تفسير سورة الحج -13- من قوله تعالى { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا..} الآية 46 إلى 51
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:
{ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)}
الإثنين 25 شوال 1447هـ
من أبرز ما جاء في الدرس:
-
بيان أن العمى الحقيقي هو عمى القلوب لا عمى الأبصار.
-
التفريق بين السمع والبصر الظاهرين وبين سمع القلب وبصيرته.
-
الاعتبار بآثار الأمم الماضية وأخبار الهالكين.
-
حال المكذبين الذين يستعجلون العذاب جهلًا وغفلة.
-
أن وعد الله لا يتخلف، وأن الإمهال ليس إهمالًا.
-
تحذير من الذين يسعون في آيات الله تكذيبًا وصدًّا ومعاندة.
-
اغتنام العمر في زيادة الإيمان والعمل الصالح والفوز بعواقب الخير.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرمنا بالوحي وتنزيل القرآن الكريم، وبيانه على لسان حبيبه المصطفى الهادي إلى الصراط المستقيم، الرؤوف الرحيم سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آله وصحبه أزكى الصلاة والتسليم، وعلى من والاه واتبع منهجه القويم، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتبجيل والتعظيم، وعلى آلهم وصحبهم وتابعي سبيلهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمته إنَّه يا أرحم الراحمين.
أمَّا بعد؛
فإننا في نعمة تأمُّلنا لكلام ربنا -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، مررنا في سورة الحج على قوله جل جلاله: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)) نوَّر اللَّهُ بَصَائِرَنَا وَأَبْصَارَنَا، وَجَعَلَ لَنَا قُلُوبًا نَعْقِل بِهَا، وَآذَانًا نَسْمَعْ بِهَا، إِنَّهُ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ.
وذلكم أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل في حكمة خلق السمع الظاهر والبصر الظاهر مجالًا وعلامات وإشارات إلى ما يَبطُن من معنى السمع والبصر، وذلك ما يكون من عقل وفقه القلب، وإدراكه ورؤيته وسمعه، وأن الأسماع والأبصار الظاهرة كمثل شكل القلوب الظاهرة التي هي موجودة عند الإنسان والحيوان، موجودة بين رئتي هذا الإنسان، لا اعتبار لها في حقائق السعادة الكبرى، بل ولا في إدراك الحقيقة كذلك:
- وبذلك يكون حال من عَطَّل سمع قلبه وعقله فكأنه لا يسمع شيئًا؛ فلهم آذان لا يسمعون بها،
- وكذلك من عَطَّل بصر قلبه فما يفيده بصر الجسد الظاهر، فكأنّ له أعيُن لا يبصر بها.
أي ما يُهيأ له هذا الإنسان ومثله الجان من مدارك بواسطة أسماع القلوب وأبصار القلوب هو الشأن العظيم الذي يترتب عليه الفوز والسعادة، فإذا تعطّل وتبطّل فلم يُفِده هذا البصر الظاهر ولا هذا السمع الظاهر، وعنه يقال: له عين لا يبصر بها، له أذن لا يسمع بها.
كما قال تبارك وتعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الأعراف:179] كالأنعام في أنّ لهم أسماعًا حسية وأبصارًا حسية، بل هم أضل! لأن الأنعام مع عدم تهيّؤها للمعرفة الخاصة عندها المعرفة العامة، تُسبِّح بحمد ربها وتقرُّ بوجوده، وهؤلاء ما وجدوا ذلك بل هم أضل من الأنعام -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
يقول: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) والأرض مملوءة بآيات الله وبآثار الذين مضوا من قبل، مِن عهد آدم وحده إلى الأجيال والقرون التي مرّت وهي كثيرة كثيرة جدًا، فالأرض ملآنة بالعبر؛ بآثارهم وقصصهم وأخبارهم وما كانوا عليه.
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا)؟ لا مجرد خبر كان فلان، وكانت الجماعة الفلانية، وكان الملك الفلاني، وكان السلطان الفلاني، وكان الوزير الفلاني، مضوا وعملوا وراحوا!
هذه الأخبار لها معانٍ تُفقَه بالقلوب، تدلّ على عظمة الخالق وحكمته، وعلى النهاية الحتمية التي لا يُمكن أن تَبطل ولا أن تتعطل بإرادة الخلائق مهما كانوا أفرادًا أو جماعات، إرادة الخالق التي تمشي لا إرادتهم، فالخلائق مفطورون في طبيعتهم أنهم يريدون البقاء، فما من سلطان ولا من وزير أتى إلا وهو يُريد البقاء، لكن لا يبقون، لمَ لا يبقون؟ لأن هناك إرادة أرادتهم أن لا يبقوا، فمهما أرادوا غير إرادة هذا الخالق تلاشت إراداتهم، ولا تمكنوا أن يُحدِثوا غير ما أراده -جلّ جلاله- فهو الذي أراد فناء الخلق، وأن يُقدِّر لكل فرد منهم أجلًا وعُمرًا ينتهي إليه لا يزيد ولا ينقص، فذلك سائر عليهم شاءوا أم أبوا لا اختيار لهم في ذلك، جلّ المُريد -جلّ جلاله-.
ففي أخبار الماضين لمن يفقَه عقله ويعقل قلبه واسع العبرة، وسبب إدراك الحقيقة، والإيمان برب الخليقة وما يدعو ذلك العاقل أن يستمسك بعروة وثيقة؛ فيعمر عمره الفاني بما يُوجب سعادة العمر الباقي.
كذلك الآذان التي نسمع بها الأخبار؛ للقلوب سمع يترجم معاني هذا الخبر.
وكذلك هذه الأبصار، فنرى هذه آثار آل فلان، وهذه مساكن آل فلان، ويقول سبحانه وتعالى: (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ) [إبراهيم: 45].
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ)، ليست المشكلة عمى البصر الظاهر، فكم من أعمى في البصر وهو منفتح البصيرة يُدرك الحقيقة، ويسلك المسالك الحميدة، ويقول الأقوال السديدة، ويستعدّ للقاء الله، ويكون نموذجًا صالحًا، لكن المصيبة في عمى القلب؛ من عَمِيَ قلبه لا يَفطن ولا يُدرك الحقيقة، ولا يَستقيم ولا يرتدع عن الهوى -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) أي هذه المصيبة والمشكلة عمى القلوب التي في الصدور، فالله يُنوِّر قلوبنا، قال تعالى: (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [الإسراء:72].
وقال عن حقيقة الذين ينسون آيات الله في تأمُّل معانيها والعمل بما فيها أنهم عُميان، قال سبحانه وتعالى: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا) أي قد كُنتَ في الحسّ والجسمانية وعالم الشهادة في الدنيا بصيرًا، قال: إن كُنتَ في الحسّ بصيرًا فأنت في المعنى أعمى، ما كنتَ بصيرًا (قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ) [طه:124-126].
فأول إبصار القلب عِلمهُ بصحة ما جاءت به الرُّسل، وبذلك جاء القرآن الكريم: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ) [الرعد:19] لِم هو أعمى؟ لم يعلم أن هذا الحق! الذي لا يعلم أن ما أُنزل على سيدنا محمد هو الحق هو أعمى! وهذا العمى مُخيف، العمى المُضر، العمى الخطير، الذي يُحشر أصحابه يوم القيامة عميانًا ظاهرًا وباطنًا -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ويخسرون الدنيا والآخرة (ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الزمر:15].
(أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الرعد:19] فمن هم المبصرون هؤلاء؟ ذكر لنا أوصافهم: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد:22-20] هؤلاء المُبصرون والذين لهم عقبى الدار، وهؤلاء السامعون، وهؤلاء العقلاء الفقهاء.
قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا) أدرَكوا، وَعوا، أَبصَروا، سمعوا، (سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:190-192].
يقول تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ (47))؛
- مِن عَمى قلوبهم.
- وإنكارهم بالحق.
- وتكذيبهم بالحُجَج الواضحة والبراهين الساطعة.
(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) يقولون: هات، (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) كما يقولون للأنبياء: ائتنا بعذاب الله، أين هذا العذاب الذي معك؟ (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [هود:32] سيدنا نوح يقول لقومه: (إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) [هود:33] ما تَفوتون الله ولا تَخرجون عن قدرة الله تبارك وتعالى، إنما هناك أَجل وينزل العذاب في وقته (وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [هود:34]، (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) إن كنت من المرسلين، قال إنما: (أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ) [هود:57] وهكذا في كلام الرسل وكلام قومهم لهم في استعجال العذاب، ومنهم هؤلاء المشركون الذين كذبوا بنبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) فما قاله هو الحق جَلَّ جَلاله.
(وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (47)) قال للعذاب الشديد الذي هو العذاب الأكبر -عذاب الآخرة- أيامه ليست مثل أيامكم هذه، اليوم الواحد مقدار ألف سنة، كم أعماركم؟ وأمامكم أيام طويلة صعبة، اليوم مثل ألف سنة، فهذا اليوم من أيام الآخرة مثل ألف سنة من أوقات الدنيا، وكيفية مرورها يومًا وليلة ويومًا وليلة؛ فَتتكَوَن الأسابيع والأشهر فتمر سنة، ألف سنة مقدار يوم واحد من أيام الآخرة.
(وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) فيما جعل الله لنا من ليل ونهار في هذه الحياة الدنيا، وجعل مسار الوقت بهذه الكيفية والصورة، ولكن هناك يختلف اليوم؛ اليوم كألف سنة -لا إله إلا الله-، واليومان ألفين سنة، وهكذا.
ولهذا ما يُعَدُّ مِن الضيافة في الجنة نُزُل، والضيافة تمتد إلى ثلاثة أيام "مَن غَدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له نُزُلاً في الجنة" أي: ضيافة في الجنة، الضيافة في الجنة: في كل مجيء إلى المسجد مُخلصًا لوجه ربك ضيافة في الجنة، في الصباح وفي المساء، "من غدا إلى المسجد أو راح كان له نُزُلًا في الجنة كلما غدا أو راح": ضيافة، ضيافة نعيم مقدار ثلاثة آلاف سنة للمجيء إلى المسجد، المجيء الثاني ثلاثة أيام أخرى ضيافة، فثلاث أيام كم؟ ثلاثة آلاف سنة، المجيء الثالث، إذا تجيء في اليوم الواحد إلى المسجد ثلاث مرات أو خمس مرات، وكل واحدة منها بضيافة ثلاثة آلاف سنة، فكم تكسب من ضيافات المَجيء إلى المسجد في الجنة؟ غير نعيمها الدائم المؤبد ضيافة من الله (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) [فصلت:32] -جلَّ جَلالَه-.
(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ (47)) والأمر كما ذَكَر: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) [النساء:123-124] فالوعد كما قال: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7-8].
(وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) وما وَعَد مِن نصر المُرسلين هو هو، لن يتخلف أصلًا: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:51]، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات:171-173].
(وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) ولكن هناك أجل، بحِكمة من حِكَم القادر عز وجل، إنَّما يستعجل من يخاف الفوات، وأما مَن لا يفوته شيء لِمَ يستعجل؟ قال بل: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) [إبراهيم:42]، "وإن الله ليملي للظالم حتى يأخذه فإذا أخذه لم يفلته"، (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود:102] -جلَّ جلاله، نعوذ بالله من غضب الله-.
(وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء:16]، قال: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف:137] ظلموا، ظلموا سنين، لما جاء الأجل انتهى كل شيء، ولا بقي خبر (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) [النازعات:24]، ولا (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي) [القصص:38]، ولا (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) [الزخرف:51]، ولا بقي شيء من هذا الكلام، كله انتهى! وبقي ما قال موسى عليه السلام وهارون عليهم السلام هو الحق، والباطل انتهى وهكذا.
(وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا (48))؛ (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ) كم من قرية يعني بلدة صغيرة أو كبيرة، (أَمْلَيْتُ لَهَا) أجّلت لأهلها أجل وتركتهم مدة، وأرسلت فيهم الرسول وأنزلت لهم الكتاب، وتولَّوا واستكبروا فتركتهم مدة حتى جاء وقت الأخذ فأخذتها.
(وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ) ولهذا قال: (لَوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) [الأنعام:58] في لحظة واحدة تنطمس، ولكن هذا بعيد عن حكمة الخالق الفعال لما يريد جلَّ جلاله، والذي يُقيم الحُجَج على عِباده، ويجعل لكل شيء أجل، ولا يتقدّم ولا يتأخر بحكمة ربانية، وإلا (وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا) [الإسراء:11]، قال نبينا: "الله لا يَعجَل لِعَجَلة أحد"؛ لا يَعَجل لِعَجَلِة المخلوقين، كل شيء عنده بترتيب وتقدير.
(وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا)، قال: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) كل أمة فكّرت تقتل نبيها، حتى نبينا ﷺ فكروا يقتلونه وهو في مكة، وفكروا يقتلونه في المدينة؛ في السنة الأولى من الهجرة، في السنة الثانية، في السنة الثالثة، في كل سنة يتجدد من المشركين من اليهود يريدون أن يقتلوه! (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ) قال الله ثم أخذتهم (فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ)، (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ) كلهم أخذهم الله -جلَّ جلاله- (فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) [غافر:5] كيف النهاية؟!
(وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) المرجع إليَّ، مَن آمن ومَن لم يؤمن، مَن صَدَّق ومن كَذَّب، مَن اتقى ومَن فسق، مرجع الكل إلى الله، لا أحد يرجع إلى شيء آخر، ولا يكون مآل الناس ومرجعهم لا إلى أحزاب ولا إلى هيئات ولا إلى دول، لا أحد يرجع لبعضهم البعض، مرجعهم إلى الخالق الذي خلق (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم) [الغاشية:25-26]، (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء:104] ولهذا يعاتب أهل النار ويوبِّخهم: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) [المؤمنون:115-116] ما خَلَقنا عبثًا، والمَرجِع إليه وحده.
- أمَّا المؤمنون والصالحون؛ مرجعهم إليه فيُكرمهم وهو راضٍ عنهم، ويُنعِّمَهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
- أما المُجرمون؛ فيرجعون إليه وهو غضبانٌ عليهم، ويُعذِّبهم عذابًا لا يُعذبه أحد، أليم، مُهين، شديد، كبير -والعياذ بالله تعالى-.
قال: (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ) كيف عند ربهم؟ لأنه لا ملجأ غيره، الملجأ له، هم مجرمون ولكن أين يذهبون؟ ملجأهم إلى الله! قال تعالى: (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) [السجدة:12]، لا يرجعون، -لا اله الا الله- من عند الموت يتمنون الرجوع: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون:99-100]، وفي القيامة يتمنون الرجوع لما رأوا النار وهم يدخلون يتمنون الرجوع، (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) [المؤمنون:107]، (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)، نُبدل خطتنا تلك التي كنا مُغترين بها، تركناها، لا نريد الفساد الذي كنا فيه، نريد أن نتقي ونرجع، نعمل غير الذي كنا نعمل، (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) [فاطر:37] -اللهم أجِرنا من عَذَابك-.
(وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48))، قُل يا صاحب الرسالة، يا خاتِم النبيين، يا أصدق الخلق، يا حامل رسالتنا إلى جميع المُكلفين إلى يوم القيامة (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (49)) أنا أُحذِّركم بطش الجبار وانتقامه، وأذكُر لكم حقائق ما يؤول الخلق إليه بحقٍ وصِدق، مُرسَل من قِبَل الإله الذي خلق.
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)، واضح وبَيِّن؛
- النذارة للكافرين والمُعاندين والمُضادين والمُخالفين.
- والبِشارة للمُستجيبين والسامعين والمُقبلين والمُطيعين.
(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) [الأحزاب:46-45]، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أنا مُرسَل من عند مَلِك السماوات والأرض، ماهو مستوى أفكارِكُم هذه وعقولكم التي أنتم فيها، والكائنات مع بعضكم البعض، أنا جئتكم من عند الرب الذي خلق السماوات والأرض، فكيف تنقطعون بأنفسكم مع بعضكم البعض أنتم وأفكاركم ومادياتكم والهواء والفضاء، وتنسُون الإله الذي خلقكم وخلق كل شيء؟! وأنا مُرسل من عند خالِقكم وخالق كل شيء (جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [الأعراف:158].
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) وانظروا؛ هذه العواقب الكبيرة والمستقبل الخطير الذي أدعوكم لِحُسن الاستعداد له والتهيُؤ.
(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50)) اللهم اجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، واجعل أهلينا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، واجعل أولادنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، واجعل قراباتنا وجيراننا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، واجعل طلابنا وأحبابنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ) ينالون مني مغفرة أي سترًا لذنوبهم وسيئاتهم، ومسامحةً وعفوًا فيها على درجات المغفرة؛
- فأما المُقربين والصديقين والنبيين والمعصُومين؛ فهؤلاء المغفرة لهم: الحيلولة بينهم وبين الذنوب كلها؛ فلا يقعون في شيء منها أصلًا.
- ومَن دُونهم لهم مغفرة دون ذلك، يقعون في صغائر؛ فيمحوها الله عنهم بالحسنات، (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود:114].
- ومغفرة بعد ذلك أيضًا لأرباب الكبائر إذا تابوا إليه سبحانه وتعالى وندموا على ما كان منهم.
- ومغفرة يُبدِّل بها السيئات حسنات.
- ومغفرة يستر بها عبده؛ حتى يُنسي جوارحه، وحفظَتَه من الملائكة، والأرض التي عمِل فيها العمل، والوقت الذي عمل فيه، يُنسيهم ما عَمِل، وحتى هو بنفسه ينسى.
ويبقى الله وحده عالمًا بما عَمِلَ، فيُذكِّره بشيء منها في القيامة؛ فيفزع ويظن أنه هَلَك، ثم يقول له: ألم تغفر لي؟ يقول: نعم سترتها عليك في الدنيا وأنا اليوم أغفرها لك، أُدخُل الجنة برحمتي؛ فالمغفرة درجات وأنواع.
(والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) هم أهل المغفرة، ينالون المغفرة من الله تبارك وتعالى، (لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)
- (رِزْقٌ كَرِيمٌ) في الدنيا: الإيمان الذي آتاهم إياه يُثبِّتهم عليه ويبارك لهم فيه؛ هذا رزق كريم لأنه مُؤدٍ إلى الخلود في النعيم والتأبيد في الكرم من الكريم؛ فهذا (رِزْقٌ كَرِيمٌ)، إيمان وعلم وعناية وألطاف.
- ثم (رِزْقٌ كَرِيمٌ) الرزق الكريم نتيجة ذلك كله؛ ثبات عند السؤال في القبر، والقبر يرجع روضة من رياض الجنة.
- (رِزْقٌ كَرِيمٌ) ستر في القيامة، ويُعطى كتابهُ بيمينه.
- (رِزْقٌ كَرِيمٌ) ورجحان كفة الحسنات وثبات عند المرور على الصراط ودُخول الجنة، وما لا عين رأت ولا أُذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.
هذا (رِزْقٌ كَرِيمٌ)؛ نِعم الرزق الكريم، محرومين منها أهل الكُفر ومن آثَرَ العِصيان والذنوب، ليس لهم مساكين من هذا الرزق الكريم شيء.. خذ لك مُتَعَك الحقيرة القصيرة، وخذ بعدها؛ أليم العذاب الشديد وسوء العقاب -والعياذ بالله تعالى-، ماذا أفاد؟ الرزق الكريم للذين آمنوا وعملوا الصالحات، اللهم زِدنا إيمانًا ووفِّقنا لعمل الصالحات.
(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وفي الآيةُ الأُخرى يقول: (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) [يس:11]، (أَجْرٍ كَرِيمٍ)، كُلُّ ثواب الحسنة بعشر أمثالها، لا نهاية له أبدًا، كريم، (أَجْرٍ كَرِيمٍ) الله أكبر!
ويُضاعِف الحسنة إلى سبعمائة ضِعف، إلى أضعاف كثيرة (أَجْرٍ كَرِيمٍ)؛ وهكذا من استمع القول فاتَّبَع استحق البِشارة، (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر:17-18]، ويقول (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)، (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ) [يونس:2].
(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)) وفي قراءة: (مُعَجِزِّينَ)، (الَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا) يريدون إبطال الآيات، مُكذبين بالآيات؛
- (مُعَجِزِّينَ)، يُعجِّزون الناس؛ فيُصدونهم عن سماع الآيات ورؤية الآيات والإيمان بالآيات.
- (مُعَاجِزِينَ) مُغَالِبِينَ يظنون أنهم يُعجزون الله ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ويغلِبون بغُرورِهم وكبريائهم.
(يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ) [سبأ:38]، صادّين عن سبيل الله، (مُعَاجِزِينَ) يدَّعون أنهم يفوتون الحق تعالى ولا يُعذّبون ولا يرجعون إليه.
(أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) النار المُوقدة، كيف تطلع على الأفئدة؟ تحرِقُ الجلد واللحم والعظم وتصدعُ الفؤاد؛ تصِلُ إلى الفؤاد، (تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) [الهمزة:7] في وقت واحد يرجع مرة ثانية (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) [النساء:56] -اللهم أجرنا من عَذَابِك-.
(وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) اللهم أجِرنا من النار، اللهم أجِرنا من النار، اللهم أجِرنا من النار؛ فما أقبح هؤلاء الذين يعيشون بيننا وهم يسعون معجِّزين بآيات الله، يصدُّون عن سبيل الله، يستهزئون بآيات الله، ُيكذبون بالرسُل، يُنشرون الفساد، سكرانين وراء السُّلطة والدنيا والثروة والشهوات فقط، يا ما أخبث معِيشتهم قبل مآلهم! ومآلهم أشد وأخبث وأشق -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، يعيشون وما ذاقوا حتى كرامة ولذة الإنسانية، وهم في الدنيا سكرانين وراء أهوائهم وشهواتهم ودنياهم، يتحملون آثام و(إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) [آل عمران:178] في الأوقات المعينة والمصير المحتوم؛ لابد يهلَكون، ولابد ينتهون، ولابد يصبحون عبرة -لا إله إلا الله-؛ فيا ويل المعرضين، ويا ويل الكافرين، ويا فوز الذين آمنوا وعملوا الصالحات!
فاجعل اللهم كل يوم من أيام أعمارنا، كل ليلة من ليالي أعمارنا، كل ساعة من ساعات أعمارنا زيادة لنا في الإيمان والتوفيق للعمل الصالح، يا الله؛ لنغنم الغنائم الكُبرى من هذه الدنيا لدار الأُخرى، ولنرقى المراقي الكبيرة مع أهل القلوب المُطهَّرة النويرة، يا من يَهَبُ المُوفَّقَين في اللحظات والآن والساعات مواهب جلَّت عن الوصفِ وعظُمت عن الحَدِّ، لا إله إلا أنت لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، وبارك في أعمارنا وارزقنا صرفها في خير ما يرضيك عنا، واختمها لنا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد ﷺ
الفاتحة
28 شوّال 1447