تفسير سورة الحج -04- من قوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ..} الآية 14 إلى الآية 17

للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:

{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) }

مساء الإثنين 2 رجب الأصب 1447هـ

نص الدرس:

الحمدلله، مُكرمنا بالوحي الكريم وبيانه على لِسان عبده المصطفى الهادي إلى الصّراط المستقيم، سيّدنا محمّد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان وقلبٍ سليم، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الفضل العظيم، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرّبين وجميع عباد الله الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الرّاحمين.

وبعد،

فإنّنا في نعمة تأمُّلنا لكلام إلهنا وخالقنا وبارئنا وخالق كل شيء -جلّ جلاله-، وصلنا في سورة الحج إلى قوله جلَّ جلاله: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (14)) جَعلنا الله وإياّكم منهم، تكفَّل الحق تبارك وتعالى بالنّهايات والعواقب والغايات لِمَن استمسك بالأصلَين العظيمين الكريمين اللذين يتمّ عليهما وبهما صلاح وسعادة الدّنيا والآخرة والفوز في الدّارين:

  • الإيمان.
  • والعمل الصالح.

وَفّر الله حظّنا من الإيمان، ووفَّقنا للأعمال الصّالحات على التّمام والكمال إلى ما هو أفضل وأجمل وأكمل وأتمّ وأقوَم وأحبّ إليه وإلى رسوله وأنفع لعباده، اللّهمّ آمين.

(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) تِلْكُم البساتين التي أعدَّها في دار الكرامة، وجعلها قائمة على أحوال عظيمة لائقة بجُوده وإحسانه وكرمه وضيافته -جلَّ جلاله-، وجعل فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

فخير ما يكسب الإنسان في حياته؛ زيادة إيمان وزيادة عمل صالح، في ذلك مكسبه الأعلى وفائدته الكُبرى من الحياة؛ أن يزداد إيمانًا وعملاً صالحًا، فينبغي أن يُزيِّن أيّامه ولياليه؛ بالزّيادة في الإيمان، ومواصلة الأعمال الصّالحات التي تثقل بهنّ الميزان يوم وضع الميزان، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7-8].

(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وهذه مُهِمتنا إذا قابلنا شهر حرام كشهر رجب، وهو موسم عطاء من الله وفضل من المواسم التي جعلها ضمن اللّيالي والأيّام -جلّ جلاله-؛ أنْ نُحسن النّظرَ في زيادة الإيمان، وتقوية الإيمان، وتعميق الإيمان، والرّقيّ إلى مراتب علم اليقين، بل إلى عين اليقين، بل لِمَن سبقت له سوابق السّعادة من خواصّ المؤمنين إلى حقّ اليقين، وذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء، وما نزل من السّماء إلى الأرض أشرف من اليقين، وفّر الله حظّنا من اليقين.

ثمّ اغتنام الأعمال الصّالحة؛ أوّلها الفرائض والواجبات البدنيّة والقلبيّة، الظّاهرة والباطنة؛

  • من صلاة وزكاة وصوم وحجّ للمُستطيع.
  • ومن قول الصّدق.
  • ومن برّ للوالدين، ومن صلة للأرحام.
  • ومن عدل في الكيل والوزن، ومن وفاء بالوعد والعهد.
  • ومن تجنُّبٍ لأنواع المحرّمات الظّاهرة والباطنة؛ البدنيّة والقلبيّة.

ثم الإكثار من الأعمال الصالحة هو السّبب الموصل إلى محبة رب العالمين، "ما تقرب إليّ المتقربون" -يقول في الحديث القدسيّ كما رواه ﷺ عن الله تعالى، وأخرجه البخاريّ في صحيحه- يقول ربُّنا: "مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ" ويكون له من آثار محبّة الله شأن عظيم عبّر عنه الحقّ بقوله: "فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به…"، إلى آخر ما ذكر -جلّ جلاله- ورواه عنه نبيّه محمّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.

(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) والأنهار أربعة مذكورة في الكتاب العزيز، يقول جلّ جلاله وتعالى في علاه: (مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد:15] لا والله، ما أعظم الفرق بين الفريقين وبين الدّارين وبين الحالين! اللّهمّ اجْعلنا من أهل جنّتك.

قال: (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14)) يُوفّق ويهدي ويُثبّت ويُثيب، ويُدخل الجنّة مَن شاء، ويَخذل ويُضِلّ ويُبعد ويُزلزل ويُعاقب، ويُدخل النّار مَن يشاء.

(إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) جلّ جلاله وتعالى في علاه، وجاء في الخبر لمّا سألوا سيدنا علي أنّ فلانًا يتكلم في المشيئة، قال: ادعوه، فدعوه،

قال: ما تقول أنّ الله سبحانه وتعالى خلقك كما يشاء أو كما تشاء؟

قال: بل كما يشاء.

قال: أتقول إنّ الله سبحانه وتعالى يُمرضك، كما يشاء أو كما تشاء؟

قال: كما يشاء.

قال: وأنّ الله سبحانه وتعالى يُعافيك، كما تشاء أو كما يشاء؟

قال: كما يشاء.

قال: أوترى أنّ الله يُحييك، كما يشاء أو كما تشاء؟

قال: كما يشاء.

قال: أترى أنّ الله يُميتك، كما يشاء أو كما تشاء؟

قال: كما يشاء.

قال: أترى أنّ الله يُدخلك الجنّة أو النّار، كما تشاء أو كما يشاء؟

قال: كما يشاء، قال: لو قلت غير هذا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، أضرب رأسك بالسيف، فالأمر أمر الله، والمشيئة مشيئة الله، (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14))، (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18))، "ما شاء اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ"، (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29] جلّ جلاله، له الحمد.

(إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)، فَلُذْ بِالْفَعَّالِ، وَالْجَأْ إِلَى الْفَعَّال، وَثِقْ بِهَذَا الْفَعَّال، وَاطْلُبِ النَّجَاةَ مِنَ الْفَعَّال، وَالْحِفْظَ مِنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ؛ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وَاعْتَمِدْ عَلَيْهِ، وَاسْتَنِدْ إِلَيْهِ، وَاسْأَلْهُ أَنْ يُوَفِّقَكَ لِمَا وَفَّق لَهُ خِيَارَ الْعَبِيدِ، يَا مَنْ وَفَّقْ أَهْلَ الْخَيْرِ لِلْخَيْرِ وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهِ، وَفِّقْنَا لِلْخَيْرِ وَأَعِنَّا عَلَيْهِ وَاقْبَلْهُ مِنَّا.

(مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ (15)) -أي محمدًا صلى الله عليه وسلم- (في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، وقال: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:51] أي:

  • نجعل الغلبة لهم والعاقبة لهم، ونتولّاهم بعناياتنا ورعاياتنا، ونُقيم لهم الحُجّة وإيضاح المَحجّة في الدّنيا.
  • ثمّ نُبرز لهم من أسرار تقريبنا إيّاهم وفضلنا عليهم وإثابتهم من عندنا وجزائهم بالحسنى من لدنّا في الآخرة، حتى نهبهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

يقول: كل مَن ظنّ وتوهَّم وأراد وتوقّى غير ذلك فهو مخطئ ضالّ، لا يكون إلّا ذلك، سأنصر رَسُولي في الدّنيا والآخرة، (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) [الفتح:3] مَن ظنّ أن لا يكون ذلك نقول له: فلا تملك أن تُؤخر ذلك بشيء، ولو تقتل نفسك، اذهب اخْتَنِقْ.

(فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ) -بِحَبْلٍ- (إِلَى السَّمَاءِ) هذه هي السماء وهُو يريد أن يصل إليها، هل يقدر أن يصل إليها؟ لا يقدر أن يصل إليها، أول السماء، أي سماء هي، سقف في بيتك ويصنع حبل (ثُمَّ لْيَقْطَعْ) يعني يختنق، يموت، فلن يكون إلا ما أردت، مَن لم يُعجبه هذا فَلْيَخْتنق، يذهب ليموت، إذهب ومُتْ؛ كما يقول العوامّ: والذي ما يُريد هذا، والذي ما يجتنب هذا، يدقّ براسه في الجدار، وإلّا يروح للبحر؛ يعني أمر ضروري كائن كائن لا يستطيع أحد أن يُخلِّفه.

(فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ) -عَمَلُه- (مَا يَغِيظُ) لا يقدر أن يذهبه، لأن ما يُغيظه من نُصرة محمد سيكون، ولن يُذهبه كلّ ما في وسعه، ولو قدرَ أن يمدّ حبلًا إلى السماء، ولو كان بذلك الحبل يستطيع أن يقطع النُّصرة على محمد والتّأييد ونزول الوحي الذي ينزل على محمد، يقطع؟! يقدر يعمل شيء؟ اِذْهب إلى السماء واقطع، ماذا يفعل؟ يقطع؟! هذا محمد منصور من السّماء، والوحي يأتيه من السماء، اذهب إلى السّماء واقطع! يعني أمر مستحيل، دع الأوهام والظّنون والخيالات هذه، محمد منصور منصور، يا ربّ اجعلنا في أتباعه وفي أنصاره، وفي القائمين معه وفي السّائرين في سبيله، يا أرحم الراحمين.

(مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)) ولهذا يقول: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) في الآية الأخرى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [ال عمران:119] مُت بِغيظك! محمّد منصور، الله يجعلنا من أتباعه حقيقة وناصري شريعته ودينه وسنّته وما جاء به، اللّهمّ آمين.

(فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ) إليك يا محمد هذا الوحي (آيَاتٍ) علامات، (بَيِّنَاتٍ) واضِحات جَلِيّات يهدي بها الله مَن يشاء -الله أكبر- (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) [المائدة:16]، (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة:15]، (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [المائدة:16].

(وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) واضحات جَليَّات فيها الطمأنينة وفيها السكينة وفيها نور القلب، (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [التوبة:124]، (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [الأنفال:2]، (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة:124-125].

(وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي) إلى الحَق والهُدى والصواب (مَن يُرِيدُ (16)) -اللهم اهدنا فيمن هديت- في الحديث القدسي يقول الله تعالى: "يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ" -اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت، يا رب العالمين-.

(وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ (16)):

  • يَهدي إلى الحَق والهُدى والصواب.
  • يهدي إلى النور وإلى الاستقامة.
  • يهدي إلى المعرفة واليقين.
  • يهدي إلى انكشاف الحقيقة وبروزِها.

قال سبحانه وتعالى: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) [النساء:175]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) [التوبة:174-175]؛ إلى مَعرِفَتِهِ الخاصة، ومحبّته الخالصة، ورضوانه الأكبر، (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) اللهم اهدنا فيمن هديت.

وقد أمرنا الله أن نكرر هذا الدعاء في كل صلاة نصليها في الفاتحة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة:6]، وما هو الصراط المستقيم؟ صراط النبيين والصديقين وسيدنا محمد، لا يوجد شيء ثاني، (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة:7] تَبَع محمد، وآدم، وشيث بن آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وهارون، وموسى، وسليمان، وداؤود، وزكريا، ويحيى، وعيسى، ومَن تَبِعهُم مِن المُقَرَّبين والصديقين والشهداء والصالحين (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) اجعَلنا منهم ومعهم وفيهم يا ربنا.

(وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ (16))

  • وعَلَّم ﷺ سيدنا الحَسَن بن علي هذا الدعاء يدعو به في صلاة الوتر، وجاء في رواية أوردها المَروَزي في كتاب قيام الليل: وفي الفجر، -في الوتر والفجر- يدعو: "اللَّهمَّ اهدِني فيمن هديت، وعافِني فيمن عافيتَ" إلى آخر الدعاء المشهور بتعليم النبي ﷺ لِسيدنا الحَسن.
  • كما أمرنا في كُل جلسة بين السجدتين أن نطلب الهداية: "رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارفعني، وارزقني، واهدني، وعافني واعفو عني".

قال ربنا: "فَاسْتَهْدُونِي" أي اطلبوا مني الهداية "أَهْدِكُمْ"، وطَلَبُ الهِداية:

  • بالسؤال والدعاء.
  • وبالتَعَلُّم.
  • وبمجالسة المُهتَدين. 

تَطلُب الهداية فَيَهديك -جلَّ جلاله له الحمد- "فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ".

قال: وتعيشون في عالَم الدنيا على اتجاهات مختلفة، وفيكم مظاهر التديُّن بالحق والباطل، فمنكم أهل الإيمان واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين وغيرهم، قال الله: هؤلاء كلهم بِكل ما اتجهوا، وبكل ما اعتقدوا، وبكل ما عملوا، مرجعهم إليّ وأنا الحاكم بينهم، فالخير لِكل عاقل أن ينظر ما أوحيته إلى نبيي ويأخذ به بقوة، وإلا خالِف ما شئت، واذهب مع مَن شئت، فالمرجع إليّ وسيكون الحُكُم مني، وأنا وحدي الذي أحكم.

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا (17)).

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا): الذين آمنوا بالله ورسوله وما جاء به عن الله.

(وَالَّذِينَ هَادُوا): اليهود الذين يَدَّعون اتّباع سيدنا موسى، وما أتباع موسى إلا الذين ثَبَتوا على ما بُعِثَ به وآمنوا، ومنهم من بشَّر بمحمد ﷺ، وهكذا، وهؤلاء هم المؤمنون من هذه الأمة؛ هم أتباع النبيين كلهم، لكن سيد النبيين نبيهم محمد عليه الصلاة والسلام، فما صَدَقوا في اتِّباعهم لموسى.

(وَالصَّابِئِينَ): مِمّن يَعبُد الملائكة وممَّن يعبد غيرهم فيما جاء من أخبار الصابئين، ويعتقدون نبوة من تَنبأ لهم من غير الأنبياء.

(وَالنَّصَارَىٰ): الذين يدّعون اتّباع سيدنا عيسى، وما أتباع عيسى إلا الذين ثبتوا على ما بُعِث به بالحق والهدى، وهم قليلون، قَلّوا، فكانوا في وقت مَبعَثِهِ ﷺ لا يكاد يوجد منهم إلا الأقل، والمؤمنون من هذه الأمة هم أتباع عيسى وأتباع النبيين كلهم، "نحن أحق بموسى"، ونحن أحق بعيسى، ونحن أحق بجميع الأنبياء صلوات الله عليهم، (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام:90] صلوات الله وسلامه عليهم، وهؤلاء بَدَّلوا وغَيَّروا وحَرَّفوا وادَّعوا بعد ذلك الألوهية لغير الله، وقالوا عيسى ابن الله -ولاحول ولاقوة إلا بالله-.

(وَالْمَجُوسَ): من عَبدة النيران.

(وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا): بالله من عبدة الأصنام وعبدة غير الله بأصنافهم.

(إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (17)) يَحكُم حُكم الفَصل؛ هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، ففصْلُ أمرهم بيده والمرجع إليه، فيا ويل مَن خالف أمر الله ومنهج الله ودين الله، وذهب إلى أيّ شيء غير ما بَعث به أنبياءه الذين ختمهم بسيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

(إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فلا يُدخل الجنة إلا الذين صَدَقوا معه تعالى، واتبعوا الرسل الذين أرسلهم إليهم، واهتدوا بهديهم واقتدوا بهم، قال تعالى: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) [الحديد:21]، (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) صلوات الله وسلامه عليهم، قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة:285].

يقول: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)) حاضِر وناظِر؛ على نياتهم وعقائدهم ومقاصدهم ووجهاتهم وإراداتهم ورغباتهم، ونظراتِهم وسمعهِم وألفاظهِم وكلماتهم، وحركات أيديهم وأرجلهم، ودخولهم وخروجهم ونومهم ويقظتهم، (عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ) فهو يَفصِل فَصل مَن أحاط علماً بهم حتى يَعلَم بحاجتهم أكثر مِن عِلمِهِم بأنفسهم -جلَّ جلاله-.

فالفاصل الذي يَفصِل بينهم ويَحكُم، أعلَمُ بهم وبنواياهم وبمقاصدهم وبرغباتهم وبإراداتهم وبتوجُّهاتهم وبأقوالهم وبأنظارهم وبأسماعهم وبما تنطق به ألسنتهم وما يتحركون فيه وما يفعلون في السر والعَلانية، هو (عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) فَنِعمَ الحُكم حُكمُهُ -جلَّ جلاله-.

(يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة:18]، (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الأعراف:6-7] (وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ)، (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف:80]، 

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المجادلة:7].

(إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17))، (وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ)، بل حاضِر وناظر وسامع وعالم بكل شيء، وعلى كل شيء سبحانه.

نسأله أن يعاملنا بفضله وما هو أهله، ويجعل عواقبنا إلى رضوانه وإلى جنته، وإلى مرافقة أنبيائه والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم لا تقطعنا عنهم، وأن ينقذ الأمة، وأن يتدارك الأمة، وأن يصلح شأن الأمة، وأن يدفع البلاء عن الأمة، وأن يلطف بنا وبالأمة فيما تجري به المقادير.

فوجهتكم إلى العلي الكبير، العليم القدير، السميع البصير، اللطيف الخبير، أن يصلح أحوالنا وأحوال يمننا وشامنا وشرقنا وغربنا والمسلمين أجمعين، يا محوِّل الأحوال حوِّل حالنا والمسلمين إلى خير حال، وعافنا من أحوال أهل الضلال وفعل الجُّهال.

بسر الفاتحة

إلى حضرة النبي محمد ﷺ

 

تاريخ النشر الهجري

05 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

25 ديسمبر 2025

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام