الحِكَم العطائية -10 | كيف يشرق قلبٌ وصور الأكوان منطبِعةٌ في مرآته؟!

شرح الحكم  لباراس -10- كيف يشرق قلب وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟!
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.

عصر الجمعة 16 ذي القعدة 1440هـ.

الحكمة (13):  كيف يُشرِق قلبٌ وصور الأكوان منطبِعةٌ في مرآته؟! أم كيف يرحل إلى الله وهو مُكبَّلٌ بشهواته؟! أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهّر من جنابة غفلاته؟! أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يَتُب من هفواته؟!

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، رضي الله عنكم، من كتاب شرح الحِكم العطائية، إلى قال:

"فلما كان القلب لا يصفو بدون ماذكر من العزلة عن مكدرات القلوب، وموبقات الذنوب، قال: كالمتعجب من حال من يطلب أن تشرق القلوب وهي متلبسة بقبائح العادات، ومشؤمات العيوب، قال رضي الله عنه:

 

الحكمة (13): "كيف يشرق قلبٌ وصور الأكوان منطبعةٌ في مرآته؟"

 

"إذا علمت استحالة اجتماع الضدين، والإشراق هو وجود الحق، والأكوان ظلمة، إذا اعتبرت وجودها من حيث هي، والنور والظلمة ضدان لا يجتمعان في آن واحد، ولكن لم يكن وجود أحدهما مانع من ورود الآخر عليه في ثاني الحال، وإنما العجب ممن يظن أحدهما وسيلة لوجود ضده، ولكن الله ببالغ حكمته وسوابق إرادته جعل لكل مقصد وسيلة ولكل عملٍ صناعةً وحيلة.

 وهذه المقامات سردها المؤلف في هذه المقالات لقرب تناسبها، وإلا فإذا نظرت بدقيق الفهم رأيت لكل مقامٍ منها عمل ومقالا، فجعله الإشراق للقلوب لأنها محتِد النور والظلمة، وهو معترك الجيشين، فكل ما قام به ظهر أثره في الجوارح، فكلما ظهرَ من الآثار الظلمانية الداعية إلى الإضلال والإغواء، فمن المادة الظلمانية واللمة الشيطانية، وكلما ظهر أثره من الشهوة الهوائية فمن المادة النفسانية، وكلما ظهرَ أثره من الأعمال السَّنِية، والأخلاق النبوية، فمن المادة الروحانية والَّلمة الملكية. 

وماكان من الأحوال العرفانية، والمقامات القُربية، فمن الواردات الربانية والتنفسات الرحمانية.

ولكل أثرٍ باب نافذ إلى القلب، وعِرقٌ متصل من القلب إلى النفس، وحركةٌ من النفس إلى القالب، ونور مشرق من الرب إلى العبد، ومن مراتب عالم الفضل ودركات عالم العدل.

وفي كل بابٍ من تلك الأبواب صورٌ شتى، وكل صورة منها حجاب على وجه القلب، كما أن كل خُلق حسن له إشراق، فجُملة مادة عالم الفضل ومادته من لمة الملك الروحاني، والجانب الرحماني، والتفضل الرباني، واللطف الإمتناني.

كما أن جملة مادة عالم العدل من اللمة الشيطانية، والدواعي الهوائية، والشهوات النفسانية، ولا يمكن اجتماع هذين الضدين.

فإن أردت ورود هذه الأنوار، وظهور تلك الأسرار؛ فعليك بتخلية القلب عن ظلمات الأغيار، وكشح غبار الأثار، وكنس الأوساخ الشهوانية والأقذار. 

ولذلك معاملة ومعالجة؛ فمن أنجح المعاملة وأوجز المعالجات عن كشفها عن القلوب بالذكر التلقيني، وهو ذكر النفي والإثبات، المعهود عند أهله، مع القيام بالوظائف الشرعية، والسلوك في جميع ما يأخذ ويذر على يد شيخ بصير بآفات النفوس، مؤيدٍ بأنوار القدوس.

وعند ما تنجلي عنه هذه الظلم، يرجى له أن تجلى له هذه الأنوار، وتبدو له هذه الأسرار، فيمحو عن مرآة قلبه بمصقلة لا إله إلا الله طوابع المكونات، ويجلوها بصافي الفكر في بدائع المصنوعات.

فعند ذلك تقابل بمرآة القلب الصقيلة العوالم العلويات، والأسرار الملكوتيات، فتبدو فيها عجائبه، وتظهر عليها غرائبه، وتمنح لديها مواهبه، وتحق بساحتها رغائبه، فيفيض آثار ذلك على ظواهر الأعمال، وزواكي الأخلاق وسوامي الأحوال."

 

الحمد لله مكرمنا بسطوع الأنوار لكل مستنير، مقبِلٍ على الحق بالصدق مقتدٍ بالبشير النذير والسراج المنير. اللهم أدم صلواتك على النور المبين الذي تنور به كل ذي نور، من جميع عبادك في البطون وفي الظهور، وعلى آله أهل الطهر وأصحابه أهل السبق في القرب والحب، وتابعيهم بإحسان من كل من سقي من ذلك الشراب الطهور، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين هم أسطعُ المرايا لإشراق النور، وعلى آلهم وصحبهم ومن أُكرم معهم بالحضور، وعلى جميع ملائكتك المقربين وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم يا بَرُّ يا شكور يا عزيز يا غفور. 

 وبعدُ، 

فيتحدث الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- عن إشراق النور في القلب، وإن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح، "فهل لذلك من علامة يا رسول الله؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله". 

  • قال جل جلاله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) [الزمر:22].
  • وقال سبحانه وتعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُـمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) [الأنعام:122].

فما هذه الأنوار التي تحدث الله عنها؟ المرتبطة بالإسلام وبالإيمان.. إنها الأنوار السواطع التي ترفع صاحبها إذا أحسن استقبالها وقام بحقها إلى المقام الرافع. إنها أنوار مدارك ومعارف، وأسرار ولطائف، يتشرف بها المؤمن ويذوق مذاقات جلَّت عن الوصف. 

فيا من أُكرمت بالتصديق بلا إله إلا الله، وهو نور أساسي لما بعده من هذه الأنوار، أحسِن القيامة بحقها، ولاحظ حقائق معانيها، واعمل على ما تقتضيه منك في ظواهرك وبواطنك، فإنك إن لازمت ذلك بتوجّه، وعكف قلبك على باب الكريم الرحمن ربه، يوشك أن يسطع لك النور الذي أشار إليه الشيخ، إلا أنه نور إلهٍ عزيز، لا يرضى أن يصاحبه في المكان -وهو القلب- شيء آخر، فما دام القلب منك معلق، مُوَلَّه، ملتفت إلى أي شيءٍ كان من جميع الكائنات، فالنور عزيز، لا يُعطى ولا يقبل الشركة، حتى تنصقل مرآة قلبك من كدورات الكائنات كلها بهيمنة سلطان الذكر، وغيبتك عن ذكرك وعن نفسك في المذكور. 

بكثرة الذكر يظهر سر ما في الغيوب. إذا استغرقك الذكر واستولى على قلبك استيلاءً منع عنه كل علاقة، وكل إرادة بل كل التفات إلى أي شيء غير الله.. (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة:5]،  (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ)[الزمر:3]، فمهما بقي شوبٌ من محبة  غيره، من التعلق بغيره، من الميل إلى غيره، من الالتفات إلى غيره، فلا يشرق هذا النور في هذا القلب الملتفت وهذا القلب المعلق بالغير، وهذا القلب المريد للسوى، ما يشرق فيه هذا النور، ولا ينجلي في مرآة قلبه نور حقيقة عظمة الحق -جل جلاله وتعالى في علاه- وحقيقة معاني إحاطته به، واطّلاعه عليه، ونظره إليه، وقُربه منه، الذي عبَّر عنه في القرآن بقوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]. 

  • فعامة المؤمنين يؤمنون بهذا إيمان تصديق وتسليم.
  • لكن خواصّهم يؤمنون به إيمان ذوق، وإيمان شهود، (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) يذوقونها  ويشهدونها.   

والفرق بين المصدق غير الذائق والمشاهد والذائق والمشاهد أبعد مما بين السماء والأرض، لا كما بين السماء والأرض، يقول لك أبعد مما بين السماء والأرض، الفرق أبعد مما بين السماء الفرق بين المصدق بها من دون ذوق ولا شهود وبين الذائق المشاهد أبعد مما بين السماء والأرض في معرفة معنى قول الله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). وفي معرفة قوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [المجادلة:7]. الإيمان بها مجرد تصديق لعموم المؤمنين، لكن الذي يؤمن بها إيمان ذوق وشهود قليل، والفرق بين هذا وذا أبعد مما بين السماء والأرض. 

فيقول لك لما كان القلب لا يصفو من دون ما ذكره من الاعتزال وعن مكدرات القلوب وموبقات الذنوب، صار يتعجب من حال من يطلب إشراق هذه القلوب بهذه الأنوار، وهي متلبسة بقبائح عادات ومشؤومات عيوب؛ يقول: "كيف يشرق قلبٌ وصور الأكوان منطبعةٌ في مرآته؟"، قلب ملتفت، معلق بغير الحق، ويريد أن يشرق نور الحق في قلبه! قل له الحق لا يقبل الشريكة، عزيز، ما يقبل الشركة، حتى تكون له وحده. وإذا كان يقولون في مثل تحصيل العلم النافع، أن العلم يقول: أعطني كلك عسى أن أعطيك بعضي! فكيف تريد العلم الأصفى الأشرف الأعلى، الذي هو ثمرة العلم هذا كله، ونتيجة العلم هذا كله، لمن حصل ثمرة ونتيجته، وهو شهود الحق، تريده وعادك معلق بغيره!.. نزِّه اللهم قلوبنا عن التعلُّق بمن دونك، واجعلنا من قومٍ تحبهم ويحبونك. 

في هذه المجالس والأيام والليالي تعلم انصقال القلب عن التعلقات بأنواع الكائنات، هيْبةً للمكون، تعظيمًا للمكون، تكبير.. كبر الله بحق، قل الله أكبر، وإذا عاد العلائق في القلب موجودة فنطقك بالله أكبر غير محقق، هذا نطق لساني، ما أنت متحقق به ذوقًا ولا شهودًا عندك الله أكبر،  وهؤلاء الذين يتحققوا بالله أكبر بالذوق والشهود، هم الذين إذا وقف الواقفون منهم على قصور بعض أهل الطغيان قال: الله أكبر اهتزت ورجفت القصور بأربابها! الله أكبر... 

قالوا خرج الإمام الحداد مرة يصلي بالناس، فلما كبَّر انشق الجدار من أمامه، من تكبيرته، قال:  الله أكبر -لا إله إلا الله- ما دام القلب معلق بغيره ما تحققت بـ الله أكبر! كيف ترضى الصغير مع الكبير؟ الحقير مع الجليل العظيم؟.. 

يقول لك: "كيف يشرق قلبٌ وصور الأكوان منطبعةٌ في مرآته؟"، ومهمة عامة الفضول من الكلام واللغو، فضلا عن البرامج المحاكة بأيد الفجار والكفار، مهمتها أن تقوي طبع الأكوان في القلب حتى يغلب عليه الران ولا يعرف الله، هذه مهمتها.. وأنت ترضى بها، تفتح لها قلبك، يغلَّف عليه غلاف بعد غلاف، ما تدرك معاني القرآن، ما تدرك حقائق الذكر، لأن قلبك مغلَّف بهذه الصور، "كيف يشرق قلبٌ وصور الأكوان منطبعةٌ في مرآته؟"، صفِّها، نقِّها، اخرجها من مرآة قلبك، يشرق فيه معنى الله أكبر، معنى لا إله إلا الله، معنى سبحان الله، معنى الحمد لله.

ولما كانت هذه المعاني هي الغالبة المنطبعة على قلوب سادتنا الصحابة قالوا كان ساداتنا الخلفاء يكثر عليهم في أحوالهم واحدة من هذه الكلمات:

  • كان سيدنا أبو بكر الصديق دائما يغلب عليه معنى التسبيح؛ سبحان الله ويخلط لا إله إلا الله، ويخلط كلامه بلا إله إلا الله، وإذا تكلم قليل يقول: لا إله إلا الله، وإذا استرسل في كم كلمة رجع يقول لا إله إلا الله، وإذا تكلم كم كلمة تكلم يقول: لا إله إلا الله، وإذا يمشي في الطريق يقول: لا إله إلا الله، إذا يجلس يقول: لا إله إلا الله، وإذا يستمع كلام واحد الثاني يتكلم وهو يلهج بلا إله إلا الله، كان غالبة عليه لا إله إلا الله، ونورها أشرق في قلبه من نور القلب الأصفى من نور القلب المصطفى ﷺ.
  • قالوا وكان سيدنا عمر بن الخطاب كلما ما تكلم كلما ما مشى وهو يقول:  الله أكبر، الله أكبر، وإذا تكلم يقول: الله أكبر، وإذا يجلس ويقوم يقول: الله أكبر!
  • وكان سيدنا عثمان بن عفان إذا تحرك يقول: سبحان الله، وإذا استرسل في الكلام يقف يقول: سبحان الله. 
  • قالوا: كان سيدنا علي بن أبي طالب إذا قام، قعد، جلس يقول: الحمد لله، إذا تكلم يقول: الحمد لله، وكلما مشى في مكان  يقول: الحمد لله. 

أحب الكلام إلى الله توزّع معانيه وحقائقه على قلوب أحب الأمة إلى الحق ورسوله -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-، فهم أهل حقيقة لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، رضي الله عنهم.

أنت تقولها لك مدة، لكن أن يشرق نورها في قلبك، تتحقق بها ذوق وشهود، هذا أمر شريف عظيم، إن طلبته بحق وإن كنت في القرن الخامس العشر الهجري.. تجِده. الذي سقى أهل قلوب القرن الأول يسقي قلوبًا في هذا القرن أيضًا إذا أقبلت، إذا صدقت، إذا توجّهت، أما علائق، علائق، علائق، علائق بغير الخالق، تأخذ فكرك، تأخذ لُبَّك، وتريد تعرفه المعرفة الخاصة، ما لك أنت؟! دقائق الصناعات ما تقدر تتقنها إلا إذا تفرّغت لها بلبَّك وعقلك كله، وجلست عند من يشرحها لك وقمت بالتركيب والتمرين، تجي عليها بعدين، وهي مادة حقيرة ما تساوي شيء، تريد المعرفة الخاصة برب العرش العظيم! ما لك مخلّط بغيره وتريد تعرفه، عيب عليك!! ما قدرت تعرف هندسة مادة صغيرة إلا بإقبال وجمعية واستحضار كامل وانقطاع في تلك الساعة وأنت فيها حتى لو يكلمك ولدك ما تسمع حد ما تدري بأحد، مشغول من أجل تتقن الصناعة هذه وتتقن المهنة هذه؛ تجتمع عليها بالكلية وتريد أن تعرف الله من دون تجتمع عليه؟! كيف هذا.. ومن بيقدر معرفة الكائنات بدقائق ما فيها كله من مقدارها، بل الذي يعرف أنواع دقائق الأكوان والصناعات اللي فيها ولا يعرف الله، كأنه لا يعرف شيء أصلا؛ كأنه لا يعرف شيء عند من يعرف الله لأنه تنتهي عليه ولا تفيده؛ لكن الذي يعرف الله هو الذي يعز ويفوز. 

 يقول: "والإشراق هو وجود الحق" عندها: تعبده كأنك تراه. ويقول: ومن وجد الله فأي شيء فاته؛ ومن فاته الله فأي شيء وجد؟! أيش أدرك أيش حصل غير الله أي شي يفيده؟ -لا إله إلا الله- اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.

يقول: "والأكوان ظلمة، إذا اعتبرت وجودها من حيث هي"، فإذا صف القلب واتصل بالحق انقلبت الأكوان مرآة يتجلى فيها حقائق صفاته وظل أسماءه -سبحانه وتعالى-، معانيها.. الله! شيء ثاني تصبح صفحات تُقرأ في الأرض والسماء والهواء والفضاء والنجوم… تصبح صفحات، صفحات يطالع فيها جماله وجلاله وكماله، لمّا يصفو تصير الكون مرآة له لا تحجب ما وراءها، مثل زجاجة صافية لا تحجب ما وراءها.

وإلا فهي حجاب وظلمة ما تعرف أيش وراها مثل الجدار في عالم الحس، يحجب الذي وراه لو كان مرآة صافية ما تحجب ما وراها، والكون كله حاجب للقلوب المحجوبة غير المصفاة، والقلوب التي وصلت إلى الله يتحول الكون إلى مرآة فيها معاني أسمائه وصفاته، وعظمته، وجلاله، وجماله، وكماله، قال سبحانه وتعالى: (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[الانعام:75]. غيبها؛ السر المودوع فيها؛ سر الخالقية، سر الإلهية، سر الربوبية، سر القدرة، سر الإرادة، سر التدبير، سر التصوير، سر البصر، سر السمع، سر الحكمة، أسرار كثيرة، في كل ذرات الوجود، ما لنا محجبين عنها.. ولكن حجبنا بالأماني، حُجبنا بالتفاتات القلوب لغير الرب، ما أقبلنا بالكلية عليه، ما حضرنا معه، ذِكرنا وهو قليل أصلًا وعادنا نستثقله، ساعة نريد نفر منه، ساعة ما نقرأ بحضور قلب، متى بتجتمع  على الرب؟.. 

يقول: "والنور والظلمة ضدان لا يجتمعان في آن واحد، ولكن لم يكن وجود أحدهما مانع من ورود الآخر عليه في ثاني الحال"، يتبدل هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا كما سيأتي بعض التفصيل. "وإنما العجب ممن يظن أحدهما وسيلة لوجود ضده، ولكن الله ببالغ حكمته وسوابق إرادته جعل لكل مقصد وسيلة ولكل عمل صناعة وحيلة".

يقول: "وهذه المقامات سردها المؤلف في هذه المقالات"؛ لقرب تناسبها؛ إشراق نور القلب، بعدين الرحلة إلى -الله تبارك وتعالى-، بعدين الدخول في حضرة -الله تبارك وتعالى-، بعدين فهم دقائق الأسرار.. قال: هذه المقامات جمعها الشيخ في المقالة هذه، وهي مقامات متعددة متنوعة لكن قرب تناسبها؛ وإلا لكل مقام منها عمل ومقال وحال، فابتدأ بالإشراق للقلوب لماذا؟ "لأنها محتد"؛ معنى محتد: أصل؛ المحتد الأصل أصل "النور والظلمة" القلوب؛ النور والظلمة في القلوب. ما يحصل بعدين في القيامة من نور وظلمة إلا على حسب ما كان في قلبك. (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا) [التحريم:8]. 

(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ)؛ كما رجعوا ورائهم في الدنيا ملتفتين إلى الفانيات وإلى إيثار الخسائس، وكان بينهم وبين هؤلاء الصالحين سور من إعراضهم وبُعدهم.  فكذلك يقول: (قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ)؛ من حيث الأجسام يشنا في زمان واحد وبلدان واحدة نعم، لكن الوجهات اختلفت، النيات اختلفت، حضور القلب اختلف، ولكن: (فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ)؛ كنا نعيش في زمان واحد في بلاد واحدة، (وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) وانتهت الفرصة عليكم؛ (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، قال الله بعد هذه الآيات الواضحة والخطاب البين: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)، يناديك بالليل والنهار، وبكل الكائنات، وينوّع لك النداء ويجلِسك في المجالس، ويسمِعك القرآن، ويسمِعك السُّنة، ويسمِعك تبيين المعاني على لسان هذا وهذا… ما تخشع؟ ما تدرك؟ ما تفيق؟ ما تنيب؟ ما تقوم من النوم؟ ما تستيقظ من الغفلة؟!.. (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)! 

وكان سماع هذه الآية سبب توبة الفضيل بن عياض، كان قبل أن تظهر عليه ولاية الله وقربه من الله، كان مبتلى بقطع الطريق، وكان يجلس في بعض الأماكن يمرّون فيها المسافرين، وليلة شاف بعض الأماكن يتسوّر فيها ليسرق شيء في المكان، وهو طالع في السور سمع القارئ يقرأ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)، وقف محلّه، بلى آن، بلى آن، وسقط ساجد على الأرض منيب تائب. وسمع قافلة مقبلين يقولون: لا تمروا هنا يكون الفضيل، قال: ويح الفضيل أخاف طريق المسلمين، مروا يرحمكم الله قد تاب الفضيل إلى الله.. رجع أقبل على الله. والآن: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاۚ) [الحديد:13-17] أحيي قلوبنا بعد موتها يا الله، نوّرها بعد ظلمتها يا الله. 

قال: "محتد النور والظلمة"؛ القلب "معترك الجيشين" القلب.. "فكلما قام به ظهر أثره في الجوارح، فكلما ظهرَ من الآثار الظلمانية الداعية إلى الإضلال" والإغواء "فمن المادة الظلمانية واللمة الشيطانية"، القلب لمة من الملك ولمة من الشيطان، "وكل ما ظهر أثره من الشهوة الهوائية فمن المادة النفسانية".

  • (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) [يوسف:53].
  • (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ)[النازعات:40].

"وكل ما ظهر" أثره "من الأعمال السنية، والأخلاق النبوية، فمن المادة الروحانية واللمة الملكية. ما كان من الأحوال العرفانية، والمقامات القربية، فمن الواردات الربانية والتنفسات الرحمانية"؛ التي يتوفر منها كثير في اليمن، بشهادة قوله ﷺ بالحديث: "إني أجد نَفَس الرحمن من قبل اليمن"؛ يعني أنه من الأماكن التي يتوفر فيها عطاء الله، لتجلّيه للقلوب بالتعرف إليها لتعرفه. الله لا يحرمنا هذا النصيب، لنا ولمن وَرَد ممن جاء، يجعل الله لنا ولهم نصيب من هذا التنفس من الرحمن من النفس الرحماني، "إني لأجد نَفَس الرحمن من قبل اليمن". 

"ولكل أثر باب نافذ إلى القلب، وعرق متصل من القلب إلى النفس، وحركة من النفس إلى القالب" إلى الجسد هذا وأعمالك وأقوالك ونظراتك وما يجري من أعضائك، "ونور مشرق من الرب إلى العبد، ومن مراتب عالم الفضل ودركات عالم العدل". 

  • مراتب "عالم الفضل" بما يتفضل الله على عباده بإحسانه وامتنانه.
  • "وعالم العدل" ما يقضي به بالعدل من طردٍ وبعدٍ وحجابٍ وغضبٍ أعوذ بالله من غضب الله. 

 يثيب من أطاعه بفضله ومن  يشاء عقابه بعدله، سبحانه. 

"وفي كل بابٍ من تلك الأبواب صور شتى، وكل صورة منها حجاب على وجه القلب، كما أن كل خُلق حسن له إشراق، فجملة مادة عالم الفضل ومادته من لمة الملك الروحاني، والجانب الرحماني، والتفضل الرباني، واللطف الإمتناني"؛ فإذا أصغيت إلى لمَّة الملك، الذي أمرك بالحضور مع الله، ويأمرك بالخشية من الله، يُؤنبك على إساءتك مع الرحمن وتفريطك في جنبه.. إذا أصغيت إليه واستمعت إليه، ينقلك الملك إلى ملك ثاني، يلقي عليك معنى يرفعك إذا أصغيت يعطيك ملك ثالث، وتتداولك يد الملائكة الروحانيين تمشي معهم، فإذا غفلت عن الله وأصغيت إلى لمَّة الشيطان، وسوسته عليك وسمعته، وقعت في يده.. يسلمك لشيطان ثاني يزيدك وسواس، ويسلمك لوسواس ثالث وهكذا.. حتى تذكر الله بقلب حاضر يخنس الشيطان؛ يخنس إذا ذُكِر الله يمسكك الملك، فإذا غفلت وملت إلى جانب الشيطان؛ (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا) [الزخرف:36]، بالغفلة عن ذكر الله يتسلط الشيطان عليك، فيتركك المَلَك، فإذا رجعت إلى ذكر الله التقمَك المَلَك… فاختبرنا الله تعالى؛ جعل لنا ملائكة وشياطين يتناوبون على قلوبنا.. 

  • كلما ذكرنا أخذتنا الملائكة.
  • كلما غفلنا عنه أخذتنا الشياطين 

وحسب ما تسترسل معهم بعدين تمشي مع ذا أم مع ذا، يغلب هذا أو هذا؟ لا إله إلا الله. 

 "كما أن جملة مادة عالم العدل من اللمَّة الشيطانية، والدواعي الهوائية، والشهوات النفسانية، ولا يمكن اجتماع هذين الضدين". قال تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ)؛ يعني: ما يجتمع معًا؛ ذكر الله ولمَّة الشيطان وسطه.. ما تجي؛ إما هذا أو هذا؛ إما ذكر حقيقي أو وسوسة. (وَمَن يَعْشُ)؛ يعني: يغفل (عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا)، أما الذاكر لا، ما يجتمعون فلهذا يقول: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ) [المجادلة:19]؛ لمّا أنساهم ذكر الله. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. 

فإن بغيت تولعوا بالذكر.. نشوف بعض مجالس الذكر ويهربون منها، ويروحون هنا أو هنا، أو حتى يجلس بعيد وكأنه إما متكاسل أو كالمعرض، أين المزاحمة؟ أين القرب؟ أين الرغبة؟ أين النشاط؟ أين الإقبال بالكلية؟.. يدوّر له  متكأ وهو لا شيبة ولا مريض!.. وهو وقت إقبال ووقت توجُّه ووقت حضور.. أين المثابرة؟ أين النشاط؟ أين الإقبال؟ أين الرغبة؟… 

وزاحم للفضائل بالركب وقربًا *** ولا تضيع فقد ضيعت كم من زمن

 

 تغانم العمر من قبل الحنط والكفن

 لا إله إلا الله.  

يقول: "فإن أردت ورود هذه الأنوار، وظهور تلك الأسرار؛ فعليك بتخلية القلب عن ظلمات الأغيار، وكشح غبار الآثار، وكنس الأوساخ الشهوانية والأقذار"، ما عاد تبقى الصور التافهة الساقطة معلقة بقلبك؛ "ولذلك معاملة ومعالجة؛ فمن أنجح المعاملة وأوجز المعالجات عن كشفها عن القلوب بالذكر التلقيني"، ما هو؟ "ذكر النفي والإثبات"؛ لا إله إلا الله.. "المعهود عند أهله" فيتلقنه عن أحد الشيوخ الراسخين ليكون بذرة في قلبه، تعينه على أن يستشف أنوار وإشراقات التحقق بـ "لا إله إلا الله"، والحضور مع الله -تبارك وتعالى-، فيستمر بالذكر بعد أن يتلقنه كما تلقنه الصحابة من فم محمد ﷺ، كان يقول لهم: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، وكانوا على يده الكريمة يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويسمعونه من فمه الكريم و يقرؤونه بعده، فينقدح في قلوبهم بذور من نطقه بذلك الذكر، فتبذر لهم استيلاء الأنوار على قلوبهم. لا إله إلا الله.. 

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل أنه ﷺ كان مع جماعة من أصحابه، قال: بينكم غيركم؟ يعني أحد من الموسومين بالنفاق ومن أهل الشرك واليهود، قالوا: لا؛ كلهم مؤمنين، فأمرَ أن يُغلق الباب، أمرهم أن يرفعوا أيديهم ولقّنهم: لا إله إلا الله، ثلاث مرات ثم قال: إن الله قد غفر لكم. فهذه البذور في القلوب، إذا حافظ عليها من بُذرت في قلوبه أثمرت، وإلا كالبذرة التي لا تُسقى ولا تُعاهد تموت والعياذ بالله، إذا كان أرضية القلب التي غُرست فيه أرضية ما تقبل الإنبات مكدرة بالذنوب والمعاصي ولم ينتبه منها صاحبها، مثل البذرة توضع في أرض من القيعان التي لا تنبِت ولا تمسك الماء. لا إله إلا الله..

وإذا كان القلب مسترسل في المعاصي والذنوب، فالبذرة فيه تفسد، ما تنبت، وإذا صاحبه على أوبة وتوبة وإنابة وتعاهد لسقي البذرة نبتت، فشجرة "لا اله الا الله؟ أيش تنبت؟ تنبت أعجب المعاني، "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله". (فَاعْلَمْ) يقول له الرحمن ربه، وهو أعلم الخلق بالمعاني كلها هذه، يقول له:  (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ)، ومن أجل تتهيأ قلوب المؤمنين لهذا؛ قال له: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)؛ فساعدنا الحق تعالى باستغفار رسوله لنا من أجل تتهيأ قلوبنا وتقبل هذه البذرة. (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [محمد:19].

يقول: "مع القيام بالوظائف الشرعية، والسلوك في جميع ما يأخذ ويذر على يد شيخ بصير بآفات النفوس"، هذه أقرب الطرق في المعاملة والمعالجة لظهور هذه الأنوار. "والسلوك في جميع ما يأخذ ويذر على يد شيخ بصير بآفات النفوس، مؤيدٍ بأنوار القدوس".

"وعندما تنجلي عنه هذه الظلم، يرجى له أن تجلى له هذه الأنوار"، ترجى له هذه الآثار؛ "فيمحو عن مرآة قلبه بمصقلة: لا إله إلا الله"، أيش يمحو؟ يمحو "طوابع المكونات"، يبعد هذا الطابع الذي انطبع في قلبي من صور الكائنات، يصقل يصقل يصقل يصفيها، "ويجلوها بصافي الفكر في بدائع المصنوعات، فعند ذلك تقابل مرآة القلب الصقيلة العوالم العلويات"، والمرآة إذا قابلت الصورة وليس فيها كدورة ولا حاجب، ظهرت فيها؛ ظهرت في المرآة حتى ينظر الناظر إليها ويظن أن نفس الصورة موجودة، وهي إنما صورة ما هي حقيقة، لكن يظن كأنها هي، ويمكن يظن أن الإنسان وسط المرآة، ما يدخل إنسان وسط المرآة الصورة تنطبع في المرآة، ولكن بعدين تحاكيها تماما تحاكي الصورة وتحاكي الحركة وهي وسط المرآة.

كما تشاهد النجوم في صفحة الماء، النجوم نزلت..  النجوم ما نزلت لكن الماء عندما صفا ترجم عن النجوم بترجمة صحيحة، فلما انصقل الماء وصفا ارتسمت فيه صورة النجوم، النجوم محلها فوق لكن تشوفها تمام، كما تراها مباشرة تراها في الماء، وكذلك حقائق علوية علوية، ليس محلها؛ لكن تراها في صفحات القلب عندك. 

قال البوصيري في ذكر صفات النبي محمد:

 إنما مثلوا صفاتك للناس *** كما مثل النجوم الماءُ

كما مثل النجوم تشوفها تحت وفين فوق، وكذلك قال كل ما مدحوك وأثنوا عليك يمثلون صفاتك بهذا التمثيل، مثل الماء لما يمثل النجوم وأين محل النجوم من محل الماء؟! لكن هذا الذي يقدرون عليه الخلق، من أين نجيب واحد مثلك يصفك وما حد مثلك، لا أحد مثلك في البرية حتى يصفك، ولكن مثل هذا؛ كما مثّل النجوم الماء.

فإذا كان هذا في حق المصطفى، فما بالنا بالرحمن وثناؤنا عليه؟ ما يكون ثنانا ما يكون مدحنا ما يكون حمدنا ما يكون تهليلنا وتحميدنا!.. لكن هذا الذي يقدر عليه الخلق، واكتفى بذلك الحق منهم، وكافئهم عليه عطاء بعد عطاء، وجُود بعد جود. لا إله إلا الله. 

نعم يقول: "فتبدو فيها عجائبه"؛ عجائب العوالم العلويات وسط مرآة القلب، "وتظهر عليها غرائبه، وتمنح لديها مواهبه، وتحق بساحتها رغائبه، فيفيض آثار ذلك على ظواهر الأعمال، وزواكي الأخلاق وسوامي الأحوال."؛ أصحاب هذه القلوب السامية نظراتهم تختلف، وحركاتهم تختلف، وكلامهم يختلف، وتجلس معهم تحس نفسك مأخوذ إلى فوق.. سبحان الله! 

الله، لا إله إلا الله.

 

قال -رضي الله عنه-:

"وبسط ما تضمنته عبارته، وأومت إليه إشارته، واسع الأنحاء غزير المعنى ، فلنقتصر على ما يفهم ما أشار إليه. فإشراق القلوب شموس المعارف؛ وبدور اللطائف لا يجتمع مع ظلمات الكثائف الكونية. وفي ذلك أقول:

لا يشرق النور في قلب إذا طُبعت *** بصورة فيه طابع ظلمة العـدم

إلا إذا زال ليل الطبع وانبعثت *** بصحبة الذكر ثم الفكر في الحِكم

لذلك قال المؤلف -رحمه الله-:

 

أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟.."

 

يفهم من قوله هنا: "يرحل إلى الله"، أن الشهوات عوائق عن السير في منازل السلوك العلمية، وعبارته في الأولى يفهم التعثر في البقايا الظلمانية عن الأسرار القلبية، وعبارته دالة على التنصل عن القيود العادية، ومفارقة الأخلاق الأرضية والطبائع الحيوانية. 

وهذا طريق إلى المعاملة القلبية، فالإختبال بالأسباب الدنياوية؛ والمحبوبات الكونية؛ قُيِّدَ عن السير إلى الحضرة القربية، وهي معان متقاربة.

 لكن لكل شيء منها ملحظ؛ فطريق محو الظلم ما ذكرناه آنفًا من إخلاص الذكر وصفاء الفكر، وطريق ذلك في الرياضة النفسانية من باب التروك، ولا أعون عليها من التفكر في انصرام الأجل وفوات الأمل وزوال الشهوات ، وحصول المصائب والحسرات عند فراقها وندامة الفوات، فتقنعها بخوف القطيعة وننظر فيما خولته الدنيا نعيمها؛ كيف تقشعت عنه سحائب خلّبها وسراب خدعها فالرحيل إلى الله يقطع عقبات النفس، وأهبته الأخلاق السنية وطريقة اتباع الآثار النبوية، والأخذ بعزائم السنة. 

ومخاوف تلك الطريقة الشبه وقواطعها الحظوظ الدنياوية، والشهوات النفسانية، والتغريرات الشيطانية، والتزيينات الهوائية؛ وزادها التقوى، ومطيتها الهمة. وحادي تلك المطية الشوق؛ وسائقها الخوف، وزمامها العزم، وآلات رحيلها العلم، وقوتها الحكمة، ومراحلها الأنفاس، ومقصدها الحضرة، وضيافتها الجنة، وكرامتها الرؤية، وسرورها الرضوان، ومقيلها الأمان، وتحيتها السلام، وعرائسها الحور الحسان. وفي ذلك أقول:

إن القيود عن الترحال عائقةٌ *** إن شئت فارم قيود الطبع واستبق

كبول شهواتك لي فيك حاكمةٌ *** فبادرن واخرجن عما عليك بقي

فكل الأكوان عن مطلبك قاطعةٌ *** واقطع عرى الكون واترك من بذاك بقي

 

"أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله تعالى وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته!"

 

أم كيف يطمع بعد ما علم بأن حضرة الله الخاصة بأنبيائه وأوليائه وهي حضرة الإحسان، ومحل تجلي العيان، عند ذهاب صور الأكوان، وفناء الأعيان، أن لا يدخلها من لم تكمل طهارته من جنابة غفلاته.

 

اللهم طهّرنا من جنابات الغفلات. 

يقول: "إشراق القلوب شموس المعارف وبدور اللطيف، لا تجتمع مع ظلمات الكثائف الكونية"؛ فارحل عن عاداتك وارحل عن الانحباس في الأكوان، إلى فسيح فضاء العرفان، لا تحبس وتُحجز بالمصنوع عن الصانع، ولا بالمُكوَّن عن المكوِّن، ولا بالوجود عن الموجد. 

لا يشرق النور في قلب إذا طُبعت *** بصورة فيه طابع ظلمة العـدم

ألا كل شيء ما سوى الله باطلٌ…

إلا إذا زال ليل الطبع وانبعثت *** بصحبة الذكر ثم الفكر في الحِكم

 

الحمد لله نفسي قد عرفتُ لها ***  القلب مني بسر الذكر منتبها

 وغصت في الفكر بعد الذكر منغمسًا *** في بحر نور سمى سري بها وزها

وكنت عبد الهوى واليوم مالكه *** وصرت مولى الورى مذ ذقت سلسلها

 لا إله إلا الله… حتى قال في آخر كلامه: 

سُلافةٌ من رحيقٍ فائقٍ أنقٍ *** من ذاقها صار نشواناً بها وَلِهَا

هذا شراب الشيوخ والأصُول لنا *** من لدن خير الورى حتى شربتُ لها

إلا إذا ذال ليل الطبع فتخلى من ظلمات وشرور طبعه. 

وعن شرور طبعه تخلى *** ثم بنور شرعه تحلى 

وذكر اسم ربه فصلى *** مستقبلا في قبلة الإقبال

وقد انقطع عن الأكوان، فيقابله المكوِّن بجوده وما هو تعالى أهله، وهو القائل في الحديث القدسي: "من تقرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا من تقرب إليَّ ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هروله"، فلله الحمد. لذلك قال:  "أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟"؛ مقيد، فـ "الشهوات عوائق عن السير في منازل السلوك العلمية"، وذاك السابق "متعثر في البقايا الظلمانية" التي صور الأكوان منطبعة في ذاته، وهذا مكبل عن المشي معوق بسبب غلبة الشهوات عليه. 

"عبارته دالة على التنصل عن القيود العادية، ومفارقة الأخلاق الأرضية و الطبائع الحيوانية"؛ ما يخلد إلى الأرض، ولا يتبع هواه، "وهذا طريق إلى المعاملة القلبية" فمن اختبل؛ أصابه الخب، "بالأسباب الدنياوية، والمحبوبات الكونية، قُيِّدَ عن السير إلى الحضرة القربية".

"طريق محو الظلم ما ذكرناه آنفًا من إخلاص الذكر وصفاء الفكر"، (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ) [ال عمران:191]، ذكر وفكر، "إخلاص الذكر وصفاء الفكر وطريق ذلك في الرياضة النفسانية من باب التروك"؛ يترك الالتفات الكائنات، يترك كل ما لا يقربه إلى الله، "ولا أعون عليها من التفكر في انصرام الأجل وفوات الأمل وزوال الشهوات، وحصول المصائب والحسرات عند فراقها وندامة الفوات".

وأنه كم قد رحل من قبلك وندم على ما كان منه، وما فاز وظفر إلا من خالف نفسه وشهواته وهواه، (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات:37-41]. قال: "تقنعها بخوف القطيعة"؛ حتى تنزعج وتترك ما ترغب فيه لما هو أرغب وأطيب وأدوم وأعظم وأبقى، "وننظر فيما خولته الدنيا نعيمها؛ كيف تقشعت عنه سحائب خلّبها وسراب خدعها"؛ عدو في ثياب صديق هذه الدنيا.. تلبس ثياب صديق وهي عدوة خداعة تغر؛ من آثرها لعبت به. 

 إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت *** له عن عدوٍ في ثياب صديق

  وما الناس إلا هالكٌ وابن هالكٍ *** وذو نسبٍ في الهالكين عريق

 أبوك أو جدك توفي، أو أبو جدك، وأبوه هذا الذي توفي، وجد أبو جدك، وأبو جد أبوك، وجد جد أبوك… ما حد منهم، إذن أنت عريق في الموت.. كلهم موتى هؤلاء فأنت عريق في الموت والأحياء قليل.. أنت وأبوك عاده موجود يمكن وجدك، والبقية عشر وعشرين ثلاثين ومئة ملايين كلهم أموات في سلسلة نسبك كلهم أموات، فأنت عريق في الموت ما عندك أحياء إلا قليل، كلهم أموات أموات… إلى عند آدم كلهم مئات وألوف كلهم موتى؛ هذا أصلك، فأنت عريق في الموت! وأنت تتناساه وتتغافل عنه.. وأنت أصلك موت، الحياة الدنيا قليل فقط، والآن في الحياة الدنيا أنت وأبوك، بعضهم حتى أبوه كذ مات، أو عاد أنت وأبوك وجدك، بعضهم جده خلاص مات، وأبو جدك قد مات، وأبوه؟ مات.. جدّه؟ مات.. أبو جده؟ مات.. جد جده؟ مات.. أبو جد جده؟ مات.. جد جد جده؟ مات.. أبو جد جده؟ مات، مات مات مات إلى عند آدم، ألوف كلهم ماتوا في نسبك؛ باقي أنت فقط؛ أنت عريق في الموت، 

وما الناس إلا ميتٌ وابن ميّتٍ *** وذو نسبٍ في الهالكين عريق

 لا إله إلا الله..

قال: "فالرحيل إلى الله يقطع عقبات النفس وأهبته: الأخلاق السنية، وطريقه: اتباع الآثار النبوية والأخذ بعزائم السُّنة"، (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران:31]. وأيش يُخاف عليك؟ قال: "الشُّبَه"؛ تتبع الشبه وتروح وتتبع الرخص وتسقط، والقواطع: "الحظوظ الدنياوية، والشهوات النفسانية". يقول لك أيش فايدة حقك الطريق أيش بتحصّل؟ يعني قُرب الله ورضاه هذا ما هو شيء!… بتحصل لك وظيفة، بتحصل لك سيارة، بتحصل لك… بس هو هذا الذي معك؟! والعياذ بالله!.. حظوظ دنيوية يريدها مقابل نعيم الأبد والخُلد!!.. هذه ما هي مقابل ذا، هذه حقيرة بتحصلها بأي وسيلة من الحلال، ولكن لا تفوت الكبير الدائم.

"والتغريرات الشيطانية، والتزيينات الهوائية"؛ المتعلقة بهوى النفس الزاد فيها "التقوى"، (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ) [البقرة:197]. تتقي المعاصي والذنوب والآثام والغفلة. "ومطيتها" التي تركب عليها؛ المواصلات حقك: "الهِمّة" ما تناسب المعالي ضعيف لابد من همة وقوة.  "وحادي تلك المطية الشوق؛ وسائقها الخوف، وزمامها العزم". وخذ بالعزم يا صاحب العزم… "وآلات رحيلها"؛ الأدوات "العلم" 

فالسير عِلمٌ والعقول أدلّةٌ *** والرب قصدٌ والرسول إمام 

"وقوتها الحكمة، ومراحلها الأنفاس، ومقصدها الحضرة"؛ الوصول إلى الله؛ "كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". "وضيافتها الجنة"، اللهم اجعلنا من أهل الجنة. 

يشتم ويقول: إني أجد ريح الجنة دون هذا الجبل! إني أجد ريح الجنة دون أحد -رضي الله عنه- وكان كذلك، ودخلها في ذاك اليوم؛ عبدالله بن عمرو بن حرام؛ لما رماه ونفذ السهم بين ثدييه استلم الدم، قال: فزتُ ورب الكعبة! رمى الدم بيديه جنبيه، وقال: فزت ورب الكعبة، يقول: أيش فزت أنا قتلته وهو يقول فزت إيش فزت!! لما أسلم قال: والله فاز أنا كنت مغفّل جاهل هو من فاز. فزتُ ورب الكعبة.. نعم، "ضيافتها الجنة، وكرامتها الرؤية"، النظر إلى وجه الله الكريم. "وسرورها الرضوان"، "أحلُ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا". "ومقيلها الأمان، وتحيتها السلام." (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ) [الأحزاب:44]. "وعرائسها الحور الحسان."

إن القيود عن الترحال عائقةٌ *** إن شئت فارمِ قيود الطبع واستبق

كبول شهواتك لي فيك حاكمةٌ *** فبادرن واخرجن عما عليك بقي

فكل الأكوان عن مطلبك قاطعةٌ *** واقطع عرى الكون واترك من بذاك بقي

قال سيدنا الإمام الحداد: 

عزمت شاقطع كل أمرٍ أرى *** في قطعه نيل المقام الكريم

وأرفض الدنيا الغرور التي *** من حبها كان الحجاب مقيم

والنفس والشيطان أَعصيهما *** بقوة الله العلي العظيم

أولّيَ الأكوان ظهرًا ولا *** أرى سوى الله العزيز الحكيم

يا رب هب لي منك حسن اليقين *** وعصمة الصدق وقلبًا سليم

يارب هب لنا منك حسن اليقين..

وهِمةً تعلو وصبرًا جميل *** ونور توفيقٍ به أستقيم 

وحسن تأييد وعونًا يدوم *** فإنك الدائم وجودك عميم

أرجوك تعطيني الذي أبتغي *** بمحض فضلك لا بجهدي الذميم

 

نرجوك تعطينا الذي نبتغي بمحض فضلك لا بجهدنا الدميم، نرجوك تعطينا الذي نبتغي بمحض فضلك لا بجهدنا الذميم، يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين. 

 

تاريخ النشر الهجري

17 ذو القِعدة 1440

تاريخ النشر الميلادي

20 يوليو 2019

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام