الحِكَم العطائية -13 |  كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟

شرح الحكم العطائية لباراس -13- (مما يدلُّكَ على وجود قهرهِ سبحانه: أن حجبكَ عنه بما ليس موجوداً معه)
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.

عصر الثلاثاء 20 ذي القعدة 1440هـ.

الحكمة (16): كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء؟ كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟ كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء؟ كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء ولولاه ما كان وجود كل شيء؟ يا عجبًا! كيف يظهر الوجود في العدم !؟ أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم؟!

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، قال المؤلف رضي الله عنه ونفعنا به وبعلومكم وبعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين: 

فلما تحقق وجوده واستغرق الأشياء بشهوده، قال المؤلف -رضي الله عنه-: 

 كيف يُتَصوَّرُ أن يحجبه شيء؛ وهو الذي أظهر كل شيء؟!

كيف يحجبه الشيء وهو الذي أظهره، وبلطيف حكمته وبديع صنعته دبَّره وقدَّره، ومِن العدم أبرزه، وبما أشرق عليه من نور وجوده أوجده، وبالشبيه عرَّفه، فكيف تحجبه الأشياء وليس من الوجود إلا ما أظهره فيها، 

مثلُ الزجاجة ينظر من تأمَّلها *** أن ليس موجودًا إلا نور باريها 

فلما كان الظاهر فيها نوره، والحاكم عليها سلطان ظهوره، قال المؤلف -رضي الله عنه-:

كيف يُتَصوَّر أن يحجبه شيء؛ وهو الذي ظهر بكل شيء ؟! 

فكل شيء تراه ظهر به وجود مُوْجده، وكمال مُبدعه، وحكمة صانعه، حتى استدلَّ بها المستدِلون عليه، واهتدى بها السالكون إليه، فقال تعالى: (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات:21]، وفي ذلك أقول:

وجود الأشياء تدل العاقلَ الفطنِ *** وتُوجِدُ الطالب المشتاق للوطن 

فهذه الحكمة تدل على شهود تجلي وصفه، والتي تليها تُنبئ عن تصرفه في الأشياء بنافذ قدرته وبالغ حكمته، لذلك قال:

 كيف يُتَصوَّر أن يحجبه شيء؛ وهو الذي ظهر في كل شيء؟!

قوله: "كيف!" صيغة تعجّب، "كيف يُتَصوَّر؟!" والتصوّر: ثبوت صورة الأمر في الخارج أو في الذهن، وقوله: "يحجبه"؛ يستر وجوده، وذلك الشيء من جملة أفراد حكمته، وصورة من بديع صنعته، فلا تخلو الأشياء إما أن تكون: عن تجلّي جماله، أو ظهور جلاله، أو تحت حكم اسم من أسماء فضله، أو قهر عدله، وفي ذلك أقول:

 ظهور أوصافه في كل كائنةٍ *** أو نور أسمائه الأفعال تحكيها 

إن المظاهر في الأوصاف كامنةٌ  *** كالماء في سائر الأشجار يحييها 

تفرَّقت حسب ما تعطيه من صفةٍ *** قامت به الكل علقَمُها وحاليها 

 

كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء؛ وهو الذي ظهر لكل شيء؟!

في وجوده، فأومأ له بالإقرار وسبّح له بلا إنكار، وذلك لِمَا شهد من الاقتدار وتجلّى له من الأنوار في مختلفات الأطوار، وقامت له من الأسرار من وراء الحجب والأستار، فمن مُشاهد ظهر له في صُمِّ الأحجار، ومن مُشاهد شهده في الكواكب والشموس والأقمار، أو من وراء حجاب النار إلى غير ذلك، ومن مُشاهد للحقائق متبرجة بلا خمار وظاهرة له بلا استتار، فشهد صِرف التوحيد ونعته بما أشهده من صريح تمجيده بلا ريب ولا إنكار، أولئك الصفوة الأخيار والسادة الأبرار الذين شاهدوا صَرف اليقين وتحققوا بحقائق التمكين، الأُميّون المُحمَّديون.

لقد عمَّ الظهور لكل شيء *** وسبَّح كل موجود بحمده 

وأنقذ أمة من زُورِ غَيٍّ  *** وفرَّج عنه مكربا وشدة 

ونالت رحمته من كان حيا *** بأحمد صفوته خيرة عبده 

 

كيف يُتَصوَّر أن يحجبه شيء؛ وهو الظاهر قبل وجود كل شيء؟!

لثبوت أوَّليته وتحقق أزليَّته، وهو الظاهر لنفسه في أزله وأَبَدِه، فَلمْ يفده وجود الأشياء ظهورًا لم يكن له، فكيف يحجب الحادث الجائز القديم الواجب؟ كيف يحجب الصانع صنعته؟ 

فكيف يحجبه من كان صنعته *** وحادث بعد ما قد كان في العدم 

قد كان موجودًا قبل إنشا بريَّته *** فكيف يُحجب نور الحق بالظُلم؟ 

فإذا كان ظاهرًا قبل وجود الأشياء فهو أظهر منها بعد وجودها.

 

الحمد لله، يقول: يجب أن تكون مولّعًا بالله، مُولَّعًا مستحضرًا لعظمته ذاكرًا له في جميع أحوالك وشؤونك، ولا تنحجب عنه بشيءٍ من نفسك ولا الأكوان من حواليك، كذلك الواجب على كل من عَقل أنه مخلوق وأنَّ جميع الكائنات مخلوقة، وأنَّ الخالق واحد، واحد، واحد، واحد هو الله! يجب أن يُعظِّم هذا الواحد، ويحضر قلبه مع هذا الواحد، ويتولّع بهذا الواحد، ويَصدُق مع هذا الواحد، ويخرج من أوهامه وظنونه وخيالاته التي انحجب فيها أكثر الناس.

وأنَّ كل حجاب راجع إلى الخلق، وحُجبهم من أنفسهم، وبوهمٍ وخيالٍ لا وجود له في الحقيقة، فهم ينحجبون به، من آثار قهره -سبحانه وتعالى-، حتى لا يصل إليه إلا أهل السوابق ممن أراد خصوصيتهم بعظيم ما لديه، والله يلحقنا بهم ويجعلنا فيهم ومعهم.

ولذا قال: "كيف يُتَصوَّرُ أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء."؛ هذا الشيء الذي تظنه حجاب يحجبه؛ هو الذي أبدأه وأوجده أصلًا! كيف يحجبه؟!..

"كيف يُتَصوَّرُ أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء.".

"بلطيف حكمته وبديع صنعته دبَّره وقدَّره"؛ سبحان الله! عاده يزيدك معرفة بهذا المُصوِّر المُقدِّر المُدبِّر المُبدئ المُنشئ الفاطر الموجد، فكيف يكون شيء ما له ظهور أصلًا إلا به؟! هو أظهره، بعدين يصير حاجب له.. كيف حاجب له؟! هو ظهوره كله من يد الإله -سبحانه وتعالى- وقدرته، فكيف يحجب الإله؟! لا إله إلا الله. 

الذي حُجِبت به وهمًا وخيالًا هو ما قام إلا بهذا الإله، فلا قيام له إلا بالرب، ولا حقيقة لوجوده إلا نور الإرادة الإلهية التي أوجدته فقط! كيف؟.. فكيف يُتَصوَّرُ أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ فأي شيء تراه! لا وجود لذلك شيء؛ سماء، أرض، إنسان، حيوان، نبات، لا وجود له إلا بِسِراية ما فيه من إرادة الله لإيجاده وإبقائه وتصويره وتقديره على الهيئة التي هو فيها والحال التي هو فيها، من غير هذا ما له وجود أصلًا! فهو ظهر بكل شيء، كل شيء يدل عليه ويُومِئُ إليه ويشير إلى عظمته، فكيف تأتي أنت بالشيء هذا وتجعله حجاب لك؟! عايش في وهم، عايش في مغالطة لنفسك، عدم عقل، عدم علم، هذا الذي فيه أكثر الناس، أكثر الناس لا يعقلون، (أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم:6-7]، لا إله إلا الله.

وقال تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات:22-23]، ويقول: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات:20-21]، ظهر بكل شيء، وكل شيء يدل عليه، فكيف يتحول إلى حجاب؟ هذا هو الوهم -لا إله إلا الله-.

"كيف يُتَصوَّر أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء"؛ كيف يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ بصنعته، بتدبيره، بتصويره، بتسييره، بتقديره، لا إله إلا هو، لا إله إلا الله، وما يكون هناك شيء إلا وهو بادٍ وبارز عن تجلي جمالٍ للحق، أو ظهور جلالٍ له، أو تحت حكم اسم من أسماء فضله، أو قهر عدله، كلها اسم! إيمان، كفر، خير، شر، نفع، ضر، قرب، بُعد، ظلمة، نور، كلّها تحت تجليات الأسماء، ما يوجد شيء في الوجود إلا وهو صورة من بديع صنعة الله، إما أن تكون: 

  • عن تجلّي جمال.
  • أو ظهور جلال.
  • أو أثر اسم من أسماء فضله: منعِم، محسِن، متفضِّل، رحمن، وهاب، عليم، رحيم، سميع، بصير. 
  • أو تحت قهر عدله: منتقم، شديد العقاب، جبار، لا إله إلا هو! عدل.

فكُلُّهَا: عُلوًا وسُفلًا، جسمًا وروحًا تحت هذه المظاهر، ولا قيام لها من دونه أصلًا، كلّها مجلى؛ 

  • إما من مجال إفضاله 
  • أو قهره وعدله.
  • أو ظاهرة بتجلّي جماله.
  • أو ظهور جلاله.

كلها بلا استثناء، لا شيء منها قائم بنفسه أصلًا، لا آدمي ولا إنسي ولا جنّي ولا مَلَكْ، ولا مسلم ولا كافر، ولا شرير ولا خيّر، ولا مُقرَّب صدّيق، ولا مبعود ملعون مطرود، ولا روح ولا جسد، إلا وهو تحت التدبير والقهر والحكمة والتجلّي، وإلا ما لها وجود، فكيف تحجبك عنه! -لا إله إلا الله-،

 ظهور أوصافه في كل كائنةٍ *** أو نور أسمائه الأفعال تحكيها 

والأفعال: كل ما سواه.

إن المظاهر في الأوصاف كامنةٌ  *** كالماء في سائر الأشجار يحييها 

(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء:30]؛ فالشجرة الحيَّة فيها ماء أم ما فيها ماء؟ أين هو؟ في الجانب ذا أم في الجانب ذا؟ في الجذر أم في الغصون؟ لم تحيا إلا بالماء في كلها! تحت وفوق وكل مكان، وكل واحد سر الماء موجود فيه وإلا ما له حياة، وكذلك أسرار قدرته وتسييره وكذا تدبيره في كل ذرة من ذرات الكون والوجود، وإلا ما له وجود، لا إله إلا الله. 

إن المظاهر في الأوصاف كامنةٌ  *** كالماء في سائر الأشجار يحييها 

تفرَّقت حسب ما تعطيه من صفةٍ *** قامت به الكل علقَمُها وحاليها 

-علقَمُها: مُرُّها-.

"كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر لكل شيء"؛ فسبح له ما في السماوات وما في الأرض، (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء:44]؛ هذا الظهور الذي طاقته الكائنات والوجود، فلو كشف لهم من حُجب الأنوار عن جلاله لاحترقوا، (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا) [الأعراف:143]؛ ولكن من وراء حُجب الأنوار أبرز لهم من عظمة ذاته ما يُحيِّر الأفكار، وما جعل كل شيء يسبّح بحمده (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء:44] -جل جلاله- لا إله إلا الله.

"فمن مُشاهد"؛ لعظمة الإله في كل شيء "ظهر له في صُمِّ الأحجار، ومن مُشاهد شهده في الكواكب والشموس والأقمار، أو من وراء حجاب النار إلى غير ذلك"، (إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) [طه:10]، (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) [النمل:8]، (يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [القصص:30]؛ تجلّى الله له، لا إله إلا الله.

"ومن مُشاهد شهده في الكواكب والشموس"؛ (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي) [الأنعام:75-76]، وهكذا..

"ومن مُشاهد للحقائق متبرجة بلا خمار وظاهرة له بلا استتار، فشهد صِرف التوحيد ونعته بما أشهده من صريح تمجيده بلا ريب ولا إنكار"؛ وأخذ يقول كل ليلة: أعوذ برضاك من سخطك، و بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك -سبحانك- لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. 

"فشهد صِرف التوحيد ونعته بما أشهده من صريح تمجيده بلا ريب ولا إنكار، أولئك الصفوة الأخيار والسادة الأبرار"؛ أنبياء وكُمَّلْ وورثتهم من الصِدِّيقين؛ "الذين شاهدوا صَرف اليقين وتحققوا بحقائق التمكين، الأُميّون المُحمَّديون"، لا إله إلا الله. 

لقد عمَّ الظهور لكل شيء *** وسبَّح كل موجود بحمده 

وأنقذ أمة من زُورِ غَيٍّ  *** وفرَّج عنه مكربا وشدة 

ونالت رحمته من كان حيا *** بأحمد صفوته خيرة عبده

اللهم صلِّ عليه وعلى آله. 

"كيف يُتَصوَّر أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء."؛ (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3]، متى جاء هذا الشيء ليحجبك عنه، متى كانت الأكوان حتى تحجبك عن المُكوِّن؟ والعوام عندنا يضربون أمثال إذا جاء أحد يتطاول على شيء مما ليس له وهو متأخر: متى جيت يا نصر؟! يقول أمس بعد العصر! وعاد قبل أمس، وقبل أمس أمس، وقبل قبل كم؟ متى جيت عادك إلا وصلت؟ متى كانت الأكوان حتى تحجبه؟ هو الأول، موجود بذاته! متى جاءت السماء؟ ومتى جاءت الأرض؟ كلّها مكوَّنات خلقها ودبَّرها -جل جلاله-، هو الموجود -لا إله إلا الله-.

"وهو الظاهر قبل وجود كل شيء."؛ كيف يحجب حادث جائز الوجود بيحجب القديم الواجب الوجود؟! هذا حادث وجوده جائز: يمكن يفنى، يمكن يحجب قديم واجب الوجود لا يتأتى فناؤه؟! ما يعقل هذا! هذا هو الذي تظن أنه حجاب؛ حادث وجائز الوجود، لكن هذا قديم واجب الوجود -لا إله إلا الله-. 

فكيف يحجبه من كان صنعته *** وحادث بعد ما قد كان في العدم 

قد كان موجودًا قبل إنشا بريَّته *** فكيف يُحجب نور الحق بالظُلم؟ 

لا إله إلا الله!... 

"فإذا كان ظاهرًا قبل وجود الأشياء فهو أظهر منها بعد وجودها".

 

بسم الله الرحمن الرحيم -رضي الله عنكم-:

 لذلك قال رضي الله عنه: 

كيف يُتَصوَّرُ أن يحجبه شيء ؛ وهو أظهر من كل شيء؟! 

هذا إذا ثبت وجود الشيء، فموجد الشئ ومخترعه أظهر منه من حيث سبق شهود الشاهد إلى ذلك الشيء، فالحق أظهر بالوجوب والقدرة والتخصيص والحكم، والأشياء جائزة الوجود ناقصة القدرة عاجزة عن التخصيص، فمن كان وجوده بغيره وقدرته عن غيره فحكمه كالعدَم، فقدرة العبد وارادته محكوم عليها بالقهر تحت أحكامه الغالبة، وقدرته النافذة.

فأصل العبد وقدرته العدم، وفصله العجز والنقص. هذا برهان ظهور الحق على الأشياء لمن كان تحت كنّ الحجاب ، وأما أهل الكشف فرؤيتهم للأشياء عين العدم كما قدمنا ذلك قريبًا . وفي معناه أقول:

الله أظهر أن تُخفي مظاهرَه *** وجود الأعيان أو شيءٌ من الغِيَرِ

 اللهُ أكبرُ أن يوجَد مناظره *** وجلَّ عن مثلِ ما يَخطُر في الفِكَرِ 

 

كيف يُتَصوَّرُ أن يحجبه شيء؛ وهو الواحد الذي ليس معه شيء ؟!

ثبوت وحدانيته لم تُبق لغيره معه وجودًا، وظهور تجلّيه لم يبق لغيره شهودًا، فإذا قرنت الحادث بالقديم… اضمحلَّ وجوده وانطمس شهوده، فكيف يكون معه وقد وجب تنزيهه عن الثاني في ذاته وصفاته وأفعاله؟! (قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا) [الإسراء:42-43]، (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الأنبياء:22].

والكلام على الوحدانية يقتضي البسط والتطويل، وفي الإشارة بذلك كفاية لمن شرح الله صدره بنور اليقين. 

الله واحدُ لا يَثْبُتْ له ثاني *** فليسَ له جلَّ أمثالٌ وأقراني

 

 كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء؛ وهو أقرب إليك من كل شيء؟!

كما نطق بذلك الكتاب، وشهدت به السنة، قال الله عز وجل: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ) [الواقعة:85] ، وقال أيضاً: ( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) [فصلت:53-54] . 

وأقربيته لا تشبه أقربية الأجسام، بل هو القائم على كل نفس بما كسبت، بل قربه قرب شهود وإحاطة، وكلاءة وقدرة وعلم، واستغراق جميع الأحوال والقوى، "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز تحت العرش" أو كما قال ﷺ. بل وبذاته، وإنما عبَّرنا بالصفة؛ لأن الصفة لا تفارق الموصوف، وفي معناه أنشد:

الله أقرب إلى الأشيا بقدرته *** فليس يشبهُ قربَ الخلق بالصورِ

فهو القريب إلى كلٍّ فقربته *** من كل شئٍ هو التأثير في الأثرِ

 

كيف يُتصوَّرُ أن يحجبه شيء؛ ولولاه.. لما كان وجود شيء؟!

أي : لولا وجود ذاته لما ظهر تجلي وصفه، ولا برزت أعيان مخترعاته، ولا وجدت أرضه وسماواته؛ لأن الأشياء مخترَعة ومبتدَعة، فلا بد لها من مخترع ومبدع، ولا يكون كذلك إلا عالم مريد قادر حي كامل متنزِّه عن النقائص؛ إذ لو لم يكن كذلك.. للزم ألا يوجد شيء، أو يكون أكمل من خالقه وموجده، ولا يخفى استحالة ذلك، فوجود الأشياء صادرة عن فعله، ومقتضيات أحوالها بارزة عن أمره.

لولاه ما كانت الأشياء بارزة *** ولا ظهر من عيونِ الكونِ من أثرِ 

قد كان ثَمَّ ولا شئٌ ولا سِمَةٌ *** وهو كما كــــان جاء هذا في الخَبَرِ

 

يا عجباً كيف يظهر الوجود في العدم؟!

لأن العدم باطل، والوجود حق، والباطل ظلمة، والوجود نور. ولا يخفى عدم اجتماع الظلمة والنور، فكل ما سوى الله عز وجل عدم باطل، والله هو الموجود في الوجود، (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:35]، فكيف يظهر ليل العدم في صبح نهار الوجود؟! وفي معناه أنشد:

فكيف يظهر في صبح الوجود عمىً *** أم كيف يخفى نهار الحقِّ بالعدمِ

 

أم كيف يَثْبُتُ الحادثُ مع مَنْ له وَصفُ القِدَمِ ؟!

فإذا جاء الحق.. زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً؛ أي: بطل واضمحل وتلاشى، فإذا ظهر الوجود الحقيُّ.. ذهب التوهُّم الغيري، وتلاشى العالم الخلق.

لو لاحَ أدنى بارقٍ من وجهها *** صار الوجود إلى الفناء المفظعِ

ولزال الالتباس، وذهب الباس، ونطقت الحواس، وبرزت مخدَّرات الحقائق، لكل محبٍّ صادق، من تحت أستار البشر، وتحقَّق الخبر، وانطمس الأثر، عند ظهور مؤثره؛ فحقيقٌ أن يتزلزل ولا يثبت، فتزلزل أراضي النفوس، وتخرج أثقالها، وتحدِّث أخبارها، وتكشف أستارها، وتكون الناس أشتاتاً؛ ليُروا أعمالهم. 

وفي هذه إشارة لطيفة لذوي الأسرار، عند البروز من الآثار، لله الواحد القهار، فعند ذلك تظهر لهم لطيفة المحبة الكامنة في لباب الحقائق، الكائنة في لطائف الأعمال، المودوعة في أصداف المعاني؛ بأن ما سوى الواحد هالك فانٍ.

فكيف يثبت حادث فانيٌ عدمُ *** إذا قرنته بالموصوف بالقِدَمِ 

واعلم: أن عبارته هذه بديعة، وهي متعلقة بعضها ببعض، وبعضها ألطف من بعض، وهي كلها من علوم الكشف الحقي، والتجلي الوصفي، والمظهر الاِسمي، فلا شئ منها متعلقٌ بالمعاملة القالبية، وإنما هي حقائق مصونة، وأسرار مضنونة، ودُرَرٌ مخزونة، ولم نبيِّن منها إلا ما يصلح بيانه على طريقة العلم. 

فقوله في معضمها: "كيف"؛ اعلم أن علماء الكلام اختلفوا: هل يجوز إطلاق الكيف أم لا؟ فعامّة المحققين يجيزونه حيث لم يقترن باعتراضٍ على الله، ودليلهم من الكتاب والسنة قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) [العنكبوت:19]، (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) [الفرقان:45]، إلى غير ذلك من الآيات. 

و "الحجاب" في عبارته كلُّ ذلك معروف من الكتاب، والسنة قوله  : "إن لله سبعين حجاباً من الظلمة، وسبعين حجاباً من النور" أو ما هذا معناه.

 

لا إله إلا الله…

يقول: "كيف يُتَصوَّرُ أن يحجبه شيء؛ وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟!"؛ (وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) [البقرة:163]، فوحدانية للرحمن "لم تُبق لغيره معه وجودًا، وظهور تجلّيه -الرحمن جل جلاله- لم يبق لغيره شهودًا"؛ فلا تقرن حادث بقديم إلا اضمحل الحادث -لا إله إلا الله-. 

فإذًا؛ لا يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء: (قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا)؛ بيقهرون هذا الإله ويصيرون نفس بعض.. (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا) [الإسراء:42-43]، (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الأنبياء:22].

 "كان الله ولم يكن شيء غيره"، كان الله ولم يكن شيء معه -سبحانه وتعالى-، (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن:18]؛ ليس معه شيء، ليس معه أحد، واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، هذه الكائنات هو واحد فيها، فاضمحلَّ كل شيء غير الواحد -جل جلاله وتعالى في علاه-.

"كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء؛ وهو أقرب إليك من كل شيء؟!"؛ (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]، وقال الله عند الميت يُحتَضَر: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ)؛ يقول الله، لا أحد أقرب إليك من الله (وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ)؛ ما هناك حساب كما أخبرناكم ورجوع إلينا (تَرْجِعُونَهَا)؛ ترجع الروح حق الرجال، هاتُوا الإمكانيات التي عندكم كلها وردوا الروح، (تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ما في رجعة.. فماذا إذًا؟ (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) [الواقعة:83-94]؛ صَدَقَ الرحمن، (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:52]، لا إله إلا الله.

أقرب إليك من كل شيء، "(أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ) [فصلت:54]"؛ قُربًا لا يتعلق بالأجسام ولا بكيفياتها، "قرب شهود وإحاطة، وكلاءة وقدرة وعلم، واستغراق"؛ -لا إله إلا الله- فـ "لا حول ولا قوة إلا بالله"؛ فهي كنز من كنوز الجنة، وهي نزلت إلينا من "كنز تحت العرش"،

الله أقرب إلى الأشيا بقدرته *** …………..

أقرب إلى كل شيء من ذلك الشيء إلى نفسه، أقرب إليّ من نفسي، أقرب إليّ من حبل وريدي، حبل وريدي وسطي داخلي بعيد أم قريب؟! كيف بعيد!.. الله أقرب إليك من حبل الوريد! (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]؛ فهل تشرب من هذا الكأس؟.. (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)؛ أقرب إليك من نفسك، ومن أبيك ومن أمك، ومن صاحبك ومن صديقك، ومن ثيابك ومن حبل وريدك، من عينك، من أُذُنَك… أقرب إليك من كل شيء، أقرب إليك من شعرك ومن لسانك ومن يدك، أقرب إليك من كل شيء، قُرب عظيم يليق بجلاله، محيط بك إحاطة كُليّة، لا شيء أقرب إلى شيء من الله خالقه، أقرب من كل شيء. لكن أنت تتباعد تتباعد تتباعد في أوهامك، في خيالاتك، في إراداتك، أما هو أقرب إليك من كل شيء، اقرب إليه فهو إليك أقرب -سبحانه وتعالى-! الله، لا إله إلا الله. 

"كيف يُتصوَّرُ أن يحجبه شيء؛ ولولاه.. لما كان وجود شيء؟!"

وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا *** وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

ولا قامت دورة، ولا حصلت نظرة، ولا حضرنا في الحضرة، ولا قرأنا كتاب ولا نشرنا خطاب، لولا الله.

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا *** وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا

إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا *** ……………….. 

من جميع القواطع والحُجب…

…………… *** إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

أبينا، أبينا، فثبّتنا وأوصلنا إليك ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين.

لمّا ظهر تجلّي وصفه: "لولا وجود ذاته لما ظهر تجلي"؛ أوصافه، ولولا وجود أوصافه ما ظهرت أفعاله في هذه الموجودات كلها، فلولاه ما كان وجود شيء! فكيف يحجبه شيء؟! كلها مُختَرَعة مُبتَدَعة 
(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [البقرة:117]؛ فمن مخترعها ومبتدعها؟ لولاه ما كان أرض ولا سماء -سبحانه-، فكيف يحجبه أرض أو سماء؟! هي لولاه ما كانت أصلًا! لا إله إلا هو.. يا عجباه! الله يملأنا بالإيمان واليقين ويرزقنا متابعة المصطفى الأمين، ويرفعنا أعلى مراتب التمكين في كل مقام من مقامات اليقين، اللهم آمين، ولا تحرمنا خير ما عندك لِشرِّ ما عندنا يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

"كيف يظهر الوجود في العدم؟!"؛ و"العدم باطل، والوجود حق"؛ والوجود الحق لله تعالى، "والباطل ظلمة، والوجود نور"؛ ولا شيء موجود إلا بإيجاد الله، فهو الموجود الحق، فإذا انقطع عن وجود الله -تبارك وتعالى- صار ظُلمة، فكيف تثبت الظلمة مع النور؟! إذا أشرق النور… هيا دوّر لظلمة؛ أين الظُلمة؟ أنت في عالم الحِس خلّّه.. نور الإله الحق -سبحانه- الذي أحاط بكل شيء، في عالم الحِس، لو كنّا في ليل أو نهار والمكان مُنوَّر بنور الشمس أو هذه السُّرُج، قل لي أين الظُلمة؟! هات الظلمة!.. مع وجود النور أجيب لك ظلمة من أين؟! يا أخي الآن وقت وقت ليل مثلًا؛ الليل ظُلمة، طيب أبعد السُرُج وأبعد النور ممكن تجيء الظُلمة، لكن مع وجود النور لا وجود للظلمة، ما تثبُت! فهمت؟.. مع وجود المُكوِّن لا وجود للكون، إلا إذا نسيت المُكوِّن، إذا غاب النور عنك تشوف ظُلمة، لكن الظلمة إذا عندها إشراق ونور ما لها وجود أصلًا! لمّا حُجبت قلوبهم عن نور الله، تخيَّلوا الكائنات كأنها مستقلة، وإلا ما لها وجود أصلًا، إذا أشرق النور خلاص.. انتهى كل شيء! لا إله إلا الله.

"أم كيف يَثْبُتُ الحادثُ مع مَنْ له وَصفُ القِدَمِ؟!"؛ (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:35]؛ به تكوَّنت وهو الذي أوجدها.

"كيف يَثْبُتُ الحادثُ مع مَنْ له وَصفُ القِدَمِ؟!"؛ (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء:81].

لو لاحَ أدنى بارقٍ من وجهها *** صار الوجود إلى الفناء المفظعِ

 

سافر إليه بهمَّة عُلويَّة حتى *** تراه وقل لنفسك: موتي 

يقول: 

اللَه لا تشهد سواه ولا ترى *** إلّاه في مُلكٍ وفي ملكوت

-جل جلاله وتعالى في علاه- 

اللَه لا تشهد سواه ولا ترى *** إلّاه في مُلكٍ وفي ملكوت

سبحانه سبحانه من مـــاجد *** متفرّدٍ بـــالعز والجبروت

مــن قيَّداه قصوره وكَلالُه ***عن أن يراه فسِمْه بالمبتوت

عن أن يراه: قعد في الظُلمة.. -بالمبتوت: المقطوع-

سافـــر إلـــيه بهمة علوية *** حتى تراه وقل لنفسك موتي

         وأقبِل عليه بكل قلبك قاصدًا *** محو الظِّلال أُشِير للناسوت

الناسوت: عَالَمِ الخَلق، بماذا يمتحي؟ بالنور..

بالشمس شمس الذات … *** ……………….

فإذا سطع على قلبك هذا…

……………. حتى لا ترى *** شيئًا سوى متقدَّس اللاهوت

بالشمس شمس الذات حتى لا ترى *** شيئًا سوى متقدَّس اللاهوت

 

لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.. 

بعدها يقول: 

يا ليتني قد غِبتُ عن هذا الورى *** ودُعيت بالمستغرِق المبهوت

ماذا عليَّ من الأنــــام وقولــــهم *** أن أُدْعَ بالمحبوب أو الممقوت

حسبي إلهــي والـــذي يختاره *** اللَه أكبر غار بحر الحوت

 "كيف يَثْبُتُ الحادثُ مع مَنْ له وَصفُ القِدَمِ؟!"؛ سبحان الواحد القهار! "ما سوى الواحد هالك فانٍ"

قال: والعبائر هذه عجيبة متعلقة بعلم الحقيقة، يقول الشيخ: ما تكلمنا عليها إلا على ما يصلح بيانه على طريقة العلم، ما نبيّن منها إلا هذا فقط؛ لأن وراءها معاني جليلة كبيرة لأهلها، الله يلحقنا بهم. 

لا إله إلا الله، ثم إنَّ ضَرْبَ المثال وتَكييف الأفعال وارد وليس فيه إشكال، قال تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) [النور:35]؛ ضَرْب الأمثال، (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) [الفرقان:45]؛ (كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ) [العنكبوت:20]؛ فاستعمال الكيف في ذلك فيما يتعلق بالأفعال، ما دام ما فيه اعتراض على ذي الجلال في مُلكه  ما هو الكيف كيف حصل كذا؟ كيف الاعتراض، ذاك الذي هو قول ذي الحمق! أمّا كيف؛ لمُطالعة أسرار الحكمة البديعة في التكوين، فليس فيها إشكال. 

  • (فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
  •  (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) [الغاشية:17-20].

ما فيه إشكال، إطلاق الكيف بهذا. 

وكذلك ضرب الأمثال ما فيه إشكال؛ لأنه تقريب للعقول. 

  • ولذا قال: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ ..)؛ لا إله إلا الله! ضرب الله المثل لنوره بالمشكاة والمصباح؛ هذه أشياء حادثة وقصيرة وحقيرة ولكن هذا الذي يمكن أن يُتوصَّل به إلى ما وراءها من المعنى، فله الحمد والمِنّة.

الله يزيدنا إيمان ويقين ويلحقنا بعباده الصالحين، ويغيثنا بغياثه العاجل، ويلطف بنا والأمة بلطفه الشامل، ويرفعنا إلى رفيع المنازل، ويُسقينا من أحلى المناهل، ويربطنا بحبيبه سيد الأواخر والأوائل، ويجعلنا من المطالعين للجمال الأسنى، وأن يثبتنا على قدم الصدق معه في الحسِّ والمعنى، ويسقينا سلسبيل محبته الأهنى، وأن الله يرزقنا شهوده بمرآة حبيبه، وأن يثبتنا في أهل تقريبه، وأن يوفّر لكل مِنّا حظه ونصيبه، وأن يقينا كل سوء أحاط به علمه في الدارين، وأن يغيثنا والمسلمين ويتداركنا والمسلمين ويعفو عنا والمسلمين، ويدفع البلاء عنا وعن المسلمين، ويختم لنا بأكمل حُسنى وهو راضٍ، عنا بسر الفاتحة وإلى حضرة النبي ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

21 ذو القِعدة 1440

تاريخ النشر الميلادي

24 يوليو 2019

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام