(445)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.
عصر الخميس 22 ذي القعدة 1440هـ.
الحكمة (20): ما أَرادتْ هِمَّةُ سالِكٍ أنْ تَقِفَ عندما كُشِفَ لها إلّا ونَادَتْهُ هَواتِفُ الحقيقةِ: الّذي تَطلبُ أمامَك، ولا تبرَّجَتْ ظواهِرُ المُكوَّناتِ إلا نادَتْهُ حقائِقُها: (إنّما نحنُ فتنةٌ فلا تَكْفُر).
الحكمة (21): طلَبُك منه اتهامٌ له،وطلَبُك له غيبةٌ عنه، وطلَبُك لغيرِه لقلِّة حيائِكَ منه، وطَلبُك من غيرِه لِوجودِ بُعدِكَ عنه.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام. على سيدنا محمد وآل سيدنا محمد، فقال رضي الله عنه:
الحكمة (20): ما أَرادتْ هِمَّةُ سالِكٍ أنْ تَقِفَ عندما كُشِفَ لها إلّا ونَادَتْهُ هَواتِفُ الحقيقةِ: الّذي تَطلبُ أمامَك، ولا تبرَّجَتْ ظواهِرُ المُكوَّناتِ إلا نادَتْهُ حقائِقُها: (إنّما نحنُ فتنةٌ فلا تَكْفُر).
الإرادة: حالةٌ قلبيةٌ يتبعُها العزم، وهي أثرُ اسمِه المريد، وهي واجبةٌ في حقِّ الله تعالى، أحد صفات المعاني، وبرهانُها: التَّخصيصُ، وهي في حقِّ العبد جائزةٌ ناقصةٌ، وهي: أنّ نفوذَ إرادةِ العبدِ متوقفةٌ على سَبْقِ إرادَةِ الله، فإن وافقَتْها.. عملتَ حسبَ ما قُدرَ أنْ تَعْمله.
والهمةُ: هي العزيمةُ التي تصدُر عن الإرادة، وهي مبادئُ الحركاتِ القلبية، ومنها تظهرُ على الحركات الأفعالُ المُرادة، وهِمةُ السالك أبلغُ الهمم؛ لأنّ همَّتَه مجموعةٌ من متفرقات الأشغال، فلذلك عند توجُّهها للأمر المهتم به… تنفعلُ بها أمورٌ خارجةٌ عن اقتدار البشر.
وهمةُ السالك الصادق جادَّةٌ في سيرِها في مَفاوزِ المُجاهَدة، وعاكفةٌ بكلِّيتِها على إرادة المُواجهَة والمواصَلة، فإذا كُشفتْ لها الأنوارُ… نادتْها الأسرارُ من وراء الستار: إيّاكََ والوقوفَ مع الأغيار.
والهاتفُ: يكون معنوياً علمياً، وقد يكون حسياً جسمياً، والهواتفُ الإلهية تَطرُق طُروقاً، وتَرمُقُ رُموقاً، يفهمُها من أيَّده اللهُ بنور المعرفة الحقّية، فإذا أراد أن يقفَ يظن أنّه وصلَ إلى المراد …رَمقَتْه الأعينُ السرِّية، وطرقته النَّفثاتُ الروحية، ونادته الألسنُ القُربية: إنّ الحقيقةَ المطلوبةَ أمامَك؛ فجِدّ في السير، فعن قريبٍ يَرفعُ عنك حـجُبَ الغير، وتقولُ بعدُ: لا ضَير.
وأين الوصول وأنت باقٍ بأوصافك؟! فمتى بقيَ لك وصفٌ… فأنت محجوبٌ، فعند تحقيق الوصول تَفنى إرادتُك وتُمحَى نعوتُك، فإيّاك والوقوفَ مع وصفِك، فتكونَ محجوباً بما تظنُّ أنّهُ كشفٌ، ومُبعَداً بما تظنُّ أنه قُربٌ، فأمامَك المقصدُ حتى يكونَ أمامُك وراك، وصباحُك مساك؛ فأنتَ ما دمتَ بين جهاتِك، وفي مضيقُ صفاتِك، وتحت حجابِ ذاتك… فأنت بعدُ لم تصلْ إلى بُغيتِك، ولم تنلْ مُنيتَك.
"ولا تَبرَّجتْ ظواهرُ المُكوَّناتِ.. إلا نادتْهُ حقائِقُها: (إنَّما نحنُ فتنةٌ فلا تَكفُرْ)"
التبرُّجُ: هو التكشُّفُ عن الزينة؛ أي: ما تكشفتْ للسالك الصادقِ ظواهرُ زينةِ المكوَّناتِ الدنيويات، والدرجاتُ الأُخرويات، والمَقامات الملَكوتيات، والعوالِمُ السّماويات، والكواكبُ العُلويات، والأفلاكُ الروحيات، والصوَرُ الكُرسيات، والعلوم اللوحيات، والأسرار العرشيات، والكراسي الجبروتيات… إلى غير ذلك مما لا يَسَعُ كشفُه لغيرِ أهله… إلاّ نادته حقائقُها التي بها حَسُنَت، وبها وُجدِت، ومن بديع سناها اشتَهَرت؛ لأنّها لأهل الله ناطقة، ولهم مُفاوِضة: (إنَّما نحنُ) دون مُوجِدِنا، ومُبدِعِ حُسنِنا، ومُظهرِ نورِنا، ومالِك أمرنا، ومُدبِّر خَلْقنا، ومُعيرِنا من باهي جَمالهِ جمالنا… (فتنةٌ) واختبارٌ لمن وقفَ دونه عند ظهورنا، فإيّاك والوقوف؛ فهذه وما أشبهُها من نصائح… هواتفُ الحقائق لمن سبَقتْ له من الله هدايةٌ، ومنَّ عليه بنورِ وِلاية؛ فكلُّ من كان اللهُ معه بالعَون والتولِّي… كانت سائرُ الأكوان تناديهِ بأسرارِها، وتُشرقُ عليه بأنوارِها، وتخبرُه بمنافعِها ومضارِّها؛ فلا يزالُ يترقَّى في مَراتب الوجودِ، ومنازلِ الشُّهود، وهي تكسوهُ علوماً، وتمنَحُه فُهوماً أبداً كذلك حتى يَخرجَ عن العوالِم الكونيةِ سالماً من فتنتِها، معافىً من وبيل مِحَنِها، ويُلقَى في يَمَّ التوحيد، ولُجّةِ التفريد، وفَضاءِ تفرقة التعديد؛ فمن وقفَ مع شيءٍ دون الله… فهو كافرٌ؛ أي: ساتر، بمعنى: أنه ساترٌ وجودَ الحقِّ بثبوتِ شيءٍ معه، وقد علمتَ أنّه لا يَثبتُ مع ظهورِه شيءٌ، فما ثبت شيءٌ إلا وقد ستر عنه وجودُ وحدانيةِ الحق.
فلا تقف همةٌ من دون مقصدها *** إلا وخاب لديها السعيُ والأملُ
فكيف من وابل التحقيق يُقنعـها *** شفان وهمٍ ومصُّ الظنِّ بالوشَلِ
يا من تبرَّجْ له الأكوانُ ظاهرُها *** هلّا تُخاطبُك الأسرارُ بالمقل
إن كنت تطلبْ من الأقوال أحسنَها *** فاسمعْ نصائحَ لا تغترَّ بالكللِ
فإنّ كانت الزينةُ دنيوية… ففتنتُها ظاهرةٌ جليةٌ، وإن كانت من قبيل الدَّرجاتِ الأُخرويةِ والأحوالِ السنيَّة… ففتنتُها باطنةٌ خفيةٌ؛ فالوقوفُ مع زينة الدنيا غرورٌ، والتمسكُ بها قطيعة، وإن كانت من قبيل الدرجات والأحوال… فالوقوفُ حجابٌ عن منازل الشُّهودِ والاقتراب.
فالنظرُ إلى زينةِ الدنيا… حالُ الضُّلال والجُهّال، والنظرُ إلى بَهجة الأحوال والوقوفِ دون مراتب الكمال… شأنُ من لم يُؤهَّل للوِصال، ولم يُطالِع مُشرقاتِ الجمال، ومُحرِقاتِ الجلال، ولم يجتل لروحه مخدراتِ الحقائق من أُفقِ مشارق شموس الأسرار، فنسأل الله هدايةً وتوفيقاً، وصواباً وتحقيقاً. وفي معناه:
فليس للسالكِ المحفوظِ من أرَبٍ *** إلاّ اقتناص صريحِ الكشفِ والأدب
إنّ الحقائقَ نادت كل مُكتسبٍ *** إلى سلوك طريق الحق بالسبب
فلا تقفْ فالذي تطلبْه مغتربٌ *** ورا خبا الكون جزْ الأكوانَ واقتربِ
فإذا كان الأمر كذلك، أيّ لم يصل رتبةَ الوَصل الخاص إلاّ بِمَحوِ الأَوصاف، ومحوُ الأوصاف يقتضي الخدور، ومع هذا فالعبدُ مطالبٌ بالأدب في الطلب.
يقول: "ما أَرادتْ هِمَّةُ سالِكٍ أنْ تَقِفَ عندما كُشِفَ لها… إلّا ونَادَتْهُ هَواتِفُ الحقيقةِ: الّذي تَطلبُ أمامَك، ولا تبرَّجَتْ ظواهِرُ المُكوَّناتِ… إلا نادَتْهُ حقائِقُها: (إنّما نحنُ فتنةٌ فلا تَكْفُر)" الله لا إله إلا الله.
ويَنطلقُ السَّيرُ لكلِّ سالكٍ في أشرف المسالك إلى العزيز المالك، من حقيقةِ لا إله إلا الله، وينتهي إلى حقيقةِ لا إله إلا الله، ولا يزال المنتهي مترقٍّ في حقيقةِ حقِّ لا إله إلا الله، إلى ما لا نهايةٍ أبداً.
لا إله إلا الله، رزَقنا الله صدقَ الإقبال عليه، وصدق الوِجهة إليه.
وإرادة الإنسان التي يُؤتيه الله إياها، وعليها أقام الاختبار والامتحان، وأقام التكليف بما آتانا من إرادة، وهي الإرادة التي وهبَها لمَن يُوصَف بالإرادة من الخَلْق، وأَولُّهم في ذلك وأظهرُهم فيه… العقلاءُ الذين هم روحُ العالم: الملائكةُ والإنسُ والجن، فهم بالنسبة للإرادة أَمْكنُ في موهوب الإرادة من الخالق للخلق من غيرِهم من الكائنات، وإن كانت تصِحُّ نسبتُها -الإرادة- بصورٍ شتّى مَجازية حتى للحيوانات المختلفة، بل للنباتات، بل للجمادات، قال سبحانه وتعالى: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ) [الكهف:77]؛ الإرادة للجدار: تهيؤه لذلك الانقضاض والسقطة، سماها الحقُّ إرادة، (يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ).
لكنَّ الإرادةَ المطلقة له وحده تعالى، ولا يكونُ إلاّ ما يريد، إلا أن هذه الإرادة التي اختُبِرنا بها وابتُلينا، إذا سخّرناها في مرضاتِ بارينا؛ فعزَمنا العزمَ الصحيح لنقصدَ وجهَه الكريم.. كانت هي الاستقامةَ الموجِبةَ لأنواع المِنن والمواهبِ والمزايا والمِنحِ والكرامة في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة ودار المـُقامة، الله يوجِّه إرادتنا إليه.
والإرادةُ فاصلةٌ بين أهلِ الحقِّ والباطل، بين أهلِ الخير والشر، بين أهل الإيمان والكفر، بين أهل العُلو والسُّفل، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا)؛ أي لَسْتنَّ بأهلٍ أن تعشن في بيت النبوة، ولا أن تَكُنَّ في مرافقةِ سيد المرسلين، فتعالَين أُمتعكنّ وأُعطيكنّ شيئاً من متع الدنيا الفانية، وأسرحكنّ وأطلقكنّ، سراحاً جميلاً (وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:28-29].
ثم يقول سبحانه: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا* وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا)[الإسراء:18-19]. فانظر ما تريد، مَنْ تريد، ماذا تريد؟ يا أيها المريد!... انظرْ ماذا تريد، وما تريد، ومَن تريد؟
انظرْ إلى عظمةِ قولهِ لأمهات المؤمنين: (وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وقال الحق لنبيه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف:28]، شفت أين الإرادة؟ (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). وانظر كيف لعبتْ بنا الأَنفُسُ ومعروضاتُ كفار الأرض، حتى صارت إراداتُ المسلمين.. هذا في الوظيفة، وهذا في الشهادة، وهذا في الوزارة، وهذا في اللعبة، وهذا في البيت، وهذا في المزرعة، وهذا في الهندسة، وهذا في الصنعة، وإرادة الله أين؟ إرادة الرسول أين؟… غابت من أذهان الكثير، رجال نساء، صغار كبار، مسلمين مسلمات، راحوا ما عاد عرفوا إرادةَ الحق! لا إله إلا الله… وانحصروا مثلَ الكفار في إرادة الحياة الدنيا وزينتِها.
والحقُّ هدَّدَ أمهاتِ المؤمنين أن كتنن من أهل هذا الصنف من الإرادة… اخرجن من بيت النبوة، وروحوا وابعدوا من عند نبيي (إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا* وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الله أكبر.. (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).
وقال: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنعام:52] الله أكبر، ولهذا قال لهم سيدُنا نوح لقومه: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ* وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ)[هود:29-30]؛ قوم يقصدون وجه ربي أنا أطردهم؟ لماذا؟ هذا أمر خطير، من ينصرني أن طردتهم!..
وهكذا يقول فالذين أرادوا الله تعالى، وتوجهوا إليه، فهل عندنا هذه الإرادة؟ إرادة معرفته الخاصة، إرادة محبته الخالصة، إرادة قربه، إرادة رضاه، هل عندنا هذه الإرادة؟.. الله يقويها فينا، ويمكننا فيها، ويجعلنا من خواص أهليها.
يقول فالسالك الذي سلك يريد وجه ربه، كلما أرادت همَّتُه… وهذه الإرادة التي هي "حالةٌ قلبيةٌ يتبعُها العزم، وهي" موهوبةٌ من آثار "اسمِه المريد" لمن أعطاهم اللهُ الإرادات، وإرادتُه يخصِّص بها ما شاء، وهم يخصِّصون في حيز ما أعطاهم فيه الإرادة.
يقول: "والهمةُ" للسالك: "العزيمةُ التي تصدُرُ عن الإرادة، وهي مبادئُ الحركاتِ القلبية"؛ العزيمة، ووصفَ الله خيارَ الرسل بأولي العزم، لأنّ همتَهم أعلى الهمم، وعزمُهم أقوى العزائم، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
وخذ بالعزم يا صاحب العزم
يقول: "همةُ السالكِ أبلغُ الهِمَم" بالنسبة لمَن دونه، لكن كيف همة الواصل، وأين همة الواصلين عند الذين في قمم في أهل برج الوصول، وأهل برج الوصول أين هممُهم من هِمَم الأنبياء؟ وهمم الأنبياء أين هممهم من همم المرسلين؟ وهممُ المرسلين أين هممهم من همم أولي العزم؟ وأولو العزم ما هممهم عند همّةِ سيدهم محمد ﷺ ؟، لذا قال الحبيب علي:
لي له على الخَلق هِمّة عالية
فوق همم أهل السماء والأرض كلهم همّةُ محمدٍ ﷺ.
هذا العزم العجيب عند الإنسان جعل الله له أسرار، فإنّه ما يكادُ يتوجَّهُ بعزيمةٍ إلى شيءٍ إلا وتيسر له أسبابُه، وإن تأخرت بعضُها في بعض الأحوال والأحيان، والغالبُ كلما قويت الهمّةُ والعزيمة.. يَقُرُب تيسيرُ الأسباب للوصول للمراد.
ولذا لما لقيَ بعضُ الصالحين من الذين ذهبوا إلى الحج، والتقى بعضَ الأخيار من الحجاج، قال له: اسمُ الله الأعظم عندنا الهمّة، يعني تفعل وتنفعل لها الأشياء كما يُدعى باسم الله الأعظم لفعلِ أي شيء، قال: وإننا نربي أولادنا ومريدينا على الهمّة، يقول له: وانظرْ لو توجهتَ الآن بهمّتي إلى الحجرة تلك تتحرك إذا بالحجرة تتحرك، قال: هذا ما عندي شعوذة ولا سحر ولا طلسم، ولكني بالهِمّة أتوجّهُ، وإن الهمّةَ عندنا اسمُ الله الأعظم!
وهكذا، قال سيدنا عمرُ بن عبد العزيز: عليكم بصلاحِ وصفاءِ العزيمة والهمّة، فإني ما هَممتُ بأمرٍ إلا نلتُه حتى الخلافة! لا إله إلا الله.. إذن فليتقِ الله الإنسانُ في توجيه إرادتِه وعزيمته وهمّته. قال سيدنا الحداد:
عزمتُ شقطع كلَّ أمرٍ أرى*** في قطعِه نيلَ المقامِ الكريم
وأرفضُ الدنيا الغَرورةَ التي*** مِن حُبِّها كان الحجابُ مقيم
والنفسَ والشيطانَ أعصِهما*** بقوةِ الله العلي العظيم
أوليَّ الأكوان ظهراً .. ***
شفت الهمّة، شفت العزيمة؟.. الأكوان كلها خلها ورائي
أولِّي الأكوان ظَهرًا ولا *** أرى سوى الله العزيزُ الحكيم
يقول: وهذا السالك المتوجِّه إلى الله والذي له همّةٌ، تنفعل لها الأشياء، "لأنَّ همَّتَه مجموعةٌ من مُتفَرِّقاتِ الأشغال"، مجموعة إلى وجهٍ واحد، وجعل الهمّ همًّا واحدًا، قال تمشي "في مَفاوزِ المُجاهَدة"، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)[العنكبوت:69]، وتعكفُ "على إرادة المُواجهَة والمواصَلة".
لم أزل بالباب واقف *** فارحمن ربي وقوفي
وبوادي الفضل عاكف *** فأدِم ربي عكوفي
"فإذا كُشِفَتْ لها الأنوارُ… نادَتْها الأسرارُ من وَراءِ الأستار: إيَّاكَ والوقوفَ"؛ لا تظنين الوصول، الوصولُ أمامَك، والمراتب فوق، فمهما انكشف له ما انكشفٍ، وتجلى له ما تجلى، فليحذرْ أن يَرى أنّ هذا الوصول، قال: وإنّ دونَ الواصل ودونَ وصولِه إلى نور جلال ربه…. سبعون حجابًا من النور، لا يَنكشفُ له حجابٌ إلا ظنّ أنه وصل، كلما انكشف حجابٌ ظن أنه وصل، وعاده، ولهذا لا يزال الصادقون مع الله في سيرٍ مستمر، قال سيدنا إبراهيم لقومه: (إِنِّي ذَاهِبٌ)، أين يذهب هذا النبي؟ (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي) الله أكبر.. (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصافات:99] الله أكبر، هذا خليل الله إبراهيم.
وسَيدُهم ﷺ يقول له ربُّه: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه:114]. قال الحبيب علي الحبشي في وصفه:
الله أكبر ما بلغتَ لرُتبةٍ *** إلا ونادتْك المرامُ أمام
فَلَكَ الترقّي والتلقِّي لم يزلْ *** ولك الملائكُ في العُلا خدَّام
هذا أعرفُ الخلق بالله على الإطلاق، لم يزل في رقيٍّ مستمر، في كل لمحةٍ وفي كل نفَسٍ، فكيف مَن دونه، ولهذا قال ﷺ عن العلم: لا يزالُ الرجلُ يطلبُ العلمَ ويُكتَبَ عند الله مُتَعلّماً، حتى يظنَّ أنه قد علم، فإذا ظنَّ أنهُ قد علمَ فقد جهل؛ هذا الجهل بعينه، إذا ظن أنه قد علم فقد جهل، هذا هو الجهل، ومادام يَطلبُ العلم فهو على خَير. رب زدنا علمًا وارزقنا فهمًا.
يقول: والهواتف تكون معنويةً علميةً، وقد تكون حسيةً يسمعها الإنسان، وتأتي الهواتفُ، وفيها: ما ذَكرَ سيدُنا أبو موسى الأشعري عليه رحمة الله تعالى: كان مسافر في سفينةٍ مع جماعة، وإذا صوتٌ يسمعونه، هاتفٌ من فوق، من أعلى السفينة، يسمعون صوتَه وما يرون شخصَه، يقول: أيا أهل السفينة قفوا أخبركم بقضاءٍ قضاهُ اللهُ على نفسه، هم يَسمعون الصوتَ وما يرون شخص، ثاني مرة: أيا أهل السفينة قفوا أخبركم بقضاءٍ قضاه الله على نفسه، ثالث مرة سيدنا أبو موسى صاحب النبي قال: إِن كُنْتَ مُخْبِرنا فَأَخْبِرْ، قال: إنَّ اللهَ قَضى على نفسِه أنّه لا يُعطِّشُ أحداً نفسَه له في يوم صائفٍ إلا كان حقًا عليه أن يَسقيَه يوم العطشِ الأكبر. يعني: من ظمي في يوم صائفٍ من أجل الله، صام من أجله؛ ظمئ وعطشَ، فالله تعالى يَسقيه يوم العطش الأكبر، قال الراوي: فكان أبو موسى يتوخّى اليومَ الشديد الحر يصوم فيه، يدور أيام شدة الحر يصومها سيدنا أبو موسى، بعدما سمعَ هذا الهاتف ، والهاتف: الصحابة قبلوه لما رأوا مفادَه موافق ومطابق، موافق للشرع المصون، ولِما بُعِث به فقبلوه، وهكذا الهواتف.
"ما أَرادتْ هِمَّةُ سالِكٍ أنْ تَقِفَ عندما كُشِفَ لها… إلّا ونَادَتْهُ هَواتِفُ الحقيقةِ: الّذي تَطلبُ" من حقائق الوصول "أمامَك"، ليس هذا الذي انتهيتَ إليه، عاد قدام.. أمضِ وامشِ واستمر، قال الله لسيد أهل المعرفة به: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب)[الشرح:7-8] الله، لا إله إلا الله.
يقول: فإذا ظن أنه وصل المراد وأراد أن يقف… "رَمَقَته هذه الأعينُ السًِرية ونادته الألسنُ القُربية: الحقيقةُ المطلوبةُ أمامَك؛ جِدَّ في السَّير" ولا تكسل، يَرفع عنك الحجب، ويقول: "وأينَ الوصولَ وأنت باقٍ بأوصافِك؟!" ومتى بقي لك اسمٌ ووصفٌ ورسمٌ.. فلست بواصل، "فأنتَ محجوبٌ"؛ بنفسِك بجسمِك برسمك بوصفك، حتى تعرفَ تلاشيها في إرادته، في قدرته، في تسييره، في تقديره، فيبقى لك جلال وجمال وجهه الكريم سبحانه وتعالى فقط، ما هو أنت.
أيش أنت وأيش أنا، وأيش العرش وأيش الكرسي، وأيش الجنة، أيش النار، أيش الأرض، أيش الهواء، أيش السماء، كلها مخلوقات، الفعاَّلُ هو له العظمة، والخالقُ هو له العظمة، فأحقُّ أن تنصرفَ إليه.
يقول: "عند تحقيقِ الوصولِ تَفنى إرادتُك" ما عاد تبقى لك إرادةٌ في إرادته، "وتُمحَى نعوتُك"؛ صفاتك، فلا تقف مع وصفك "تكونُ محجوباً بما تظنُّ أنَّه كشفٌ، ومُبعدَاً بما تظنُّ أنَّهُ قربٌ، وأمامَك المقصِدُ حتى يكونَ أمامُك"؛ كل ما تعلمَه من شؤون الكائنات.. "وراك".
فنوا عن الكون جملةً *** لما بدا طالع الجلال
قال:
دخلنا بسر الباء في باب عالَمٍ *** نرى البحر في أنهاره مثل قطرة
ففنوا عن الموجودات فما تترجم عنه. قال
فلو ترجمت عنا الوجودات كلها *** لما عبَّرت عن عُشرِ مِعشارِ ذرَّةِ
الناس محبوسين في الكائنات وراضين بحبسهم, ولو أُطلقوا من هذا العقال والحبس.. يصلحوا لحظائر القدس، يصلحوا لحظائر القدس.
وهكذا، كان بعضُ الأخيار يسمونه محمد المجذوب، نشرَ الله له ذكرًا بين الناس، وكان له جماعة من أصحابه غاب عنهم فترة، ما يدرون أين ذهب، يوم وهم جالسين منهم جماعة، سقطت ورقة: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد المجذوب إلى إخوانه في الله فلان وفلان، صدرت من حظيرة القدس، قد رُفعتُ إلى الحضيرة منذ كذا، ولي فيها أيام كذا، وبقي معي مطالعة في أسطر من اللوح المحفوظ إلى كذا، ثم أرجع إليكم في وقت كذا، والسلام!".. يُرفعون إلى حظيرة القدس بأرواحهم وهذا الرجال حتى الجسد حقه غاب راح، فلله عجائب، سبحان القدير، سبحان القدير..
ولولا سر القدرة ومعنى القدير ما قال سيدُنا سليمان لقومه: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)، أحد يجيب عرش من اليمن إلى فلسطين؟ كيف هذا، هو يعرف القدرة المطلقة، وأنَّ الله يُقدِرُ مَن يشاء، (قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ)، أنت جالس هنا إلى الظهر، قبل أن تقوم أنا أجيبه، أذهب وأجيبه معي، قال الذي عنده علم من الكتاب: آصف بن برخيا: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) [النمل:38-40]، شفت القدرة؟! قدرة.. يبرز شيء من أثار هذه القدرة المتأمل للكون نفسه، الآن بعض هؤلاء المتأملين يفكرون الآن انتقلت الأصوات، انتقلت الصور من محل إلى محل، يطرق بال بعضـُهم الآن هل يمكن نقل الجسم عبر جهاز، ينتقل من دولة إلى دولة، من بلد إلى بلد؟ هذا كان يعرفه الأولياء ويعرفه الصالحون، هؤلاء من لوائح البارقة في القدرة الإلهية يفكرون بذلك، هم لن يصلوا إلى شيءٍ من هذا، هم ما يصلون إلى هذا، لكن لوائحَ البرق من أثر القدرة جعلتهم يفكرون هل يمكن مثل هذا؟!. لا إله إلا الله..
قدرة إحياؤه للموتى جعلت بعضُهم من أهل الظاهر هؤلاء، من قوة تفكيرهم يفكروا ممكن نحتفظ بالجسد وبعدين يمكن ترجع له الروح؟.. الله أعلم، كل الروح بترجع في القيامة خلِّ الكلام الفاضي حقك هذا، لكن الذي أوصلك إلى هذه المطالعة في الأسرار، يجب أن تعرفَ عظمتَه، وترجع إليه وتؤمن بقدرتِه، حتى صار من كلام بعض الناس، صار يوصي أن يُحفظَ جسده، يحنّطه.. أيش منتظر! "سبق القضاء مني أنهم إليها لا يرجعون"، إلى الدنيا هذه ما حد بيرجع (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ* وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ) [يس:31-32]. لكن القدرة على أن يُرجعهم في يوم القيامة هذه التي تبدو للناس، كلهم بيرجع..
وأعاد الأجسام مَن صَنَعها *** وضمَّ شتاتها وجمعها
(كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104].
هذا من بني إسرائيل فزع من قدرة الله، قال لأولاده: بحق الأبوة عليّ، أنتم رأيتوني خير؟ قالوا: خير أب، وأحسنت لكم؟ أحسنت لنا، قال: بحقِّي عليكم إذا متُّ أحرقوني، حتى تجعلوني رمادًا، احفظوه في قارورة، ثم انظروا يوم شديد الرياح عند البحر فذرُّوه؛ نصفه في البحر ونصفه في البر، فوالله لئن قدر عليَّ ليعذبني!.. أولاده نفّذوا وقاموا يصلحون الآن مثل بعض أهل الصين قاعدين يحرقون موتاهم.. بلا عقول! نار هناك شديدة هذا أشد من نار حقكم هذا، ولكن ما عاد احترموا الأجساد. فذرُّوه في يومٍ شديد، فجمعَ اللهُ الرماد ورجع العظام واللحم كما هو، وقام الرجلُ بين يدي لله، قال: ما حمَلك على هذا؟ قال: خشيتك يارب! قال: فغفر له -جلّ جلاله- مع أنه إنسان جاهل، لا إله إلا الله، هو على كل شيء قدير. (قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس:78-79] لا إله إلا الله.
يقول إذن المقصود أمام، "أنتَ ما دمتَ بين جهاتِك، وفي مَضيقِ صفاتِك، تحت حجابِ ذاتِك، أنت بعدُ لم تصلْ إلى بُغيتِك"، وهكذا لا يزال لا تفترُ همة السالك، بل كلما يظن أنه وصل قالوا: لا، أنتَ في الطريق فامض، امضِ، (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب)[الشرح:7-8]
"ولا تبرجت ظواهر المكونات"، تبرجت: أظهرت زينتَها، التبرج: إظهار الزينة، أظهرت زينتها، المكونات الحسية والمعنوية، الجسمانية والروحانية تظهر، وجمال الروح أشد، أعظم، فتنتـه أكبر، الواصل إليه يظن أنه واصل، وهي فتنة كبيرة، وجمال الحس هذا يقع فيه الفجار والفساق والكفار، لكن جمال الروح أجمل وأصفى وأعلى، والسائر إلى الله -تبارك وتعالى- لا يقف عند شيء من هذا الجمال، ينظر المُجمِّل أين مصدر الجمال هذا، أين أصل الجمال، أين جاء هذا الجمال، أين مُجمِّله، من الذي زيّنه؟ لا إله إلا هو، فلا يزال هكذا يقصد وجه ربه جل جلاله.
قال: "التبرج: التكشفُ عن الزينة، ما تكشفتْ للسالك الصادق ظواهرُ زينة المكوَّناتِ الدنيويات، والدرجات الأخرويات، والمَقامات الملَكُوتيات، والعوالم السماويات، والكواكب العلويات، والأفلاك الروحيات، والصور الكُرسيات"، متعلقة بالكرسي "العلوم اللوحيات" الألواح، اللوح المحفوظ، وألواح المحو والإثبات "والأسرار العرشيات" أسرار العرش العظيم، "والكراسي الجبروتيات" المنسوبة الى الجبروت، أعلى طور من عالم الغيب يظهر فيه جلال الحق جل جلاله، إلى غير ذلك مما لا يسع كشفه.
قال: "إلا نادته حقائقها التي بها حَسُنَت وبها ووجدت، من بديع سناها اشتهرت (إنَّما نحنُ) دون موجدنا" وخالقنا، "ومبدع حسننا ومُظهِر نورِنا" سبحانه وتعالى "مالكِ أمرِنا ومدبِّر خَلْقنا"، نحن دونه "(فتنةٌ) واختبار" لك فقط، لا تقف عندنا، المقصود ربك ما هو نحن، وهذا نداء تنادي به أهل الجنة أحبابَ الله، تقول: لهم: لستُ أنا المقصود، المقصود ربكم الذي خلقني لكم، اقصدوه فقد خلقني لكم وخلقكم له، فكونوا معه لا تقصدوني سواه، هو مقصودُكم، وأنا مخلوقٌ من خلقه، خلقني لكم، فليكن هو قصدُكم، لا إله إلا الله..
وبهذا قالت السيدة الرابعة وغيرها: ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك؛ يعني: ما هذه علة العبادة نسألك رضاك الجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، لا يستهينون بالجنة ولا بالنار، ولكن ما يحولونها إلى مقصود ومعبود، المقصود المعبود هو وحده جل جلاله.
قال: هذه نصائح الهواتف؛ "هواتف الحقائق لمن سبَقتْ له من الله هداية، مَن كان الله معه بالعون والتولّي"؛ تولاه وأعانه.. صارت "سائرُ الأكوان تناديه بأسرارها وتشرق عليه بأنوارها" وهكذا.. "تخبره بمنافعها ومضارها" .
قالوا للسيدة عائشة عليها رضوان الله: لا نستغرب في علوم الشريعة والدين أنت جالستِ محمدا، لكن علمُكِ بالطب من أين تعرفين الطب؟ قالت: كان ﷺ، تنازله الأمراض، وكان أهل البادية يصفون له ما عندهم، وكانت الأشجار تخبره بما فيها! قالت هي نفس الأشجار تخبره بما فيها، تقول أنا جعل الله فيّ دواء لكذا، دواء لكذا، حتى في عالم الحس تعرف المنافع والمضار، حبيب الرحمن كل شيء يحبه، كل شيءٍ يناديه بالإجلال والإكبار. الله حرَّم على المؤمنين ينادونه بإسمه مثل ما ينادي بعضهم بعض: (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا) [النور:63]، فلذا بقية الكائنات كلها تعرف مقدارَه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ولما دخل بعضَ البساتين، وإذا بالبعير الناد لمّا وقع نظرُه على النبي ﷺ، طأطأ رأسه ودمعت عيناه وقرب عند النبي ﷺ، قبَّل قدميه، وجاب فمه عند أذن النبي، مسح النبي دمعه، قال: مَنْ صاحب هذا الجمل؟ أقبل شاب من الأنصار قال: أنا يا رسول الله، قال: اتقِ الله في هذا الجمل؛ إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه، تجيعه وتدئبه في العمل وتجيعه ما تعطيه أكل كامل. وهكذا..
جمل ثاني ندَّ على أهله، مرَّ ﷺ مرةً تحت بستانهم قال: افتحوا الباب، قالوا: أنا نخاف عليك يا رسول الله، الجمل توحّش، قال: لا عليكم، فتحوا البستان ودخل ﷺ، الجمل هذا الناد المتوحش بمجرد ما رآه أقبل بسرعة وقبَّل قدميه، بعدين قال: إنه يشكو كثرة عمل وقلة علف! قالوا: يا رسول الله هذا عاده يشتكي بنا عندك، من اليوم نكثر علفه ولا عاد نعمل عليه، ماعاد نبغى عليه عمل، أمسك بخطامه، وسلَّمه له وهو متذلل، قالوا بعد اليوم ما عاد بغينا منك شيء، لاعمل ولا شغل، تشتكي بنا عند رسول الله! صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
"سلَّمتْ عليه الأشجارُ، وخاطبته الأحجار، وحن إليه الجذع حنين حزينٍ نادب، يداه تظهر بركتُهما في المطاعم والمشارب، قلبُه لا يغفل ولاينام، ولكن للخدمة على الدوام مراقب" وبعدين أخلاقه كيف؟.. "إن أوذيَ يعفو ولا يعاقب، وإن خوصِمَ يصمت ولا يجاوب" قال ربي: "أرفعُه إلى أشرف المراتب، في رَكبةٍ لا تنبغي قبلَه ولا بعده لراكب، في موكبٍ من الملائكة يفوقُ على سائر المواكب، فإذا ارتقى على الكونين، وانفصل عن العالمين، ووصلَ إلى قاب قوسين، كنتُ له أنا النديم والمخاطِب" [مولد الديبعي]. صار نجيّه الله ولا عاد حد لا جبريل ولا باقي الملائكة .. انتهوا، بقي ﷺ في العالَم الأعلى (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ)[النجم:8-9]. اللهم صل عليه، واربطنا به، لا إله إلا الله.
قال: "حتى يخرجَ من العوالمِ الكونية سالماً من فتنها، معافىً من وَبيلِ مِحَنِها، ويُلقى في يمِّ"؛ يعني: بحر "التوحيد، ولُجَّة التفريد، وفضاءِ تفرقةِ التعديد." لا إله إلا الله… والفرق الثاني هذا الذي يسمونه، ما هو من الجمع، "فمَن وقفَ مع شيءٍ دونَ اللهِ تعالى… فهو كافر؛ أي: ساتر، بمعنى: أنه ساترٌ وجودَ الحق بثبوتِ شيءٍ معه، ولا يثبتُ مع ظهوره شيء"، لا إله إلا الله.
قال: "والزينةُ الدنيوية …فتنتُها ظاهرةٌ جليةٌ" (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، لكن هذه الزينة حق الأرض كلها: (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) [الكهف:7-8]، (كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) [يونس:24]؛ تروح كلها. لكن يقول: فتنة "الدرجات الأخروية والأحوال السنية… كيف فتنتها؟ قال: "باطنةٌ خفية"؛ الوقوف "مع زينة الدنيا غرور، والتمسك بها قطيعة"، والوقوف حجاب، والنظر لزينة الدنيا وإن كانت من قبيل الدرجات والأحوال…"وقوفُ حجابٌ عن منازل الشهود والاقتراب"، فهي حجاب من نور.
والحُجُب كما سبق معنا: ظلمانية ونورانية.
والمطلوبُ قطعُ الحجبِ كلها؛ الظلمانية والنورانية.
"فالنظرُ الى زينةِ الدنيا…حالُ الضلاّل والجهّال، والنظر إلى بهجة الأحوال والوقوف دون مراتب الكمال شأن من لم يؤهَّل بعد للوصال، ولم يُطالِع مشرقات الجمال، ومحرقات الجلال"، لا إله إلا الله، "فنسأل الله هدايةً وتوفيقاً، وصواباً وتحقيقاً".
وفي كثير الأوهام على السالكين يظنون أنهم وصلوا بشيءٍ مما انكُشفَ لهم، قال الشيخ بامخرمة: يحسب أنه دخل داخل وهو قيم برَّا! -واقف بالخارج-.
……………………………. *** من لبس ملحفه غبرا فرا الغرب وافرا
وإن قبض مسبحه واقبَل بلا قلب يقرا *** قال لي منزله داخل وهو قيم بـــرا
يحسب أنه دخل داخل وهو قيم برَّا عاده! لا إله إلا الله…
الله يرزقنا الأدب، ويرفعنا عليِّ الرتب، ويكون لنا بما هو أهله في الدنيا وفي المنقلب.
الحكمة (21): طلَبُك منه اتهامٌ له، وطلَبُك له غيبةٌ عنه، وطلَبُك لغيرِه لقلِّة حيائِكَ منه، وطَلبُك من غيرِه لِوجودِ بُعدِكَ عنه.
فهذه أربعة أقسام: قسمان حجُبٌ ظُلمانيةٌ كثيفةٌ لأهلِ البُعد والضَّلال، وحجُبٌ نورانيةٌ لطيفةٌ لأهلِ الوقوفِ معَ الأسباب.
وكلُّ حجابٍ أكثفُ من قَسيمِه، فطلبُك منه ما ضَمِنهُ لك ووعَدَك إياه.. اتهامٌ له في وَعدِه واستعجالٌ لما ضَمِنه؛ فذلك ذنبٌ عند العارفين، وقلةُ أدبٍ عند الموحدين، ولا يَخفى ما في ذلك من المُناقَضَة لحالةِ العبودية، فلا ينبغي للعبد: أن يعرِّفَ سيدَه الذي لا يعزب عنه مثقالُ ذرةٍ في الأرض ولا في السماء، ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبر.
والذي تطلُبُه: إما أن يكون نفعاً أو دفعاً، وكلٌّ صادرٌ عن تجلِّي اسمِه وظهورِ وصفِه، فكيف تطلبُه رفعَ ما أَنزلَه وهو لم يُبرزهُ إلا وقد قدَّرَ وقتَه ومحلَّه وعينَه وماهيتَه ووصفَه؟! اللهمَّ إلا أن يكونَ طلبُك لإظهارِ وصفِ ضعفك، وتحقيقِ فقرِك، وتعلُّقًا بقوتِه وغناه، وامتثالاً لأمرِه حيثُ ندَبَك إلى دعائِه، لا كراهةً وتبرُّمًا لقضائه.
وكذلك دعاؤك لجلب منافعك، وإنزال مصالحك… كذلك لا ينبغي أن تكونَ في دعائك له متحكِّمًا عليه، بل تدعوه مع تفويض الخيرة إليه فيما هو الأنفع لك من حصول غرضك أو عدمه، وإظهارًا لفاقتك إليه وقلِّة حيلتك في إيصال منافعك، ومنال مآربك.
فليكن العبد في دعائه مراعيًا الأدب؛ فلا يكون الباعثُ له غيرَ امتثال الأمر، لا لأغراضه؛ فهو أعلم بوقت حصولها، ففوِّض ذلك إلى علمه.
وليكون اعترافًا وإظهارًا لفاقتك وتحقق ضعفك، وعدم حولك وقوتك، وشهود وصفه، ونفوذ قدرته وشمول حوله وقوته.
فمتى كنتَ كذلك …كنتَ عبداً مُصيبًا، مُهذّبًا أديبًا، وإذا كنتَ تطلبُ منه ولا تُطالِبْ نفسَك له… كنتَ بالجهلِ مَوصوفا، وبِالحماقةِ معروفًا وقد اتَّهَمتَه فيما وعد، واستبطأتَه فيما ضمن، وذلك غايةُ الجهلِ باللهِ وبأَوصافِه".
اللهم انقلنا من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم، أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم يا أرحم الراحمين، وارزقنا الأدب معك في جميع الأحوال والشؤون، ارزقنا الأدبَ في الطلب، والأدب في السؤال، والأدب في الدعاء، والأدب في الوجهة إليك.
يقول: "طلبُك منهُ" شيئًا ضمنه لك "اتهامٌ له، طلبك له غيبةٌ عنه"، غائب عنك تطلبه؟ شيء موجود غيره حتى تطلبه؟ "طلبُك لغيره لقلةِ حيائِك منه"، بلا أدب، "طلبُك من غيرِه لوجود بُعدِك عنه"، لأنك بعيد منه، هو الذي بيده الأمر، تطلبه هو.. عادك تروح تسأل واحد ثاني؟! لا إله إلا الله…
قال: "أربعة أقسام:" الحجب.. "قسمان: حجبٌ ظلمانيةٌ كثيفة،" وقسمان: "حجبٌ نورانيةٌ لطيفة": طلبُك له، وطلبُك منه.
وإذا ما قمت بحق الأدب فيها.. نقص عليك الارتقاء، وفاتك حظٌ من عظيم سر الفناء والبقاء، لا إله إلا الله.
قال "طلبُك منه ما ضَمِنَه لك ووَعَدَك إياه… اتهامٌ له" بوعده، "واستعجالٌ لما ضَمِنَه"، فهذا عند العارفين ذنبٌ، "وقلةُ أدبٍ عند المُوَحِّدين، فلا ينبغي للعبد: أن يُعرِّفَ سيدَه الذي لا يعزُبُ عنه مثقالُ ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ".
"الذي تَطلبُه: إما أن يكونَ نفعاً أو دفعاً، وكلٌّ صادرٌ عن تَجلِّي اسمِه وظهورِ وصفِه، كيف تطلبُه رفعَ ما أنزلَه وهو لم يُبرِزه إلَّا وقد قدَّرَ وقتَه ومحلَّه وعينَه وماهيتَه ووصفَه؟!" قال: في وجه آخَر من الأدب، "اللَّهُمَّ إلا أنْ يكونَ طلبُك" لإظهار ضعفك، "لإظهارِ وصفِ ضعفِك، وتحقيقِ فقرك".
فدعائي وابتهالي*** شاهدٌ لي بافتقاري
فلهذا السر أدعو*** ……………..
أنا ما أدعو أتحكَّمُ عليه في شيء، ولا أعلِّمُه شيء، ولا أفرضُ عليه شيء، ولا أتبرَّمُ من شيء، أنا راضي بأمره.
قد كفاني علمُ ربي*** من سؤالي واختياري
لكن
فدعائي وابتهالي*** شاهدٌ لي بافتقاري
فلهذا السر أدعو*** …………….
أدعوه مفتقر منكسر مضطر، لا متحكم عليه، ولا متبرم من قضائه، بل ليَظهرَ فقري وحاجتي، وضَعفي وعَجزي، وامتثال لأمره، (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60].
"وكذلك دعاؤك لجَلبِ منافعِك وإنزالِ مصالحِك… لا ينبغي أن تكونَ مُتَحكِّما عليه، بل تَدعوهُ مع تَفويضِ الخيرَةِ إليه"، فيراعي الأدبَ في الطلب:
قال فمن كان كذلك.. فهو عبدٌ مصيبٌ مهذبٌ أديبٌ.
"وإذا كنتَ تطلبُ مِنهُ ولا تُطالِبْ نفسَك له"؛ فأنتَ جاهلٌ موصوفٌ بالجهل، تطلب منه، وما تطلبُ نفسَك بالخضوع له، بالتسليم لقضائه، بالرضا بأمره! هذا هو الجهل، عبدٌ موصوفٌ بالجهلِ والحماقة، معروفٌ بالحماقة، اتهمَه فيما وعَد، واستبطَأَه فيما ضَمِن، وهذا غايةُ الجهل بالله وبأوصاف الله.
اللهم أكرمنا بنور العلم والفهم، وأخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
انظـمنا في سلك أهل الصدق معه وأهل الإقبال الكامل التام عليه، به سبحانه وتعالى في كل الأحوال، مقتدين بنبيه، مؤتمّين بنبيّه، مقتفين بنبيّه، مهتدين بهَديّ نبيّه، متابعين لنبيه في كل شأن من شؤوننا، وتقلب من تقلباتنا، وطور من أطوارنا، بجميع مقاصدنا وبجميع نياتنا وبجميع هِممنا، واجعل لنا هِممًا علية نريد بها وجهه الكريم وحده لا نشرك به شيئًا. ويرعانا بعين العناية، ويقطع عنّا الحجب الكثيفة والحجب اللطيفة، بعناية ورعاية منه، ويتولانا بها حيث ما كنا، يكون لنا سبحانه وتعالى بالعون والولاية حيثما كنا وأينما كنا، وبالحفظ والصون في الحس وفي المعنى، ويرزقنا العثور على المطلب الأسنى والمشرب الأهنى، ويخلّقنا بأخلاق أسمائه الحسنى، يختم لنا بأكمل الحسنى وهو راضٍ عنا، وإلى حضرة النبي ﷺ.
24 ذو القِعدة 1440