(445)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.
عصر الإثنين 19 ذي القعدة 1440هـ.
الحكمة (14): "الكونُ كلُّه ظلمةٌ، وإنّما أنارَهُ ظُهورُ الحقِّ فيه، فمَنْ رَأى الكونَ ولمْ يَشْهدْهُ فيه أو عندَه أو قَبلهُ أو بَعدَه .. فقد أَعْوَزَهُ وجودُ الأنوار، وحُجِبتْ عنه شُموسُ المعارف بِسُحُبِ الآثار".
الحكمة:( 15): "مما يدلُّكَ على وجودِ قَهْرِه سُبحانه: أنْ حجَبكَ عنهُ بما ليس موجوداً معه."
بسم الله الرحمن الرحيم
الحكمة (14): "الكونُ كلُّه ظلمةٌ، وإنّما أنارَهُ ظُهورُ الحقِّ فيه، فمَنْ رَأى الكونَ ولمْ يَشْهدْهُ فيه أو عندَه أو قَبلهُ أو بَعدَه .. فقد أَعْوَزَهُ وجودُ الأنوار، وحُجِبتْ عنه شُموسُ المعارف بِسُحُبِ الآثار".
"الكون: هو كلُّ ما سوى الله عز وجل، وما هو صادرٌ عن تكوينه، وهو بجملته وتفصيله دون مكوِّنِه ظُلمةٌ، والظلمةُ -كما علمتَ- هي العدمُ، والنورُ هو الوجود.
فالكون كلُّه من عرشٍ وكُرسيٍّ، وسماءٍ وأرض، وجنةٍ ونار، وإنسٍ وجان، ومعدنٍ ونبات وحيوان، وهواءٍ وماء، وأملاكٍ وأفلاك وجبال، وخيالٍ وعمل وحال، وحياةٍ وموت، وطمسٍ وظهور وخمول، وفروعٍ وأصول، وظلمة ونور، وجنس ونوع، وليل ونهار، وشموسٍ وأقمار ونجوم، وعلوم ومعلوم وموهوم، وغيرُ ذلك مما يطول تفصيلُه من جملة الكائنات وتفاصيلها، واختلاف أعيانها وألوانها … عدمٌ باطل دون وجود الحق.
فحقِّق أنّ كلَّ ما كان وجوده لا بنفسه … فهو عدم، وحقيقةُ الوجود لمن هو موجودٌ به؛ وذلك اللهُ الذي شهدتْ بوجوده أعيانُ موجوداته، (اللهُ نورُ السَّماواتِ والأرض)، والنورُ هو الوجود، كما قدَّمنا أن النورَ هو الوجود، والظلمةُ هو العدم؛ فهذا من مقام مَن شَهِدَه فيه".
"ومَن شَهِدَه عنده… يصدُق عليه قولُه (سُنريهِم آياتِنا في الآفاقِ وفي أنفسِهم حتّى يتبيَّنَ لهم أنّه الحقُّ أوَلَمْ يَكْف برَبِّكَ أَنْهَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)
وَمَنْ شَهِدَه بَعْدَهُ… فَمَشَهَدُه قَوْلُه تَعَالَى: (أَفَلَا يُنظُرُونِ إِلَى الْإِبِل كَيْفُ خُلِقَتْ) إِلَى قَوْلِهِ (فَذَكِّرُ)، والتذكيرُ لا يكون إلا بعد سَبْقِ نسيان، فَمَنْ لَمْ يَشْهَدِ الْمُكَوِّنَ قَبْلَ الْكَوْن، وَلَمْ يَعْثُرْ عَلَى الْمُصَوِّنِ قَبْلَ الصَّوْن فَلَا يَخْلُوا:
إِمَّا إِنْ يَكُونُ مِنَ الَّذِينَ يَشْهَدُونُهُ عَنْدَ الْأَشَاءِ عَنْدِيَّةً مُنَزَّهَةً عَنْ الْجِهَةِ، وَلَكَنْ عِنْدِيَةَ إِسْتَغراقٍ وَقِيَامٍ.
وَإِمَّا أن يَشْهَدَهُ بَعْدَهُ، فَيَسْتَدِلُّ بِالْأَثَرِ، وَيَتَجَسُّسُ الْخَبَرِ، فَيَسْتَدِلُّ بِالْأَثِرِ عَلَى الْمُؤَثَّرِ، وَبِالصِّنْعَةِ عَلَى الصَّانِعِ وَهَذِهِ آخُرُ مَقَامَاتِ الْمُوَحِّدِينَ.
وَأَمَّا مَنْ لَا يَشْهَدُهُ، بَلْ يُثْبِتُ الْأَكوَانَ عَرِيَّةً عَنْ وُجُودَهِ… فَقَدْ طمسَ عَلَى عَيْنِ بَصِيرَتَهِ، وَأَظلَمَتْ عَلَيْهِ نُورُ سَرِيرَته عَنْ شُهُودِهِ وَحَقِيقَةَ شُهُودَهِ، فَيَبْقَى تَائِهاً فِي ظلمَاتِهِ، غَافِلًا عن شُهُودِ آيَاتَهِ، مَقْهُورًا عنْ شُهُودِ الْأَنْوَارِ، مَحَجُوبًا عنْ شُمُوسِ الْمَعَارِفِ وَبُدُور الْأَسرَارِ، وَنُجُومِ الْعُلُومِ بِسُحُبِ الْعَوَائِدِ وَكَثَائِفِ الْأَثَارِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ سُلطَانُ الْعَدْلِ وَتَجَلِّي الْجِبَّارِ؛ كَمَا وَرَد: أَنَّ حِجَابُهُ النَّارِ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِمَّا يُوْهِمُ الظَرْفِيَةَ أوَالْمِثْلِيَّةَ أَوْ وُجُودَ زَمَانِ القبْل أوَالْبَعْدِ أوْجِهة… فَلَيْسَ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ؛ فَالزَّمَانُ وَالْمَكَان، وَالْآنُ وَالأَوَان… حَادِثٌ مَوْسُومٌ بِوَسمِ الْحَدَثَانِ، وَلَكَنْ تَجَلِّيَاتٌ وَتَنَزُلَاتٌ وَتلَطَفاتٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ أَرْبَابُ الشُّهُودِ وَالْعيَانِ، فَلَيْسَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَلَا وَصْفِهِ وَلَا فِعْلِهِ شَرِيكٌ وَلانَظيرٌ وَلاثانٍ.
فَالَّذِي يَشْهَدُه قبل الأكوان مستهلكٌ في شهوده، غائبٌ عن شهوده بنفسه، مختطف عن وجوده وحسِّه، متلاشٍ تحت تجليات الأوصاف، فناب عنه فتسمى به، وهذه رتبةٌ في المحبة القُربية، والنيابةِ الوصفية، فقام عنه فأخبر عن شهوده لنفسه بنفسه.
وهذا الشهود له ديموميٌّ لا ينفكُّ عنه، مستمر الشهود نفسه أزلاً ووجوداً وأبداً.
والذي شهدَه عند الكون شاهدَ ظهورَ صفاته من تحت أستار حكمتِه.
والذي شهده بعدَه يطلب الدليل على وجود المكوِّن؛ لغلبةِ شهود المكونات على قلبه، فلا يتمكن من غيبتها عن نظره إلا بعد إمعان نظر.
فهذا -والله أعلم- مراد المؤلف ب (قبل) و(بعد) و(في)، لا على ما يُفهم من ظاهر الكلام؛
فالأولون: أربابُ الكشف والعيان.
والذين يلونهم: أربابُ النور والبيان.
والذين من بعدهم: أهلُ الدليل باللسان والإيمان بالجنان.
ومن لم يشهده بعد ذلك…. فقد أعوزه- أي: أعدمه- وجودُ الأنوار، (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) فحُجِب عن الأنوار العرفانية، والهداية الإيمانية، والدلالة البيانية، والنجوم الزاهرة؛ فهو حائرٌ في ظلمات البشرية، والعوائد الطبيعية.
والسُّحبُ الأرضية: هي الشهواتُ الحيوانية التي تنشأ عن أرض النفس الظُلمانية الهوائية؛ فكلما كان تَمكُّنُها من النفس أقوى… كانت سحبُ جهلها على شموس المعارف أكثفَ وأظلم، فإذا ارتفع عنها سحائبُ طبائِعها بعواصف هوائها… حُجِبت المعارفُ القلبية، والشموسُ الإيمانية، والأخلاقُ الروحانية السماوية.
وفي ذلك أنشد وأقول:
مَن يشهد الحقَّ قبل الكون كان له *** من المعارف أعلى رتبةٍ فيها
ومَن شَهدْ ذاك عند الكون عامله *** من حالة الصدق ما عزَّت مراقيها
مَن كان مشهدُه بعدُ فليس له *** إلا الدلائلُ والأقوال يحكيها
ومَن تخلَّفَ عن هذا تقابلُهُ *** سحائبُ آثار عاداتٍ ثوى فيها
فإذا علمتَ أن الكونَ عدمٌ، وأن لا موجودَ سواه، ولا ظاهرٌ في الأكوان إلا إياه… استشهدَ باسم القهر، وعرَّفك أن ذلك مما لا يكون؛ أي: أن الباطل لا يحجبُ الوجودَ الحق إلا من حيث تجلّي قهرِه وغلبةِ أمره.
لا إله إلا الله.
الحمد لله مزكِّي نفوسِ من يشاء، الرافع عنها ظلمة الران والغشاء، سبحانه فطَر وأبدع وأوجد وأنشأ، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، فعّال ما يشاء، أرسل إلينا عبده المجتبى المصطفى محمد بالهدى ودين الحق، فدلَّ خير دلالة، وخُتمت به الرسالة، ووضَحت به الطريق، وجعل الله سبحانه صحبَه وآله خيرَ فريق، وأمَّته خيرَ أمة على التحقيق، من فضل اللطيف الرفيق.
اللهم أدِم صلواتك عليه وعلى آل وصحبه، ومن والاه وسار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، ساداتِ أهل حضرة الله وقادات أهل حزبه، وعلى آلهم وصحبهم وملائكتك المقرّبين، وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، عدد ما علمتَ وزنة ما علمتَ، وملء ما علمت، كلُّ صلاة من ذلك تكشف بها عن قلوبنا الران، وتصفّينا بها عن جميع الأدران، وترفعُنا بها إلى أعلى رتب الإسلام والإيمان والإحسان، وتُحققنا بها بحقائق علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، يا رحمن.
وبعدُ،
فيحدثنا الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- عن حكمةِ إيجاد الله لهذا الوجود؛ الذي لا وجود له إلا بإمداد الموجِد له الملكِ المعبود، سبحانه وتعالى.
فلا شيءَ له وجودٌ من جميع الكائنات بذاته قطعًا أصلاً، لا عرش ولا كرسي، ولا أرض ولا سماء، ولا جنة ولا نار، ولا أرواح ولا أجساد، ولا هواء ولا نبات ولا جماد ولا حيوان، لا شيء من هذا له وجود بذاته قطعًا؛ بل كلُّها كانت في حيِّز العدم، وأوجدَها الله، وأنشأها الله، وأبرزها الله، وفطرها الله، فلا موجودَ في الحقيقة إلا الله.
وكلُّ وجودٍ مستعارٌ ومسمى بالوجود مَجازٌ يسقط في مشهد الذي قطَعَ المفاوز من الأوهام والظلمات وجاز، وعَلِم ما في سرِّ الحكمة من إعجاز، وعلم أنّ العظمة للمكوِّن لا الكون، وللموجِد لا الوجود، وللمُبدئ الصانع لا للمصنوعات.
فما احتلت الكائناتُ في عقله ولا قلبه مكانًا فوق قدرها، ولا تعدَّت في مشهده حدَّ طورها، وبذلك ثبتَ على إدراكِ وشهود الحقيقة، متصلًا برب الخليقة، مستمسكًا بالعُروة الوثيقة، سائرًا في أقوم طريقة، حتى سقاه الرحمنُ من الحب رحيقه، فصار شارباً لأحلى الكؤوس، مع مَن زكّى اللهُ لهم النفوس، فكانوا في الحظيرة القدسية في قرب الملك القدوس، جلّ جلاله وتعالى في علاه.
يا أيها المؤمنُ بالله، صورُ الأكوان المنطبعةُ في قلبك أخرجْ ظلمتَها، واشهد المصوِّر إن كنتَ تريدُ فهم الحقيقة، والمشيَ في الطريقة.
أيها المؤمن بالله، لا يفوتُك في أيام الحياة القصيرة أن تفقهَ المعاني الكبيرة، وأن تلحقَ بتلك القطيرة، ركبِ أهلِ شهود الملك الأعلى، ركب أهل الصدق مع المولى، ركب مَن لهم كاسُ المحبة يـُملى، وعليهم الرب يتجلّى، فهم صفوتُه وخيرته من بين البرية.
كما أشار إليهم في الآية القرآنية: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [البينة:7-8] اللهم اجعلنا ممن يخشاك ويخافك، ويتقيك ويرجوك يا أرحم الراحمين.
فكلُّ نظرةٍ منك إلى إنسانٍ وحيوانٍ، ونبات وجماد وجسم وروح، وأرض وسماء، وشمس وقمر وكواكب ونجوم، وعرش وكرسي تنفصلُ عن رؤية المكوِّنِ والموجِد والمُبدئ؛ فهي ظلمةٌ وحجاب.
فإن الله اختبرك بوجود هذا الوجود، إما أن تفقه وتتنبّه فتعلمَ المقصود من خلقه، وأنّه ليس سوى فعلٌ من أفعال الحق؛ يدلُّ على عظمة الإله الحق وقدرتِه وحكمتِه سبحانه وتعالى، فتعبرَ عليه وتتخذَه مطيه، فيتحول لك إلى مرآة، تطالعُ فيها أسرار الحكمة الإلهية فيما أبدى، وفيما فطرَ وأبدع سبحانه وتعالى. (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنعام:100]. وهو على كل شيء قدير، وهو على كل شيء وكيل، وهو السميع البصير اللطيف الخبير،لا إله إلا هو آمنا به، اللهم زدنا إيمانا.
لا ترضَ العيش في الظلمة، واخرُجْ من هذه الوَصْمة، فإنها وصمةُ عارٍ وعيبٍ عليك أن تعيش هكذا، فتصيرَ كمَن يتعامى عن ضوء الشمس ويشتغلُ بضوء الشمعة! ويقول تحت الشمس: هذه شمعة مضيئة عجيبة لها ضوء كبير، عيب عليك! فإنه قد تغطى نور الشمعة بنور الشمس المشرق، (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:35] موجدُها من العدم، به قامت، وخلقك فيها، وخلق لك المدارك لتدركها، فما هناك وجودٌ للسماوات ولا للأرض إلا به، (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
فإذا وقفتَ مع شيءٍ في الأرض أو السماء مع غفلةٍ عنه؛ فأنت في الظلمة الخالصة، وأنت في الوهم، وأنت في الظنّ الكاذب، وأنت في الحجاب، حتى توقنَ أن ما هذه الأفعال إلا دلائل عظمة الفعّال، فكيف تغفل عن الفعال؟! تنحجب في الأفعال ناسيًا للفاعل.. (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [البروج:13-16] جل جلاله.
فالكون: كلُّ ما سوى الله سبحانه وتعالى.
وما هو صادرٌ عن ذلك التكوين بجملته وتفصيله، "من عرشٍ وكُرسيٍّ، وسماءٍ وأرض، وجنةٍ ونار، وإنسٍ وجان، ومعدنٍ ونبات وحيوان، وهواءٍ وماء، وأملاكٍ وأفلاك وجبال، وخيالٍ وعمل وحال، وحياةٍ وموت، وطمسٍ وظهور وخمول، وفروعٍ وأصول، وظلمة ونور"، من هذه الظلمات الحسيّة والأنوار الحسيّة، "جنس ونوع، وليل ونهار، وشموسٍ وأقمار ونجوم، وعلوم ومعلوم وموهوم، وغير ذلك"؛ من كل أجناس الوجود والأكوان؛ عدمٌ أصلها، هو أوجدها لتستدلَّ على عظمته."فحقيقةُ الوجود" لموجدِها، لا لها، "وذلك اللهُ الذي يشهد بوجوده أعيانُ جميع الموجودات، (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:35]"
فكان بعد ذلك شؤون الذين هُدوا للإيمان بالله:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) [البينة:6]. والعياذ بالله تبارك وتعالى. الله لا إله إلا الله.
قال :"ومَن شَهِدَه عنده… يصدُق عليه قولُه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ)[فصلت:53]"
"وَمَنْ شَهِدَه بَعْدَهُ… فَمَشَهَدُه قَوْلُه تَعَالَى (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * إِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) إِلَى قَوْلِهِ (فَذَكِّرْ) [الغاشية:17-21]"نسوا فذكَّرهم، لكن الأولين ذاكرين ما نسوا.
فإذن.. كلّ مؤمن موحد:
(أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) [الأنعام:122]. اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور.
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) [البقرة:257]؛ يصرفونهم عن تذكر الحقيقة، والالتفات إليها والتفكير فيها، يصرفونهم ويبعدونهم عنها، شغلاً بشيءٍ من الترَّهات والبطالات، والشهوات والأهواء. كل ما أرادوا فكرة صرفوهم عنها، يخرجونهم من النور إلى الظلمات، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
قال: فالذي يشهد المكون قبل الأكوان "مستهلكٌ في شهود" مولاه ،"غائبٌ عن شهوده بنفسه"، وهذا اختُطف عن وجوده وحِسّه بسر وجود ربه وقدسه، "متلاشٍ تحت تجليات الأوصاف"، فهذا عبدُ الله حقًا، خليفةٌ لله في أرضه، يجري على يده الرحمات والتعرّفات، والتقريبات والتحبّبات، والاستنارات والتوفيقات، فهو خليفة عن الله في أرضه، في دائرة الخلافة العظمى لسيد أهل الأرض والسماء، حيث يجتمع جميعُ الخلفاء في تلك الدائرة .
"وهذه رتبةٌ في المحبة القربية والنيابة الوصفية"، عنها قال الحق: كنتُ سمعَه، كنتُ بصرَه.. وعنها قال: "فبِي يَسمعُ وبي يُبصر"، لا إله إلا الله.
"وهذا شهودٌ ديمومي"؛ أي: دائمٌ مستمر، "لا ينفك عنه"، فيشهد الأزليَّ الأبديَّ الحق الحي القيوم الأحدي.
وقالت المؤمنة ذات الشهود، لما قيل لها إن هذا الفخر الرازي، -كان يمشي مع تلامذة له-، قالت: من هذا؟ قالوا: هذا الذي يقيم على وجود الله ألف دليل، قالت: هو يقيم ألف دليل؟! يحتاج وجود الله إلى دليل؟! هو بنفسه الرازي من أين جاء؟ كيف تكلم وكيف فكر؟ هو بنفسه أصله عدم، الله أو جده، هو يقيم دليل علي وجود الله! وجود الله أظهر من وجوده هو، هو موجود من قبل ما يوجدهو ويوجد أبوه وجده وعمه، الله موجود، أيش من دليل بيقيمه هذا؟! فبلغ الإمام الفخر الدين الرازي قولها، قال: اللهم إيماناً كإيمان العجائز.
هذا المؤمنة التي تشهد المكون سبحانه وتعالى، لا تتردد ولا تحتاج إلى دليل..، تقول: هو يحتاج دليل! متى وُجد؟ وكيف وجد؟ سنة كم؟ هو يحتاج دليل موجود او غير موجود. أما الله موجود، كل شيء يدل عليه، يحتاج واحد يجيْ يصلح دليل؟! لا إله إلا الله.. (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ) [فصلت:53].
ومَن لم يشهد وجود الحق لا قبل الكون ولا معه ولا بعده، "فقد أعْوزَه" أي أعدمه "وجودُ الأنوار". "(وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور:40]". وحُجب في الظلمات والعياذ بالله تعالى عن "الأنوار العرفانية، والهداية الإيمانية، والدلالة البيانية"، ما تبين له الأمر ولا عرف، "وحُجبت عنه هذه الشموسُ الظاهرة، والبدورُ الباهرة"، فبقي يقول: الشمعة مضيئة، ونسي ضوء الشمس، وقد تغطى نور الشمعة بنور الشمس.
قال: "والسحب الأرضية هي: الشهوات الحيوانية تنشأ عن أرض النفس الظلمانية" ذات الهواء، فإذا تمكنت من النفس "كانت سحبُ جهلها أكثف"، فحُجبت عن المعارف، وكان من أهل الجهل والعياذ بالله تعالى.
من يشهد الحقَ قبل الكون كان له ***من المعارف أعلى رتبةٍ فيها
أهل المعرفة الخاصة.
ومَن شَهدْ ذاك عند الكون عامله *** من حالة الصدق ما عزَّت مراقيها
مَن كان مشهدُه بعدُ فليس له *** إلا الدلائلُ والأقوال يحكيها
ومَن تخلَّفَ عن هذا تقابلُهُ *** سحائبُ آثار عاداتٍ ثوى فيها
فيبقى محجوبًا بنفسه في نفسه، في ظلمات وهمِه وحِسِّه، والعياذ بالله تعالى.
اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، وارزقنا شهودك يا عزيز يا غفور، في جميع الأمور، فإن نبيك قال لنا: "أصدقُ كلمةٍ قالها الشاعر كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ:، فسبحان الحق.
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؛ لولاه لا كنا ولا كان سماء ولا أرض ولا عرش ولا كرسي ولا جنة، الله خلق كل شيء، الله خالق كل شيء، فكيف ما تهابه؟.. يقول سيدنا نوح لقومه: (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا)؛ أي: إجلالاً وهيبة وتعظيماً، (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) وهذه كائناته، (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) [نوح:13-16]. خلق وجعل قبل بعدين هي، اشهد أوّل المكوّن.
الحكمة:( 15): "مما يدلُّكَ على وجودِ قَهْرِه سُبحانه:أنْ حجَبكَ عنهُ بما ليس موجوداً معه."
"قد علمت مما تقدم: أن الكونَ ظلمةٌ؛ أي: عدم، ومع ذلك - أي: كونه معدوماً - إنك محجوبٌ به عن مُكوِّنِه؛ فذلك دليلٌ على وجود قهره وغلَبةِ أمره، وإلا… فكيف يظهرُ العدمُ مع الوجود؟!
أم كيف يظهرُ الغيب في الشهود؟!
أم كيف يثبتُ الحدث مع القِدَم؟!
فإذا قارن الحدث القديم… اضمحلَّ ولم يبقَ له أثر، والحجابُ إنما هو أثر القهر على بصيرة المحجوب، وإلا… جلَّ أن يحويَه مكانٌ أو يحدَّه أوان، أو يُكيّفَه عيان، أو يتقدَّمه زمان.
والحجاب ينقسم إلى: ما هو حجابٌ ظلماني كثيف، وإلى ما هو نوراني لطيف.
والحجاب الظُلماني: يكون في توحيد الأفعال للعوام الجهّال، والمبتدعة الضُلاَّل.
والحجاب النوراني: يكون للخواص في توحيد الأسماء والصفات، الآخذين في طريق الأعمال، الشاهدين لما يصدر عنهم من حسن الأفعال، وسنيَّات الأحوال.
ولكل حجابٍ علامةٌ على مَن قام به؛
فعلامة حجاب العوام برؤية الخلق وأفعالهم دون الله.
وعلامة حجاب الخواص برؤية أعمالهم، وأن لهم فيها حولاً وقوة.
فالحجابُ الظلماني يقتضي العذابَ وسوء الحساب. والثاني يقتضي الالتفاتَ إلى الأغيار وكثائف الأستار، والتعوُّقَ عن اللحوقِ بأهل التحقق والعيان.
فمن كان مشهدُه أفعالَ الخلق دون الله… فهو بعدُ لم يخرج عن حيّز المُبعدين، ولم يُعَدَّ في أصحاب اليمين؛ فضلاً عن أن يكون من المقربين السابقين.
ومن شهد أن لا فعلَ لهم دون الله… فهو معدودٌ في غمار عامة المؤمنين، ومن جملة أصحاب اليمين، فهو موحِدٌ في الأفعال، وذلك متعينٌ على كل مسلمٍ متدين؛ فحيث صحَّ له ذلك… فقد نجا بحمد الله من ورطة الجحود، وانتظم في نظام الإيمان، وتكفًل له بالأمان، من جملة عباد الرحمن.
ومن ترقّى عن ذلك بأنْ شهد أن لا حياةَ لهم .. فذلك رتبةٌ في التوحيد ومقامة في التفريد الخاص بالمقربين، وهو أولُّ رتبة في طريق الإرادة، وشروقِ شمس السعادة، وقد آن له في الدخول، وأذن له بالوصول والظفر بالمأمول.
ورتبة القرب الخاص في الخاص: أن يشهد وجودَهم عينُ العدم؛ لاستغراق روحه في شهود القِدَم، بمطالعة أنوار الذات المُحرِقة، وأسرار الصفات المشرقة، فهذا هو الواصل والإمام الكامل، فلو كُلِّف على رؤية الغير… لم يستطع إلى ذلك سبيلا، ولم يظهرْ له وجود، فكيف يرى الأكوانَ مع شهود العيان، أم كيف تحجبُه الأعيانُ عن التحقق بكل مَنْ عليها فان؟!
فلم تزل الأكوانُ في فنائها أزلاً وووجوداً وأبداً هالكةٌ من حيث نسبة غيرِيَّتِها، باقيةٌ من حيث حقيقتها؛ فالوجه الحقيُّ هو الظاهر على صفحات الأكوان، المشهودةُ به الأعيان القائمةُ به الذوات والصفات والأفعال والأبدان، تنزهَ عن أن يحجبَه كون، أو يُطلَق عليه باتصالٍ أو بَون؛ فهو سبحانه مباين الأشياء من حيث ذاتُه ووصفه وفعله، محيطٌ بها من حيث علمه، مدبرها بحكمته، مستغرقٌ بجميع أفعالها وصفاتها وذواتها من حيث قيّوميتُه وشهوده وقيامه.
مما يدلُّ على قهْرِ الإله بما *** حجَبْكَ عنه بما هو باطلٌ عَدَمُ
إن الحجابَ من المحجوب ليس كما *** يظنُّهُ الجاهلُ الغرُّ الغبي الفَدِمُ
فلما تحقق وجوده استغرق الأشياء شهوده."
الله، لا إله إلا الله.
"مما يدلُّك على وجود قَهْرِه سبحانه"، أنه القهار على كل شيء، والقهار: مِن ذكر النفس الكاملة، تستحذر وتشهد قهرَ القهار على كل شيء. (وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [الرعد:16].
العلامة من علامات قهره، يَحجبُك في إدراكك ومعرفتك بشيءٍ أصلُه عدمٌ، لا وجود له، ولكنك به أيضاً محجوب، لأن الله قهّار. والحجاب في كل شيءٍ يرجع إلى المحجوب، أما الحقُ فجلّ أن يحجبَه شيء، وتعالى عن أن يحولَ بينه وبين شيءٍ شيء.
فصفاتُ البعد من صفات النقص، وصفات الحجاب من صفات النقص، راجعةٌ إلى العباد، فيهم البعيد وفيهم المحجوب.
أما الرب جلّ أن يكون محجوباً، أظهرُ من كل شيءٍ جل جلاله، لكنّ العبد هو المحجوب، قال:
هذا جمال الحق قد تجلّى *** ولم يكن محجوبا قبل كلا
لكن قلب العبد حين يُجلى شاهد، وكانت منه السواتر؛ أي: من العبد، هذا السواتر منه، حجابُه منه، فالعبد هو المحجوب، ليس الحق، جل تعالى أن يُحجب بشيء، لكن الإنسان هو المحجوب، الإنسان هو المبعود، والإنسان هو المقطوع.
أما الرب جل جلاله فتعالى عن أن يحجبه شيء، ولا أن يحيط به شيء، فهو أقربُ إلينا من كل شيء، ولكن نحن الذين نبعدُ في أوصافنا، وفي أعمالنا، وفي وجهاتنا عنه، سبحانه تعالى بُعدًا معنويًا، فالبعد راجعٌ إلينا، أما هو أقرب إلينا من حبل الوريد جل جلاله، فاقرُبْ إليه فهو إليك أقرب. لا إله إلا الله..
يقول: الكونُ كلُّه عدمٌ أصله، وأوجده الله، مع ذلك يحجبك بنفس العدم -بهذا الكون- يحجبك بما لا وجود له في أصله؛ آية من آيات قهره، لا إله إلا الله.
كما يُحجَب الناس في عالم الحسِّ عن كثيرٍ من الأشياء الحسية بأوهامٍ ما لها وجود، يتوهمه في ذهنه ويحجبه.
يقولون له: ما لك ما تجيء محل الفلاني؟ يقول: هذا فيه نوع خطر في الطريق، ما حد يجيء عنده هذا خطر، ولا خطر ولا شيء، هو وهم، وما عاد جاء مسكين بمجرد وهم، وهكذا…
حتى كان جماعة يتحدثون ويقولون: إن بعض الناس يمرضون بالوهم، ما عنده مرض، قال أحدهم: مش معقول إنسان ما بيكون عنده مرض يقول إني مريض إلا وعنده مرض، وهم ما هو مرض، قالوا له أحيانًا ما عنده مرض لكن يتوهم إنه مريض فيمرض، قال له: هذا غير معقول، سكتوا منه، وبعد ذلك تآمروا عليه، قال واحد أنت تلاقيه في المحل الفلاني لما يصبح الصباح في الطريق، وأنت في المحل الثاني بعده، وأنت في المحل الثالث بعده، تقول له كذا وكذا،
أصبح لقيه، فلان قال: أنت فلان! قال أيش أصابك؟ قال إيش فيك! لونك ثاني! وحالك ثاني أصبحت كيف؟ تعبان ونحيف؟ قال أنا ما بي شيء صحيح، قال: لا، بك شيء لابد.. قال: ما بي شيء، قال: لا، بك شي.
ما صدق ومشي، حصل الثاني، قال له: من هذا؟ هو أنت فلان أنت هو؟ ما عاد عرفتك، قال: ليش؟ قال: متغير، حالتك حالة، لونك ثاني وأصبحت نحيف، إيش بك؟! أصبحت عندك مرض؟ قال: لا، ما بي شي، قال: لا لا بك شي، صدق تقول؟ يقول أشوفك قدام عيني ما أنت عادي أبدًا، كل يوم نشوفك ما شاء الله ونشيط واليوم ما أنت كما كل يوم، قال: قال لي واحد هذا..
بدأ يشك في نفسه وأنه فيه مرض، هم من نفسهم يعرفون ما به شيء..
وصل عند الثالث، السلام عليكم من هذا؟ تشبه واحد صاحبنا، هل أنت فلان؟ قال: أنا نعم إيش في؟ قال ما عاد تعترف إيش أصابك البارحة؟ نازلك حمى وصداع ومرض!... سقط، حملوه إلى البيت جابوا الدكتور يعالجه، رجعوا قالوا: له اسمع يا فلان أنت أصابك شيء البارح؟ قال لا، لكن اليوم ما أدري إيش… قالوا: ما بك شيء، نحن كذبنا عليك، أمس نجادلك نقول لك الإنسان يمرض بالوهم، أنت مرضت اليوم بالوهم، وانت أنكرت قلت لا، خيّلنا لك أنك مريض لمّا صدقت أنك مريض وسقطت، وشوفك ما بك شي أصلا، رأيناك كما نراك الأيام الماضية بس كذبنا عليك، قالوا: بتصدق أن الإنسان يمرض من الوهم ولا لا؟ قال: والله صدق سواء، وقام ما به شيء الحمد لله، راح منه المرض، فكم تفعل الأوهام!
وكلُّ الحجب عن الله أوهام، ما حجبَ الخلقَ عن ربهم إلا وهمٌ وظنٌ ما له وجود أبدًا، هو الظاهر (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ) [الحديد:3]، قال كل شيءٍ ينطق بإسمه، وينبيء عن علمه، ويدل على عظمته كل شيء، ونور إلهيته في كل موجود، وفي كل كائن. (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) لا إله إلا الله… يارب ارزقنا كمال الإيمان واليقين.
والحجابات هذه التي تحجب الإنسان عن إدراك الحقيقة وشهود الحق جل جلاله تنقسم إلى: "ظلماني كثيف…. ونوراني لطيف"
حتى يقطع الحجبَ الكثيفة والحجب اللطيفة، ويعلمَ أنّ قبلَ كل شيء وبعد كل شيء وأول شيء.. الله!
قال:
فاقطع الحُجْبَ الكثيفة *** بالسير عنها غيرَ مقتصر
واقطع الحجب اللطيفة *** بالسير فيها غير مغترر
سِر فيها.. من هذه الحجب: يشهد أنه عالم، يشهد أنه عابد،، يشهد أنه زاهد، محجوبٌ بنور.
ذاك العاصي محجوبٌ بظلمة، وهذا محجوب بنور، فرق بين هذا وهذا.
لكن الذي تخلص من الحجب كلها، هؤلاء أهلُ القرب من الله، (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) [الواقعة:10-12].
فإذا جاوزتَ مرتقياً *** سدرةَ الأسرار والقدَرِ
فتوقفْ وانتظر علَماً *** من علوم الأمر وادّكر
واحتفظ بالشرع وابغ به *** حكم رب العرش في الصور
يقول:
إنّ سرَّ الله مستترٌ *** في جميع الكون والبشر
إن سر الله مستترّ *** في جميع الكون والبشر
فاقطع الحجْب الكثيفة *** بالسير عنها غير مقتصر
الحجب الكثيفة: حجب الظلمات
واقطع الحجْب اللطيفة *** بالسير فيها غير مغترر
وارتق فإذا جاوزتَ مرتقياً *** سدرة الأسرار والقدر
فتوقف وانتظر علَما *** من علوم الأمر وادّكر
واحتفظ بالشرع وابغ به *** حكم رب العرش في الصور
دين خير الخلق أشرفهم *** سيد السادات من مضر
صلوات الله تبلغه *** ما تغنى الوُرق في الشجر
هل سمعت؟.. ولكن إنما يقطعُ هذا الحجب من ألوى بنظرِه ووجهتِه والتفاته عن الكائنات إلى الحق، ولم يُبالِ بأقاويلِ الناس ولا أفعالهم ولا اعتباراتهم.
يقول الإمام الحداد في هذا المعنى:
أنا في شغلٍ عن الناس وعن *** كل ما هم فيه من خيرٍ وشر
عملي لي ولهم أعمالهم *** وبعين الله مَن برَّ أو فجر
وإلى الله حسابُ الكل في*** يوم نار لا ترمي بالشرر
وأما مادام يقول: أعطونا منعونا، جفونا قربونا، مدحونا ذمّونا، هذا طول عمره مع الناس، ما يخلص من الوسواس ومن الحجاب أبداً، محجوب، كلُّ عمره محجوب، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
دع الناس يا قلبي يقولون ما بدا *** لهم واتثق بالله رب الخلائق
جلّ جلاله وتعالى في علاه.
دع الناس يا قلبي يقولون ما بدا *** لهم واتثق بالله رب الخلائق
ولا ترتجي في النفع والضر غيره *** تباركَ من ربٍ قدير وخالق
فليس لمخلوقٍ من الأمر هاهنا *** ولا ثمَّ شيءٌ فاعتمدْ قولَ صادقِ
هو الربُّ لا ربٌ سواه وكلُهم *** عبيدٌ وتحت الحكم من غير فارقِ
نعم بعضُهم ممَن يُحب ويرتضي *** لطاعته والبعضُ عاصٍ ومارق
بتوفيقه صار المطيعُ يطيعُه *** وخالفَ بالخذلان كلُّ مفارق
فسَلْ ربك التوفيقَ والعفو والرضا *** وكوناً مع أهل الهدى والطرائقِ
رجالٌ إلى الرحمن ساروا بهمةٍ ***على الصدق والإخلاص من غير عائق
فنالوا…….
نالوا وأدركوا وحصلوا ماذا نالوا؟
نالوا الذي كل المطالب دونه *** ……………………..
اطلب أنت وأهل الأرض وأهل السماء ما شئتم، كلُ مطالبكم دون هذا، هذا فوقُه.
فنالوا الذي كل المطالب دونه *** فلِله من عيشٍ كريم ورائقِ
هات لمحة من هذا الذي نالوا!.. قال:
دنوٌ وتقريبٌ وأنسٌ بحضرةٍ *** مقدسةٍ في منتهى كل سابق
الله أكبر!
فآهٍ على عيش الأحبة كم أسىً ***عليه وكم دمعٍ على الخد دافق
الله لا يحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا، ويلحقنا بعباده الصالحين.
فاقطعْ الحجُبَ الكثيفة والحجب اللطيفة، واشهد مولاك، وترقّى إلى مراقي القرب منه، يتحفْك بعظيم ما هناك من جودٍ يليق بكرم ملك الأملاك، الله أكبر.
"وهومحيطٌ بها من حيث علمه"، مباينٌ لها من حيث ذاته ووصفه وفعله جل جلاله، "ومدبرُّها بحكمه"، وقيوميَّته مستغرقةٌ جميعَ أفعالها وصفاتها وذواتها، (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة:255]. فانظر كيف يحجبك بالأوهام والخيالات، فاخرج عنها، وعن جميع الضلالات.
الله يملأنا بالإيمان وباليقين، ويجعلنا في عباده الصالحين، ولا يحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يوفر حظنا من ذكره وذكر رسوله، وأن يجعلنا ممن طاب بالطيب، وترقى إلى مقام القرب مع كل مقرب، وأعاذنا الله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وعاملنا بإحسانه وعظيم فضله وامتنانه، وأن الله يثبتنا واياكم في ديوان الحبيب، ويقربنا مع أهل التقريب بأوفر الحظ والنصيب، يغمرنا بفائضات الجود، ويسعدنا بأعظم السعود ويجمعنا بصاحب المقام المحمود، يختم لنا بأكمل الحسنى وهو راضٍ عنا، مع صلاح كل حس ومعنى، وأن يكفينا ما أهمنا من أمر الدارين وما هو أعلم به منا، وأن يصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصالحين، ويرقينا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، يكشف كروبنا والمسلمين، ويدفع السوء عنا وعن المؤمنين، وتحويل أحوال المسلمين إلى أحسن حال، وأن يعاملنا بفضله ولا يحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا، ويختم لنا بأكمل الحسنى وهو راضٍ عنا، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.
20 ذو القِعدة 1440