(445)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.
عصر الأحد 18 ذي القعدة 1440هـ
تتمة الحِكمة (13): كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته! أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته! أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته ! أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته!
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيد المرسلين وحبيب رب العالمين، سيدنا محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ومن كتاب شرح الحكم العطائية للإمام أبي محمد علي بن عبد الله بن أحمد باراس نفعنا الله به وبكم في الدارين آمين، إلى أن قال :
"أمْ كيفَ يَطْمَعُ أنْ يَدْخُلَ حضْرَةَ اللهِ تَعَالَى وهُوَ لمْ يَتَطَهَّرْ مِنْ جَنَاباتِ غَفَلاتِهْ."
"أم كيف يطمعُ بعدما علِمَ بأنّ حضرةَ الله الخاصة بأنبيائه وأوليائه -وهي حضرةُ الإحسان ومحلُّ تجلّي العيان عند ذهاب صور الأكوان وفناءِ الأعيان- ألايدخلَها مَن لم تكمُل طهارتُه من جَنابات غفلاتِه؟!
كأنّه لمّا اجتهدَ في تلطيف كثائف ظلماتِه وطرْحِ شهواتِه، وترْك مُقْعِدات عاداته…ظهر منه رائحةُ طمعٍ أنّه بذلك دخلَ حضرةَ الله، وهو بعدُ لم يدخلْ، وهو يرى نفسَه في ذلك، حتى يغيبَ عن كونيَّته، ويتطهّرَ بماء التقديس من جناباتِ الدعوى ونجاساتِ التلبيس؛ فلا يدخلُ تلك الحضرةَ وهو يَرى له من نفسه بقيةً؛ فمتى حصلَ على تلك الحضرة، وحظيَ بتلك النظرة… فحينئذٍ يرى طُهورَ جنابته."
وقد منَعكَ شرعاً حضرتَه الحسيّة حالَ قيام الجنابة الحسّية بك ،فأَولى أنْ يمنعَك عن الحضرة الخاصة حال تلبُّسِك بالجنابة الخاصة؛ ففي عبارته إشارةٌ لطيفةٌ إلى أنّ حضرة الإحسان خاصةٌ في المقامات القُرْبية، كاختصاصِ المسجد في الحضَرات المكانيّة؛ فالمسجدُ حضرةُ صورة العبادة، والإحسانُ حضرةُ تجلّي المعبود، وأين هذه من تلك.
وقد حظر الشرعُ دخولَ هذه الحضرة مع وجود الجنابة، وما سُميتْ جنابةً إلا لإجْنابِها بمَن قامت به عن حضرةِ القرْب ومستوى الاستقامة إلى البُعد، تحت كثيفِ غطاءِ الشَّهوة على جميع الجوارح، فالغسلُ حياتُها وردُّها إلى مواطن إقبالها، فيَعمُّ بالماء جميعَ الجوارح لتحيا؛ لأنّ في الماء سرُّ الحياة، فتحيا بالماء بعد موتِها واحتراقِها بنيران بِعادها، فالحمدُ لله الذي منَّ بلُطفه وتفضّل بعطفه.
فماءُ الحياة للجنابة المعنوية تجلي اسمِه الحيّ على ما أماتَ الحجابُ من وجود الشهود، فالماءُ أثرُ اسمِه الحي، فالأثرُ تحيا به أمواتُ الصور؛ كما تحيا الأرضُ بوابل المطر، وبوجود المؤثِّر وشهودِه يحيا المعنى القائمُ في الإنسان بصورة ذلك التجلي الذي الماءُ أثرُه، وبحياة المعنى يغيبُ عن شهود كونيَّتِه وظهور أنيَّتِه؛ فجنابةُ الصورة الحسّية التي هي أثرٌ عن ذلك المعنى، تحيا بالماء الذي هو أثرٌ عنه أيضًا.
والمعنى المذكور: هو وجودُ الحق القائمِ بها؛ فبالماء تحيا الصورةُ من أجناب جناباتها ،وبِتجلّي اسمِه الحيّ يحيا ذلك المعنى؛ وحياتُه: رجوعُه إلى أصله، واجتماعُه بعد فَرقه، واتحادُه بأصله بعد فصله، وفي ذلك أقول:
فكيف تطمعُ أن تدخلْ لحضرته ولم تُطهَّر عن الأعراض والجُنُبِ
وكيف تطلبُ أن تدنو لوصلته وأنت في غفلة محفوف بالحُجُب".
الله، لا إله إلا الله.
قال: "أمْ كيفَ يَطْمَعُ" الإنسان، وهذا العبد الذي يطلب القربَ من الرحمن، "أنْ يَدْخُلَ حضْرَةَ اللهِ تَعَالَى"، أي: الحضرةَ الخاصة التي يتجلّى بها على أنبيائِه وأوليائه وأصفيائه، حضرة الإحسان، حيث شهودُ الرحمن جل جلاله، وعبادتُك إياهُ كأنّكَ تراه، وعبادتك إياه كأنك تراه، وعبادتك إياه كأنك تراه، ما تصلُ إلى هذه الحضرة وأنت جنبٌ بجنابة الغفَلات، عندك جنابة، وأنت جنب، ألا ترى أنّه منعَك عن دخول المسجد وعن الصلاة وأنت جنبٌ جنابةً حسية؟ ممنوع، لو دخلت المسجد يكون حرام عليك، ولو قمت للصلاة مأثوم وحرام عليك ذلك، حتى تغتسل من الجنابة.
كذلك حرامٌ عليك أن تدخلَ حضرةَ الإحسان، وتنالَ شهودَ الرحمن وأنت جنبٌ جنابةً معنوية، جنابةَ الغفلة بشهود نفسِك أو سواك من هذا الوجود، وما دام قائم لك أدنى معنىً من استقلاليةِ نفسك أو شيءٍ من الكائنات، فلا تَصلُحُ لهذه الحضرة، ولا تَسْعد بتلك النظرة، ولا تجدُ ذلك الشهود، ولا تسعَد بذلك السُّعود، حتى تتطهّر من هذه الجنابة، وهي شهودُك لأجنبيّ، شهودُك لمَن سواه، نفسُك فما عداها من هذا الوجود كله، فإذا أيقنتَ أنّهُ فعلُه وليس هناك شيء، وتحققتَ بذلك وذقتَه، صرتَ تعبدُه كأنك تراه، صرتَ في حضرة الله.
أنت في حضرة نفسك، في حضرة تخيلك، في حضرة أوهامك، في حضرة المواد، في حضرة الجماد، في حضرة الحيوان، في حضرة الهوى، في حضرة النبات، في حضرة الإنسان، في حضرة النفس، إلى أن تتطهرَ من الجنابة هذه كلها.. أنت في حضرة الله! ولا يصلحُ للدخول إلى حضرة الله إلا بالتطهُّرِ عن غفلةِ شهودِ ما سواه.
قال نبيُّنا محمدٌ ﷺ في حديثه الصحيح: "أصدقُ كلمةٍ قالها الشاعر، كلمة لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ"، اترك الباطل، اترك الباطل.. ألا كل شيء ما خلا اللهَ باطل. لا إله إلا الله..
قال تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص:88]، (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:26-27].
ثق بمولاك في جميع الأمورِ *** واحْسبِ الناسَ كلهم في القبورِ
لأنه إذا ما كان اليوم في القبر، غداً سيكون في القبر، كلهم في القبور، جلَّ الكريم العظيم، جل جلاله.
يقول: "أم كيفَ يطمعُ بعدما علمَ بأن حضرةَ الله الخاصة بأنبيائِه وأوليائِه، وهي حضرةُ الإحسان ومحلُّ تجلي العيان"، كأنه يراه "عند ذهاب صور الأكوان وفناءِ الأعيان" من الموجودات، كيف يطمع؟.. "أن يدخلَها مَنْ لم تكمُل طهارتُه من جنابات غفَلاته" قال: "كأنّه لمّا اجتهد في تلطيف كثائفِ ظلماته" وبدأ في الطريق يسير إلى الله تعالى، وطرَح من شهواته، وتركَ بعض مقعِدات عاداته، "ظهرَ منه رائحةُ" كريمةٌ لكلِّ طائعٍ، ولكلِّ مستقيم، ويرى شعور حَسَن، وإحساس جميل، ويرى ذَوْق طيّب، ويظن هذا هو حضرةُ الإحسان وصله، نقول له: لا! عادك جنُب، الإحسان وراء، الإحسان وراء هذا، والحضرةُ وراء هذا، الإحسان ليس هذا.. إذا واحد تفرغ قليل لأي ذكر، لأي عبادة، انقطع عن بعض العادات، يحس… هذا وصول؟ هذا ما هو وصول ولا دخول عليه، ماهذا إلا تقرُّب في الحواشي من بعيد، والطريق قدامك، الطريق أمامك، وعادها مراتب ودرجات، شأنها شأن، وأمورُها عظيمة من عظمة المنان، جلّ جلاله وتعالى في علاه.
يقول: "ظهرَ منه رائحةُ طمعٍ أنه بذلك دخلَ حضرةَ الله، وهو بعدُ لم يدخلْ، وهو يرى نفسَه في ذلك حتى يغيبَ عن كونيَّته"؛ يغيب عن كونيته، أنت عدمٌ، وأصلُك عدم، وقابل للفناء، فأنت فاني، صحِّحْ نظرك، صحّح شعورك نحو نفسِك، مكانك مركوز ما تريد تبعد "أنا" هذه أبدًا! مكانك مركوز مركوز مركوز!.. يا هذا، هَبْهُ، احذرْه عظِّمْه، لا لك ولا لغيرك وجودٌ معه، هو الموجود الحقّ، والكائناتُ مُسيَّرةٌ مُدَبّرَة تحت حكمه، وإلى متى أنت منازع.. أنا أنا؟ اتركْها، قل هو هو، سبحانه وتعالى، حقائقُ التوحيد التي يتكلم عنها الأولياء، حقائق توحيد الله تبارك وتعالى.
يقول: "حتى يغيبَ عن كونيَّته، ويتطهّرَ بماء التقديس"؛ التنزيه والتسبيح لله تبارك وتعالى، أنه لا يشرَكُه أحد ولا شيءٌ، الوجود وجوده، والكون كونه، والأمرُ أمره، ولا شيءَ إلا فعلُه، وهو الله! (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام:91] هم يلعبون، يلعبون بالفكر، يلعبون بالتصوّر لعب، والحقيقة :لا إله إلا الله، (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد:19].
يقول: "ويتطهّرَ بماء التقديس من جناباتِ الدعوى ونجاسات التلبيس"، تلبيس إبليس الذي قال أنا خيرٌ منه، قليل أدب، ما يدري أن الله الذي أمره بالسجود لآدم، يقوم يتأبّى ويتأمّر، لأنّ عنده أنا، أنا عبدتُ قبل، أنا وُجدتُ من قبل، فإذا عندك أنا عبدتُ قبل، أنا وُجدتُ قبل، أنا من كذا، أنت تلميذ إبليس، تلميذ إبليس!... إذا لك شيخ من أهل الله، سيعلمُك: الله وحده لا شريك له، ما أنا شيء، ولا مني شيءٌ، ولا إليّ شيءٌ، والأمرُ كلُّه للربّ الحيّ، بسم الله وبالله، وإلى الله وعلى الله، وفي الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ) [الحجرات:17] لا إله إلا الله.. (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) لا تقل أنا أبدًا، ولا نحن قط لا تقولوا، (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)، أنعمتُ عليكم بالإيجاد والهداية، وجعلتُكم في صفِّ نبيّي، ووفقتُكم للجهاد وأجريتُ على أيديكم القتل، فلا تقولوا نحن، (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ)، سبعين رجل من كبار قريش مَن قتلهم؟ (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) كونُه نسَبَهم إليكم، على أيديكم، الأمرُ أمره، لكن ليس أنتم، لا تقولوا نحن (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) [الأنفال:17] لا إله إلا الله..
انظر لو كان إنسان مخلوق مثلك تُحمِّله بشيء من الإحسان، وترى نفسَك متفضل عليه، يشمئزُّ.. من رؤية منَّتك عليه، فإذا رأيتَ الفضلَ له فكيف يُعظّمك، كيف يفرح منك، كيف يحبك… تُحسنُ إليه وترى أن الفضلَ له، وهذا مخلوقٌ مثلُك مثله، لكن هذا هو الفضل له أصلاً، (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ) إذا عاملتَه هكذا فهو أحسن من أن تأتيَ بأعمال كثيرة وتقول له أنا.
وقد نبهنا ﷺ إلى ذلك بتنبيهات، من جملتِها: حديثُ العابد الذي عبَدَ الله خمسمائة سنة، كما عمري وعمر أبي وجدي وأبو جدي، خمسمائة سنة يعبدُ الله عبادةً كاملة، ما عصى الله فيها طرفة عين، فإذا جاء القيامة يقول الله : أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، ما ذكر لي سجدةً ولا ركعة ولا عبادة ولا صوم ولا قيام ولا قراءة ولا ذكر ولا شيء، يقول: يا رب وبعملي، يقول: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، يقول: يا رب وبعملي، يقول: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، يقول: يا رب وبعملي، يقول سبحانه: حاسبوه على عمله، فيحاسبونه ويبدأون بنعمة البصر، تبدأ تروح عبادةُ أول سنة، ثاني سنة، ثالث سنة، رابع سنة خامس سنة، عادهم في البصر، عاد ما جاءوا للسمع، ما جاءوا للكلام، ما جاءوا للرئة، ما جاءوا عند القلب، عادهم في البصر، كيف قامت نعمة البصر بك في الحال الفلاني والفلاني، فإذا عملُ خمسمائة سنة كمّلت وعادهم في نعمة البصر، قالوا: يا رب ما وَفَت أعمالُه، -في بعض الروايات- بعُشْرِ نعمة البصر، قال: ادخلوه النار، خلاص خذوه للنار، فيقول: يا رب ادخلني الجنة برحمتك، رب ادخلني الجنة برحمتك، قال فيقول الله: ادخلوا عبدي الجنة برحمتي، ونِعْم العبد عبدي، امدحوه حتى ما يستحق شيء قد روّح قد الحساب حقه كمّل، قال امدحوه خلاص، قال: نِعم العبد عبدي، تفضّل، مُكرَم مُشرّف، وهو ما منه شيء، الفضل لله.. ولهذا عُبَّاد الله الذين يعلمون الفضلَ له، يُحبُّهم يكرمهم.
والذي بيجيء مخلوق ليس بشيء… ويتمنن على الله؟! قام، عبد، صلّى… هو أصلُه عدم، ما كان شيء، كله من الله، وفّقه وأعطاه بعدين يقول أنا! ليس أنت بل هو.
والنبي ﷺ علّم الصحابة هذا في مواقف الجهاد، يشلّون ويفرح بشلاّتهم التي تدل على معاني التوحيد، يقول:
الله لولا الله ما اهتدينا *** ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلنْ سكينةً علينا *** وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأُلى قد بغَوا علينا *** وإن أرادوا فتنةً أبينا
فكان يفرح منهم ويشل معهم إذا وصلوا عند أبينا، يرفع صوته ﷺ يقول: أبينا أبينا أبينا، ﷺ،
الله لولا الله ما اهتدينا، وفي لفظ:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا *** ولا تصدقنا ولا صلينا
كلها منك.
قال رسول الله ﷺ لسادتنا الأنصار: قولوا أتيتَنا وحيدًا فآويناك، وأتيتَنا مخذولاً فنصرناك، قالوا: المنُّ لله ورسوله، المنُّ لله ورسوله. هذه المعاملة مع الله تبارك وتعالى، تُعاملُهُ بأنك عبد، وأنّ الفضلَ له، يرضى عنك ويجودُ عليك، ويزيدك من فضله، لا إله إلا الله…
فتطهَّرْ من الجنابة. يقول: "فلا يدخلُ تلك الحضرةَ وهو يرى له من نفسِه بقيةً، فمتى حصلَ على تلك الحضرة وحظيَ بتلك النظرة، فحينئذٍ يرى طُهورَ جنابته، وقد منَعكَ شرعاً حضرتَه الحسِّية حالَ قيام الجنابة الحسّية بك" أن تدخل المسجد أو تقوم في الصلاة ممنوع، فذلك "أولى أن يمنعَك عن الحضرة الخاصة المعنوية حال تلبُّسِك بالجنابة الخاصة" المعنوية "وأنت ترى غيره"، في الوجود ترى نفسَك معه، تشركُ نفسَك معه، وتريد الوصول إلى حضرته؟! وهو عزيز، لا يَقبل الشركة جلّ جلاله، "فأولى أن يمنعَك عن الحضرة الخاصة" المعنوية "حال تلبُّسِك بالجنابة الخاصة" المعنوية، "ففي عبارته إشارةٌ لطيفةٌ إلى أنّ حضرةَ الإحسان خاصةٌ في المقامات القُرْبية، كاختصاص المسجد في الحضَرات المكانية، فالمسجدُ حضرةُ صورة العبادة، والإحسانُ حضرةُ تجلّي المعبود"، أين هذا من هذا، "وقد حظر الشرعُ"؛ أي: منع "دخولَ هذه الحضرة مع وجود الجنابة"، ،وسُميت جنابة من البعد، لأنها تُجنِب أي تُبعد مَن "قامت به عن حضرة القرْب، ومستوى الاستقامة إلى البعد، تحت كثيفِ غطاءِ الشهوة على جميع الجوارح، "فالغسلُ حياتُها وردُّها إلى مواطن اقبالها" فيَعمُّ بالماء جميعَ الجوارح لتحيا؛ لأنّ في الماء سرُّ الحياة"، (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء:30].
يقول: "فماءُ الحياة للجنابة المعنوية تجلي اسمِه الحيّ"، (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [غافر:65]، (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [البقرة:255]، كله تقديس وتنزيه، عند ذكر اسمه الحي، (الم * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ. مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ. إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [آل عمران:1-5]، لا تجد اسم الحي في الكتاب، إلا وراءه التقديس والتنزيه، ونفيُ كل ما سواه، (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران:6] فبالحيّ وتجلي اسم الحي تتطهر من جنابة الغفلة هذه، وجنابة شهود "أنا"، الأنية حقك تروح فتقول: هو.
"فماءُ الحياة للجنابة المعنوية تجلّي اسمِه الحيّ على ما أمات الحجابُ من وجود الشهود، فالماءُ أثر اسمِه الحي، تحيا به أمواتُ الصور كما تحيا الأرضُ بوابل المطر، وبوجود المؤثِّر وشهودِه يحيا المعنى القائمُ في الإنسان بصورة ذلك التجلي، وبحياة المعنى يغيبُ عن شهود كونيَّتِه وظهور أنيَّتِه"، لأن كونيتَه مندرجةٌ في عظمة المُكوّن فانتهت، وأنيتَه اضمحلت في شهود البارئ المُنشئ الموجد المُسيِّر المدبر. "وظهور أنيَّتِه"، ما عاد فيه أنا، الأنية هذه مدرسة إبليس قائمة من أول أمره على أنا (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) [الأعراف:12] واستمر على ذاك الحال ومعه ناس كثير.
"فجنابةُ الصورة الحسّية التي هي أثرٌ عن ذلك المعنى، تحيا بالماء الذي هو أثرٌ عنه أيضًا، والمعنى المذكور: هو وجودُ الحق القائم به، فبالماء تحيا الصورة من أجناب جناباتها، وبِتجلّي اسمِه الحيّ يحيا ذلك المعنى" الباطن في القلب، "وحياتُه رجوعُه إلى أصله، واجتماعُه بعد فَرقه، واتحادُه بأصله بعد فصله".
كيف تطمعُ أنْ تدخلْ لحضرته *** ولم تُطهَّر عن الأعراض والجُنُب
وكيف تطلبُ أن تدنو لوصلتِه *** وأنت في غفلة المحفوف بالحجب"
قال -رضي الله عنه-:
"ولما كانت ظلماتُ الجنابات والذنوب مانعةً عن إشراق القلوب وصادًّةً عن السلوك إلى المحبوب، وحاجبةً عن نيل المراد والمطلوب، حتى تعودَ عن إعراضك وتتوب.
قال المؤلف رضي الله عنه
"أم كيفَ يَرجو أن يفهمَ دقائقَ الأسرارِ وهو لمْ يتُبْ من هَفَواتِه؟!"
الرجاء هنا: ضد القنوط، وهو في أصلِه محمودٌ حيث اقترن بالتقوى عن المخالفات واجتنابِ المنهيات، والإتيانِ بالمأمورات وإلا… فهو أمنية، وإذا صحَّحَ التوبة.. يُـرجى أن تُفتحَ له أبوابُ العلوم، وتَظهر من أكنتها دقائقُ أسرار الغيوب، وتسري إليه الأحوالُ الوهبيات، وتُلقى عليه العلومُ الموهوبيات، ودقائقُ الحكم الغيبيات، وتتراءى له الأسرارُ الملكوتيات، والحقائقُ الجبروتيات، والشواهد المُلْكيات، قال الله جل ذكره (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282]
والتوبةُ عن الهفوات: أولُ مقامات التقوى، وله مراتب، ولكل مقامٍ رتبةٌ في التقوى، فلم يدرك دقائقَ العلوم في رقائق المقامات حتى يتوبَ عن الخطَرات فضلا عن الهفَوات الظاهرات، وبعد ذلك مقاماتٌ ورُتب.
وأركان التوبة ثلاثةٌ إذا لم يتعلق بها حقٌ للخلق، وإلا ..فأربعة.
ولكل أهل مقامٍ توبةٌ على حسب مقامه، فكلما لَطُفَ المقامُ.. لَطُفَ سرُّ التوبة، وظهَرتْ له ذنوبٌ خفيات، ولا يزال يلطفُ حتى يتوب مما يَصدر منه من سائر الأحوال والأقوال والحركات والسكنات، ومما يُعَدُّ من الطاعات، وذلك يعرفه من تحقَّق به؛ فالتوبةُ مفتاح الخيرات ،وكلُ أهل مقام يُفتحُ في توبتهم بحسب مقامهم وفهمهم عن الله .
والتوبةُ: هي الرجوعُ إلى الله، فتنفتحُ فيها دقائقُ العلوم، ولطائفُ الأسرار، ولوائحُ الأنوار؛
فالعوام: يُعطَون الفهمَ في الشرائع والأعمال
والخاصة: يُعطيهم مقامُهم في التوبة الفهمَ في الحقائق والتمكن في الأحوال،
وخاصةُ الخاصة: يعطيهم مقامُهم في توبتهم المعارفَ في لطائف الوجود والتحققِ بالوصال،
فهذا من ثمرات التوبة لأهل كل مقام في توبتهم، ووراءَ ذلك ما لم تُمكِن إذاعتُـه من مكنونات العلوم، ومَصونات الأسرار، وبواهرَ مشرقات الأنوار، ومحرقاتِ الأغيار، وأحوالٍ عالية، ومعارف سامية.
وفي ذلك أنشدُ وأقول:
دقائق أسرار مكنون العلوم وما *** تحت الكثائف من محجوبة القَدَر
مفتاحه التوبة الصدق النصوح كما *** يكون مفتاح فلق الحب بالمطر
فإذا علمتَ استحالةَ اجتماع الضدين، وهو الظلمة والنور ،فاعلم أن العبد ذاتا ووصفا وفعلا دون الله عدمٌ محض، وهو المشار إليه بالظلمة، ورؤيته لذاته دون مُوجده… هو البعد الذي أشار إليه بالجنابة، وهو أيضا الجهلُ، ولقرب هذه المعاني جمعَ المؤلفُ شملَهن ونظم سلكهن في سلك لفظه بالتواتر."
رضي الله تعالى عنه.
يقول "أم كيفَ يَرجو أن يفهمَ دقائقَ الأسرارِ" في معاني القرب من الغفار، وحِكَمَ التصوير والتدبير في الأطوار، "وهو لمْ يتُبْ من هَفَواتِه؟!" وزلاته، ويتنقّى من معايبه؟! وإنما الأسرارُ لمَن صفّى السرائر
ألذ العيش كله مع أرباب البصائر *** ولا الأسرار إلا لمن صفّى السرائر
لذا يقول سيدنا الإمام العيدروس العدني:
أرى طرقَ الحقيقة قليلاً سالكيها *** وأضحى كل جاهل بلا شيء يدّعيها
بلا علمٍ وعملٍ مَحال أن يرتقيها *** حمتها الأسد من دونها العسر الشواجر
فيا أهل التلابيس *** فلا يغويكم إبليس
عن التقوى مفاليس
ومن خالف مقالُه فعالَـه فهو خاسر *** سألتُ الله يغفر ذنوبي خير غافر
يقول: "كيف يرجو، الرجاء هنا: ضد القنوط، وهو في أصلِه محمودٌ، حيث اقترن بالتقوى عن المخالفات واجتناب المنهيات"، وإن كان يدّعي الرجاء وهو يرتكب الذنوب عمداً ويتركُ الواجبات، ويقول عندي رجاء! نقول عندك أماني، أماني ولعب، ما عندك رجاء.. وإذا واحد غرس البَذر في الأرض وسقاه، وقال عندي رجاء أن يطلع الزرع، نقول: صدقت، واحد لا غرس ولا بذر وقال عندي رجاء يأتيني زرع كثير، من أين؟ قال: رجاء فقط ؟!، هذا أماني، هذا لعب، ليس رجاء، الرجاء ابذر واغرس واسق واحرث وارجُ بعد ذلك.
وهكذا فإن أماني المغفرة لعبت بأقوامٍ حتى خرجوا من الدنيا مفاليس. يقول: وإلا إذا لم يكن مع التقوى "واجتناب المنهيات والإتيان المأمورات فهو أمنية"، أماني كاذبة وليست برجاء، "وإذا صحَّح التوبة.. يُـرجى أن تُفتحَ له أبوابُ العلوم، وتَظهر من أكنتها دقائقُ أسرار الغيوب، وتسري إليه الأحوالُ الوهبيات"، مَنْ صحت توبته "وتُلقى عليه العلومُ المَوهبيات"، والوهبيات "ودقائقُ الحِكَم الغيبيات، وتَتراءى له الأسرارُ المَلَكوتيات"؛ المعنويات "والحقائقُ الجبروتيات"، وهو طور أعلى من عالم الغيب، يظهر فيه شؤون صفات الجبار جل جلاله وتعالى في علاه، و يقابل الجبروت في عالم الغيب، الرحموت ،"والشواهدُ الملكيات"، مقابل الملكوتيات، وهي الحسيّات، قال جل ذكره: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282].
والتوبة عن الهفوات": كيف؟
"أولُ مقامات التقوى"، التوبة عن الهفوات أول مقامات التقوى، مقام التقوى "له مراتب، ولكل مقام رتبةٌ في التقوى، فلم يدرك دقائقَ العلوم في رقائق المقامات حتى يتوب عن الخَطَرات، فضلاً عن الهفوات الظاهرات، وبعد ذلك مقاماتٌ ورتب"، إيش الكلام؟ قال: "وأركان التوبة ثلاثةٌ إذا لم يتعلق بها حقٌ للخلق، وإلا ..فأربعة".
الثلاثة:
وهذه التوبة قال بالنسبة لأهل كل مقام على قدر مقامهم، وفي كلُّها: ندمٌ وإقلاع وعزم ألا يعود ،وإن تعلقت بحق الغير لابد من براءة الذمة، في كلها.
ولهذا قال: "ولكل أهل مقام توبة على حسب مقامه، فكلما لَطُفَ المقامُ.. لَطُفَ سرُّ التوبة، وظهَرتْ له ذنوبٌ خفيات"، ما كانت تخطر على باله، وما كان يعدها ذنوب، صارت معروفةً مكشوفة، "ولا يزال يلطفُ" ويلطف ويتوب، وتلطف توبته ويتوب، وتلطف ويتوب، حتى يصير يتوب من كله، من كلّه، من سمعه وبصره وعينه ويده ورجله وقوله وفعله، من كل شيء يتوب إلى الله. لهذا يعلمنا بعض أهل القرب، يقول: أستغفر الله من جميع السيئات، تُبنا إلى الله من الذنوب ومن العيوب والتبعات، تبنا إلى الله من الكلام والحركات والسكنات… من كل شيء، يتوب من كل شيء. لا إله إلا الله…
يقول: "حتى يتوب مما يَصدرُ منه من سائر الأحوال والأقوال، والحركات، والسكنات"؛ أي: كل ما يعلَق بها من شهودِها، أو الانقطاع بها، أو الانحجاب عما فوقها، يتوب ويتوب ويتوب… من هذا تعلم مقامات التوبة للمقربين والعارفين والصالحين، كيف يتوبون، وتعلم أن سيدَ التوابين محمدٌ ﷺ.
بعد ذلك يقول "التوبةُ مفتاح الخيرات" فإذا سمعت قوله الحق (لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ) تعلم أنه ألطفُ جميع التوبات، بعده أهلُ القرب منه (وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) يقول: (إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) بعدين: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) [التوبة:117-118]، اللهم تب علينا توبة نصوحًا.
قال" فالتوبة مفتاح الخيرات، وكلُّ أهل مقام يُفتح في توبتهم بحسب مقامهم وفهمهم عن الله"؛ الرجوع لله تعالى "فتنفتحُ فيها دقائقُ العلوم، ولطائفُ الأسرار، ولوائحُ الأنوار"، أيش هذه الأنوار والدقائق العلمية التي تنفتح بالتوبة؟
قال: "العوام" بسبب صدق التوبة، "يُعطَون الفهمَ في الشرائع والأعمال"، تنفتح لهم حكمُ التشريعات ولطائف الأوامر والنواهي، ويعرفون منها أنوار عجيبة، بصدق توبتهم؛ هؤلاء العوام.
"والخاصة:" فوقهم "التوبة تعطيهم الفهمَ في الحقائق"، تجاوزوا الفهم بلطائف التشريع، وأسرار الأمر والنهي، صاروا الآن في الحقائق، يعطيهم فهم في الحقائق "والتمكُّن في الأحوال"، من محبة وشوق ورضا… وأمثالِها من الأحوال.
"وخاصةُ الخاصة:" توباتهم في تلك المقامات عندهم "يعطيهم المعارفَ في لطائف الوجود والتحققِ بالوصال"،
أحيا ولكن حياتي عند ذكر الوصال *** ………………..
لا إله إلا الله.
قال: "فهذا من ثمرات التوبة لأهل كل مقام في توبتهم"، يقول الشيخ: "ووراءَ ذلك ما لم تُمكِن إذاعتُـه من مكنونات العلوم"، تُب بصدق، إنك رجال إلحق وتعرف "مصونات الأسرار وبواهر مشرقات الأنوار، ومحرقات الأغيار"؛ وهي الظلمات الغيرية، ظلمات الغير، "وأحوالٍ عالية، ومعارف سامية".
وفي ذلك أنشدُ وأقول:
دقائق أسرار مكنون العلوم وما *** تحت الكثائف من محجوبة القَدَر
مفتاحه التوبة الصدق النصوح كما *** يكون مفتاح فلق الحب بالمطر"
يقول كما ينفلق الحب بالمطر، كذلك تنفلق حبوبُ ما زُرع في أرض قلبك، بهذه التوبة الصادقة.
والتوبة الخلصاء أول خطوةٍ *** للسالكين إلى الحماءِ الأمنعِ
ثم أشار الإمام الحداد إلى توبة الخواص ويقول: إن استواء السر والعلانية أولُّ قدم يضعه السائر إلى الله في طريق المعرفة الخاصة؛ استواء السريرة والعلانية، قال أول قدم يضعه السائر إلى الله في طريق المعرفة الخاصة، أما عموم السير فأول قدم: التوبة.
قال الإمام العيدروس: وجميعُ المقامات في اليقين مبنيةّ على التوبة، فمَن لا توبةَ له لا مقام له، وهي تثمر حالَ المحبة وجميع الأحوال الشريفة في المعارف والقرب من الحق، وحقائقُ اليقين تَبتني على المحبة، فمن لا محبةَ له لا حال له، فلا يمكن يصح مقام لمن لاتوبةَ له، ولا يصح دعوى حال لمَن لا محبة له.
قال الإمام الغزالي: والمحبة رتبةٌ شريفة ومقام عظيم، كلُّ ماقبله وسيلةٌ اليه، وكلُّ مابعده نتيجةٌ عنه.
فالمحبة المحبة، (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54] (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ) [البقرة:165]، تعلم المحبة، باقي معك 12 يوم وتكمل هذه الدورة، فالذي أحبّ أحب، والذي قرَب قَرَب، والذي قُرّب قرب، والذي اُصطفي اصطفي، والذي أُدني أُدني، والذي أُعطي أعطي، والذي مُنح منح، والذي نودي نودي، والذي أُسعِد أسعد، والله لا يجعل فينا محروم ولا يجعل فينا مطرود، ولا يجعل فينا شقي، ولا يجعل فينا مُن يـُحال بينه وبين العطاء الوافي، والخير الضافي في الظاهر والخافي يا الله، يا شافي يا معافي تُب علينا، تُب علينا، تُب علينا توبةً نصوحًا، زكِّنا بها قلبًا وجسمًا وعقلاً وروحًا، يا أرحم الراحمين.
فلا أقل أن تخرج من الدورة بتحقق التوبة للعامة وتدرك بها أسرارَ المعاملة، أسرار الأحكام الربانية، وتروح وأنت معظّم لشرع ربك عامل به، ترى فيه الحكمةَ واللطف والسر والعناية، وأن الخير كله فيه، وكلُ قوانين آل الشرق والغرب أولاً وآخرًا تخالف منهج الرب فهي باطلٌ وضلال وزيغ وظلمة، لا تؤدي إلى خير ولا إلى نعيم ولا إلى سعادة لا ظاهرة ولا باطنة، لا في الدنيا ولا في الآخرة، هذا أمر يقين، وهذا من أول مراتب الإيمان لمن يصح إيمانه بالله تبارك وتعالى، فالله يكرمنا وإياكم بذلك ويكرمنا بما فوق ذلك، مما هو أهله، ويوصل الكثير منا إلى أعلى المراتب بأجزل المواهب، وشريف وهب الواهب، بواسطة أطيب الأطايب وأحب الأحباب، الساري إلى حضرة (قَابَ)، مَن لم يكن مقامه الأسنى إلا تحت أسرار أستار حقائق معاني (أَوْ أَدْنَىٰ).
اللهم اسقنا من كأسه الأهنى، وتولّنا به في الحس والمعنى ،ولا تقطعنا عنه بجاهه عليك ومنزلته لدي، لا تُخلّف وجه من والانا فيك، ولا من أحبنا فيك، ولا من حضر مجامعنا من أجلك، عن حوضه المورود وعن مرافقته في جنات الخلود يا بر يا ودود، يا خير واهب، يا مولى المواهب، يا رب الأرباب يا مسبّب الأسباب، يا سميع يا قريب يا عظيم يا مجيب، يا حي يا حي يا حي يا قيوم أحيي قلوبنا بأنوار معرفتك، أثبتنا في أهل الصدق معك في جميع شؤوننا ظاهرًا وباطنًا، والحمد لله رب العالمين.
… يرفعنا بهم إلى عليّ المقامات، ويثبّتنا أكمل الثبات ويقينا شر النفس والهوى وشر الشيطان والدنيا، ويتولانا بما هو أهله في الحياة وفي الممات وفي المحيا وينظمنا في سلك من أحيا قلوبهم بأنوار معرفته وأنوار محبته، حققنا بحقائق التوبة في جميع الأحوال، في جميع المقامات، في جميع الأطوار حتى تصدق توبتنا إليه من نفوسنا، وتصدق توبتنا إليه من عيوبنا كلها، وتصدق توبتنا إليه من شهودنا لشيء سواه، ونصدق معه في الإقبال مع كمال القبول، ونترقى مراقي شهوده الأسنى، ونشرب من كأس حبيبه الأهنى، ويتولانا به في الحس والمعنى، يختم لنا أجمعين بأكمل الحسنى ويصلح شؤون أمة الحبيب في المشارق والمغارب، ويأذن بكشف هذه الكربات، وجلاء هذه الظلمات، ودفع هذه النقم، وصلاح ما خصّ وما عم، وأن يحوّل الأحوال إلى أحسنها، ويتدارك الأمة بغياث عاجل ولطف شامل، ويقبل حجاج بيته وزائري نبيّه، ويبارك لنا في ختام هذه الدورة وفي بقية لياليها وأيامها، ويجعل لنا فيها نظرة ونظرة ونظرة، وسرايات تسري إلى العالم والكون كله، مع اللطف والعفو والعافية، وتحمل الابتلاءات والامتحانات والاختبارات عنا، ويختم لنا بأكمل الحسنى، وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.
19 ذو القِعدة 1440