِه ولطفِه، ومحبته وعظَمِ رحمتِه، وحفظه وكلاءته، وجميل مودته، يرقبُك حين تغفل عنك العيون، ويحفظك إذا خلا عنك الأنيس، ويؤنسُك إذا أوحشَك الجليس؟!
فكيف تطلبُ غيرَه وهو يطلبُك، وترغب الى سواه وهو يقرِّبك؟!
ماهذا الجفاء وقلة الوفاء؟! أتطلب مَنْ إذا رأى لك عورةً هتَكَها،ولو بيده نعمةٌ عنك أمسكها،ومع ذلك هو عاجزٌ عن إيصال منافعِه لنفسه،وعن دفع مضارِّه، وهو عن إيصال المنافع ودفع المضارّ عن غيره أعجز؟! فكيف تطلب وتدعو مَن هو عنك غافل، ونجمُ وجوده آفل؟!
أما يطرُقك الحياءُ من الله: أنّه يطلبُك لحضرته ومحلِّ رضوانه،وشهوده في فسيح جنانه وأنت شاردٌ عنه شرود البعير عن أهله، وتطلب ما ليس ينفعُك دونه، وهو أيضاً غيرُ غافلٍ عن دعائك في صباحك ومسائك.
وما تريد شيئاً دون وصاله ؟! وماذا يُغيِّبك عن شهود جماله وظهور كماله؛ وهو يريدُك أن تكون من الخدّام، ويُنزِلُك في داره دار السلام، ويِحيّيك فيها بالسلام، ويُتحفك بلذيذ الكلام، ويجعلك من أهل حضرته، وخواصّ محبيه.
فإذا علمتَ ذلك… فجديرٌ بك ألا تطلب سواه في أرضه وسماه، وإلا… نوديَ عليك بالمَلامة في عرَصات القيامة، وتوسَمُ بالملامة حيث طلبتَ غيرَه.
يُروى عن الشيخ الجُنيد -رضي الله عنه-: أنه كان جالساً في مسجدٍ في أصحابه؛ إذ أتت امرأةٌ تخاصم زوجَها إليه، فقالت: يا شيخ؛ أنا زوجة هذا الرجل، وقد تزوّج عليَّ امرأةً غيري، فقال لها الشيخ: له ثلاثٌ غيرك - أوكما قال - فقالت له: ياشيخ؛ لو يجوز كشفُ وجه الأجنبية… لكشفتُ لك عن وجهي، فلورأيتَني…لحكمتَ بأنّ مثلي لا يُؤثَر عليه، فصاح الشيخ عند ذلك حتى غُشي عليه.
وفي معناه:
من طلب غيرَه باءَ منه بعتبٍ *** ووبيل قبحٍ وشَينِ ملامِ
كلُّ شيءٍ دونه من قصورٍ وعُربٍ *** وفتوحٍ ونيل مقامِ
فهو للواقفين غرورٌ وحجبٌ *** ومنى العارفين هو والسلام
وطلبُك من غيره لوجود بُعدِك عنه، فأدلُّ شيءٍ على بعدك عنه: أن تطلبَ من غيرِه، وهل لغيره من العطاء دون مالَه حتى تطلبَ منه؟! فكيف تطلب من غيره ماهو موجِدُه وبيده خزائنُه؟!
فهذا أبعدُ الحجُبِ الظُّلمانيّة، وأكثفُ الأغشية القلبية، وأقبحُ الحالات النفسية: أن تُنزِلَ حوائجَك بمَن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا عطاءً ولا منعا؛ فحيث أنزلتَ حاجتَك بمن هو كذلك…فجديرٌ أن يَخيب أملُك، وتوكَلُ إلى من يُسلِمُك أحوجَ ماتكون إليه، ويتبرأُ منك، وتُفتَضحُ بين الأشهاد، وتُمقَت عند العارفين، وتُهانُ عند الموحِّدين، وتُنسى عند الذاكرين: "من أنزل حاجته بغير الله لم تُقضَ حاجته.." الحديث.
فلو أردتَ قضاءَها… لقصدتَ بابَه، وتعلَّقت بجنابه، وابتهلتَ في طِلابِه، وقل: اللهم؛ إني أُنزل بك حاجتي وإن قصُرَ رأيي وضَعُف عملي، فأسألك ياقاضيَ الأمور، وياشافي الصدور…
فمن نزل عن هذه الرتبة…فقد انكفأَ به صراطُ الإستقامة في نار البعد عن الكرامة، ويُهان في الأعيان عن القاصي والدان؛ فلا يُرى له حرمةٌ، ويَستعبدُه الأخسَّاء اللئام، ويُحقَّرُ في أعين الكرام، فهو أضلُّ من الأنعام سبيلاً.
وفي هذا المقام تظهر المعاصي والآثامُ القلبيّة؛ كالنفاق وطرقه، كالرياء والعُجبِ والشُّحّ، ونتائجَه القالبية؛ كالكذبِ والخُلفِ للوعد والخيانة والفجور ولدادةِ الخصام، وغيرِ ذلك مما يطول تعدادُه من المعاصي الظاهرة والباطنة، عافانا الله والمسلمين منها. وفي معناه أقول:
فكل أمرٍ تحاولْه وتطلبُه *** فأنزِلْه بالله تلقَ العزَّ والظفر
فمن طلبْ من سواه نيلَ مطلبِه *** نأى عن القرب بأقصى البُعد في النظر
فإذا طلبتَ… فاطلب من الله، وإذا استعنتَ…فاستعن بالله، وأهمُّ من ذلك: أن تطلبَ منه أن يُيسِّر عليك، ويقيمَك فيما هو مطالبُك به من أداء حقِّ العبوديّة، والقيامِ بالحقوق، ونسيانِ الحظوظ."
الحمد لله مولانا الحي القيوم؛ الذي يجب على كل عبدٍ -خصوصًا من العقلاء من الإنس والجنّ والملائكة- عرَفَه أنْ لا يطلبَ سواه، وأن لا يتكلَّ على مَن عداه، وأن لا يلجأ الى غيره تعالى في علاه، وأن يَصدُق في طلبه. وأعظمُهم منزلةً إليه.. الهادي إليه والدالُّ عليه، عبده المجتبى محمد، الذي اجتمع بكلّيتِه على الحق جمعًا لم يجتمعْه غيرُه، لأنّ الله جمع فيه من حقائق إمداده وإسعاده ما لم يجعلْه لسواه.
أدم اللهم صلاتَك على هذا المصطفى، وتولّنا به في الظاهر والخفاء، وأكرِمنا به بتمام الصحة والعافية والشفاء، وادفع به عنا كل زَيغٍ وضلالٍ وجفاء، وانظمنا في سلكه، واحملنا في فلكه، وصلِّ معه على آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن على منهاجهم سار على ممر الأعصار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادن الأسرار والأنوار، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعدُ،
فإن الله -سبحانه وتعالى- بحكمتِه البالغة، ونعمتِه السابغة أقام الوجودَ على هذه الكيفية التي أرادها، وجعل فيه للصادقين وسائلَ نَيل المُبتغى، والظفر بما يُحبونه ويأملونه من واسع جوده فوق آمالهم، وأعظمَ من رغباتهم، وجعل فيه اختباراً للكلّ، حتى يخرج من ورَطات الانحباس في هذا الكون وشؤونه، مَن سبقتْ له السابقةٌ؛ ممن صدَق مع عالم ظهورِه وبطونه سبحانه وتعالى.
فالصادقون يجدون في الكون وما فيه مراقيَ يرقَون بها في حقائق تفضّله وتجلّيه، والغافلون والفاسدون يجدون مرتعًا في هذا الكون وخيما، يزدادون به بُعدًا عن الحق تبارك وتعالى، وانحجابًا عن عظمته؛ فينصرفون عنه إلى سواه، فيجعلُ لهم ذلك عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، أعاذنا الله من ذلك.
وأشار إلى جملةٍ من هذه المعاني في حكمته التي سمعتم شرحها:
"طلبُك منه" لِما ضَمِن لك "اتهامٌ له" سبحانه وتعالى في وعدِه، وعدمُ ثقةٍ بخَبره سبحانه وتعالى، والمعنى: قَلَق قلبِك وباطنِك عما يتعلق بشؤون القَوام لك -وهو الرزق الذي ضمِنه-، دليلُ:
فلا يجوز للمؤمن أن يُقِرَّ نفسه على القلق والانزعاج لضرورات المعاش، فإنها مضمونةٌ بضمان مَن قال: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود:6]. ومَن قال: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)[الذاريات:22-23].
ومن هنا قالوا: الشكُّ في الرزق شكٌّ في الرزاق! وهي البليّةُ التي يدخل منها عدوُّ الله على كثيرٍ من الخلق على ظهر هذه الأرض؛ فيفتنَهم فتنةً لا ينتبهون لها بذكاءٍ ولا فطنة؛ فيقعون في قبضته، ويخرجون عن الأدب مع مَن هو في قبضته، لا إله الا الله، وهو الذي قال له: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر:42]
وسبق شرح معنى "طلبُك منه اتهامٌ له".
ويشرح الآن معنى "طلبُكَ له" وهو: تخيّلُك وتوهّمك لبعده أو لحجابِه… غيبةٌ عنه، "طلبُك له" غيبةٌ وبعدٌ منك، وحجابٌ منك أنت ، ماهو منه، وإلا فأنت بإيمانك تؤمنُ أنه أقربُ إليك من حبل الوريد، وإنما تطلبُ المفقودَ غير الموجود، أما الموجود كيف تطلبُه؟! يعني بطَلبه هنا: وهمُك وخيالك أنه بعيدٌ عنك، وهو أقربُ إليك من حبل الوريد، كيف؟! وأنه محجوبٌ عنك، أنت المحجوب وليس هو؛ فالمحجوب مقهورٌ وهو القاهر، المحجوب أنت، ليس هو.
إذًأ؛ فلا تتصور في معنى طلبك له، إلا أنْ تُصفّيَ نفسَك أنت، وترفعَ حجابك أنت، فما طلبُك له إذا صحَّ على وجهه، إلا طلبُك تصفيةَ نفسِك، وتنقيةَ باطنك، ورفعَ حجابك أنت. أما هو أقربُ إليك من كلِّ شيء، أقربُ إليك من نفسِك، أقرب إليك من عينك، أقرب إليك من سمعك، أقرب اليك من حبل الوريد. (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16].
إنما يُترجَمُ عن طلب ارتفاع الغشاوة -الغطاء- عن العبد.. بطلب الله؛ أن يطلب ربَّه هو، يطلب نقاؤه عن أكداره هو، وارتفاعَ غطائه هو، يطلب هذا، أما الحقُّ فهو أقرب من كل شيء، لا إله إلا الله.
فتوهمُّك أنك تطلبُه إنما يُطلَب المفقود، وكيف يكون مفقوداً وهو القائل (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [المجادلة:7]، هو موجودٌ كيف تطلبه؟!
اطلبْ أدبَكَ أنتْ، اطلب نقاءَك أنت، اطلب صفاءك أنت، هذا فقط هو المطلوب، أما هو أقرب منك، محيطٌ بك (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال:24]؛ أقرب إليك، هو مسيِّرُ خواطرِك وشؤونك وما يدور في باطنك، أقرب من كلّ شيء. لا اله الا الله…
فإذًا؛ ليس معنى طلب الله إلا أن يطلبَ العبدُ نقاءَه وصفاءَه، وصلاحيته لأن يشهدَ المولى، أما هو.. هو موجود، جل جلاله. ما لك وجودٌ إلا به أصلاً، ولا للأرض التي أنت عليها وجودٌ إلا به، هو أعظمُ وجودًا من الأرض التي وجودُها طارئ ويقبل الزوال، وأعظم وجوداً من وجودك الذي هو طارئٌ ويقبل الزوال، كيف تطلب مَن هو أعظمُ بالوجود من وجودك، ومن وجود الأرض التي أنت عليها، والسماء التي أنت تحتها؟! هو أعظم وجوداً منك، ما وجودها إلا به، ووجودُها كله مجازيٌ تحت قدرته، لكن هو الموجود، الحقيقة هو الموجود، جلّ جلاله.
إذًا؛ "طلبُك له لِوجودِ حجابك عنه، فأيُّ وجودٍ لغيره؟!"، ووجودُ غيره مجازيٌ طارئٌ يقبل الزوال والانتهاء، لو كنتَ تدرك هذه الحقيقة وتشهدَها بقلبك… ما رأيتَ لغيره وجود، أنت الذي تريد نفسك طالب إيش هو وجودك؟!..
هو أظهرُ منك، وهو أعظمُ وجودًا منك، جل جلاله ومن كل شيء، "ولا يظهرْ لك" عندئذٍ "لسواه شهودٌ، "كيف تطلبُه وبه قام وجودُك؟!"، إلا أن تطلبَ صلاحَ نفسك، تطلبَ تنقيتَك من هواك وشرِّك وغفَلاتك، ومرضك والتفاتاتِك إلى الغير، والحجاب الذي فيك، هذا الذي تطلبُ النقاءَ منه، أما هو فهو أعظمُ وأجلُّ وأكبر من أنْ يحجبَه شيء، "به قام وجودُك وتحقَّق شهودُك، وبقيُّوميته قام الوجودُ بأجمعِه؟!"
ولولاه .. لا أرضٌ ولا سماء، ولا عرشٌ ولا كرسيّ، ولا ملَك ولا إنسي ولا جني، ولا حيوان ولا نبات، كلُّها ما قامت إلا به سبحانه وتعالى، خالق كل شيء، "فمتى غاب حتى يصدُقَ عليه الفقدُ"، ويصحَّ منه الطلب؟! يصح أن تطلبه، متى؟! لا إله إلا هو.
قال الله تعالى (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِم وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ* فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الأعراف:6-7]، اسمع كلامه، (وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ)، لا والله ماكان غائباً، لا يغيب عن شيء، إنما الأشياء هي التي تغيب، (وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) لاعن مجلسٍ من المجالس، ولا عن خلوةٍ من الخلوات، ولا عن كلمةٍ من الكلمات، ولا عن خطرةٍ من الخطرات، ربُك ما هو غائب، أنت تغيب كثير، لكن هو ليس غائب، لا إله إلا الله.
ليس غائباً عن لفتة ناظرك، ولا فلتة خاطرك، (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ)، (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف:80].
فاصدُقْ، حتى تعبدَه بصدقٍ، وترقى مرقى الإحسان كأنك تراه، وجودُه أعظمُ من وجود الكائنات كلِّها، الأرض التي أنتَ عليها، والمسجد الذي أنت فيه، والبيت الذي أنت به، وجوده أعظم، وجود المسجد والبيت ووجودك أنت.. مجازيٌ طارئ يقبل الزوال، لكن وجوده أعظم، فمتى تعبدُه كأنك تراه؟ متى؟ كم سنك؟ وأنتَ قد علمت هذه الكلمة التي خرجتْ من فم الحبيب ﷺ وعُلِّمتَها من أيام صغرك سمعتَها، وأغلبُ المسلمين سمعوها من أيام صِغَرِهم، -أن تعبد الله كأنك تراه- وعدّى الصغر، وجاء الشباب، ويمشي الشباب وربما يكمل.. وما تحققتَ كأنًَك تراه؟ إلى متى هذه الغفلة الزائدة والغيبة ؟! "طلبُك له غيبةٌ عنه لِوجود حجابِك عنه".
"فالعارفُ يطلب وجودَ نفسه؛ ليقضيَ بوجودها حقَّ معبودها"، وجودَ نفسه على ما أحبَّ خالقُها، وشرَع إلهُها، تستقيم، تتنقّى، تتطهّر، تتزكّى، تتأدّب، تخضع، تحضر من أجل أن تَشهد، وتُمَدّ وتسعد، (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس:9-10] فهذا هو طلبهم؛ وجودُ نفسهم على الوجه المرضي، كله يسمونه: طلبُ الله تعالى…..وليس المعنى طلب شيء مفقود.
ولهذا نوديَ بعضُ العارفين -في التنبيه إلى دقيق هذا المعنى- كان يسبّح الله يسبح الله، يقدس الله وينزه الله على كل حال، فناداه ملَكٌ قال: هل رأيت في ربك عيب حتى تُقدسها؟ قال: أستغفر الله، قال: فنفسُك فيها عيوبٌ نزِّهها. يعني: المراد من تسبيحك له: أن تُصفَّى أنت، أما هو.. هو المقدّس قبل أن يخلقَك، وقبل أن يَخلق السماء والأرض، هو المنزّه المطهّر جل جلاله.
لكن أنتَ وسط مشاهدك أكدارٌ تحتاج تصفية، تُقدّسْ نفسَك، أنت فيك العيوب، طهرْ نفسك من عيب النقص في الشهود، من عيبِ إساءةِ الأدب مع الموجود، طهّرْ نفسك من هذا، فهذا مقصود التسبيح؛ أن تُعانَ على هذا الطهر لك، أما هو فهو مقدّس ومنزه (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ* وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) [الروم:17-18].
وهو ربُّ الكمال جل جلاله من قبل خلق العرش والكرسي، والجنة والنار، والأرض والسماء، والإنس والجن، لكن نسبِّحه من أجل نحن نتطهر بمشاهدنا، ونتأدب مع مُوجِدنا، ونتزكّى، هذا مراد تسبيحِنا له سبحانه وتعالى.
"يطلبُ وجودَ نفسه ليقضيَ بوجودها حقَّ معبودها"، وإذا صدق وقام "لم يجد هناك إلا عبوديةً لمعبودٍ برزتْ في صورة عبدٍ قام لمعبوده"، وإذا بالأمر؛ لا العبد ولا قيامُه، ولكن الربُّ وخلْقُه وإيجادُه، وإكرامه وتوفيقه وإنعامه، هذا هو الحقيقة، وهذا صورة.
"لم يجد هناك إلا عبوديةً لمعبودٍ برزت في صورة عبدٍ قام لمعبوده"، من هذا العبد وما قيامه، وما هو؟ ماهناك إلا خلْقُه تعالى وإيجاده تعالى، وتوفيقه تعالى وإكرامه تعالى، هذا هو الأصل، وهو مندرجٌ منطوي تحت هذه الصورة، الله أكبر!
فكيف يتهمُ المخلوقُ خالقَه*** فيما وعدْ جلَّ من قد قدَّر القِسَم
فيما وعد؛ يطلب منه فيما ضمن له..
فلا يطالبُ بالمضمون رازقَه*** إلالْكَنُ القلب لم يستنتج الحِكَم
إلالْكَنُ القلب؛ صاحب القلب..
ما غاب من أبدع الأعيان وأوجدَها *** من قبل مظهَرِها في عالم النسب
فكيف يُطلَبُ والأكوانُ أجمعُها *** تشهدْ بمظهره دانٍ ومقترب
لا إله إلا الله.
"طلبُك لغيره" مشكلة ثانية، "طلبك لغيره"؛ غفلتُك عن أنك عبدٌ، كلُّ مطلوبك في الحقيقة رضاهُ، وعفوه، ومغفرته وعافيته، هذا المطلوب لك ،تقوم تنسى ذا تطلب شيء ثاني! تطلب واحد ثاني، تغفل عن ربك؟! وإذا بمطلوبك الأمر الفلاني الأمر الفلاني، المؤسسة الفلانية والجماعة الفلانية، ما خلقوك ولا يرزقوك، ولاترجع إليه؟! تنسىاه وتطلب غيره؟!
"طلبك لغيره لقلة حيائك منه" جهلتَ وغفلتَ، ما استحييتَ من الذي خلقك، بيده أمرُك، تقوم تطلب غيره؟! وغيرُه في قبضته، وغيرُه عبدٌ له، وغيرُه تحت قهره، تنساه وتقوم تطلب الغير؟ كبيرة!
"طلبُك لغيره لقلَّةِ حيائِك منه، فكيف تؤثِرُ عليه" شيئاً آخر؟! "وجميعُ المحاسن والمآرب وعالياتِ المطالب لديه؟!" ومنه وبه، والجمالُ كلُّه له، والعظمةُ كلها له، والعِزة كلها له، والقدرة كلها له، والأمر كله له، فماذا تطلب في غيره؟ نسيتَه؟ نسيتَ عظمته؟ نسيت حقيقةَ صفته؟ بَعُدت عنه؟ انحجبت إلى هذا الحد؟ فصار لك طلبُ غيره؟! قال زين الوجود: "إن لم يكنْ بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي".
يقول: "وباهياتُ المحاسن وغرائبُ طرائق الجمال صادرةٌ عن سنا محاسنه"؛ هو الموجِدُ لكل حسَن، في الظاهر وما بطن، "ومُجتناةٌ من دَوحة روضِ كمالِه؟!"
"كيف لا تستحي منه وهو معك؟"، خلقك وأوجدَك وأحاطَ بك، و ناصيتك بيده، وتطلب غيرَه، ما تستحي؟!
"كيف لا تستحي منه وهو معك؟ -كما ترى- بجميل رأفتِه، ولُطفِه، ومحبته وعظَمِ رحمته، وحفظِه، وكلاءته، وجميل مودَّته،" من يحفظ بصرك هذا الذي معك، وهو منه موهوبٌ لك؟!
أصلاً ما أنت متصل بشركة تأمين تؤمِّن بصرك ولا سمعك ولا قلبك؟ والدورة الدموية شغالة فيك من دون ما تكلفك فكر ولا التفات، عسى ما هي شركة تشغل لك الدورة الدموية؟! ولا وزارات تشغل لك الدورة الدموية عندك، يعاملك بهذه المعاملة في كل وقتٍ تقوم تروح لعند غيره؟! لا إله إلا الله…
"وجميلِ مودته، حفظَك وحرسك، الأرض من تحتك مَن يحفظك من زلزالها، من يحميك في أي لحظة من صاعقة تنزل فوق رأسك؟ من؟ معك شركات تأمين في شيء من الوزارات؟!
حرسَك وحفظك، أنتَ وأهلَك وولدك، ليلَك ونهاركَ، (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)[الرعد:11]، يعني بأمر الله جل جلاله يرتب لك هذا كله، تشوفه هكذا، وتقوم تطلب غيرَه؟!
"وجميلِ مودته، يرقبُك حين تغفُل عنك العيون، يحفظُك إذا خلا عنك الأنيس، ويؤنسُك إذا أوحشَك الجليس؟!"
"فكيف تطلبُ غيره وهو يطلبُك" بجودِه وإحسانه وواسع امتنانه، "وترغبُ إلى سواه وهو يقرِّبُك؟!" ويقول لك "مَن تقرَّبَ إليَّ شبراً تقربتُ إليه ذراعاً" تقوم ترغب في أحد ثاني، وتقرب إلى أحد ثاني؟! يقول لك: اقرب إليّ، أقرب إليك، وتقوم تطلب قرب غيره؟! "كيف تطلب غيرَه وهو يطلبُك، وترغبُ إلى سواه وهو يقرِّبك؟!، ما هذا الجفاء وقلةِ الوفاء؟! تطلبُ مَنْ إذا رأى لك عورةً هتكَها"، هذا حال عامَّة الخلق، إذا رأوا عيوبك تكلموا بها، إن استحوا منك من ورائك، ينشرونها لك، وإلا وقت ما تغضبهم أو يمتنع شيء يريدونه من جهتك… كل مايعرفونه عنك هتكوه، وقاموا حطّوه في الفيسبوك وتويتر، وفي كل وسائل الإعلام.
لكن الله عالمٌ بعيوبك وساترُك كلَّ هذه السنين، ولو أراد أن يكشفَك كشَفك، تترك الستَّار وتجيء لعند الهتَّاكين؟! يا قليل الأدب مع هذا الربِّ جل جلاله، "ولو بيده نعمةٌ عنك أمسَكَها"، منه كثير من الخيرات، وهذا يسبغُ نعمَه عليك ظاهرًا وباطنًا، وتقوم تطلب غيره؟! ومع ذلك فهذا الغير "هو عاجزٌ عن إيصال منافِعه لنفسه، وعن دفع مضارِّه" هو عن نفسه "وهو عن إيصال المنافع ودفع المضارِّ عن غيره أعجز؟!"، ما يدفع عن نفسه بنفسه، فكيف يقدر لك؟! كيف تروح لعند العاجز وتترك القادر؟! كيف تروح لعند الضعيف وتترك القوي؟! كيف تروح لعند الفقير وتترك الغني؟!... اللهم ارزقنا الأدب معك في جميع الشؤون.
قال "فكيف تطلبُ وتدعو مَن هو عنك غافلٌ، ونجمُ وجودِه آفل؟!" وهذا يعلم كلَّ أحوالك، بدايةً ونهايةً، ظاهرًا وباطنًا، لا أحد يحيط بك مثله أصلاً، ولا نفسك لنفسك فضلاً عن أمك ولا أبوك أو صديقك! هو يحيط بك أكثر منهم كلهم، هو أعلم بك أكثر منهم كلهم.
"أما يطرقُك الحياءُ من الله أنّه يطلبك لحضرتِه ومحلِّ رضوانه، وشهوده في فسيح جناته، وانت شاردٌ عنه شرودَ البعير النادِّ عن أهله، وتطلبُ ما ليس ينفعُك دونه، وهو أيضاً غيرُ غافلٍ عن دعائِك، في صباحك ومسائك". (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)[غافر:60].
"وما تريد شيئاً دونَ وصالِه؟!"، هل في أي شيءٍ تريد أن تنساه، "وماذا يُغيِّبك عن شهود جماله وظهور كماله؛ وهو يريدُك" تتشرّف "أن تكونَ من الخدّام، وينزلُك في داره دار السلام"، ويجعل تحيتك "فيها بالسلام، ويُتحفُك بلذيذ الكلام، ويجعلُك من أهل حضرته، وخواصِّ مُحبيه." ومحبوبيه في دار كرامته، في مرافقة أنبيائه، هكذا يعاملُك وأنت تشرد؟!
"إذا علمتَ ذلك… فجديرٌ بك"، يا عاقل يا مؤمن "ألا تطلبَ سواه في أرضه وسماه" فإن طلبتَ سواه " نودي عليك بالمَلامة في عَرَصات القيامة، وتوسَمُ بالمَلامة" وبالعلامة "حيث طلبتَ غيرَه."
وذكر قصة الشيخ الجنيد رضي الله عنه أنها جاءته امرأة تخاصم زوجها، فقالت له: زوجي تزوج غيري، "قال لها: يجوز، أباح له ثلاثة غيرك ، قالت: لو يجوز كشفُ الوجه للأجنبي… لكشفتُ وجهي لك"، وكان الناس في ذاك القرن بعيدون من كشف الوجوه قالت: "لو رأيت وجهي…لحكمتَ بأنّ مثلي لا يُؤثر عليه"، أثارت من الجنيد شؤؤن؛ أن لا يُؤثَر على الحق سواه، وغاب، لأن المعاني راسخةٌ في باله وذهنه بينه وبين الله، كلُّ شيء يذكره بالله، ترك المغرورة بنفسها وذكر الحقيقة: أنّه لا ينبغي لعاقلٍ مؤمنٍ أن يُؤثرَ على الله سواه، غـُشيَ عليه.
كما ذكروا مرةً أنّ إبليس تبدّى لسيدنا الجنيد وقال: يا جنيد بن محمد: إن الله يقول (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) وأنا شيء، ما الذي يمنع أن يرحمنا ربنا؟ قال له: يا عدوَّ الله؛ قال الله: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) [الأعراف:156]، فأينك من التقوى يا عدو الله؟! قال له: التقييدُ: وصفُك لا وصفه، التقييد في هذه الآية من الله وليس من الجنيد ولامن غيره، لكن لما قال: التقييد وصفك لا وصفه؛ ثوّر من الجنيد معاني في عظمة الله، غاب الجنيد، أغميَ عليه، وهكذا صاحب الوجد والحضور مع الله؛ كلُّ شيءٍ يذكره بالله، لأنه لا ميل له الى غيره.
وهكذا سمعتم قصة الذي كان أحدهم مبتدئ، والثاني متوسط، والثالث واصل، فهذا السالك والواصل والعارف يمشون في الطريق، وواحد معه زعتر يبيعه، يعمل دعاية لبيع الزعتر، ينادي: زعتر بري، زعتر بري، زعتر بري، تواجدَ الثلاثة وأُغميَ عليهم، بعدين أفاقوا..
وكل واحد منهم أُخِذ وغاب، الرجل ومعه زعتر بري ولا داري بهذه المعاني، ولا داري بهذا. لكن الحاضرَ مع الله؛ كلُّ شيءٍ يذكِّره بالله، كل شيءٍ يذكره بالله، وهكذا ما يعرف إلا الله.
وهكذا مر بعضُ العارفين تحت بيت وامرأةٌ تقول لابنتها: وأنتِ قاعدةٌ كل شيءٍ تقولين أبي أبي؟ قالت البنت: وهل معي غيرُه؟ وذاك في الشارع سمع قولها وهل معي غيره؟ أُغمي عليه، فقالوا له ما لك؟ قال: هل معي غيره؟ تلك على أبيها وهذا هو مع ربه.
لهذا قالوا عن أنواع الأغاني؛ السماع إنما يُحرِّك ما في باطنك، إن كنتَ من أهل الحضور مع الله يحرِّكك، وإن كنت أنت ساقطٌ هابط يُحرك الذي في قلبك، فكن مع الله واصدُق ترى.
كما قال أهل الله
مقامُ السماع مقامٌ شريف *** بصحبٍ وزمرٍوموضع نظيف
لنا فيه ياصاحِ معنىً لطيف*** يُقيم اللطيف ويفنى الكثيف
سماعُ الرجال شهودٌ وحال*** بحق اليقين ونفي المحال
تظنُّ السماع سماعَ الدفوف*** أو الوجد هو التصدية بالكفوف
أو أنّ التصوف لباسك لصوف*** فلا يعتقد ذاك إلا سخيف
فلا يعتقد ذاك إلا سخيف…
رجالٌ طهرت قلوبهم وصدقت وحضرت مع ربهم، فذهبوا تكلموا عن السماع، وعن الوجد وما إلى ذلك، لا إله إلا الله.
لا تطلب سواه،"وطلبُك من غيرِه"، عاد باقي واحد رابع، "طلبُك من غيره"؛ والحق تبارك وتعالى يُجري بعضَ الأشياء بقُدرتِه وإرادته من سببٍ إلى سبب، من ذاتٍ الى ذات، وهو الذي يُجريه، اختباراً لك، فالموقنُ العارف يعلم أنه هو المُجري، ويُنزل أمورَه بربه، وإذا اقتضت أخذ سبب يأخذه من غير اعتمادٍ عليه ولا إسناد إليه.
والثاني يرى هذا السبب هو المتصرف، الخبر كله عند المدير، الخبر كله عند الرئيس، ما هو داري أنهم كلهم تحت الجلال؛ يُسخِّرهم لما يشاء، ويـسلطهم على من يشاء - جل جلاله- فلا الحيةُ بذاتها سُلطت، وإذا شاء سخرها سخّرها، ولا الجمل بذاته تسخّر، ولو شاء سلّطه سلطه، سخر لك جمل كبير، سخر لك فيل كبير تركب عليه تمشيه، جاب لك بعوضة ما هي مسخرة، سلطها عليك تخليك ماتنام، هو الذي يسلط وهو الذي يسخر، جل جلاله.
فهكذا يجي بعدين الطلب من الغير، أهلُ الأوهام وأهل الظلام يظنون أنَّ الغير مؤثرٌ، وأنَّ الغير يقوم به الأمر.
يقول: "طلبُك من غيره لوجود بُعدكَ عنه؛ فأدلُّ شيءٍ على بعدك عنه: أن تطلبَ من غيره، وهل لغيره من العطاء دون ما لَه حتى تطلبَ منه؟! كيف تطلبُ من غيره ما هو موجِدُه وبيده خزائنُه؟! فهذا أبعدُ الحجب الظلمانية،وأكثفُ الأغشية القلبية" أن يعتمدَ الناس على بعضهم البعض، ويلجأون إلى بعضهم البعض، ويرون أنّ القوةَ بيد بعضهم البعض، "أقبحُ الحالات النفسية: أن تُنزِلَ حوائجَك بمَن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا عطاءً ولا منعا؛ فحيث أنزلتَ حاجتَك بمن هو كذلك…فجديرٌ أن يَخيب أملُك، وتوكَلُ إلى من يُسلِمُك أحوجَ ماتكون إليه، ويتبرأُ منك، وتُفتَضحُ بين الأشهاد، وتُمقَت عند العارفين، وتُهانُ عند الموحِّدين".
"مَنْ أنزلَ حاجتَه بغير الله لم تُقضَ حاجتُه".
وأورد عندكم في التعليق حديث أبي داوود الترمذي: "من نزلتْ به فاقةٌ فأنزلَها بالناس لم تـُسَدَّ فاقته، ومن نزلت به فاقةٌ فأنزلها بالله فيوشكُ اللهُ أن يأذنَ له برزقٍ عاجلٍ أو آجل".
اجعل لرب العرش عزِّك يستقيمُ ويثبت
فاذا اعتززتَ بمَن يموتُفإنّ عزّكَ ميتُ
لا تسألنّ بَنيَّ آدم حاجةً *** وسل الذي أبوابُه لا تُحجبُ
الله يغضبُ إن تركتَ سؤاله *** وبُنيَّ آدم حين يُسألُ يغضب
قال: تعلم ما علمك النبي ﷺ: "اللهم إني أُنزِلُ بك حاجتي، وإن قصُرَ رأييِ وضعُفَ عملي، فأسألُك يا قاضيَ الأمور وياشافيَ الصدور، كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير"…. بأمر الله كله.
"من نزل عن هذه الرتبة… انكفأ به صراط الاستقامة" والعياذ بالله تعالى وصار بعيدًا والعياذ بالله.
الله يرزقنا الإعتمادَ عليه والاستناد إليه، والإقبال بالكلية عليه؛ حتى نستفيدَ من أنفاسنا ولحظاتنا في طول حياتنا.
لذلك قال -رضي الله عنه:
الحكمة (22): ما من نَفَسٍ تبديه، إلا وله قَدَرٌ فيه يُمضيه.
الأنفاس: ظروفٌ ورسُلٌ حاملةٌ إلى العبد من الله ماأودعَه فيها من أسرار قدَرِه، وأصناف عِبَرِه، والرسول راجعٌ الى مُرسلِه؛ إما مكرَّمًا شاكرًا لمن نزل به إذا أكرمَه واحترمَه، وكرامتُه باستعماله فيما خُلِق من أجله، واحترامُه صيانتُه عند استعماله في قاذورات المعاصي ورذائل الشهوات.
فإذا استعمَلَه بحسب ما يُعطيه الوقت:
- إن تجلّى عليه بالنعم… فبالشكر.
- أو بالطاعة…فبشهود المنَّة.
- أو بالبليّة… فبالصبر.
- أو بالمعصية… فبالاستغفار.
فيعودُ بمقابلة ماأهداه بعملٍ مرضيٍّ أوخلقٍ سنيٍ، أو حال سُنّيّ، فيشكرُك بين الملأ الأعلى، ويكون ذلك العمل خزانةً مدَّخرةً عند الله، لايتطرَّقُ إليها تغيير، ويصيرُ ذلك النفَسُ حياً في صورةٍ نورانية، قائمًا لله إلى أن يعيدَه الله إليك في يوم الجمع، فيعودُ إليك شاكرًا، ولفضلك ذاكرًا، فيذكرك عند الله كذلك، ويشفعُ فيك من جملة الشفعاء، ويثني عليك غاية الثناء؛ حيث أكرمتَه في دار الدنيا أن يكرمك في كل موقفٍ من مواقف الآخرة، وحيثُ أحييتَه أن يُحييك، وحيثُ آنسته أن يؤنسك، وحيثُ رفعتَه أن يرفعك كذلك جزاءً وفاقا.
هذا إن كان مما يقابل الشكر. وإن كان من قبيل الصبر، أو شهود المنة، أو الاستغفار إذا قمتَ بها كذلك حيث اقتضاها واردُ الوقت؛ إن كان الصبر.. عاد مسبِّحًا، أو شهودُ المنَّة.. عاد مشاهداً، أو الاستغفار…. عاد مستغفراً، ثم يعود في يوم الجزاء يؤدي إلى صاحبه ماأتمنَه فيه من سر ذلك العمل.
فحق العبد: أن لا يشتغلَ إلا بأداء حقوق واردات الأقدار؛ فللرسول حقٌ على من نزل به أن يُكرمَه ويحترمه؛ لكرامة مُرسلِه وحُرمته، كيف وذلك عائدٌ عليك، وراجعٌ سرُّه إليك؟!
فلا يهملُ الأنفاسَ إلا الغافلون الْأَنْجَاسِ، الَّذِينَ يَحويهم الْإِبْلَاسِ عِندَ ظُهُورِ الْيَأَسِ؛ كمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَأَنذِرْهُمْ)؛ أَيْ: حَذِّرْهُمْ (يَوْمَ الْحَسْرَةِ) وَهُوَ يَوْمَ يَعُودُ عَلَيْكَ مَا أَسْلَفتَهُ (إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) وَهُوَ الْمُوْتُ الْمَحْتوم، وَالْأَجلُ الْمَعْلُوم، (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) عن الله وعن حقوق الله (وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم:39] بما وعَدَ الله وأوعد".
فإذا لم تُكرمها، وقتلتَها بالغفلة، وأهنتَها باستعمالها في غير ما يُحمَد… فترجعُ إلى الله وهي لك ذامَّةٌ، ولك مُخاصِمة، وتعودُ عليك في يوم الجزاء بما أودعتَه عندها: إما حيةً أو عقربًا، أو نارًا أو ظلمة، أو غيرَ ذلك من أصناف النَّكالِ حسب ذلك العمل الذي أودعتَها إياه، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا) [يونس:44].
قال ﷺ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: "ابنَ آدم؛ إنَّما هي أعمالُكم أُحصيها ثم أُوفيكم إياها؛ فمن وجَد خيراً… فليحمد الله" يعني: الذي وفَّقهُ لها، وحفظها له، ونمّاها عنده، وأعانَه على القيام بها، ومدَحه على ذلك، وأجزاه وألهَمه إياها بعد أن لم يكن يعرفُ مقاصدَها، ومن وجد غير ذلك…فلا يلومنَّ إلا نفسه"، فهو أماتَ أنفاسَه بالغفلة، وضيّع أمانة الله لديه، فأمات الأنفاس بالمعاصي، وعطّلها بالغفلة، فما أجدره بالندامة حين أتته أمانةُ الله وأضاعها، وهديةُ الله فلم يكرمها بقبولها، بل ترَكَها خزائنَ فارغةًعن متاعها!".
والله أعلم.
قال الأنفاس: اللحظاتُ التي تمر بنا، - كل نَفَس- "ما مِنْ نَفَسٍ تُبديهِ إلا ولَهُ قدَرٌ فيك يُمْضيه"، أنفاسُنا كلها تحوي أقدار وأسرار وآثار نُقابَل بها يوم الوقوف بين يدَي رب الأنفاس.
قال لك هذه الأنفاس "ظروفٌ ورسـلٌ" أرسلها إليك الربُّ جل جلاله "حاملةٌ للعبد من الله ماأودعَه فيها من أسرار قدَرِه وأصناف عِبَره، له قدَرٌ فيك يُمضيه"، والرسول إذا جاءك يرجع الى المرسل الذي أرسله، وهذه الأوقات التي تمر بك ترجع إلى الرب، هو أعطاك إياها أرسلها لك، ترجع إليه بالخبر إيش صلحت فيها؟ كيف قابلتها؟ فأنفاسنا رسلٌ من الله أرسلها لنا، ترجع إليه، تقول له عمل كذا، صلح فيّ كذا، كيف قابلتَ الرسول، وهل أكرمته واحترمته؟ لأنّ مُرسِله كبيرٌ وعظيم، أولا؟.. لا إله إلا الله..
إما يرجع الرسول إليك "مكرَّما شاكرًاً لمن نزل به إذا أكرمَه واحترمَه."
فإذا استعملتَه بحسب ما شرعَ الحق لك ورضيَ منك في الوقت: "إن تجلّى عليك":
فإذا قمتَ بذلك "يعودُ بمقابلة ما أهداه بعملٍ مرضيٍ أوخلُقٍ سنيٍّ او حالٍ سُنِّي، يشكرُك في الملأ الأعلى ويكونُ هذا العمل في هذا النفَس خزانةً مدخرةً لك عند الله"، يوافيك يوم القيامة، "يعود إليك شاكرًا، ولفضلك ذاكرًا، ويذكرك عند الله، ويشفع فيك من جملة الشفعاء"، أنفاسك هذه التي صرفتَها في طاعة الله تبارك وتعالى .
فكان كما "أكرمتَه في دار الدنيا"، أكرمت النَفَس بصرفه بالطاعة، "يكرمك في مواقف الآخرة"، ولما "أحييته يحييك"، ولما "آنسته" بالطاعة "يؤنسك"، بالجزاء ولما "رفعته أن يرفعك جزاءً وفاقًا". وهكذا...
وإذا كان هذا النفَس ما قمتَ بحقه، ولا أديتَه، يرجع عليك النفَس؛ يُذلُّك كما أذللتَه، يُهينك كما أهنتَه، يرجع عليك باللوم في القيامة، والعياذ بالله تعالى.
"فلا يهملُ الأنفاسَ إلا الغافلون الأنجاس؛ الذين يَحويهم الإبلاس عند ظهور الياس".
(وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) عن حقوق الله تعالى، وصرفوا الأنفاس في غير الطاعة، فترجع إلى الله تذمُّك هذه الأنفاس، وتعود عليك في يوم الجزاء بما أودعته عندها… حيّات أو عقارب أو نار أو ظلمة… ما وضعته في الأنفاس هذه.. جاتك أعطيتها نار، أعطيتها عقرب، أعطيتها سبع… تمسكه لك تخليه، إذا جاءت القيامة تقول لك خذ حقك، أنت أعطيتني سبع، آذيت مسلم وأنا معك - النفس هذا- ترجع إليك سباعك وحياتك وعقاربك إلى النار -والعياذ بالله- لأنك أنت أودعتها هذا، فانتبه من الرسول لتعرفَ كرامة المُرسل وحرمتَه وعظمته الذي أرسله إليك، جاءت من عند الله، أحسِن مقابلة الأنفاس، واصرفها في مرضاته؛ حتى تعود عليك بالخيرات.
"إنَّما هي أعمالُكم أُحصيها ثم أُوفيكم إياها؛ فمن وجَد خيراً… فليحمد الله"؛ يعني: الذي وفَّقهُ لها، وحفظها له، ونمّاها عنده، وأعانَه على القيام بها، ومدَحه على ذلك، وأجزاه وألهَمه إياها" سبحانه وتعالى "ومن وجد غير ذلك…فلا يلومنَّ إلا نفسه".
إذًأ؛ من "أمات أنفاسه بالغفلة وضيع أمانة الله لديه، فأمات الأنفاس بالمعاصي، وعطَّلها بالغفلة فما أجدره بالندامة" يوم الحسرة، يوم يتحسَّرُ الناس على ذلك.
ولهذا يقول ﷺ "ليس يتحسَّرُ أهلُ الجنة في الجنة على شيءٍ الا على ساعةٍ مرَّت لم يذكروا الله فيها". اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
يا من وهبتنا الأنفاس ارزُقنا عمارتَها في أنفس ما تحب برحمتك يا أرحم الراحمين.
25 ذو القِعدة 1440