تفسير سورة الحج -09- من قوله تعالى: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ..} الآية 30 إلى 33
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:
{ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) }
مساء الإثنين 21 شعبان 1447هـ
من أبرز ما جاء في الدرس:
- معنى تعظيم حرمات الله وآثاره.
- مقصود العبادات كالصلاة والصيام والحج.
- خطر قول الزور وشهادة الزور.
- الرد على الخلط بين تعظيم الشعائر وبين عبادتها، وأن التعظيم عبادة لله لا للمُعظَّم.
- من شعائر الله: الكعبة، والصفا والمروة، والقرآن، والنبي ﷺ، والصلاة، ورمضان، والبدن المهداة.
- أن لكل أمة منسكًا ونسكًا يذكر فيه اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.
نص الدرس:
الحمد لله مُكرِمنا بالقرآن والتنزيل، وبيانه على لسان عبده خير هادٍ ودليل سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ في النية والقَصد والفِعل والقِيل، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرَّبين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أمَّا بعد،،
فإنَّنا في نعمة فضل الله علينا بتأمُّل كلامه وخطابه ووَحيه وتعليمه وبيانه، الذي أرسل به إلينا خير خَلقه عبده المختار محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، مررنا في تأمُّل معاني سورة الحج، وما ذكر الله فيها مِن تلك الشعائر والحُرُمات والعبادات والطاعات، وارتباطها بأنبيائه ورُسله وذكرياتهم، وما جعل فيها من شُهود المنافع، وذكرِ اسمِ الحقِّ في الأيام المعلومات، وقضاء التَّفَث، والوفاء بالنُّذور، والطواف بالبيت العتيق، حتى وصلنا إلى قوله تعالى: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ (30)).
لأنَّ مبنى الإيمان بالحقِّ تعالى على تعظيمِه، وكلمَّا قَوِي الإيمان قوي تعظيم الله الذي آمنّا به، والذي لا يبلُغ عظمته شيءٌ سواه، ومهما أدرك مَن أدرك مِن أهل السماوات والأرَضين مِن عظمته فهو أعظم مِن جميع ما أدركوا من العظمة، فسبحان العظيم الذي لا نهاية لعظمتِه وجلالِه وجمالِه وكمالِه وعِزَّتِه سبحانه وتعالى، وكلما قوِيَ الإيمان به واتَّسعت المعرفة بجلاله وعظمته؛ قوِيَ التعظيم القلبي لحُرُمات الله، وما له حُرمة عنده مِن أوامره ونواهيه -جلَّ جلاله-، فَسُورِع وبُودِرَ إلى الأوامر بالإحسان والإتقان والتعظيم، وابتُعِد واجتُنِب ما نهى عنه -سبحانه وتعالى- بكمال الإجلال للنَّاهي، وإدراك أنَّ ما نهى عنه سوء وشر واقِع بمُرتكب ذلك المَنهي.
فحرمات الله -تبارك وتعالى- ما له لديه حُرمة، وقد يُحمَل على ما حرَّم ونهى، ويكون مِن المعاني: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) فيَجتَنِب جميع الآثام والذنوب مِن حين إحرامه بالحج إلى أن يتحلَّل (فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) إذ يكون بذلك حجُّه مبرورًا، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة.
والأمر عام في وُجوب تعظيم حُرمات الله للمُحرِم وغير المُحرِم، ولذلك كان مِن مُهمات العبادات كلها الابتعاد عن المُحرَّمات والمَنهيات، ويقول تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت:45]، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: "من لم يدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بِهِ ، فليسَ للَّهِ حاجةٌ بأن يدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ"، "الصِّيامُ جُنَّةٌ، فإذا كانَ يومُ صومِ أحدِكُم فلا يرفُثْ، ولا يصخَبْ، ولا يفسُق، فإنْ شاتمَهُ أحدٌ أو قاتلَهُ، فليقل : إنِّي امرؤٌ صائمٌ" ؛ فمقاصد العبادات: البُعد عن الذنوب والمعاصي.
(ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ (30)) يقول الله: أحللنا لكم أكل الأنعام بعد نحرها وذبحها على ما بيَّن رسوله ﷺ، فليس فيها ما يُحرَّم مما تجعلون مِن بَحيرة وسائبة ووَصيلة وحامٍ، إلى غير ذلك ممَّا تخترِعُونه وتبتدِعونه مِن أفكاركم.
(إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ (30)) مما قصَّ الله عليكم مِن المَيتة والمَوقوذة والمُتردِّية والنَّطيحة وما أكلَ السبع إلى غير ذلك.
(إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ (30)) في الكتاب مما حَرّم عليكم وما عدا ذلك فهو حلال؛ لأن التَّحليل والتَّحريم حقُّ الله، وما أوكَل إلى أنبيائه صلواتُ الله عليهم، فإنَّ ذلك في بيانِ ما أوحى إليهم، وما قذَف في قلوبهم، وما جعل لهم مِن حُرمةٍ عنده ليست لغيرهم من الخلق، وأعظمهم عبده المختار محمد، فكلّ ما نهى عنه فقد نهانا الله عنه، وكل ما أمرَ به فقد أمرَنا الله به وقال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر:7] بل صرَّح بأن حقيقة الإيمان لا تكمل إلا بالانقياد التام لخير الأنام والاستسلام لحُكمه والرضا به (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء 65]
حرَّم على العباد أن يتجرَّأوا على دينه بتحليلٍ أو تحريم وقال: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) [النحل: 116].
يقول: (وأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ) فكونوا على حسب ما بيَّن رسولنا وأوصَلَه إليكم ولا تتجاوزوا ذلك.
(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) اجتنبوا الرجس مِن الأوثان: وذلك أن تُعتَقَد أنَّ لها أُلوهية ومشاركةٌ للرحمن الذي لا شريك له.
(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) اجتنبوا الشرك باعتقاد أن للأوثان وللأصنام ألوهية وربوبية وشركةٌ مع الحقِّ الحيّ القيُّوم الذي لا شريك له.
(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) وابتعدوا عن ذلك، (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) كله؛ لأنَّ الشرك رأس الزُّور وأعلى الزُّور، فهو: ادِّعاء أن مع الله إلهًا آخر، وهذا غاية الزُّور، (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) ومِن أفظَعه بعد الشرك:
- شهادة الزور التي بها يُستحَلُّ حق الغير، ويُحكَم للإنسان بما ليس له، ويُسلَب حق الغير منه بشهادة الزور، فما أعظمها!
- ثم جميع الكذب من قول الزُّور، الكذب كله مِن قول الزُّور.
- وما كان مِن لعنٍ وسبٍّ وشتمٍ فهو من الزُّور.
(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَان وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)) لخطر الكذب عمومًا وشهادة الزور خصوصًا، جعلها الله -تعالى- مربوطة بالشِّرك به تعالى وعبادة غيره.
وفي هذا جاء الحديث أن النبي ﷺ قام لهم بعد صلاة الصبح يومًا فاستقبلهم وقال: "عدلَت شَهادةُ الزُّورِ بالإشراكِ باللَّهِ، عدلَت شَهادةُ الزُّورِ بالإشراكِ باللَّهِ، عدلَت شَهادةُ الزُّورِ بالإشراكِ بِاللَّهِ" وتلا: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَان وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)؛ لأن الله وضعها مع الشرك به، فمن أخطر ما يكون في الأمة شهادات الزور وقولهم على بعضهم بغير حق، وكم يترتَّب على ذلك من فساد وظُلم وطغيان، ولمَّا ذكر مرة شهادة الزور وهو يُبيّن الكبائر مِن الذنوب، مِن الشرك بالله وعقوق الوالدين، وكان مُتكِّئًا فجلس وقال: "ألا وقَوْلُ الزُّورِ، ألا وشَهادَةُ الزُّورِ، ألا وقَوْلُ الزُّورِ، ألا وشَهادَةُ الزُّورِ"، كرر ذلك مُحمرًّا وجهه حتى خاف الصحابة وقالوا: "حتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ" خوفًا من غضبه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
يقول: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَان) وهي عبادتها واعتقاد ألوهيةٍ لها وربوبيةٍ مع الله -لا إله إلا هو-.
(وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ (31)):
- أي مستقيمين على الإيمان به.
- مائلين لعبادته وطاعته.
- مائلين عن مخالفته وعن اقتحام ما نهى عنه.
- (حُنَفَاءَ لِلَّهِ) مخلصين لوجهه.
(حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ (31))، كما كان يقول الجاهلية في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، فتناقَضُوا في أمرٍ لا يمكن الجَمع بينه أبدًا، لا شريك لك إلا شريكًا هو لك: فلك شريك إذًا! مهما قالوا تملكه وما مَلك، لكن ليس له شريك، ومُلكه كله في عبوديته (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا) [مريم: 93].
(غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) غير مُعتقدين أنَّ معه إله آخر، وأنَّ معه -سبحانه وتعالى- شريك في مُلكه وألوهيته وربوبيته.
كذلك ما كان مِن الشرك الخفي أو الشرك الأصغر: لا تقصدون بأعمالكم في الحج ولا غيرها مَنزلة عند الناس، ولا مكانة ولا محلًا في قلب أحد، بل أخلِصوا عبادتكم لله غيرَ مشركين به، غير مُرائين في أعمالكم.
ثم ذكر فظاعة الشرك به -جلَّ جلاله- وهو الظُّلم العظيم، وأعظم الآثام والذنوب والظلم أن يُتَّخَذ مع الله شريك، فمن اتَّخذ مع الله شريكًا غيره فهذا تبيين حاله في القرآن؛ في الهلاك القطعي الحَتمي والبُعد عن الحق (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ (31)) تُمزِّقُه فلا يبقى منه شيء، (أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)) بعيد، فيَهلَك هلاكًا تامًا، كذلك الهلاك ثابتٌ وحاصِل لكل مَن اتخذ مع الله شريكًا، ولكل من اتخذ مع الله إلهًا آخر.
وفي بيانِ معنى الشرك الأكبر، هذا الذي بُعِث سيدنا نوح ومَن بعده من الأنبياء بتحذيرِ الخلائق منه؛ فما كان النّاس قبل نوحٍ يعتقدون أنّ مع الله إلهًا آخر ولا يعبدون غير الله، مِن حين أنزل الله آدم إلى الأرض وقامت ذُرّيّته مِن بعده، بِحُكم الفِطرة وبِحُكم ما أُخِذ مِن التّواصي بالحقيقة فيما أنبأ الله آدم، ثمّ نبّأ شيث بن آدم، ثمّ مَن جعل من النّبيّين، كإدرِيس وغيره إلى سيّدنا نوحٍ عليه السّلام؛ لم يكن النّاس في تلك الأزمنة يعتقد أحدٌ منهم أنّ مع الله إلهًا آخر ولا شريكًا آخر، وإنّما كانت مهمّة الرّسل لتلك الأمم:
- أن يزْجرُوهم عن معاصي الله تعالى،
- وعمّا حرّم عليهم في الأقوال، والأفعال، والمعاملة.
حتّى استطاع عدوّ الله إبليس، أن يُوجِد الشِّرك في بني آدم، وزيّن لهم أن يعبدوا غير الله -تبارك وتعالى- فبعث سيّدنا نوح عليه السّلام بإنقاذهم ونفي الشّريك عن الحقّ جلّ جلاله.
هذا الشّرك الأكبر الذّي جاء رسول الله ﷺ والجزيرة غاصّةٌ به، ولم يبقَ مِن الموّحدين إلّا قلائل وأفراد، ومنتشرٌ عقيدة أنّ مع الله آلهة، ويُعبَد مِن دون الله تعالى أصنام وأوثان يتّخِذونها،
- فخلَّص الأمّة مِن هذا الشّرّك ﷺ،
- ودعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنّه عبده ورسوله،
- فأنقذ الله به الأمّة من الشّرك الأكبر،
- وطهّر منه -على يده الكريمة- جزيرة العرب، حتّى بيَّن أنّه لا يبقى من بعده في المصلّين من يستطيع الشّيطان أن يُوصِل إليه هذا الشّرك الأكبر، وقال -كما روى الإمام مسلم في صحيحه-: "إنّ الشّيطان قد أيِسَ أن يعبده المُصلّون في جزيرة العرب".
وقال -كما جاء في صحيح الإمام البخاري-: "أما وإِنَّي واللهِ ما أخافُ عليكم أنْ تُشْرِكوا بعدي ، ولكن أخافُ عليكم الدنيا أنْ تُبسَط عليكم فتَنَافَسُوها كما تنافسها من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم."
وقال في الحديث الآخر في صحيح مسلم؛ فإن يطمع في شيء عدو الله "ولَكِنْ في التَّحْرِيشِ بيْنَهُمْ"، لا يستطيع أن يأتي بمصلٍّ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويعتقد أن مع الله شريكًا آخر، أيِس منه الشيطان، ولا يمكن أن يبقون في المُصلّين من بعد رسوله ﷺ.
لكن التحريش حاصل، حتى جاءت الجراءة لنِسبة الِّشرك للموحدّين! وذلك ما كان مِن شذوذِ الفكر وانحرافِ النظر في معاني الآيات وصرفها مِن محلِّها، وعلى الذين يعتقدون أنَّ مع الله إلهًا آخر إلى الموحدين المؤمنين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله.
ابتدأ ذلك من الخوارج الذين قابلوا الصحابة ويدّعون شرك الصحابة، شرك مَنْ؟! شرك كبار الصحابة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار! -أعوذ بالله تعالى- وقال لهم ابن عباس: عمِدتم إلى الآيات التي نزلت في المشركين فصرفتموها إلى من قاتل المشركين وجاهد المشركين وأخرجوا الناس من الشرك من أصحاب محمد، ونسبتموها إليهم! مجانين أنتم؟! كيف يكون هذا الأمر؟
وهكذا هذا هو الداء الذي في الأمة، وهو أقوى سلاح للتحريش لعدو الله -والعياذ بالله تعالى- وهذا من أجرم الجرائم، كما أنَّ الشرك أعظم الظلم، فنسبة الشرك إلى المسلم من أعظم الفِريَة ومن أعظم ما يؤاخذ الله عليه.
وإذا كان الجبار تعالى لم يسمح أن يُنسب المسلم إلى جريمة الزنا واللواط، ومن نسب مسلمًا إليها من دون أربعة شهداء، عُدَّ فاسقًا وعليه العذاب ولا تُقبل منه الشهادة، يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النور:4-5]، يخرجون عند الله من العذاب بالتوبة والإصلاح، واختلف الأئمة في هل ترجع إليهم قبول الشهادة والعدالة أم لا؟ فقال الحنفية أبدًا؛ لا تقبل لهم شهادة أبدًا وإن تاب.
وهذا بنسبته إلى معصية، فكيف إذا نسبه إلى كفر وشرك وهو مؤمن بالله -جلَّ جلاله-؟ ولذا حذّر صلى الله عليه وسلم وقال: "أيُّما امرئٍ قالَ لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بِها أحدُهما " إن كان كما قال وإلا حار عليه؛ وقع هو -في الكفر- أو أن يخذله الله تعالى ويلوي قلبه عن الإسلام فيكفر قبل أن يموت -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ لأنَّه نسب الكفر إلى مؤمن به -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
يقول سبحانه: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)) في هذا بيان صريح أنَّه ليس الشرك تعظيم ما عظم الله، تعظيم ما عظم الله تعالى، كما يتجرأ هؤلاء المتجرئون إذا رأوا من يعظم شيئًا من شعائر الله قالوا: شرك، فكأن التعظيم هو عبادة! وذلك جهل، جهل بالدين وجهل باللغة؛ فإن التعظيم ليس هو العبادة، وإنَّنا نُعظم حرمات الله فهل حرمات الله معبودة؟ وإنَّنا نُعظم الشرك -خطر الشرك- فهل الشرك معبود؟ قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان:13] فالشرك ظلم عظيم، فهل هو معبود؟ -أعوذ بالله- ما هذا الكلام؟ لا دين ولا لغة عنده، ليس تعظيمه عبادة، ولكن تعظيم ما أحب الله وما عظم الله عبادة لله تعالى من حيث امتثال أمره، لا عبادة للمُعَظَّم.
تعظيم الكعبة قُربة إلى الله كتعظيمنا للشرك، تعظيم الشرك: تعظيم خطره وبلاءه وعذابه وإثمه، قربة إلى الله تعالى، نحن لا نعبد الشرك، ولا نعبد الكعبة، ولا نعظم الصلاة ما معنى نعبد الصلاة؟ نعظم المساجد، ليس معناه أننا نعبد المساجد، فرق بينها وبين العبادة؛ العبادة أن تعتقد أن مع الله إلهًا آخر يستحق العبادة؛ هذا هو الشرك والعياذ بالله الذي طهرنا محمد منه، طهرنا صفوة الله منه صلى الله عليه وسلم.
قال: أما تعظيم الشعائر فمن تقوى القلوب، لا شرك ولا كفر، من تقوى القلوب، (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ) معالم دينه، حتى البُدن التي تهدى للحرم داخلة في شعائر الله (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ (36)) -جلَّ جلاله-، حتى جبل الصفا وجبل المروة لمَّا شرع الحق لنا في ديننا أن نتطوف بينهما جُعلت من شعائر الله، تعالى قال: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّه [البقرة:158] -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
إذًا شعائر الله معالم دينه، منها مواطن الحج، ومنها ما يُهدى إلى الحرم من البُدن، ومنها الصلاة ورمضان والأنبياء والقرآن، هذه أعظم شعائر الله، وتعظيمها من تعظيم الله -جل جلاله وتعالى في علاه-.
(ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، فإن المنافق قد يتظاهر بالعبادة أو بقول لا إله إلا الله ولكنه لا يعظم بقلبه، لا يعظم الله ولا يعظم الشعائر، ولهذا قال: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ) [النساء:142] هو لا يعظم الصلاة أصلا، ولكن صاحب تقوى القلب أي المؤمن المُخلص هو الذي يُعظم الشعائر.
ومن هنا قال العارفون: الدين تعظيم الدين، نسبتك من الدين وقوتك فيه على قدر تعظيمك له، على قدر تعظيمك لهذا الدين، وشعائر الحق -جلَّ جلاله- ومعالم دينه وأعظمها؛
- القرآن
- ومحمد
- والكعبة المشرفة
- والصلوات الخمس
- ورمضان
يجب تعظيمها.
حتى ذكروا في تعظيم البُدن:
- اختيار أحسنها.
- وأسمنها.
- والإحسان لها.
- والبعد عن الإضرار بها.
حتى اختلفوا في هل يجوز أن يركب عليها إذا أهداها للحَرم؟ وقال الجمهور يجوز من دون إضرار بها.
هل يحل أن يشرب لبنها؟ إذا فاض عن حاجة ولدها -إذا كان لها ولد- يجوز يشرب اللبن.
ويقول في هذه البُدن إذا أُهديت إلى الحرم: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) إذًا فالشيء يُعظَّم ويُجل وتُجَل حرمته، ومنها:
- أوامر الله ونواهيه.
- ومنها الجنة.
- ومنها النار.
تُعظَّم من حيث أنَّ هذا موطن إنعام الله تعالى وإكرامه لعباده المؤمنين، وهذا محل غضبه وسخطه على الكافرين والفاسقين، فهو عظيم، شيء عظيم، نُعظم الجنة ولا نعبد الجنة، ونُعظم النار ولا نعبد نارًا، ولكن نُعظم الجنة ونعظم النار بتعظيم الله تبارك وتعالى، وهذا من تقوى القلوب.
ويقول: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى) أنواع شعائر الله تعالى لكم فيها منافع بتعظيمكم إياها وقيامتكم بحقّها تعود أنواع من الفوائد في عالم الدنيا، فمواسم الحج، يكون فيها؛
- بيع وشراء وتجارات وما إلى ذلك
- وهذه الأنعام يُركَب عليها وما إلى ذلك
- اجتماع المؤمنين للجُمعات ونحوها من شعائر الله تعالى والصلوات؛
أنواع من المنافع والفوائد الظاهرة والباطنة.
(إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى) والأجل المسمى:
- أمَّا المنافع الظاهرة فإلى انقضاء، وقت ذلك الاجتماع وتلك العبادة.
- وأمَّا المنافع الباطنة فأجلها المسمى الذي نحوز فيه هذه المنافع من الثواب والأجر يوم القيامة.
(لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33))، غاية ما يُعظَّم من الشعائر:
- البيت العتيق الذي أعتقه الله تعالى عن تسلُّط الجبابرة.
- وأعتق رقاب من حجه واعتمره وطاف به.
(ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ومنها محِل الأنعام التي أُهديَت للحرم -والمراد بالبيت العتيق جميع الحرم- تصل إلى هناك حتى تُنحَر فيكون هذا أجلها المسمى نحرها، لكن وصف البيت العتيق (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) [المائدة:95] أي أرض الكعبة وهي حدود الحرم، ونحر صلى الله عليه وسلم في منى وقال: "ونحَرْتُ ها هنا، ومِنًى كلُّها مَنحَرٌ".
يقول جلَّ جلاله: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ويذكر الحق -جلَّ جلاله- أنَّ ما من أمة مضت إلا وجعل لها حجًّا وجعل لها أعيادًا، فالحج إلى بيت الله مشروع من أيام آدم إلى أن جاء النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، بل ورد أنَّ ما من نبي إلا وقد حج البيت، ثم هناك أماكن مُعظمة وأعياد مشروعة لكل الأمم، وكذلك أماكن أيضًا للذبح، وتُذبح جميع ما أباح الله تعالى من الأنعام باسم الله تعالى وحده لا شريك له؛ وهذا من معاني قوله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (34)) ويأتي معنا شرح معاني الآية إن شاء الله تعالى.
رزقنا الله وإياكم تعظيم شعائره، وحسن امتثال أوامره، واجتناب زواجره، ونوَّرنا بأنوار الصدق، وجعلنا من أهل تقوى القلوب، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وبلغنا الله رمضان، وبارك لنا وللأمة في رمضان، وجعل رمضان هذا العام من أبرك الرمضانات على أهل الإسلام في كل خاص وعام ظاهرًا وباطنًا، اللهم اجعله من أبرك الرمضانات، وارفعنا فيه علي المقامات، وأصلح لنا الظواهر والخفيات، وعجل تفريج كروب المؤمنين والمؤمنات، واختم لنا بأكمل حسن الخاتمات يا أرحم الراحمين.
بسرِّ الفاتحة
إلى حضرة النبيّ محمد ﷺ
الفاتحة
03 شوّال 1447